غازي عنتاب.. منفذ «داعش»

سادس كبرى المدن التركية تحتل موقعًا استراتيجيًا واقتصاديًا مهمًا وتشكل مركزًا للدعم اللوجيستي

غازي عنتاب.. منفذ «داعش»
TT

غازي عنتاب.. منفذ «داعش»

غازي عنتاب.. منفذ «داعش»

أصبحت مدينة غازي عنتاب، في جنوب تركيا، محط الأنظار بعد ظهور تنظيم داعش الإرهابي كونها أقرب نقطة إلى المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في شمال سوريا، خصوصًا جرابلس وأعزاز. وهذا، على الأقل، ما كان الوضع عليه قبل القضاء على وجوده هناك من خلال عملية «درع الفرات»، التي دعمت فيها تركيا وحدات من «قوات الجيش السوري الحر» بالتنسيق مع التحالف الدولي لضرب «داعش»، التي انطلقت في الرابع والعشرين من أغسطس (آب) الماضي، وما زالت مستمرة.
عنتاب (عينتاب)، أو غازي عنتاب هي عاصمة محافظة غازي عنتاب في جنوب تركيا على حدود سوريا، وهي تعد سادس كبرى المدن التركية من حيث عدد السكان. وجدير بالذكر أن الأتراك ما زالوا يسمونها عنتاب على الرغم من أن البرلمان التركي أضاف إلى اسمها كلمة «غازي» عام 1921، وكانت قديما جزءًا من بلاد الشام.
وغازي عنتاب مدينة استراتيجية تتصل بخليج الإسكندرونة بمنفذ ضيق من ناحية الشمال، وتتصل من الشرق بمحافظة شانلي أورفة (أي أورفة ذات الشأن أو المحترمة) ومن الشمال بمحافظة قهرمان مرعش (أي مرعش الشُّجاعة أو الباسلة) وتجاورها من ناحية الغرب محافظة أضنة.

قاعدة لوجيستية
تعد غازي عنتاب، وفق كثرة من المراقبين، قاعدة الدعم اللوجيستي لتنظيم داعش الإرهابي المتطرف في تركيا و«رأس حربة» التنظيم في الداخل التركي. فمنها كان التنظيم يجمع عناصره المحلية والآتية من الخارج أيضًا، وفيها وفي محيطها كان يقيم معسكرات للتدريب، وإليها كان يفد الباحثون عن ذويهم ممّن هجروا بلادهم وأتوا للقتال في صفوف «داعش» في سوريا والعراق. كذلك، منها انطلق العديد من الهجمات الإرهابية في تركيا التي استهدفت الأكراد بصفة أساسية، ثم توسّعت أهدافها ضد تركيا مع بدء تطبيقها سياسات صارمة على حدودها ومشاركتها في التحالف الدولي لضرب «داعش»، وصولاً إلى دخول شمال سوريا لملاحقة التنظيم وتطهير حدودها منه انطلاقا من منطقة كركميش التي تعد نقطة التماس التركية مع مدينة جرابلس الحدودية السورية.
تضم محافظة غازي عنتاب قطاعين سكنيين حضريين هما شاهين بي وشهيد كامل، وتبلغ مساحتها 7642 كيلومترًا مربعًا ويقارب عدد سكانها المليون و700 ألف نسمة، أصولهم خليط من القوميات، أكبرها الكردية ثم التركية مع أقلية من الشركس والعرب.
وتختص غازي عنتاب بنحو 4 إلى 6 في المائة من الحجم الكلي للصناعات التركية، وخصوصًا ورش التعدين والنحاس ومصانع السجاد، كما تشهد الحركة السياحية فيها نموًا لافتًا، لا سيما في محيط قلعة غازي عنتاب الشهيرة. ويشتهر سكان غازي عنتاب بنشاطهم الزراعي، ففيها تنتشر كروم العنب ومعاصر الزيتون ومزارع الفستق التركي الشهير الذي يعرف في تركيا باسم «عنتاب فستق» (أو «الفستق العنتابي») وهو من أكثر أنواع الفستق التركي جودة وأغلاها ثمنًا. ومن ثم تُعرف بكثرة الصناعات الغذائية التقليدية الشهيرة في تركيا كالكَباب العنتابي واللحم بالعجين وحلوى البقلاوة.

