تجنيد الأطفال يرتفع 500 %.. والزج بنساء اليمن يشي بضعف الحوثي وصالح

الجيش اليمني والتحالف أعادا عشرات الصغار لذويهم

الحوثي وصالح حشدا النساء والأطفال في استعراض أجراه الانقلاب مطلع سبتمبر الحالي في صنعاء (رويترز)
الحوثي وصالح حشدا النساء والأطفال في استعراض أجراه الانقلاب مطلع سبتمبر الحالي في صنعاء (رويترز)
TT

تجنيد الأطفال يرتفع 500 %.. والزج بنساء اليمن يشي بضعف الحوثي وصالح

الحوثي وصالح حشدا النساء والأطفال في استعراض أجراه الانقلاب مطلع سبتمبر الحالي في صنعاء (رويترز)
الحوثي وصالح حشدا النساء والأطفال في استعراض أجراه الانقلاب مطلع سبتمبر الحالي في صنعاء (رويترز)

تشي الصور المتعددة التي تنشرها وسائل إعلام الانقلاب، ووكالات الأنباء العالمية، بطبيعة تجنيد الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح للنساء والأطفال، لكن التاريخ يؤكد أنها ليست المرة الأولى التي ينتهك فيها الطرفين براءة الأطفال والنساء، وحصانتهما من الدخول في براثن مصالح شخصية بحتة، والزج بهما في معادلة القتال والموت.
والتاريخ شاهد ومرشد على المستقبل، والظاهرة باتت مخيفة ومقلقة لليمنيين منذ برزت للوهلة الأولى في حرب صعدة، بين مسلحي جماعة الحوثي والقوات الموالية للرئيس المخلوع، عام ٢٠٠٨.
وبرزت مشكلة أخرى إضافية، تمثلت في تجنيد النساء في الحرب، ومن قبل الجماعة الحوثية ذاتها التي سبق لها تجنيد الأطفال في حروبها السابقة، مستغلة أوضاع الأسر الاقتصادية وجهلها، ومنتهكة بذلك طفولة الصغار الذين حولتهم إلى بيادق محاربة وقرابين مزهقة، فضلا عن انتهاكها الصارخ للمرأة اليمنية التي أقحمتها في أتون الحرب، وجعلت منها صورة غير معتادة أو مألوفة في بيئة ملتزمة محافظة، بتقاليد وأعراف مانعة للمرأة من حمل السلاح أو القتال في الحروب أيا كانت.
وإذا كانت ظاهرة تجنيد الأطفال مثلت بادرة خطيرة ومؤرقة تنبئ بكارثية الفعل، فإن تجنيد النساء وفي بيئة منغلقة محافظة زاد من هول الصدمة التي تسببت بها الميليشيات الانقلابية.
وفي جبهات القتال، أسر عشرات الأطفال في عدن ولحج والضالع وأبين (جنوب البلاد)، وأعيدوا إلى ذويهم في المحافظات التي تسيطر عليها الميليشيات الانقلابية.
والتحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن أيضًا أعاد أطفالا قبض عليهم، ورصد المئات منهم على الحدود السعودية اليمنية.
يقول الناشط الحقوقي اليمني يوسف عبده مرعي إنه ما من أمانة في عنق العالم تفوق في قدسيتها الأطفال، وما من واجب يسمو في أهميته على احترام الجميع لحقوق الأطفال، لأن حمايتهم واحترام حقوقهم حماية لمستقبل البشرية، مشيرا إلى أن مشاركة الأطفال في النزاعات المسلحة أشد الظواهر خطرا، وأنها قد انتشرت في كثير من النزاعات حول العالم، في مخالفة واضحة وصريحة لقواعد ومبادئ القانون الدولي الإنساني.
ويؤكد مرعي أن قواعد حماية السكان من آثار الحرب تعد من أضخم الإنجازات في القانون الدولي الإنساني، مضيفا: «لقد خصص القانون بابا كاملا في البروتوكول الأول عام 1977 لحماية السكان المدنيين، ويخضع الأطفال في حمايتهم لتلك القواعد باعتبارهم أشخاصا مدنيين لا يشاركون في الأعمال العدائية»، ويستطرد: «إن الحماية العامة للطفل تكمن في الالتزام بتطبيق نص المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع، وكذلك أعمال أحكام البروتوكول الثاني لعام 1977، الخاص بالنزاعات المسلحة غير الدولية، وذلك هو السبيل الوحيد لحماية المدنيين من آثار القتال وعواقبه».
ولفت مرعي إلى أن البروتوكولين الإضافيين لاتفاقيات جنيف انطويا على قواعد تحظر اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية قبل بلوغهم سن الخامسة عشرة، متابعا: «إذن، فالحماية العامة مكفولة للأطفال من خلال الصكوك العامة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وخصوصا الحماية التي توفرها اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 التي صادقت عليها كل دول العالم».
