حزب العمال البريطاني المعارض.. إلى أين؟

إعادة انتخاب كوربن زعيمًا له هل تعني إنهاء فرص وصوله للسلطة أم انشقاقه؟!

تتويج جيرمي كوربن (يمين) زعيما لحزب العمال ضد منافسه اوين سميث (ا.ف.ب)
تتويج جيرمي كوربن (يمين) زعيما لحزب العمال ضد منافسه اوين سميث (ا.ف.ب)
TT

حزب العمال البريطاني المعارض.. إلى أين؟

تتويج جيرمي كوربن (يمين) زعيما لحزب العمال ضد منافسه اوين سميث (ا.ف.ب)
تتويج جيرمي كوربن (يمين) زعيما لحزب العمال ضد منافسه اوين سميث (ا.ف.ب)

إعادة انتخاب اليساري جيرمي كوربن زعيما لحزب العمال المعارض، والجدل السياسي الذي سببه هذا، منذ انتخابه أول مرة قبل عام، كأنه فصل من رواية «انقلاب عسكري بريطاني بامتياز» لكريس مولين، والتي حولتها هيئة البث البريطاني «بي بي سي» إلى دراما تلفزيونية تحت الاسم نفسه. وفي عام 2012 قدمت القناة الرابعة الكتاب كمسلسل درامي من أربع حلقات تحت اسم «الدولة السرية».
هناك أوجه شبه كثيرة بين العمل الدرامي لمولين (1982)، الذي كان عضوا في حزب العمال وما زالت تربطه صداقة مع كوربن (هذا ما قاله مولين أول من أمس لـ«بي بي سي»)، وبين انتخاب هذا الزعيم الراديكالي، الذي تنسف مواقفه المؤسسة البريطانية من جذورها.
«لن يصل حزب العمال للسلطة تحت زعامة كوربن» أصبحت العبارة المفضلة لمنتقديه وكثير من المعلقين، وكان آخرها ما ردده زعيم الحزب الأسبق نيل كينيك، 73 عاما، بأن الحزب لن يصل إلى السلطة ما زال هو على قيد الحياة. كينيك قيل إنه «طهر» الحزب من العناصر اليسارية خلال الثمانينات من القرن الماضي، وأعاد الحزب إلى موقع الوسطي (يسار وسط) في السياسة البريطانية، وجهز المشهد السياسي لوصول توني بلير لزعامة الحزب، وفوز هذا الأخير بالسلطة ثلاث مرات متتالية (11 عاما من 1997 إلى 2007).
كانت قوة المجموعات اليسارية مركزة في الثمانينات في المجلس المحلي لمدينة ليفربول الشمالية العمالية، صاحبة الميناء الشهير. وفي الأمس أعيد انتخاب كوربن في المدينة نفسها التي استضافت المؤتمر السنوي للحزب وفيها تم تتويج كوربن زعيما مرة أخرى.
خضع كوربن لمنافسة ثانية جديدة على زعامة الحزب في وقت مبكر بعدما صوت 172 من أصل 230 نائبا في حزب العمال في يونيو (حزيران) على مذكرة تحجب الثقة عنه، منتقدين جهوده التي لم تكن كما يجب لمنع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. أوين سميث تحدى جيرمي وفرض منافسة جديدة على زعامة الحزب.
وبإعادة انتخابه بـ61.8 في المائة من الأصوات يضيف كوربن نقطتين إلى رصيده الذي سجله العام الماضي، بفارق كبير عن منافسه الوحيد النائب عن ويلز أوين سميث (46 عاما).
التحديات التي يواجهها كوربن كثيرة، وهل فعلا أصبح عالة على الحزب، وأن وجوده قد يحرم الحزب من الوصول إلى السلطة. أم أن سياساته تلاقي شعبية في صفوف الحزب وتضعه لأول مرة خارج إطار أحزاب المؤسسة.
هناك كثير من القضايا التي تعتبر من ثوابت المؤسسة البريطانية، مثل الحفاظ على بريطانيا كقوة رادعة من خلال ترسانتها من الأسلحة النووية، وأيضا سياستها الخارجية المبنية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على علاقات خاصة مع واشنطن. أضف إلى ذلك السياسات الاقتصادية مثل تأميم الخدمات الأساسية كشبكة السكك الحديدية. سياسات زعيم حزب العمال الحالي كلها تصب في هذا الجانب، والتي تتنافى مع المقبول بالنسبة لأحزاب السلطة.
مولين كان يتمتع بفهم عال لآلية عمل المؤسسة البريطانية، ويعرف ثوابتها وما تسمح أو لا تسمح به. ويعرف تاريخ البلد الاستخباراتي وعلاقاته الدولية خلال فترة الحرب الباردة. قدم مولين شخصيته الرئيسية في الرواية في هذه الطريقة، والتي تشبه شخصية كوربن. إلا أن مولين لم يوصل بطله إلى زعامة الحزب فقط وإنما إلى السلطة ليصبح رئيسا للوزراء، الذي تقف المؤسسة البريطانية بكل أطيافها ضده، حتى حزبه يتآمر ضده.
172 من نواب حزب العمال في البرلمان يقفون ضد كوربن، كما استقال وانفض من حول كوربن أعضاء حكومة الظل، قائلين إن قيادته ستكون «مصيبة» للحزب، وستنتهي بشقه.
أطلق كوربن حملة دعاية لإعادة انتخابه، داعيا أعضاء الحزب إلى الاتحاد ضد حزب المحافظين الحاكم، ومؤكدا أن حزبه بإمكانه الفوز في الانتخابات العامة بقيادته.