من «القاعدة» إلى «داعش»
عام 2005، ألقت قوات الأمن القبض على بعض عناصر «القاعدة» في غازي عنتاب كانوا يقومون بتدريبات في منطقة غابات، وذلك في أعقاب عملية رصد استغرقت سنتين. ويومذاك كان يوسف دورماز، الذي أصبح فيما بعد مسؤول تنظيم داعش في غازي عنتاب، ضمن من اعتقلوا، وتبين أنهم انضموا لاحقًا إلى «داعش»، وأنهم كانوا يدربون أطفالاً صغارًا أيضًا. وكُشف أن دورماز هو المسؤول عن تفجير محطة القطار الرئيسية في العاصمة التركية أنقرة عام 2015 الذي راح ضحيته 101 شخص، أثناء مسيرة نظمها حزب الشعوب الديمقراطي الكردي تحت عنوان «تجمّع السلام والديمقراطية»، قبل انتخابات السابع من يونيو (حزيران) 2015.
في العام نفسه وقعت 3 هجمات إرهابية ضخمة انطلقت جميعها من غازي عنتاب ونفذها «داعش»، هي الهجمات التي استهدفت اجتماعات ومؤتمرات لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي في مدن ديار بكر وسَروج (بمحافظة شانلي أورفة) وأنقرة، وتبين أن المتهمين في التفجيرات الثلاثة أقاموا من قبل في غازي عنتاب التي غدت القاعدة اللوجيستية للتنظيم المتطرف في سوريا كونها نقطة تماس مع مدينتي جرابلس وأعزاز السوريتين. ولقد وصفت صحيفة «راديكال» في تقرير لها في عام 2014 غازي عنتاب بـ«مركز الدعم اللوجيستي الاستراتيجي لـ(داعش) في جرابلس وأعزاز»، وأضافت: «منها تخرج العناصر المحلية والأجنبية الآتية إلى تركيا وتتجه إلى داخل سوريا، وهي أيضًا النقطة التي يقصدها الأجانب الذين يبحثون عن ذويهم ممن جاءوا إلى تركيا والتحقوا بالتنظيم عبر أراضيها».

استراتيجية «داعش»
والحقيقة أن «داعش» اعتمد استراتيجية خاصة في تجنيد عناصره بغازي عنتاب تركزت على الخطاب الديني لخداع العناصر التي يرى أنها يمكن أن تنضم إليه، وخصوصًا من الشباب ممن لم يكملوا دراستهم ليس لديهم أمل في المستقبل أو من مدمني المخدرات.
ووفق ما كشفه أحد عناصر «داعش» (25 سنة) بعدما سلّم نفسه للسلطات التركية أخيرًا، كان التنظيم يرسل قوافل إلى الأحياء الفقيرة في غازي عنتاب حيث ينظم دروسًا لتحفيظ القرآن. وكان يجمع التبرعات علنًا على أنها تبرّعات للأعمال الإنسانية، ويضع مناضد في الميادين العامة وتجمع عناصره الأموال تمهيدًا لإرسالها إلى داخل سوريا. ولفت إلى أن هذا الأسلوب بدأ به التنظيم في العراق وسوريا منذ أكثر من 3 سنوات، ونقله بعد ذلك تطبيقه في غازي عنتاب.
وأشار العنصر الداعشي إلى أنه كان يقوم بتجنيد العناصر في غازي عنتاب من خلال تقديم الوعود بالعمل والزواج فور الوصول إلى المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في سوريا، ويغري المنضمين إليه بأحلام إقامة «الخلافة»، ويقنعهم بقتل العلويين والأكراد و«معاملتهم معاملة الكفار»، بعد استخراج آيات تؤيد «قتل الكفار» من القرآن. وأكد أن هناك مئات ذهبوا إلى مدينة الرقّة، «عاصمة داعش» في سوريا، متأثرين بهذه الوعود، وأن الناس صدّقوا ما يقوله أعضاء التنظيم خلال الدروس.
ثم قال إن عناصر «داعش» الذين كانوا يأتون إلى غازي عنتاب من داخل سوريا كانوا يتعمّدون إثارة الفزع لدى سكان المدينة من أجل ترك منازلهم والهروب منها، وأنهم يحققون أموالاً طائلة من التجارة والتهريب. وتابع العنصر الداعشي أن هذه العناصر تدخل دائمًا في مشاجرات مع الأتراك والسوريين الذين نزحوا من بلادهم بسبب تهديدات عناصر «داعش» واستفزازات مدمني المخدرات والأشقياء المنضمين إلى صفوفهم. ولفت إلى أن كثيرين من السوريين الذين نزحوا إلى غازي عنتاب فرارًا من الحرب في سوريا غادروها مضطرين بسبب استفزازات «داعش»، وهربوا إلى مدن مثل ديار بكر وكيليس وشانلي أورفة وقهرمان مرعش وغيرها.

