غازي عنتاب.. منفذ «داعش»

سادس كبرى المدن التركية تحتل موقعًا استراتيجيًا واقتصاديًا مهمًا وتشكل مركزًا للدعم اللوجيستي

غازي عنتاب.. منفذ «داعش»
TT

غازي عنتاب.. منفذ «داعش»

غازي عنتاب.. منفذ «داعش»

أصبحت مدينة غازي عنتاب، في جنوب تركيا، محط الأنظار بعد ظهور تنظيم داعش الإرهابي كونها أقرب نقطة إلى المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في شمال سوريا، خصوصًا جرابلس وأعزاز. وهذا، على الأقل، ما كان الوضع عليه قبل القضاء على وجوده هناك من خلال عملية «درع الفرات»، التي دعمت فيها تركيا وحدات من «قوات الجيش السوري الحر» بالتنسيق مع التحالف الدولي لضرب «داعش»، التي انطلقت في الرابع والعشرين من أغسطس (آب) الماضي، وما زالت مستمرة.
عنتاب (عينتاب)، أو غازي عنتاب هي عاصمة محافظة غازي عنتاب في جنوب تركيا على حدود سوريا، وهي تعد سادس كبرى المدن التركية من حيث عدد السكان. وجدير بالذكر أن الأتراك ما زالوا يسمونها عنتاب على الرغم من أن البرلمان التركي أضاف إلى اسمها كلمة «غازي» عام 1921، وكانت قديما جزءًا من بلاد الشام.
وغازي عنتاب مدينة استراتيجية تتصل بخليج الإسكندرونة بمنفذ ضيق من ناحية الشمال، وتتصل من الشرق بمحافظة شانلي أورفة (أي أورفة ذات الشأن أو المحترمة) ومن الشمال بمحافظة قهرمان مرعش (أي مرعش الشُّجاعة أو الباسلة) وتجاورها من ناحية الغرب محافظة أضنة.

قاعدة لوجيستية
تعد غازي عنتاب، وفق كثرة من المراقبين، قاعدة الدعم اللوجيستي لتنظيم داعش الإرهابي المتطرف في تركيا و«رأس حربة» التنظيم في الداخل التركي. فمنها كان التنظيم يجمع عناصره المحلية والآتية من الخارج أيضًا، وفيها وفي محيطها كان يقيم معسكرات للتدريب، وإليها كان يفد الباحثون عن ذويهم ممّن هجروا بلادهم وأتوا للقتال في صفوف «داعش» في سوريا والعراق. كذلك، منها انطلق العديد من الهجمات الإرهابية في تركيا التي استهدفت الأكراد بصفة أساسية، ثم توسّعت أهدافها ضد تركيا مع بدء تطبيقها سياسات صارمة على حدودها ومشاركتها في التحالف الدولي لضرب «داعش»، وصولاً إلى دخول شمال سوريا لملاحقة التنظيم وتطهير حدودها منه انطلاقا من منطقة كركميش التي تعد نقطة التماس التركية مع مدينة جرابلس الحدودية السورية.
تضم محافظة غازي عنتاب قطاعين سكنيين حضريين هما شاهين بي وشهيد كامل، وتبلغ مساحتها 7642 كيلومترًا مربعًا ويقارب عدد سكانها المليون و700 ألف نسمة، أصولهم خليط من القوميات، أكبرها الكردية ثم التركية مع أقلية من الشركس والعرب.
وتختص غازي عنتاب بنحو 4 إلى 6 في المائة من الحجم الكلي للصناعات التركية، وخصوصًا ورش التعدين والنحاس ومصانع السجاد، كما تشهد الحركة السياحية فيها نموًا لافتًا، لا سيما في محيط قلعة غازي عنتاب الشهيرة. ويشتهر سكان غازي عنتاب بنشاطهم الزراعي، ففيها تنتشر كروم العنب ومعاصر الزيتون ومزارع الفستق التركي الشهير الذي يعرف في تركيا باسم «عنتاب فستق» (أو «الفستق العنتابي») وهو من أكثر أنواع الفستق التركي جودة وأغلاها ثمنًا. ومن ثم تُعرف بكثرة الصناعات الغذائية التقليدية الشهيرة في تركيا كالكَباب العنتابي واللحم بالعجين وحلوى البقلاوة.