وأردف: «وفي مخالفة واضحة لقواعد القانون الدولي الإنساني، ما تزال الجماعات الانقلابية (الحوثي وصالح) تمارس أبشع المجازر بحق الطفولة في اليمن، مستغلة الفقر لإجبار أرباب الأسر على الدفع بأطفالهم في كل جبهات القتال التي تخوضها هذه الجماعات الانقلابية ضد الشعب وأحلامه في العيش بأمن وكرامة واستقرار».
ويقول أحمد القرشي، رئيس منظمة (سياج) لحماية الطفولة، إن معدلات تجنيد وإشراك الأطفال في الصراعات المسلحة منذ عام 2015 زادت عن 5 أضعاف ما كان عليه الحال سنة 2014 وما قبلها، مرجعا السبب إلى اتساع جغرافية الصراع المسلح إلى أكثر من 16 محافظة يمنية، مقارنة بـ5 محافظات في السنوات الماضية، فضلا عن تزايد معدلات النزوح والفقر والبطالة، وتوقف التعليم الأساسي في أغلب مناطق الصراع، مما أدى إلى تسرب التلاميذ، علاوة على مقتل وإعاقة كثير من أولياء الأمور، سواء كانوا مقاتلين في الجبهات مع أطراف الصراع أو من ضحايا الحرب والمواجهات».
ويلقي رئيس المنظمة الحقوقية باللائمة على الخطاب التعبوي الحاشد للمجتمع، المروج لثقافة الموت والقتل، لافتا إلى أن أكثر المتأثرين هم الأطفال والمراهقين، خصوصا في ظل التركيز على استقطاب الأطفال كمحاربين، واستثمارهم كتوجه مجتمعي لاستقطاب كثير من المراهقين مقابل الحصول على المال، وكفرصة لتأمين سبل معيشة بديلة لذويهم.
ويشدد القرشي على أنه لا توجد لدى منظمته إحصائيات مؤكدة حاليا عن أعداد القتلى والمصابين والمعتقلين من الأطفال، مبينا أن أكثر الانتهاكات التي يواجهها الأطفال هي التجنيد والقتل والتشويه والإصابة والعنف البدني والنفسي المترتب على الحرب.
وأوضح القرشي أن منظمته أجرت دراسة ميدانية خلصت إلى أن تجنيد الأطفال في صفوف الحوثيين يصل إلى ما نسبته 50 في المائة.
ولجأت ميليشيات الحوثي وصالح في اليمن إلى التمهيد لتجنيد النساء اليمنيات، من خلال عرض عسكري نسوي أقامته في العاصمة صنعاء خلال الأيام القليلة الماضية.
وأثارت خطوة تجنيد النساء في صفوف الميليشيات جدلاً واسعا بين اليمنيين الذين استنكروا في الأغلب فعلة الحوثيين، واصفين إياها بالسابقة الخطيرة والمشينة في مجتمع محافظ.
وهدف العرض النسائي إلى دعم صفوف الانقلابيين في جبهات القتال، كما أعلن، وشمل استعراضًا بسلاح الكلاشنكوف والقاذفات وأطقما عسكرية محملة بالنساء «المسلحات» والرشاشات.
وبدأت جماعة الحوثي أخيرا بتجنيد النساء، في مؤشر على مدى سوء الوضع الذي آلت إليه الجماعة، بعد أكثر من عام ونصف العام من الحرب، معللة اتخاذها مثل تلك الخطوة بأنها لمواجهة ما أسمته بالنقص في أعداد المقاتلين، وهو ما اعتبره متابعون الاعتراف الأول للميليشيات.
ويظهر من منشور رئيس المجلس السياسي الحوثي، صالح الصماد، بموقع «فيسبوك»، أن الجماعة تعاني نقصًا وحالة من الارتباك في أغلب الجبهات، وأنه لا يمكن الصمود أكثر، مقترحا أن تتم الاستعانة بالنساء لتعويض نقص المقاتلين.
وقامت جماعة الحوثيين بتجنيد عشرات النساء للمشاركة في المعارك الدائرة باليمن، بعد تلقيهن تدريبات عسكرية.
واستعان الحوثيون بالنساء للمشاركة في المعارك، خصوصا بمدينة صنعاء، حيث تدربن على حمل الأسلحة الثقيلة، مثل الصواريخ المضادة للدبابات من نوع «آر بي جي».
وبدأت دوريات لفتيات حوثيات يحملن أسلحة بالتجول في العاصمة صنعاء، ومناطق أخرى واقعة تحت سيطرة الجماعة.
وقال المحامي خالد الشعيبي، لـ«الشرق الأوسط»، إن مبادئ باريس تعرف الطفل الجندي بأنه «أي طفل يرتبط بقوة عسكرية أو بجماعة عسكرية هو أي شخص دون سن الثامنة عشرة من العمر، ولا يزال، أو كان مجنّدًا أو مُستخدَمًا بواسطة قوة عسكرية أو جماعة عسكرية في أي صفة، بما في ذلك - على سبيل المثال وليس الحصر - الأطفال والغلمان والفتيات الذين يتم استخدامهم محاربين أو طهاة أو حمّالين أو جواسيس أو لأغراض جنسية». وطبقا للمعاهدات والأعراف، فإن القانون الدولي الإنساني يحظر تجنيد واستخدام الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر للعمل بوصفهم جنودًا.
كما يتم تعريف ذلك بوصفه جريمة حرب من جانب المحكمة الجنائية الدولية، وفضلاً عن ذلك يُعلِن قانون حقوق الإنسان سن الثامنة عشرة بوصفها الحد القانوني الأدنى للعمر بالنسبة للتجنيد، ولاستخدام الأطفال في الأعمال الحربية



ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.


قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
TT

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)

يراقب الشارع اليمني انخراط الجماعة الحوثية في الحرب لدعم إيران عسكرياً في مواجهة أميركا وإسرائيل بقلق متزايد؛ خشية أن تتحول البلاد المنهكة بالحرب والأزمات الاقتصادية ساحةً جديدةً لصراع إقليمي أوسع. ويتساءل قطاع واسع من اليمنيين عن الفارق الذي ستحدثه هذه الخطة الحوثية، وسط آمال بانتهاء انقلاب الجماعة المتحالفة مع طهران.

وعلى الرغم من الخطاب التعبوي للجماعة عن «معركة كبرى» مزعومة ضد إسرائيل وحلفائها، يبدي السكان في صنعاء ومدن أخرى، مخاوف متنامية من تداعيات هذا الانخراط، بدءاً من احتمال تعرض البلاد لضربات عسكرية، وصولاً إلى مزيد من الضغوط المعيشية على مجتمع يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومنذ الساعات الأولى لإعلان الجماعة إطلاق صواريخها باتجاه إسرائيل، بدأت ردود فعل متنوعة في أوساط السكان ما بين التهكم والقلق والغضب والاستعداد للنزوح وشراء مواد تموينية ضرورية، خصوصاً الوقود والغاز المنزلي، إلا أن هناك من رأى أن ما أقدمت عليه الجماعة قد يكون سبباً في حل الأزمة اليمنية، أو منحها بعداً جديداً.

يقول، مراد أحمد، وهو موظف عمومي، لـ«الشرق الأوسط» إنه وعائلته يتابعون التطورات بقلق متزايد، ويفكرون في خياراتهم إذا ما وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مواجهة مزيد من أعباء الحياة اليومية إذا أصبحت البلد في قلب حرب إقليمية جديدة قد يدفع ثمنها المدنيون أولاً.

عنصر حوثي في صنعاء يحرس مظاهرة للجماعة تأييداً لإيران (رويترز)

وتتردد في أوساط اليمنيين تعليقات متكررة تنتقد أولويات الجماعة الحوثية في ظل الأزمة المعيشية، فبينما ينتظر غالبية الموظفين العمومين الرواتب منذ سنوات، تتحول النقاشات توقعات ردود الفعل بعد إطلاق الصواريخ بعيدة المدى التي يستنكر الغالبية حضورها بينما تنقطع الكهرباء ويختفي الغاز وغالبية الخدمات ويتأجل الحديث عن الرواتب المنقطعة منذ قرابة عقد.

يشير جمال مصطفى، وهو موظف عمومي آخر ممن انقطعت رواتبهم منذ سنين، إلى أن التهكم في حد ذاته أصبح قاسياً ومريراً. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن اليمنيين، وبينما يخشون من التأثيرات الاقتصادية للحرب وتداعيات استهداف منشآت الطاقة، يجدون أنفسهم عُرضة لأن يكونوا أكثر من يدفع ثمن صراع أكبر منهم.

مغامرة غير محسوبة

وتتفاوت تقديرات المتابعين لمدى فاعلية ومساهمة المشاركة الحوثية في المواجهة الجارية في المنطقة، خصوصاً أن صواريخها ومسيّراتها التي استهدفت إسرائيل سابقاً لم تكن مؤثرة عسكرياً، مقابل هجماتهم السابقة في البحر الأحمر التي عطلت الملاحة الدولية وتسببت بخسائر كبيرة في الاقتصاد والتجارة العالميين ورفعت تكلفة النقل والتأمين البحري.

