مقتل صحافي أردني أمام قصر العدل يثير موجه غضب وسط عمان

القاتل إمام جامع مفصول وترصد المغدور على مدى أسبوع

عناصر من الشرطة الأردنية تحيط بمبنى محكمة العدل وتظهر بقع دم على درج المحكمة حيث قتل حتر (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة الأردنية تحيط بمبنى محكمة العدل وتظهر بقع دم على درج المحكمة حيث قتل حتر (أ.ف.ب)
TT

مقتل صحافي أردني أمام قصر العدل يثير موجه غضب وسط عمان

عناصر من الشرطة الأردنية تحيط بمبنى محكمة العدل وتظهر بقع دم على درج المحكمة حيث قتل حتر (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة الأردنية تحيط بمبنى محكمة العدل وتظهر بقع دم على درج المحكمة حيث قتل حتر (أ.ف.ب)

قُتل الكاتب الأردني، ناهض حتر، أمام قصر العدل، في منطقة العبدلي، وسط عمان، أمس، إثر تعرضه لإطلاق نار، وإصابته بثلاث رصاصات. وكان حتر متوجهًا لحضور جلسة للمحكمة. وقد نقل إلى المستشفى على الفور، غير أنه فارق الحياة بعدها.
وأكد مصدر أمني أردني، أنه تم القبض على الجاني، ويدعى رياض إسماعيل أحمد عبد الله، من مواليد عام 1967، وهو من ذوي السوابق، ويقيم في منطقة الجويدة - خريبة السوق، في العاصمة عمان.
وأضاف المصدر، أن الجاني أطلق النار من سلاح ناري (مسدس)، ما تسبب في مقتل الصحافي والكاتب ناهض حتر، بثلاثة أعيرة نارية أصابته في الرأس، على درج مدخل قصر العدل بينما كان يهم بدخوله.
وبحسب شهود عيان، قام الجاني بتسليم نفسه وسلاحه إلى حرس المحكمة، حيث جرى اصطحابه إلى مديرية شرطة وسط عمان، وتم ضبط 6 أظرف فارغة في موقع الجريمة.
وروى العميد المتقاعد، سامي المجالي، الذي كان برفقة المغدور حتر، لحظة مقتله أمام قصر العدل في العاصمة عمّان، تفاصيل مقتله، فنفى وجود أي ضباط أو عناصر أمن في المكان لحظة مقتله. وقال المجالي، إنه كان برفقة المغدور، وكان يمسك بيده للدخول إلى قصر العدل، لكن رجلاً يرتدي دشداشًا ركض صوبهم، وأطلق الرصاص النار من مسدس عياره 7 مل باتجاه حتر مباشرة. وأضاف: «وفور إصابته بالأعيرة النارية، سقط حتر أرضًا، وكان برفقته أولاده وعدد من أشقائه. وغطت الدماء المكان. وهرع الناس بحثًا عن الأمان».
وقال المجالي: «كان ناهض يعتقد أن رحلته إلى المحكمة لن تستمر أكثر من 5 دقائق، لكن الرصاص أصابه في رأسه ورقبته». وأضاف: «أخذ مطلق الرصاص يجري هاربًا، وقد ألقى الناس القبض عليه، وجرى تسليمه إلى الأجهزة الأمنية، التي لم تكن موجودة لحظة وقوع الحادثة».
أما شاهد العيان، محمد الجغبير، أحد الذين كانوا يرافقون الكاتب حتر، لحظة مقتله، فقال إنه جرى إطلاق النار على حتر في تمام الساعة التاسعة والربع صباحًا، عند البوابة الخارجية لقصر العدل، المخصصة لدخول الرجال.
وأكد الجغبير، أن إطلاق النار جرى من مسافة متر، من مسدس لونه فضي، بينما كان الجاني يتمتم بصوت منخفض، وبكلام غير مفهوم، وكان ذا لحية طويلة وشاربين خفيفين، ويرتدي ثوبًا رماديًا «دشداشة».
ووفقًا للجغبير، تلقى حتر أول رصاصة في صدره ما أدى إلى سقوطه أرضا، قبل أن يتلقى رصاصات عدة في أنحاء مختلفة من جسمه.
وحاول الجاني الفرار عبر كراج المركبات الخاص بالمحكمة، لكن ابن الكاتب حتر ومجموعة من المواطنين، بالإضافة إلى رجال الأمن، طاردوه، وتمكنوا من إلقاء القبض عليه. وأشار الجغبير إلى عدم وجود أي نوع من الحماية للكاتب. وقد اعترف الجاني، خلال التحقيق معه، وفقًا لمصدر أمني، بأنه قتل حتر بسبب ما نشره، وهو ما جرت محاكمته عليه، بتهمة «إثارة النعرات المذهبية»، و«إهانة المعتقد الديني».