من «القاعدة» إلى «داعش»
عام 2005، ألقت قوات الأمن القبض على بعض عناصر «القاعدة» في غازي عنتاب كانوا يقومون بتدريبات في منطقة غابات، وذلك في أعقاب عملية رصد استغرقت سنتين. ويومذاك كان يوسف دورماز، الذي أصبح فيما بعد مسؤول تنظيم داعش في غازي عنتاب، ضمن من اعتقلوا، وتبين أنهم انضموا لاحقًا إلى «داعش»، وأنهم كانوا يدربون أطفالاً صغارًا أيضًا. وكُشف أن دورماز هو المسؤول عن تفجير محطة القطار الرئيسية في العاصمة التركية أنقرة عام 2015 الذي راح ضحيته 101 شخص، أثناء مسيرة نظمها حزب الشعوب الديمقراطي الكردي تحت عنوان «تجمّع السلام والديمقراطية»، قبل انتخابات السابع من يونيو (حزيران) 2015.
في العام نفسه وقعت 3 هجمات إرهابية ضخمة انطلقت جميعها من غازي عنتاب ونفذها «داعش»، هي الهجمات التي استهدفت اجتماعات ومؤتمرات لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي في مدن ديار بكر وسَروج (بمحافظة شانلي أورفة) وأنقرة، وتبين أن المتهمين في التفجيرات الثلاثة أقاموا من قبل في غازي عنتاب التي غدت القاعدة اللوجيستية للتنظيم المتطرف في سوريا كونها نقطة تماس مع مدينتي جرابلس وأعزاز السوريتين. ولقد وصفت صحيفة «راديكال» في تقرير لها في عام 2014 غازي عنتاب بـ«مركز الدعم اللوجيستي الاستراتيجي لـ(داعش) في جرابلس وأعزاز»، وأضافت: «منها تخرج العناصر المحلية والأجنبية الآتية إلى تركيا وتتجه إلى داخل سوريا، وهي أيضًا النقطة التي يقصدها الأجانب الذين يبحثون عن ذويهم ممن جاءوا إلى تركيا والتحقوا بالتنظيم عبر أراضيها».

استراتيجية «داعش»
والحقيقة أن «داعش» اعتمد استراتيجية خاصة في تجنيد عناصره بغازي عنتاب تركزت على الخطاب الديني لخداع العناصر التي يرى أنها يمكن أن تنضم إليه، وخصوصًا من الشباب ممن لم يكملوا دراستهم ليس لديهم أمل في المستقبل أو من مدمني المخدرات.
ووفق ما كشفه أحد عناصر «داعش» (25 سنة) بعدما سلّم نفسه للسلطات التركية أخيرًا، كان التنظيم يرسل قوافل إلى الأحياء الفقيرة في غازي عنتاب حيث ينظم دروسًا لتحفيظ القرآن. وكان يجمع التبرعات علنًا على أنها تبرّعات للأعمال الإنسانية، ويضع مناضد في الميادين العامة وتجمع عناصره الأموال تمهيدًا لإرسالها إلى داخل سوريا. ولفت إلى أن هذا الأسلوب بدأ به التنظيم في العراق وسوريا منذ أكثر من 3 سنوات، ونقله بعد ذلك تطبيقه في غازي عنتاب.
وأشار العنصر الداعشي إلى أنه كان يقوم بتجنيد العناصر في غازي عنتاب من خلال تقديم الوعود بالعمل والزواج فور الوصول إلى المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في سوريا، ويغري المنضمين إليه بأحلام إقامة «الخلافة»، ويقنعهم بقتل العلويين والأكراد و«معاملتهم معاملة الكفار»، بعد استخراج آيات تؤيد «قتل الكفار» من القرآن. وأكد أن هناك مئات ذهبوا إلى مدينة الرقّة، «عاصمة داعش» في سوريا، متأثرين بهذه الوعود، وأن الناس صدّقوا ما يقوله أعضاء التنظيم خلال الدروس.
ثم قال إن عناصر «داعش» الذين كانوا يأتون إلى غازي عنتاب من داخل سوريا كانوا يتعمّدون إثارة الفزع لدى سكان المدينة من أجل ترك منازلهم والهروب منها، وأنهم يحققون أموالاً طائلة من التجارة والتهريب. وتابع العنصر الداعشي أن هذه العناصر تدخل دائمًا في مشاجرات مع الأتراك والسوريين الذين نزحوا من بلادهم بسبب تهديدات عناصر «داعش» واستفزازات مدمني المخدرات والأشقياء المنضمين إلى صفوفهم. ولفت إلى أن كثيرين من السوريين الذين نزحوا إلى غازي عنتاب فرارًا من الحرب في سوريا غادروها مضطرين بسبب استفزازات «داعش»، وهربوا إلى مدن مثل ديار بكر وكيليس وشانلي أورفة وقهرمان مرعش وغيرها.

