نائب رئيس البنك الدولي لشؤون الشرق الأوسط: سنقضي على الفقر بحلول 2030

حافظ غانم لـ «الشرق الأوسط»: لن ننتظر انتهاء الصراعات.. ونمول مشروعات في اليمن والعراق

حافظ غانم («الشرق الأوسط»)
حافظ غانم («الشرق الأوسط»)
TT

نائب رئيس البنك الدولي لشؤون الشرق الأوسط: سنقضي على الفقر بحلول 2030

حافظ غانم («الشرق الأوسط»)
حافظ غانم («الشرق الأوسط»)

قدم حافظ غانم، نائب رئيس البنك الدولي لشؤون الشرق الأوسط، صورة كاملة عن التغيرات التي يجريها البنك الدولي لمساعدة الدول التي تشهد حروبا وصراعات ونزاعات. وشرح المشروعات التي يقدمها البنك لمساعدة كل من لبنان والأردن في تحمل أعباء استضافة آلاف اللاجئين السوريين، لافتا النظر إلى توفير التعليم الجيد للأطفال بشكل عام، ولأطفال اللاجئين بصفة خاصة، مطالبا بتحسين نوعية وكفاءة منظومة التعليم في منطقة الشرق الأوسط لمكافحة البطالة وعدم توافر فرص عمل.
إلى ذلك، أكد غانم في حواره مع «الشرق الأوسط» على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، قدرة المجتمع الدولي على القضاء على الفقر المدقع بحلول عام 2030. وشدد غانم بشكل خاص على أهمية إدماج المرأة اقتصاديا في سوق العمل، باعتبار ذلك خطوة تسهم في تعزيز الطبقة المتوسطة وتعزيز نمو الاقتصاد الوطني. وأشاد نائب رئيس البنك الدولي بـ«رؤية المملكة 2030»، وباتجاه دول الخليج لإجراء إصلاحات هيكلية لتقليل الاعتماد على النفط، مشيرا إلى أنه رغم السلبيات الناجمة عن انخفاض أسعار النفط، فإن الخطة الطموحة للمملكة بما تحويه من إصلاحات اقتصادية تعد جانبا إيجابيا من الصورة السلبية لانخفاض الأسعار.
* وفقا لإحصاءات المنظمات الدولية، فإن البلدان المتوسطة الدخل في منطقة الشرق الأوسط تستضيف 6 ملايين لاجئ، وتواجه صعوبات اقتصادية، ما هو برنامج التمويل الميسر الذي طرحه البنك الدولي لمساعدة الدول المستضيفة للاجئين؟
- نحن نحاول أن نساعد الدول المستضيفة للاجئين. وأكثر الدول التي تأثرت بأعداد كبيرة من اللاجئين السوريين هما لبنان والأردن، وهما من الدول متوسطة الدخل، ونساعد البلدين من خلال تقديم تمويل من البنك الدولي لفترة 25 سنة بفائدة 2 في المائة لمواجهة أعباء استضافة اللاجئين اقتصاديا. هذه الدول تقدم خدمة للمجتمع الدولي كله، إضافة إلى خدمة اللاجئين. لذا؛ نحاول مساعدتها من خلال برامج جديدة تدعى برامج التمويل الميسر، فبدلا من تمويلهم بسعر فائدة للدول متوسطة الدخل، يتم تمويلهم بسعر فائدة صفر تقريبا، وهو الأسلوب المستخدم في تمويل الدول الأكثر فقرا. أما نوعية المشروعات، فهي مشروعات تنموية لمساعدة المجتمعات المضيفة.
وسيناقش البنك الدولي في السابع والعشرين من سبتمبر (أيلول) الحالي مشروعات بتمويل ميسر لكل من لبنان والأردن. أحد هذه المشروعات هو مشروع تعليم في لبنان لبناء مدارس، وتحسين منظومة التعليم بما يفيد الطلبة اللبنانيين واللاجئين السوريين أيضا. والمشروع الآخر يتعلق بزيادة العمالة في الأردن وتمويل مناطق اقتصادية خاصة بهدف التصدير لأوروبا، وتمويل مشروعات لزيادة العمالة الإنتاجية والفكر.