وقال كوربن لأنصاره وللصحافيين في وسط لندن: «هذا الحزب ناجح، هذا الحزب قوي، هذا الحزب قادر على الفوز في الانتخابات العامة». وأضاف: «هذه هي المهمة، إنه واجب ومسؤولية أعضاء البرلمان أن يدعموا الحزب ضد حزب المحافظين».
وذكر كوربن أن «حزب العمال أصبح أقوى» منذ أن قاده العام الماضي، مشيرا إلى ارتفاع عدد الأعضاء بشدة وتحقيق نتائج جيدة في الانتخابات التكميلية. وقال كوربن: «لقد زاد عدد أعضاء حزب العمال من أقل من مائتي ألف عضو قبل عام واحد فقط إلى أكثر من نصف مليون عضو»، ليصبح أكبر حزب في أوروبا الغربية.
وأدى مشروع «الثورة الديمقراطية» والأفكار اليسارية إلى جذب كثيرين، ما غذى اتهامات بتسلل ماركسيين قدامى وعناصر من أنصار حماية البيئة إلى الحزب. لكن الهوة بين قاعدة الحزب وقيادته أصبحت كبيرة جدا. وعلى وقع التصفيق، سارع كوربن إلى دعوة حزب العمال إلى رص الصفوف، قائلا لمعارضيه أمام مؤتمر الحزب: «فلنعمل سويا من أجل تغيير حقيقي ولنفتح صفحة جديدة».
وبفوزه يضع كوربن حدا نهائيا لإرث رئيس الوزراء العمالي السابق توني بلير الذي أثارت سياسته الوسطية وقراره بالتدخل في العراق عام 2003 معارضة الآلاف من أعضاء الحزب.
وقال باتريك دونليفي الأستاذ في كلية لندن للاقتصاد، في تعليقات أوردتها الوكالة الفرنسية للأنباء: «في كل أنحاء أوروبا، شهدنا نشوء أحزاب مبنية على حركات ناشطين مثل بوديموس في إسبانيا، أو النجوم الخمس في إيطاليا، أو سيريزا في اليونان. ومع جيرمي كوربن يقترب حزب العمال من هذا الاتجاه». أما المعتدلون المدعومون بنتائج استطلاعات الرأي، فيعتقدون أن هذه الاستراتيجية ستؤدي إلى بقاء حزب العمال في صفوف المعارضة على مدى سنوات عدة أو حتى عقود.
وقال أنان مينون أستاذ العلوم السياسية في كلية كينغز بجامعة لندن إن «النتيجة الأولى لإعادة انتخاب جيرمي كوربن هي أن حزب العمال لن يعود إلى السلطة قريبا».
وبالنسبة إلى المحللين، فإن الانتخابات البرلمانية المقبلة عام 2020 ستصب في صالح المحافظين الموجودين في السلطة والذين يعتبرون في نهاية المطاف الفائز الحقيقي.
غير أن كوربن لا يوافق على ذلك إطلاقا. وقال: «سنقاتل من أجل الفوز في الانتخابات المقبلة في عام 2020». وحتى قبل إعادة انتخابه، قال كوربن إنه «يمد يد السلام» إلى جميع النواب الذين أظهروا انقساما خلال الصيف. وبحسب أوساط كوربن، فإن كثيرا من المعارضين يستعدون للانخراط في صفوف الحزب.
ولا يبدو ممكنا التوفيق بين مواقف المعسكرين داخل الحزب في هذه المرحلة، إلى حد أن البعض يخشى على مستقبل الحزب. فالنواب المعتدلون المقتنعون بأن وجود كوربن يمنع عودة الحزب إلى السلطة، قد تغريهم فكرة الانفصال لخلق تيار جديد يساري وسطي. لكن معظم المحللين لا يتوقعون سيناريو مماثلا، على الأقل في المدى المنظور. وقال توني ترافرز، من كلية لندن للاقتصاد إن «البعض سيدخلون إلى صفوف الحزب، فيما سيواصل آخرون التمرد. سيتحول حزب العمال إلى عائلة تعيسة تحاول التعايش».
وقال أنان مينون: «الفكرة تكمن في بناء حركة اجتماعية. ومؤيدو هذه الفكرة مستعدون لأن يقبلوا بأن يستغرق ذلك وقتا طويلا. الأمر يتعلق بتغيير الحزب أولا قبل التحضير للانتخابات المقبلة».
وقال ستيفن فيلدينغ من جامعة نوتنغهام «إنها فرصة ذهبية ولن يدعوها تمر». وأضاف: «حرب الاستنزاف ستستمر. ويجب أن يضرب كويكب الأرض من أجل أن يتغير ذلك».
ورجوعا إلى رواية مولين، فإن بطل «انقلاب عسكري بريطاني بامتياز» يفوز بالانتخابات العامة، ويصبح رئيسا للوزراء وتتآمر المؤسسة ضده، الأحزاب الرئيسية والقصر والجيش، لإرغامه على الاستقالة بعد أن اضطر أن يقترض الأموال من البنوك الروسية (خلال الحرب الباردة). يطلب منه أن يعلن استقالته على الهواء من استوديوهات الـ«بي بي سي». ويقبل بذلك. لكنه يعلن للناس حجم المؤامرة ضده، ويقول لهم إن الخيار خياركم، سوف ننظم انتخابات عامة. ويرشح بطل الرواية (كوربن) نفسه ويفوز بأكثرية ويصبح مرة أخرى رئيسا للوزراء. تنتهي الدراما بمشهد الطائرات تحلق فوق لندن. إنه انقلاب عسكري بريطاني بامتياز.