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتفعّل خطاباً تعبوياً للتصعيد رغم مخاوف السكان على معيشتهم (رويترز)

يذهب فارس البيل، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، إلى أن التدخل الحوثي المؤجل منذ بداية المواجهة كان مفروضاً على الجماعة، لكنه جاء في توقيت غير محسوب، فبعد أن كانت إيران تتوقع أن يؤثر الحوثيون في المعركة، فإن الضربات الأميركية - الإسرائيلية فككت قدرات النظام الإيراني وجعلت المساهمة الحوثية هشة وبلا مبرر، خلافاً للشروط التي وضعتها الجماعة قبل هجماتها.

ويضيف البيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن لا تأثير لدخول الحوثيين في حماية إيران أو تهديد إسرائيل عسكرياً، سوى أنه سيجلب على اليمنيين دمار بنيتهم التحتية، لكنه في الآن ذاته كتب على الحوثي النهاية، وسيفتح الباب لدخول أطراف جديدة لحماية الملاحة في البحر الأحمر؛ ما سيكون سبباً لخلاص اليمن والمنطقة من الجماعة.

المزاج الشعبي

ويبدو المزاج الشعبي في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية معزولاً عن خطابها التعبوي، فبينما يخشى كثيرون من تبعات مغامراتها، ينتظر غيرهم أن تعجّل جميع ممارساتها بإنهاء نفوذها.

يقول باحث يمني أكاديمي في السياسة والإعلام، إن قطاعاً من السكان باتوا يتوقعون أن تكون نهاية الأزمة اليمنية مرتبطة بالتصعيد الذي تشهده المنطقة، وإن مشاركة الجماعة الحوثية في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يمكن أن تؤدي إلى حل غير متوقع للصراع في اليمن.

الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

وحسب ما ينقله الباحث، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته لإقامته في صنعاء، فإن أصحاب هذا الرأي لا ينتمون إلى طبقة أو فئة اجتماعية محددة، وإنهم موجودون في كل المستويات الاجتماعية والعلمية والثقافية. ويفسر آراءهم بأنها تأتي نتيجة الضبابية والغموض في مستقبل الأزمة اليمنية، وصعوبة توقع حل سلمي لها، خصوصاً مع تعنت الجماعة الحوثية، واستعداداتها الدائمة لمعارك لا تنتهي.

استنزاف داخلي

يتفق كثير من المراقبين على أن ارتباط الأزمة اليمنية بالحرب الإقليمية الحالية من التدخل الحوثي، سيمنحها مساراً جديداً، لكنهم يختلفون في طبيعته وتفاصيله.

فوقاً لما يورده الباحث، هناك من يرى أن الحوثيين - بقدر ما يعرّضون البلد للمزيد من الخراب وتدمير البنية التحتية ويهدّدون حياة وسلامة السكان، إذا ما قررت الولايات المتحدة وإسرائيل الرد على هجماتهم - يعرّضون أنفسهم بالمقابل لاستنزاف كبير، خصوصاً إذا طالت المواجهة، وهذا يسهِم في إضعافهم، ويعزز من إمكانية التمرد عليهم.

دخان غارة إسرائيلية وسط صنعاء في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وعلى جانب آخر، يرجّح آخرون أن يؤدي إضعاف الجماعة عسكرياً واستنزافها اقتصادياً إلى قبولها مستقبلاً بعملية سلام فعلية، بعد أن يجري تجريد النظام الإيراني من أدواته ووسائل دعم أذرعه في المنطقة، وفي هذه الحالة ستتعاطى بانتهازية لتجنب نفسها الانهيار الداخلي وصراع الأجنحة الذي ستتسبب به محدودية الموارد والنفوذ.

وطبقاً لتوقعات أخرى، فإن مغامرة الجماعة قد تؤدي إلى زيادة حظوظها في السيطرة والنفوذ في حال خروج إيران من المواجهة دون هزيمة كاملة تنهي قدرتها على التدخل في شؤون دول المنطقة؛ وهو ما سيعزز من خطاب الجماعة الذي يزعم قدرتها على فرض نفسها كقوة إقليمية، وسيقابله تفاقم معاناة السكان تحت سيطرتها.

ويرى أصحاب هذا التوقع أن ذلك سيفرض على اليمنيين مواجهة مباشرة وحاسمة مع الجماعة التي ستتوقع أنها فرضت نفوذها إلى الأبد، بينما هي عرضت نفسها لاستنزاف قدراتها وإمكانات سيطرتها، وضاعفت من غضب السكان عليها، كما حدث لنظام الأسد في سوريا أواخر العام قبل الماضي.