ضغوط على السوريين
من جانب آخر، روى بعض السوريين الفارين من غازي عنتاب أنهم عندما حضروا إلى تركيا كانوا يعتقدون أنهم سيكونون «في ضيافة (رجب طيب) إردوغان» وسيجدون العمل والسكن والحياة المريحة في انتظارهم، لكنهم فوجئوا بأوضاع ما كانوا يتخيلونها. ومثلاً، بسبب ارتفاع إيجارات المساكن، لجأ البعض إلى استئجار محلات تجارية لا تزيد مساحتها عن 20 مترا يقطن فيها 20 شخصًا، كما تعرضت نازحات سوريات للتحرش والضغوط، ولذا أخذت عائلاتهن تغادر المدينة. ثم قال إنه إذا انتهت الحرب في سوريا «سيصبح الوضع أكثر تعقيدا مع عودة الأتراك الذين انضموا إلى (داعش) في سوريا». وأوضح أن زعيم التنظيم في عموم تركيا يدعى إلهاملي بالي، بينما مسؤول «داعش» في غازي عنتاب هو يونس دورماز، وأشار إلى أن اثنين من مساعدي دورماز فرّا إلى سوريا.

إمارة غازي عنتاب
وكشفت مذكرة اتهام تقع في 500 صفحة أعدتها النيابة العامة في أنقرة أخيرًا، في إطار التحقيقات حول نشاط تنظيم القاعدة وصلته بـ«داعش»، عن مخطط لتنظيم داعش الإرهابي للسيطرة على غازي عنتاب وتحويلها إلى إمارة له في تركيا. وتحدثت مذكرة الاتهام عن خطة احتلال المدينة استنادًا إلى رسالة بعث بها يونس دورماز إلى إلهاملي بالي (زعيم «داعش» في تركيا) الذي أصدر التعليمات الخاصة بهجمات «داعش» في كل من منطقة السلطان أحمد في مدينة إسطنبول في بداية العام الحالي وديار بكر وسَروج ومحطة قطار أنقرة العام الماضي. وبحسب المذكرة اقترح دورماز التكتم على أنشطة التنظيم في تجنيد عناصر تنظيم داعش بغازي عنتاب من خلال الادعاء أنهم «يستهدفون حماية المسلمين ضد حزب العمال الكردستاني».
أما فيما يتعلق بوقت التنفيذ وشكل التنظيم، فقال دورماز: «راهنًا توجد في غازي عنتاب وظائف يمتهنها العرب فقط، إذ إن هناك نحو 50 رجلاً تقريبًا يعملون في صناعة الأحذية و(الشباشب). لذا سيستأجر مواطن تركي لا يلفت الأنظار مكانًا من طابقين وسيحوله إلى مقر عمل وسيوظّف فيه العرب فقط بواقع 50 رجلاً على الأقل. بهذه الطريقة سنخبئ رفاقنا خلف ستار مقر العمل. وإذا فتحنا 5 مقرات أخرى مشابهة لهذا سنتمكن من أداء مهامنا».
كذلك تضمنت مقترحات دورماز خطة الإيواء في المنازل غير المسجلة التي اطلع عليها الرأي العام التركي للمرة بعد ظهور أنباء حول استئجار منفذي الهجوم الانتحاري على مطار أتاتورك الدولي يوم 28 يونيو الماضي منزلاً في حي الفاتح بإسطنبول. وفي هذا الصدد قال دورماز: «ثمة منازل يقطنها العرب فقط. ويمكننا إسكان رفاقنا فيها بإيجار سنوي. فعلى سبيل المثال أنا أقطن في مبنى يسكنه العرب. المبنى مؤلف من 38 شقة وكل شقة تضم أربعة أشخاص على الأقل، مما يعني أن بإمكاننا إخفاء 110 أشخاص على الأقل».
وعقب وقوع الهجوم الذي تعرضت له بلدة عين العرب (كوباني) في شمال سوريا العام الماضي، وردت ادعاءات بأن «داعش» نفّذ هذا الهجوم بدعم خلايا التنظيم العاملة في غازي عنتاب.