* منطقة الشرق الأوسط تشهد صراعات ونزاعات وحروبا في سوريا والعراق وليبيا واليمن، إضافة إلى التهديد الإرهابي من جماعات متشددة مثل «داعش»، فما المساعدة التي يقدمها البنك للتحقيق الاستقرار والسلام؟
- ما نقوم به من مشروعات في الدول التي تشهد نزاعات وصراعات هو نموذج جديد في عمل البنك الدولي. ففي الماضي، كانت مجموعة البنك الدولي تنتظر حتى انتهاء الصراع لتقوم بمهام الإنشاء وإعادة التعمير في الدول المتضررة. والآن أصبح الاتجاه هو عدم الانتظار حتى انتهاء الصراعات؛ لأن الصراعات تدوم لفترات طويلة، فالصراع السوري مستمر منذ خمس سنوات على سبيل المثال. وعندما يطول الصراع، تصبح التداعيات الإنسانية كبيرة، وأيضا التأثيرات التنموية على المدى الطويل؛ لذا قرر البنك الدولي عدم الانتظار والبحث عن طرق لمساعدة الدول خلال الصراع.
هناك على سبيل المثال صراعات في اليمن وأيضا في العراق، إلا أن الموقف مختلف في كلا البلدين. والبنك الدولي يعمل منذ سنوات لمساعدة الشعب اليمني، وسنظل نقدم لهم المساعدة في اليمن ونقوم حاليا بتمويل مشروعين، الأول هو مشروع لتطعيم الأطفال ضد شلل الأطفال، وآخر صحي، ونعمل من خلال منظمات مثل اليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية. وقد تم اعتماد منح بمبلغ 50 مليون دولار لليمن مع الصندوق الاجتماعي اليمني، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية. وهناك مشروعات لمنح بإجمالي 120 مليون دولار لمساعدة اليمن في مشروعات للصحة والأطفال. وهذه أول مرة في تاريخ البنك أن ندخل للمساعدة في أثناء الصراع. وكنت أتوقع معارضة من بعض الدول الأعضاء في البنك، لكن وجدنا إجماعا من الدول كافة لتشجيع مساعدة الشعوب أثناء الصراعات دون انتظار.
أما في العراق، فهناك صراع، لكن الحكومة العراقية تملك السيطرة على معظم الأراضي، ونعمل مع الحكومة العراقية على ثلاثة محاور. يركز المحور الأول على تمويل مشروعات إعادة بناء وإعادة إعمار المناطق المحررة من «داعش»، وتمويل مشروعات لإعادة إعمار في مناطق تحررت ما بين ثلاثة إلى أربعة أشهر من «داعش». وبعد خروج «داعش» تعاني المناطق من انهيار البنية التحتية، وعدم وجود مدارس أو مستشفيات.. لذا؛ يتدخل البنك الدولي بشكل سريع حاليا لتوفير مشروعات تنموية تخدم تلك المناطق.
أما المحور الثاني، فيتركز في المناطق التي لا تشهد حربا أو صراعا، لكننا نساعد الحكومة العراقية في تحسين الخدمات في أماكن مثل البصرة وأربيل. ونعمل مع السلطات المحلية من خلال السلطات المركزية.
والمحور الثالث يتعلق بمساعدة الحكومة المركزية في مجال ضبط أوضاع الموازنة العامة، فالحكومة العراقية لديها مسؤوليات مالية لمواجهة تكاليف الصراع، ومع انخفاض أسعار النفط أصبح هناك عجز كبير في الموازنة؛ لذا نساعدهم في تمويل العجز.
* خلال الصراعات، تنخفض القدرة على توفير التعليم للأطفال، ويعد ذلك من المشكلات المتفاقمة، هل يشكل عدم توافر التعليم لأعداد كبيرة من الأطفال قنبلة موقوتة في المنطقة العربية؟
- هذا صحيح، وهذا هو سبب الاهتمام بتمويل مشروعات تعليم؛ لأنه من حق كل طفل أن يتعلم، وأكثر الأشياء المؤسفة أن نصف أطفال اللاجئين لا يذهبون إلى المدارس. لكن مشكلة التعليم في المنطقة العربية بأسرها عميقة وخطيرة، ولا بد من إيجاد حلول لها. لدينا مشكلة في كفاءة وجودة التعليم والمناهج التي تقادمت ولم تعد صالحة للقرن الحادي والعشرين. وهذا النوع من التعليم لا يساعد الشباب على الحصول على فرص عمل. وفي كل الامتحانات الدولية، خصوصا العلوم والرياضيات، يعجز الطلبة العرب على اجتياز المستوى المتوسط، وتتراجع لديهم مهارات القدرة على التفكير الإبداعي والتواصل والعمل التعاوني.