اتفاق ترمب مع إيران يواجه انتقادات واسعة في أميركا

لافتة أمام الكونغرس عن غلاء أسعار البنزين بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
لافتة أمام الكونغرس عن غلاء أسعار البنزين بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
TT

اتفاق ترمب مع إيران يواجه انتقادات واسعة في أميركا

لافتة أمام الكونغرس عن غلاء أسعار البنزين بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
لافتة أمام الكونغرس عن غلاء أسعار البنزين بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

أدى الاتفاق المؤقت الذي أبرمه الرئيس دونالد ترمب لإنهاء الحرب مع إيران إلى تراجع معدلات التأييد له، كما أثار انتقادات واسعة عبر مختلف الأطياف السياسية، حتى من بعض أنصاره. وتظهر مقابلات أجريت في الآونة الأخيرة مع 18 أميركياً صوتوا لترمب في انتخابات 2024، وهي مجموعة تجري «رويترز» مقابلات شهرية معها منذ عودته إلى السلطة، أن معظمهم يساورهم الشك حيال الاتفاق.

وينص الاتفاق على إعادة فتح مضيق هرمز، مع تعليق مؤقت للعقوبات النفطية الأميركية على إيران، إضافة إلى إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار لإعادة إعمارها. وقال تيري ألبرتا (65 عاماً)، وهو طيار في ولاية ميشيغان «نحتاج إلى إضعاف النظام الإيراني بشكل حقيقي، بدلاً من هذا الأسلوب القائم على توجيه ضربة محدودة ثم التراجع وتركهم يعيدون البناء».