وقال القاتل خلال التحقيقات، إنه قتل حتر على خلفية كتابته لمنشور على صفحته الشخصية على «فيسبوك»، اتهم على أثره من قبل القضاء الأردني، بـ«إثارة النعرات المذهبية» و«إهانة المعتقد الديني».
وقد وجه رئيس الوزراء، هاني الملقي، وزير داخليته سلامة حمّاد، آنذاك للتحقيق بما نسب إلى الكاتب ناهض حتر، حول نشره رسمًا كاريكاتوريًا، على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، يمسّ الذات الإلهية.
وأشار المصدر إلى أن القاتل من سكان منطقة الهاشمي الشمالي، وقد غادر الأردن أخيرًا إلا أنه عاد إليه. وكان يعمل إمامًا لمسجد الأتراك، في منطقة حي الزغاتيت. وقد فصل من عمله، بسبب تطاوله على مقامات عليا، ويحمل أفكار حزب التحرير المحظور.
وقد تجمعت عشرات المركبات أمام ديوان آل حتر، في منطقة الفحيص، غربي العاصمة عمان، إثر مقتل حتر. وحمّلت عائلة حتر (المسيحية)، الحكومة مسؤولية مقتل ابنها ناهض، وعلى رأسها رئيس الوزراء هاني الملقي، وفق ما ذكر أحد أقاربه ويدعى سعد حتر، الذي أكد للصحافيين، أن الحكومة تتحمل كامل المسؤولية إثر مقتل ناهض، خصوصًا أنه تلقى الكثير من التهديدات خلال الفترة الماضية أمام أعين أجهزة الدولة.
وأضاف، أن حادثة مقتل الكاتب حتر، ما هي إلا لخلق الفتنة بين أبناء الشعب الأردني، ولإسقاط صوت من أصوات الحق.
واستنكرت دائرة الإفتاء العام مقتل حتر، مؤكدة أن الدين الإسلامي بريء من هذه الجريمة البشعة. ودعت في بيان لها، أبناء المجتمع الأردني جميعًا، باختلاف أديانهم وأطيافهم، إلى الوقوف صفًا واحدًا خلف قيادتهم الهاشمية ضد الإرهاب ومثيري الفتنة.
ويأتي اغتيال حتر بعد 17 يومًا من إطلاق سراحه، في الثامن من سبتمبر (أيلول) الحالي، بكفالة، بعد قرابة شهر على توقيف السلطات الأردنية له، في 13 أغسطس (آب) الماضي، بإيعاز من رئيس الوزراء هاني الملقي، وباشرت تحقيقا معه على خلفية شكوى ضده تتهمه «بالإساءة للذات الإلهية».
ووجه مدعي عام عمان، القاضي عبد الله أبو الغنم، في حينه، إلى حتر، تهمة «إثارة النعرات المذهبية والعنصرية». وهي تهمة كانت ستزج به في السجن لمدة تتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات، في حال إدانته، طبقًا للقانون الأردني.
وكان حتر قد نشر رسمًا كاريكاتوريًا على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، بعنوان «رب الدواعش»، ما أثار غضبا واسعا، واعتبر بأنه «مس بالذات الإلهية»، وهو ما نفاه حتر. وقال حتر، بعدما حذف الرسم، إنه «يسخر من الإرهابيين، ومن تصورهم للرب والجنة، ولا يمس الذات الإلهية من قريب أو بعيد، بل هو تنزيه لمفهوم الألوهية عما يروجه الإرهابيون».
يشار إلى أن ناهض حتر كان من أبرز المدافعين عن النظام السوري ورئيسه بشار الأسد. وهذه ليست المحاولة الأولى لاغتياله، فقد تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة عام 1998.
تخرج حتر من قسم علم الاجتماع في الجامعة الأردنية، وحصل على ماجستير فلسفة في الفكر السلفي المعاصر. دفع المغدور من عمره سنوات، خلال نضاله وسجنه مرات كثيرة، كان أطولها في الأعوام 1977 و1979 و1996، علاوة على إسهاماته الفكرية في نقد الإسلام السياسي، والفكر القومي والتجربة الماركسية العربية، ومن أهم من درس التكوين الاجتماعي الأردني.
وكان حتر من كتاب صحيفة الأخبار اللبنانية، وهو موقوف عن الكتابة في الصحافة الأردنية، منذ سبتمبر 2008.
ومن مؤلفات حتر: دراسات في فلسفة حركة التحرر الوطني. والخاسرون: هل يمكن تغيير شروط اللعبة؟ وفي نقد الليبرالية الجديدة، الليبرالية ضد الديمقراطية. ووقائع الصراع الاجتماعي في الأردن في التسعينات. والملك حسين بقلم يساري أردني. والمقاومة اللبنانية تقرع أبواب التاريخ. والعراق ومأزق المشروع الإمبراطوري الأميركي.



رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
TT

رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

زار الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، يوم الجمعة، عاصمة إقليمية متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، وذلك في زيارة هي الأولى التي يُجريها رئيس في المنصب للمنطقة منذ نحو 50 عاماً.

تأتي الزيارة إلى لاسعانود، العاصمة الإدارية لمحافظة صول، في خِضم توترات تشهدها منطقة القرن الأفريقي، على خلفية اعتراف إسرائيل مؤخراً باستقلال جمهورية أرض الصومال المعلَنة من جانب واحد، وهو ما أثار حفيظة مقديشو.

وحضر محمود في لاسعانود مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

تضم ولاية شمال شرقي الصومال أجزاء من ثلاث محافظات صومالية هي صول وسناج وعين، وعاصمتها لاسعانود.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته لاسعانود لحضور مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

كانت جمهورية أرض الصومال الانفصالية تسيطر على لاسعانود منذ عام 2007، لكن قواتها اضطرت للانسحاب منها بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الصومالية وميليشيات مُوالية لمقديشو، خلّفت عشرات القتلى.

وقالت الرئاسة الصومالية إن زيارة محمود ترمز إلى تعزيز الوحدة والجهود التي تبذلها الحكومة الفيدرالية لتكريس وحدة أراضي الدولة الصومالية وشعبها.

وسارعت جمهورية أرض الصومال للرد، إذ قال وزير شؤون الرئاسة في الإقليم الانفصالي، خضر حسين عبدي، إن لاسعانود هي أرض الصومال، مشدّداً على وجود تصميم على حل الخلافات بالحوار والوسائل السلمية.

وشدّد على أن الاعتراف بأرض الصومال أصبح، الآن، «واقعاً»، وعَدَّ أن «أحداً لا يمكنه تغيير ذلك».

Your Premium trial has ended


انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني، وترحيب واشنطن، وعدم ممانعة رسمية إسرائيلية بعد تحفظات سابقة.

وجاء الاجتماع الأول بعد ساعات من قتل إسرائيل 8 فلسطينيين، واتهام «حماس» لها بـ«تخريب الاتفاق»، وهو ما يجعل خبراء «إزاء تفاؤل حذر بمسار الاتفاق، في ضوء تلك المتغيرات واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية». وشددوا على «أهمية موقف أميركي حاسم لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية التي بدأت بتشكيل لجنة إدارة القطاع، وتشهد عقبات رئيسية منها إدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح (حماس)».