ضغوط على السوريين
من جانب آخر، روى بعض السوريين الفارين من غازي عنتاب أنهم عندما حضروا إلى تركيا كانوا يعتقدون أنهم سيكونون «في ضيافة (رجب طيب) إردوغان» وسيجدون العمل والسكن والحياة المريحة في انتظارهم، لكنهم فوجئوا بأوضاع ما كانوا يتخيلونها. ومثلاً، بسبب ارتفاع إيجارات المساكن، لجأ البعض إلى استئجار محلات تجارية لا تزيد مساحتها عن 20 مترا يقطن فيها 20 شخصًا، كما تعرضت نازحات سوريات للتحرش والضغوط، ولذا أخذت عائلاتهن تغادر المدينة. ثم قال إنه إذا انتهت الحرب في سوريا «سيصبح الوضع أكثر تعقيدا مع عودة الأتراك الذين انضموا إلى (داعش) في سوريا». وأوضح أن زعيم التنظيم في عموم تركيا يدعى إلهاملي بالي، بينما مسؤول «داعش» في غازي عنتاب هو يونس دورماز، وأشار إلى أن اثنين من مساعدي دورماز فرّا إلى سوريا.

إمارة غازي عنتاب
وكشفت مذكرة اتهام تقع في 500 صفحة أعدتها النيابة العامة في أنقرة أخيرًا، في إطار التحقيقات حول نشاط تنظيم القاعدة وصلته بـ«داعش»، عن مخطط لتنظيم داعش الإرهابي للسيطرة على غازي عنتاب وتحويلها إلى إمارة له في تركيا. وتحدثت مذكرة الاتهام عن خطة احتلال المدينة استنادًا إلى رسالة بعث بها يونس دورماز إلى إلهاملي بالي (زعيم «داعش» في تركيا) الذي أصدر التعليمات الخاصة بهجمات «داعش» في كل من منطقة السلطان أحمد في مدينة إسطنبول في بداية العام الحالي وديار بكر وسَروج ومحطة قطار أنقرة العام الماضي. وبحسب المذكرة اقترح دورماز التكتم على أنشطة التنظيم في تجنيد عناصر تنظيم داعش بغازي عنتاب من خلال الادعاء أنهم «يستهدفون حماية المسلمين ضد حزب العمال الكردستاني».
أما فيما يتعلق بوقت التنفيذ وشكل التنظيم، فقال دورماز: «راهنًا توجد في غازي عنتاب وظائف يمتهنها العرب فقط، إذ إن هناك نحو 50 رجلاً تقريبًا يعملون في صناعة الأحذية و(الشباشب). لذا سيستأجر مواطن تركي لا يلفت الأنظار مكانًا من طابقين وسيحوله إلى مقر عمل وسيوظّف فيه العرب فقط بواقع 50 رجلاً على الأقل. بهذه الطريقة سنخبئ رفاقنا خلف ستار مقر العمل. وإذا فتحنا 5 مقرات أخرى مشابهة لهذا سنتمكن من أداء مهامنا».
كذلك تضمنت مقترحات دورماز خطة الإيواء في المنازل غير المسجلة التي اطلع عليها الرأي العام التركي للمرة بعد ظهور أنباء حول استئجار منفذي الهجوم الانتحاري على مطار أتاتورك الدولي يوم 28 يونيو الماضي منزلاً في حي الفاتح بإسطنبول. وفي هذا الصدد قال دورماز: «ثمة منازل يقطنها العرب فقط. ويمكننا إسكان رفاقنا فيها بإيجار سنوي. فعلى سبيل المثال أنا أقطن في مبنى يسكنه العرب. المبنى مؤلف من 38 شقة وكل شقة تضم أربعة أشخاص على الأقل، مما يعني أن بإمكاننا إخفاء 110 أشخاص على الأقل».
وعقب وقوع الهجوم الذي تعرضت له بلدة عين العرب (كوباني) في شمال سوريا العام الماضي، وردت ادعاءات بأن «داعش» نفّذ هذا الهجوم بدعم خلايا التنظيم العاملة في غازي عنتاب.