وكشف استطلاع أجرته «رويترز - إبسوس» عن أنه بشكل عام، لا يرى سوى ربع الأميركيين أن الحرب مع إيران كانت تستحق تكلفتها، فيما يشعر معظمهم بالقلق من أن الهدنة مع طهران قد لا تكون مستدامة.

ويخشى كثير من ناخبي ترمب أن تؤدي التنازلات، التي لا تحظي بتأييد من الرأي العام والتي قدمها لإيران، إلى تقويض فرص الجمهوريين في الاحتفاظ بالسيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني)، رغم أن أشد المنتقدين للاتفاق كانوا قد بدأوا بالفعل يفقدون الثقة بالرئيس حتى قبل اندلاع الحرب. ويرى ستة من أفراد المجموعة التي شملها الاستطلاع أن ترمب لا تزال لديه خطط للإطاحة بالحكومة الإيرانية.

وكانت غالبية المجموعة دعمت الحرب في بداياتها، معتبرة أن الضربات الأميركية ضرورية لاستنزاف مخزون إيران من الصواريخ بعيدة المدى وتقويض برنامجها النووي.

عدم الوثوق بطهران

لكن بعد نحو أربعة أشهر، ومع ازدياد ثقة إيران السياسية وبقاء جزء كبير من قدراتها العسكرية متماسكاً، انتقد 14 من المشاركين في الاستطلاع بعض جوانب مذكرة التفاهم التي أعلن عنها في 14 يونيو (حزيران).

وأبدى معظمهم شكوكاً في إمكانية الوثوق بطهران للالتزام بأي اتفاق، وعبروا عن استيائهم من احتمال منحها مليارات الدولارات لإعادة الإعمار.

ومن المقرر أن يكون الصندوق الذي يضم 300 مليار دولار أداة استثمارية خاصة، وليس خطة ممولة حكومياً، على الرغم من عدم الإفصاح بعد عن تفاصيله الدقيقة.

وقال خوان ريفيرا (26 عاماً): «انتقد ترمب أسلافه بسبب التفاوض مع الإرهابيين، لكنه في الأساس فعل الشيء ذاته تماماً».

لا يزال ريفيرا يعتزم دعم معظم المرشحين الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، لكنه قال إنه عندما تطوع في الآونة الأخيرة لحشد الناخبين من أصول لاتينية في منطقته قرب سان دييغو، وجد أن العديد من مؤيدي ترمب يشعرون بخيبة أمل كبيرة من طريقة إدارة الرئيس للحرب، إلى جانب قضايا أخرى، إلى حد أنهم فقدوا الحافز لدعم حزبه في نوفمبر. وأضاف: «كثيرون يقولون: لماذا أصوت إذا كان الرئيس لا يفعل ما وعد به؟».

وفي رد على طلب للتعليق، قال متحدث باسم البيت الأبيض لـ«رويترز» إن إنجازات ترمب «في ساحة المعركة وعلى طاولة المفاوضات استثنائية بكل المقاييس، وستعزز أمن الولايات المتحدة لسنوات طويلة».

أما ستيف إيجان (65 عاماً)، وهو موزع منتجات ترويجية في تامبا، فقد بدأ يفقد ثقته بترمب مطلع عام 2025، بعدما أضرت زيادات الأسعار الناجمة عن الرسوم الجمركية بنشاطه التجاري.

«قبلة الموت»

ومنذ البداية، أبدى إيجان شكوكاً بشأن مبررات الرئيس للحرب، ويشعر بالغضب من أنها أسهمت في رفع أسعار الوقود وسلع أخرى. وقال: «في الوقت الحالي، لا يبدو أن الأمر كان يستحق كل ذلك»، مشيراً إلى أن الهدف المعلن المتمثل في تغيير النظام «لم يتحقق».

وأضاف أن نظرته للرئيس تراجعت إلى حد أن تأييد ترمب لمرشح ما سيعد بمثابة «قبلة الموت» بالنسبة له عند اتخاذ قراره بشأن التصويت في الانتخابات.