ولا يعود الأمر إلى انخفاض أو تقصير في ميزانية التعليم في الدول العربية، بل على العكس، تتقارب ميزانية التعليم الحكومي والأهلي مع مستويات الإنفاق على التعليم وميزانيات التعليم في الدول الأوروبية. والمشكلة ليست قلة موارد، وإنما هي مشكلة أعمق، وتتطلب إصلاح المنظومة التعليمية بأكملها. على سبيل المثال، تونس من أحسن النظم التعليمية في المنطقة، لكن هناك 30 في المائة من خريجي الجامعات يعانون البطالة. لذا؛ فإن المشكلة ليست انخفاض معدلات النمو، بينما تتعلق بحصول الشباب على تعليم وشهادات دون أن يكون ذلك التعليم مؤهلا لتلبية متطلبات سوق العمل من علوم ورياضيات ولغات ومهارات.
* منذ نشأة البنك الدولي وهو يرفع شعار مكافحة الفقر، ويعد القضاء على الفقر من أبرز الأهداف الإنمائية، هل يمكن بالفعل القضاء نهائيا على الفقر، ومتى يتحقق ذلك؟
- نعم، لدينا هدف القضاء على الفقر «المدقع»، وتعريفه هو دخل أقل من اثنين دولار يوميا، وهدفنا القضاء عليه في 2030. وقد نجحنا بالفعل في خفض معدلات الفقر بمعدل 50 في المائة خلال السنوات العشر الماضية. وهذا نتيجة النمو الاقتصادي الذي حدث في كل من الصين والهند بصفة خاصة؛ لأن أكبر أعداد للفقر في العالم كانت في هذين البلدين.
وليست هناك مشكلة لدى الدول العربية فيما يتعلق بالفقر المدقع، لكن هناك مشكلة فيما يتعلق بالفقر النسبي، وأغلب المشكلة هي التهميش؛ لذا هناك أعداد كبيرة قريبة من خط الفقر. وليس كافيا في الدول العربية تحقيق نمو سريع، والأهم هو تحقيق عدالة اجتماعية ونمو شامل تصل نتائجه إلى كل الأفراد. رأينا نموا في الدول العربية، لكن لم تصل نتائجه للطبقات المتوسطة والفقيرة.
والقضاء على الفقر المدقع تحد كبير، لكنه ليس مستحيلا. وإذا استمررنا في المشروعات في الدول الأكثر فقرا، سنصل إلى القضاء على الفقر المدقع بحلول عام 2030. وكما تقول كريستين لاغارد، مديرة صندوق النقد الدولي، فإننا اليوم أكثر من أي وقت مضى أكثر قربا وارتباطا، ولو حدثت صدمة في أي بلد صغيرة، فإن تأثيراتها تمتد للاقتصاد العالمي بأكمله. ولذا؛ علينا بصفتنا مجتمعا دوليا مترابطا العمل للقضاء على الفقر، وبالفعل هناك إجماع دولي حول هذا الهدف.
* تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديات تتعلق بالبطالة وإيجاد فرص عمل، إضافة إلى عراقيل تواجه إدماج ومشاركة المرأة اقتصادية. فما هي أهمية إدماج المرأة اقتصاديا، وماذا يقدمه البنك الدولي من مساعدة في هذا المجال؟
- موضوع إدماج المرأة اقتصاديا من أهم القضايا في المنطقة، فهناك مساواة بين الشاب والفتاة في تلقي التعليم في جميع مراحله، ولكن بعد تلقي التعليم الجامعي هناك 75 في المائة من الإناث العربيات اللاتي لا تدخلن سوق العمل. ومعدل دخول سوق العمل للإناث هو 25 في المائة فقط، وهي أقل نسبة في جميع أنحاء العالم وأقل من الدول الأفريقية. ليس هذا فقط، بل هناك مشكلة أخرى، وهي أنه من بين نسبة الـ25 في المائة من الداخلات إلى سوق العمل، يصل معدل البطالة بين السيدات المتعلمات إلى ما بين 35 و40 في المائة. وثالث مشكلة، أن العائد المادي للمرأة العاملة أقل 30 في المائة من نظرائهن الرجال في الوظيفة نفسها والمهام نفسها.
وعدم إدماج المرأة اقتصاديا هي مشكلة اجتماعية واقتصادية، توثر في البناء الاجتماعي للدولة وعلى حجم الطبقة المتوسطة في هذا المجتمع، وهي الطبقة التي تضطلع بقيادة المجتمع. ولا بد أن تهتم الحكومات بكيفية تنمية الطبقة المتوسطة. ففي كل الدول، تتكون الطبقة المتوسطة من رجل وامرأة والاثنان يعملان. والاكتفاء في الدول العربية بعمل الرجل فقط يتسبب في مشكلة اقتصادية؛ لأن العائد المادي لن يكون كافيا. وعمل المرأة شيء أساسي لتنمية الطبقة المتوسطة وتنمية الاقتصاد الوطني.