ملاذ «الدواعش»
على صعيد آخر، يصدر الجيش التركي نشرة أسبوعية حول عدد مقاتلي «داعش» الذين يُعتقَلون في المدن التركية المختلفة. وتأتي مدينة غازي عنتاب في المرتبة الأولى دائمًا. كما أن المدعو أورهان ج. المتورط في تفجير استهدف مدينة ديار بكر، ذات الغالبية الكردية بجنوب شرقي تركيا، قبل يومين من الانتخابات البرلمانية التركية في 7 يونيو العام الماضي، وأسفر عن مقتل 4 وإصابة 402 آخرين، اعتُقل أيضًا في مدينة غازي عنتاب.
وتشير التقارير الأمنية إلى أن المقاتلين التابعين لتنظيم داعش الإرهابي، وكذلك المتعاطفين معه، يصلون إلى المدينة عبر الطرق البرية أو الجوية، ليبقوا لفترات في البيوت والمخابئ الخاصة بـ«داعش»، ومن ثم ينتقلون إلى الأراضي السورية، موضحة أن داعش حول المدينة إلى مركز للدعم اللوجيستي لتلبية احتياجاته من القوة البشرية والاحتياجات الأساسية.
وتثار اليوم بعض الادعاءات بأن التنظيم الإرهابي تلقى هزائم متتالية في عدد من المناطق المتاخمة للحدود مع تركيا، مما دفعه إلى الاختفاء بالانسحاب إلى خلايا التنظيم في غازي عنتاب وبلدة كيليس القريبة منها بجنوب تركيا. ولقد فجّر أران أردم، النائب عن حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض عن مدينة إسطنبول، مفاجآت مثيرة حول فعاليات تنظيم داعش الإرهابي داخل تركيا. وأشار أردم إلى أن تركيا تحتوي على نحو 200 خلية لـ«داعش»، وأن إسطنبول تضم خلايا نشطة، موضحًا أنه يمكن الاكتفاء بتفقّد قوائم المسافرين بين إسطنبول وغازي عنتاب منذ عام 2013 لفهم خطورة تنظيم داعش تركيا.
وادّعى أردم أن 20 في المائة على الأقل من المسافرين المُشار إليهم هم من ميليشيات «داعش»، مشيرًا إلى أن أكثر من 600 داعشي دخلوا غازي عنتاب بهذه الطريقة. وتابع إلى أن الآتين من الخارج للانضمام إلى «داعش» كانوا يستخدمون بيوت ضيافة تابعة لهيئة الشؤون الدينية في حي الفاتح من حين لآخر، لافتًا إلى أنه لا يعلم ما إن كانت هيئة الشؤون الدينية التركية على علم بهذا الأمر أم لا، غير أن هذا الأمر جلي، على حد قوله.
وأوضح أردم أن مساكن الشرطة استخدمت أيضًا للغرض نفسه، وأن ميليشيات «داعش» انتقلت من هناك إلى غازي عنتاب، حيث معسكرات التدريب التي يتلقّون فيه تدريبات نظرية، قبل التدريب على الأسلحة والقنابل فور بلوغهم الرقّة. وأكد أردم أن هيئتي الأمن العام والاستخبارات التركية على علم بكل هذه المعلومات، لكنهما لم تتخذا أي إجراءات في هذا الصدد. ثم أشار إلى اعتقال خالص بايانجوك - واسمه الحركي «أبو حنظلة»، الذي يُزعم أنه قائد التنظيم في تركيا، عقب هجوم سورج في شانلي أورفة العام الماضي، واقتيد إلى مديرية الأمن حيث طُرحت عليه خمسة أسئلة من بينها سؤال كوميدي حول ما إن كانت له أي علاقة بالتنظيم الإرهابي، ومن ثم أطلق سراحه، وتبين لاحقًا أنه فر إلى سوريا.