وقال براندون نويميستر (37 عاماً)، وهو موظف في سجون ولاية بنسلفانيا وعنصر سابق في الحرس الوطني، إن الصراع يبدو وكأنه عاد بالنفع فقط على شركات النفط. وأضاف أنه حتى قبل اندلاع الحرب لم يكن ينوي التصويت في انتخابات نوفمبر، بسبب استيائه من السياسة.

أما روبرت بيلوبس (35 عاماً)، من ولاية واشنطن، فأبدى تفاؤلاً حذراً بإمكانية صمود اتفاق السلام، لكنه اعتبر أن الحرب زادت من العداء تجاه الولايات المتحدة بدلاً من تعزيز أمنها.

وأشار إلى أن تقديره لنائب الرئيس جي دي فانس، المكلف بقيادة المفاوضات الأميركية مع إيران، تراجع، مضيفاً أنه لم يعد يميل إلى تفضيل المرشحين الجمهوريين.

وقال: «في نوفمبر، سأصوت لمن يملك الخطة الأفضل هذه المرة، بغض النظر عن انتمائه الحزبي».

خطة أكبر

على الرغم من إصرار ترمب على رغبته في إنهاء الحرب، فإن ستة من أكثر ناخبيه ولاء أعربوا عن أملهم في أن تكون لديه خطط سرية لإخضاع إيران. وقالت كيت موتل (63 عاماً)، وهي سكرتيرة في مكتب بلدية بضواحي شيكاغو، إن «تدمير» النظام في طهران يبدو السبيل الوحيد لتجنب صراع مستقبلي.

وأضافت أن إحجام ترمب عن مزيد من التدخل العسكري سيكون «مخيباً للآمال جداً»، مشيرة إلى اعتقادها بأن «هناك خطة أكبر في هذا الشأن».

واتفق ريتش سومورا (62 عاماً)، وهو مهندس في ولاية نورث كارولاينا، مع هذا الطرح، قائلاً إن ترمب على الأرجح لديه خطط أكثر تشدداً. وأضاف: «لا أستطيع أن أتخيل أنه خاض كل هذا دون أن يجد طريقة للتخلص من قادة إيران». لكن دبلوماسيين ومحللين يرون أن الحرب لم تسفر إلا عن تعزيز قبضة القيادة الدينية في إيران.

وقال سومورا إن القلق سيساوره إذا استمر هؤلاء في السلطة لشهر آخر.

وفي بريسكوت بولاية أريزونا، قالت جويس كيني (74 عاماً) إنها تؤيد رفع العقوبات، معتبرة أن استعادة قدرة إيران على التبادل التجاري مع الدول الأخرى من شأنه أن يضمن التزام قادتها بوقف إطلاق النار. لكنها رأت أن صندوق إعادة الإعمار أمر غير مقبول، قائلة: «هذه ليست مسؤوليتنا».


الكونغو الديمقراطية تصعّد ضد رواندا أمام «العدل الدولية»

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (صفحة الرئاسة على «إكس»)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (صفحة الرئاسة على «إكس»)
TT

الكونغو الديمقراطية تصعّد ضد رواندا أمام «العدل الدولية»

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (صفحة الرئاسة على «إكس»)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (صفحة الرئاسة على «إكس»)

لجأت الكونغو الديمقراطية، للمرة الثالثة، إلى تقديم دعوى ضد رواندا تتهمها فيها بدعم جماعات مسلحة لتنفيذ عمليات عسكرية على أراضيها، وسط مفاوضات جارية بين البلدين بشأن التطورات في شرق الكونغو.

تلك الخطوة، يرى خبير في الشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، ستصعّد الأمور بين البلدين، وتعقّد مسار التفاهمات خلال المفاوضات الجارية، مؤكداً أهمية العمل على مقاربة شاملة لحل الأزمة بحضور كل الدول المعنية.

تحرك كونغولي جديد

وقالت حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية، الجمعة، إن البلاد رفعت دعوى ضد ​رواندا أمام محكمة العدل الدولية بشأن دورها في الصراع المستمر ‌منذ فترة طويلة في شرق البلاد، وفقاً لـ«رويترز».