وتحدثت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن بدء أول اجتماع تعقده اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، في العاصمة المصرية، برئاسة الفلسطيني علي شعث.

وفي أول ظهور إعلامي له، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، إن اللجنة بدأت رسمياً أعمالها من العاصمة المصرية، وهي مكونة من 15 شخصية فلسطينية مهنية وطنية. ولفت إلى أن اللجنة تلقت دعماً مالياً، ووُضعت لها موازنة لمدة عامين هي عمر عمل اللجنة، وطالب بإنشاء صندوق في البنك الدولي لإعمار وإغاثة غزة، مشيراً إلى أن «هناك وعوداً من الدول الوازنة في المنطقة، لتقديم دعم مالي كبير وملموس».

وأوضح شعث أن خطة الإغاثة تستند إلى الخطة المصرية التي أقرّتها جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2025، (وتستغرق 5 سنوات بتكلفة نحو 53 مليار دولار)، ولقيت ترحيباً من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن «أول خطوة تبنتها لجنة إدارة قطاع غزة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع للقطاع».

وفي حين قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها جاهزة لتسليم القطاع لإدارة التكنوقراط، ونبهت، في بيان، إلى أن «المجازر» التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بغزة باستهداف 9 فلسطينيين بينهم سيدة وطفلة جراء غارات وإطلاق نيران صوب خيام النازحين، تؤكد استمرار تل أبيب في «سياسة تخريب اتفاق وقف الحرب، وتعطيل الجهود المعلنة لتثبيت الهدوء في القطاع».

ولفتت إلى أن تلك المجازر «تصعيد خطير» يأتي مع «إعلان الوسطاء تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق (في بيان الأربعاء)، وكذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تشكيل مجلس السلام»، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالوقوف أمام مسؤولياتها في ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وإلزامها بما جرى الاتفاق عليه.

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

والخميس، أعلن ترمب، تأسيس «مجلس السلام» المعني بغزة، مشيراً إلى أنه تم الدخول رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. بينما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الخميس، إن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً، منذ سريان الاتفاق.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن انطلاق عمل اللجنة مهم للغاية، ويعدّ إنهاءً لإحدى ذرائع إسرائيل بشأن وجود «حماس»، خصوصاً أن اللجنة تكنوقراط ومحل توافق، لافتاً إلى أنه رغم إبطال إنهاء تلك الذرائع وإنهاء «حماس» لسلطتها السياسية، فإنه يجب التعامل بحذر مع تطورات المشهد الذي يجب أن يُستكمَل بقوات الاستقرار وشرطة فلسطينية حال لم توجد عراقيل إسرائيلية جديدة.

وفي ضوء ذلك، يبدي المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً حذراً أيضاً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تحديات كبيرة تواجهها اللجنة، خصوصاً أنها تدير منطقة مدمرة كلياً، وأمامها تعقيدات إسرائيلية مرتبطة بسلاح المقاومة، ورفض الإعمار الكامل والانسحاب.

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في المقابل، هناك جهود لا تزال مستمرة من الوسطاء، وتلقّى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب.

وشهد الاتصال الهاتفي بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» الجمعة، «التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب إعلان تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار».

حسن أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري مهم، ويواصل حرصه على استكمال الاتفاق وعدم عرقلته من جانب إسرائيل، خصوصاً أن فتح معبر رفح لم يتم من المرحلة الأولى ويتواصل التلكؤ في نشر قوات الاستقرار التي ستشرف على المعابر، مشدداً على أن واشنطن ستحاول أن تستكمل الاتفاق؛ حرصاً على مصداقيتها ألا تُفقَد.

في حين يعتقد الرقب أن أي تقدم في المرحلة الثانية وعدم تكرار جمود المرحلة الأولى، يتوقف على الدعم الأميركي لإنجاز استكمال الاتفاق، خصوصاً انسحاب إسرائيل وليس فقط نزع السلاح.


وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.