تحركات علنية
يوم 21 أغسطس الماضي وقع هجوم انتحاري على صالة للأفراح في منطقة شاهين بي بغازي عنتاب أودى بحياة 56 شخصًا، وأدى إلى إصابة 94 آخرين، ونسب الرئيس إردوغان المسؤولية عن الهجوم إلى تنظيم داعش، وقال إن طفلا بين 12 و14 سنة هو الذي نفذه. وكانت مصادر أمنية قد ذكرت أنه في 18 مايو (أيار) الماضي فجّر دورماز نفسه قبل القبض عليه في حملة أمنية في غازي عنتاب استهدفت تنظيم داعش. وعثرت قوات الأمن في جهاز الكومبيوتر الخاص به على قائمة بأسماء أعضاء التنظيم في تركيا والمهام المكلفين بها وقائمة بالعمليات الإرهابية التي كان من المقرر تنفيذها بواسطة عناصر «داعش» في تركيا، وعددها 3 آلاف و56 عملية انتحارية، لكن هناك معلومات أخرى تشير إلى هروبه إلى سوريا.
أيضًا كان مقطع فيديو التقطه أحد المواطنين في غازي عنتاب قد كشف عن احتفال أقامته عناصر تابعة للتنظيم عقب هجوم باريس الذي أودى بحياة نحو 160 مدنيًا في فرنسا العام الماضي. وأظهر الفيديو أنصار داعش يمرون بسياراتهم وعليها علم داعش الأسود من أحد الشوارع في غازي عنتاب، وهو نفسه الشارع الذي شهد التفجير الانتحاري في 21 أغسطس، والذي بعده بثلاثة أيام فقط انطلقت عملية «درع الفرات» في شمال سوريا.
وأوضحت تركيا بعدها أن الهدف منها هو تطهير حدودها من «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية، في إشارة إلى الميليشيات الكردية في سوريا، وإقامة «منطقة آمنة» بطول 95 كيلومترا وعمق 45 كيلومترا داخل الأراضي السورية ينقل إليها اللاجئون السوريون خلال سنتين، ومثلت هذه العملية منعطفا جديدا في تعامل تركيا مع تنظيم داعش، الذي لطالما اتهمت بدعمه.

أهداف جديدة
الدكتور مراد يشيل طاش، الخبير في مركز دراسات الشرق الأوسط في تركيا، يُرجع أسباب تصعيد «داعش» عملياته في تركيا في الفترة الأخيرة إلى سببين: أولهما جرّ تركيا إلى دخول سوريا والتورط في أزمات المنطقة، لأن ذلك سيؤدي إلى أزمة جديدة بين تركيا وروسيا بسبب تدخل تركيا في سوريا، كما أن تركيا ستدخل في مواجهة مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية في سوريا، مما سيؤثر سلبًا على علاقة أنقرة بواشنطن.
أما السبب الثاني فيرتبط (وفق يشيل طاش) باستراتيجية «داعش» للضغط على تركيا بهدف منع انطلاق ضربات التحالف الدولي من قاعدة إنجيرليك (بجنوب تركيا)، لأن هذه الضربات ألحقت خسائر كبيرة بالتنظيم وقلصت المساحة التي كان التنظيم يخطط لإقامة دولته عليها، وكذلك تؤثر على الموارد البشرية والدعم اللوجيستي للتنظيم.
أما وسف أوزهان، الخبير التركي في شؤون الإرهاب، فيري أن تصعيد التنظيم لعملياته ضد تركيا يرجع إلى السياسة الحازمة التي بدأت تركيا تطبيقها في الفترة الأخيرة والتضييق على عناصر «داعش»، ومنعهم من الحركة واستهدافهم بعملية «درع الفرات».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.