وهذه هي المرة الثالثة التي تحاول فيها ​الكونغو الديمقراطية ⁠رفع دعوى ضد رواندا أمام محكمة العدل الدولية، التي تُعدّ أعلى محكمة تابعة للأمم المتحدة وتختص بالفصل في الصراعات بين الدول والنظر ⁠في الانتهاكات ​المزعومة للمعاهدات الدولية، وسبق أن سحبت السلطات في كينشاسا ​الدعوى الأولى في 2001 لإعطاء مساحة للدبلوماسية، ورفضت محكمة العدل الدولية الدعوى الثانية في 2006 لعدم اختصاصها بالنظر فيها ​آنذاك.

واتهمت حكومة الكونغو رواندا، في بيان الجمعة، بانتهاك الاتفاقات الدولية، ومنها تلك المتعلقة بالإبادة الجماعية والتمييز العنصري والتعذيب، وإرسال قوات ​ودعم وتوجيه جماعات مسلحة لتنفيذ عمليات عسكرية غير ​مشروعة على أراضيها في أعقاب جرائم الإبادة الجماعية التي وقعت ⁠في رواندا عام 1994، مطالبة محكمة العدل الدولية بأن تأمر رواندا بوقف ​الانتهاكات المزعومة ومنح تعويضات للبلاد ولضحاياها.

ولم يصدر أي رد حتى الآن من حكومة رواندا، التي سبق أن نفت باستمرار المزاعم بأنها تدعم جماعات متمردة ناشطة ​في الكونغو.

ووفق «رويترز»، أكدت محكمة العدل الدولية، المعروفة أيضاً باسم «المحكمة ‌العالمية»، ⁠أنها تلقت طلباً من الكونغو برفع دعوى قضائية، وسبق أن انحاز خبراء الأمم المتحدة والحكومات الغربية إلى الكونغو الديمقراطية في إثبات مسؤولية رواندا عن تقديم الدعم إلى حركة «23 مارس» المتمردة، وهي جماعة مسلحة رئيسية في شرق ​البلاد.

وتعود جذور هذا ​الصراع المستمر منذ ⁠عقود إلى الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 وفرار فلول القوات المرتبطة بالإبادة عبر الحدود إلى ​شرق الكونغو.

تشيسيكيدي خلال ترؤسه اجتماعاً للحكومة في منتصف يونيو الحالي (صفحة الرئاسة الكونغولية على «إكس»)

ويرى المحلل في الشؤون الأفريقية، الدكتور محمد تورشين، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن لجوء جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى محكمة العدل الدولية تصعيد جديد رغم أن هذا المسار لن يكتمل مجدداً، خصوصاً أنه يقتضي موافقة الطرف الآخر، وهي رواندا، في القبول بالإجراءات والقرارات التي تُتخذ من قِبل المحكمة.

ويعتقد تورشين أن استمرارية التصعيد في الكونغو وفي المنظمات الدولية ستترتب عليها بلا شك العديد من التبعات على مسار السلام، وتصعيد كل من «الجبهة الوطنية لتحرير رواندا»، وكذلك حركة «23 مارس» العمليات في البلدين، خصوصاً أن رواندا لم توقف دعمها للحركة المتمردة في الكونغو، وفي الاتجاه الآخر لا تزال «الجبهة الوطنية لتحرير رواندا» حاضرة ومدعومة من الحكومة الكونغولية.

مستقبل المفاوضات

ويأتي الموقف الكونغولي غداة استضافة لندن، الخميس، مفاوضات العاصمتين الجارتين كيغالي وكينشاسا، برعاية أميركية-قطرية-أفريقية بعد نحو شهرين من الجمود في تطبيق مسار السلام الذي رعته واشنطن والدوحة العام الماضي، خصوصاً مع تصاعد العمليات العسكرية وتفاقم الأوضاع الإنسانية مع انتشار فيروس إيبولا في شرق الكونغو الديمقراطية.

وعقدت لجنة الإشراف على اتفاق السلام بين الكونغو الديمقراطية، وجمهورية رواندا، اجتماعها السادس في لندن، بمشاركة ممثلين عن البلدين، إلى جانب دولة قطر والولايات المتحدة، وتوغو بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي، ومفوضية الاتحاد الأفريقي.