وما نحاول عمله في البنك الدولي، هو تنفيذ مشروعات تعليمية بالتعاون مع الحكومات. والنقطة الثانية، فهي توفير وزيادة فرص العمل للشباب بصفة عامة وبالتالي للنساء، وتنفيذ برامج لتقديم التدريب والنصيحة ومشروعات تستهدف المرأة بشكل خاص. ومسألة إدماج المرأة اقتصاديا ليس من منطلق الرفاهية أو تقليد الدول الغربية، وإنما يشكل تحديا أساسيا للنمو الاقتصادي في أي بلد.
* ما توقعاتكم لتأثير استمرار أسعار النفط المنخفضة على المديين المتوسط والطويل لدول الخليج؟
- التأثير الأول لانخفاض أسعار النفط هو انخفاض معدلات النمو داخل دول منطقة الخليج، وهي بالطبع تؤثر في سائر المنطقة. فهناك عمالة أردنية ومصرية كبيرة تعمل في دول الخليج؛ لذا فإن الانخفاض في أسعار النفط يؤثر في العمالة ويؤثر أيضا في الشركات الخليجية التي تستثمر في الدول الأخرى. لذا يؤثر انخفاض أسعار النفط في الاستثمار. من جانب آخر، فإن دول الخليج تقدم معونات للدول الأخرى، وبالتالي ستنخفض قدرات تقديم تلك المساعدات.
ومن وجهة نظري، فإن انخفاض سعر النفط له تأثير سلبي لا شك فيه، في دول الخليج، لكن أيضا له تأثير إيجابي في أنه دفع عددا من دول المنطق، أبرزها المملكة العربية السعودية، إلى طرح رؤية طموحة لعام 2030، تتضمن إصلاحات طموحة وخططا لإعادة هيكلة الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على عوائد النفط، وتنويع الاقتصاد وتشجيع القطاع الخاص. وهي كلها أمور إيجابية نأمل أن تحقق وتكلل بالنجاح. ولذا؛ أعتقد أن الجانب الإيجابي من أزمة انخفاض أسعار النفط هو اتجاه معظم دول مجلس التعاون الخليجي إلى تقليل الاعتماد على النفط وإجراء إصلاحات اقتصادية مهمة.
وإذا نظرنا إلى انخفاض سعر النفط على أنه حافز لتحقيق إصلاحات في الدول على المدى المتوسط، فإن الاقتصاد سيحقق نموا أكبرا ويخلق فرص عمل أفضل وتأثيرا إيجابيا. وحكومات الخليج بدأت بالفعل في تحقيق إصلاحات اقتصادية مهمة.
* حصلت مصر على الجزء الأول من قرض البنك الدولي بمبلغ مليار دولار من إجمالي اتفاق قرض 3 مليارات على ثلاث سنوات لضبط أوضاع المالية العامة، ما تفاصيل هذه الشراكة، ومتى ستحصل مصر على الجزء الثاني، ووفق أي شروط؟
- الاتفاق من حيث المبدأ مع الحكومة المصرية هو قرض لمدة ثلاث سنوات، حيث يقدم البنك مليار دولار كل عام لدعم الميزانية ونصف مليار لمشروعات إنمائية وفائدة القرض أقل من 1.7 في المائة على مدى خمسة وعشرين عاما، مع فترة سبع سنوات سماح.
وفي كل عام، لا بد من اجتماع بين الجانبين للاتفاق على مكونات القرض، وأين ستذهب الأموال، وتتم معرفة المشروعات التي ترغب الحكومة المصرية في تنفيذها. ويوافق البنك على التعاون في تنفيذها.
ولدينا هدفان مهمان في القرض الخاص بمصر، الأول هو زيادة الطلب على العمالة، والثاني هو تنفيذ مشروعات تؤدي إلى زيادة العدالة الاجتماعية. ولدينا برامج في مصر مثل «تكافل» و«كرامة» وتنمية الصعيد، ونمول مشروع الإسكان الشعبي ومشروعات الصرف الصحي ومحاربة الفقر.
وفي كل عام، نقوم بتقييم المشروعات التي تم إنجازها، وننظر في المشروعات المقبلة. وهناك بالفعل مشروطية ومطالب واشتراطات يضعها البنك، فلا يوجد بنك لا يضع شروطا، نحن نسأل ما المشروعات التي تريد الحكومة المصرية القيام بها، ونركز مع الحكومة المصرية على المشروعات التنموية. وبعض أهدافها هي أهدافنا أيضا.
وعندما يصل الوفد المصري إلى الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك، التي تبدأ في أوائل شهر أكتوبر (تشرين الأول)، ستتم مناقشة تقديم الشريحة الثانية بمبلغ مليار دولار.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...