وأعربت اللجنة، حسب بيان لـ«الخارجية القطرية» مساء الخميس، عن قلقها البالغ إزاء تصاعد القتال، وتأثير الهجمات بالطائرات المسيّرة على المدنيين، ومسار السلام، وتفاقم الوضع الإنساني في شرق الكونغو الديمقراطية، بما في ذلك استمرار تفشي فيروس إيبولا.

وجاء الاجتماع بعد شهرَين من الاجتماع الخامس في واشنطن، الذي تلاه تصاعد عمليات القتال، وعقد اجتماع اللجنة بعد نحو أسابيع قليلة من فرض واشنطن عقوبات أميركية جديدة على «قادة التمرد» في شرق الكونغو المدعمين من رواندا.

ولم تنجح الكونغو الديمقراطية في اقتناص سلام كامل بعد جولات تفاوض في عام 2025، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، قد وقّعوا في واشنطن، نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما.

وجاء التوقيع بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، بالإضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي، فيما لم تسفر محادثات في 2026، كان آخرها في أبريل (نيسان) الماضي بسويسرا، عن تقدم بعد.

وفي ضوء تلك التطورات، يعتقد تورشين أن الوصول إلى تفاهمات من شأنها أن تُفضي إلى تحقيق سلام حقيقي هو أمر في غاية الصعوبة في الوقت الحاضر رغم عودة مباحثات السلام مجدداً خصوصاً أنها لم تحقق الكثير من النجاحات بعد، مما سيجعل الوضع شائكاً للغاية، ومسألة التوصل إلى اتفاق سلام ستكون بعيدة المنال حالياً.

وشدد تورشين على «أن السلام في منطقة البحيرات العظمى بحاجة إلى مقاربة شاملة يتم إشراك دول المنطقة كافّة فيها، وهي المنطقة التي تشهد تداخلاً قبلياً وإثنياً، ونعني بذلك رواندا، والكونغو، وبوروندي، وأوغندا»، مؤكداً وجوب حضور كل هذه الدول في هذا الأمر لمعالجة هذه المسائل بشكل جاد، وتحقيق السلام أو الأمن الإقليمي في إطار المحافظة على مصالح تلك المجموعات الموجودة.

Your Premium trial has ended


حلول بسيطة ومنخفضة التكلفة لتبريد المدن في ظل الحرّ الشديد

مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)
مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)
TT

حلول بسيطة ومنخفضة التكلفة لتبريد المدن في ظل الحرّ الشديد

مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)
مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)

من المظلات وأجهزة رشّ المياه في الشوارع إلى النباتات المتسلقة، يؤكد خبراء أن ثمة حلولاً بسيطة وسريعة ومنخفضة التكلفة لمكافحة موجات الحر في المدن، إلى جانب زراعة الأشجار ومشاريع التجديد العمراني الكبرى.

يقول المخطط المُدني الفرنسي والمتخصص في التكيف مع التغير المناخي كليمان غايار، إن التحدي الذي تواجهه المدن يكمن في «جعل المساحات العامة أكثر راحة وسهولة للاستخدام خلال موجات الحر»، معتبراً أنّ ذلك يتطلب زيادة المساحات المظلَّلة.

ويضيف لوكالة الصحافة الفرنسية: «إما أن تسمح طبيعة التربة بذلك، وفي هذه الحالة ينبغي إعطاء الأولوية لزراعة الأشجار، وإما أن يمكن تركيب أشرعة تظليل عن طريق تثبيتها على الواجهات القائمة».

كثيرون لجأوا إلى النوم في الحدائق العامة بباريس هرباً من القيظ (رويترز)

وقد أعيد إحياء هذه الحلول التي تعود إلى القرن التاسع عشر بعد تطويرها، وانتشرت في مدينة تولوز بجنوب غربي فرنسا، حيث تفيد البلدية بأنها ساعدت على خفض الحرارة «بما يتراوح بين درجة واحدة وخمس درجات».

إلا أن هذه الأشرعة لا تخلو من السلبيات، من بينها خطر اقتلاعها خلال العواصف، وإعاقة وصول فرق الإطفاء إلى الواجهات، فضلاً عن احتمال الحد من التبريد الليلي إذا لم تكن منفذة للهواء.

يتجه بعض المدن إلى ابتكار حلول هجينة. ففي مدينة كوير (جنوب شرقي فرنسا) أطلقت البلدية مشروع «مدينة منخفضة الحرارة صيفاً»، متخذةً مجموعة من التدابير من بينها مظلات بسيطة للحد من الإشعاع الشمسي، ومظلة شمسية كهروضوئية مُصممة لتوليد الكهرباء لصالح مركز ثقافي.

ويتيح استخدام النباتات المتسلقة، مثل نبات الجنجل أو اللبلاب الخماسي الأوراق، توفير الظل على مساحات واسعة، سواء على الواجهات أو على الأسلاك ممتدة بين المباني.

وتقول لوينا تروفي، مديرة المشاريع في مركز الدراسات والخبرات بشأن المخاطر والبيئة والتنقل والتخطيط (سيريما): «إن عدداً متزايداً من المجموعات المحلية بات يختار نباتات مثل القفزات، لما توفره من ظل سريع، نظراً إلى كونها نباتاً سريع النمو».

وتُشكل إدارة الموارد المائية أيضاً أداة أساسية في هذا المجال.

امرأة تحمي رأسها من الشمس بواسطة مروحة يدوية خارج قصر باكنغهام في لندن (إ.ب.أ)

في ليون (جنوب شرقي فرنسا)، يهدف مشروع «أشجار المطر» إلى تعزيز تسرب مياه الأمطار في أماكن سقوطها، من أجل إنشاء نقاط تبريد.

مقاعد مبردة

ولبلوغ هذا الهدف، توسّع المدينة الحفر المحيطة بالأشجار الموجودة، كما أًعيد تصميم شبكة الطرق لتجميع مياه الأمطار وتوجيهها نحو الأشجار عبر خنادق امتصاص ومجارٍ نباتية، بدلاً من تصريفها في شبكة الصرف الصحي.

يقول المندوب العام لجمعية المدن والأقاليم المستدامة الفرنسية سيباستيان ماير: «إن أولى المشكلات في هذا التكيف هي المياه، فمن دونها لا توجد نباتات. ولا يزال يتعيّن إحراز تقدم في التعامل مع مياه الأمطار بوصفها مورداً مهماً وليست مخلّفات، إذ تسهم في الحفاظ على المساحات الخضراء وتبريد المدن عبر عملية النتح التبخري».

ومن بين الحلول الأخرى أنظمة الرذاذ والمقاعد المبردة، التي تحافظ على برودتها عن طريق سحب الهواء من باطن الأرض، مثل الهواء الموجود في المحاجر ثم إعادة توزيعه.

وأظهرت تجربة أُجريت في باريس أن رشّ الشوارع بالماء يمكن أن يسهم بشكل ملحوظ في خفض حرارة الأسطح، لا سيما عندما يتم ذلك في نهاية اليوم لزيادة أثر التبخر.

ويقول غايار: «سنستخدم هذه الطريقة في الشوارع الضيقة، فكلما ضاق الشارع، كان أكثر راحةً خلال النهار، ولكن يصعب تصريف الحرارة ليلاً».

ويؤكد غايار أن الباحات الداخلية تبرز ضمن الحلول «منخفضة التقنية».

ويشير إلى أن «هذه الأفنية المظللة تعمل كمصائد للهواء البارد. فكلما ضاق الفناء، زادت برودته نهاراً، إذ تنخفض الحرارة فيه بما يصل إلى 9 درجات مئوية عن الخارج»، مع العلم أن التوسع العمراني قد قلّل انتشارها.

يتبرّدون بالماء قرب الكولوسيوم في روما (رويترز)

وتواجه هذه الحلول بدورها حدوداً واضحة في ظل موجات حرّ متزايدة التكرار والطول والشدة، مما يعرّض الأشجار أيضاً لحالة من الإجهاد المائي.

يدعو بعض الخبراء إلى اتباع مقاربة تشمل المساحات العامة والخاصة على السواء.

ويقول سيباستيان ماير: «بعد اعتماد استراتيجيات للتكيّف في المساحات العام التي تمثّل نحو 20 في المائة من مساحة المدن، تشكل المرحلة التالية نهجاً تشاركياً يشمل 80 في المائة، أي الشركات المالكة للعقارات، ومؤسسات الإسكان الاجتماعي، وجمعيات مالكي الوحدات السكنية، والهيئات الدينية».

Your Premium trial has ended