ملاذ «الدواعش»
على صعيد آخر، يصدر الجيش التركي نشرة أسبوعية حول عدد مقاتلي «داعش» الذين يُعتقَلون في المدن التركية المختلفة. وتأتي مدينة غازي عنتاب في المرتبة الأولى دائمًا. كما أن المدعو أورهان ج. المتورط في تفجير استهدف مدينة ديار بكر، ذات الغالبية الكردية بجنوب شرقي تركيا، قبل يومين من الانتخابات البرلمانية التركية في 7 يونيو العام الماضي، وأسفر عن مقتل 4 وإصابة 402 آخرين، اعتُقل أيضًا في مدينة غازي عنتاب.
وتشير التقارير الأمنية إلى أن المقاتلين التابعين لتنظيم داعش الإرهابي، وكذلك المتعاطفين معه، يصلون إلى المدينة عبر الطرق البرية أو الجوية، ليبقوا لفترات في البيوت والمخابئ الخاصة بـ«داعش»، ومن ثم ينتقلون إلى الأراضي السورية، موضحة أن داعش حول المدينة إلى مركز للدعم اللوجيستي لتلبية احتياجاته من القوة البشرية والاحتياجات الأساسية.
وتثار اليوم بعض الادعاءات بأن التنظيم الإرهابي تلقى هزائم متتالية في عدد من المناطق المتاخمة للحدود مع تركيا، مما دفعه إلى الاختفاء بالانسحاب إلى خلايا التنظيم في غازي عنتاب وبلدة كيليس القريبة منها بجنوب تركيا. ولقد فجّر أران أردم، النائب عن حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض عن مدينة إسطنبول، مفاجآت مثيرة حول فعاليات تنظيم داعش الإرهابي داخل تركيا. وأشار أردم إلى أن تركيا تحتوي على نحو 200 خلية لـ«داعش»، وأن إسطنبول تضم خلايا نشطة، موضحًا أنه يمكن الاكتفاء بتفقّد قوائم المسافرين بين إسطنبول وغازي عنتاب منذ عام 2013 لفهم خطورة تنظيم داعش تركيا.
وادّعى أردم أن 20 في المائة على الأقل من المسافرين المُشار إليهم هم من ميليشيات «داعش»، مشيرًا إلى أن أكثر من 600 داعشي دخلوا غازي عنتاب بهذه الطريقة. وتابع إلى أن الآتين من الخارج للانضمام إلى «داعش» كانوا يستخدمون بيوت ضيافة تابعة لهيئة الشؤون الدينية في حي الفاتح من حين لآخر، لافتًا إلى أنه لا يعلم ما إن كانت هيئة الشؤون الدينية التركية على علم بهذا الأمر أم لا، غير أن هذا الأمر جلي، على حد قوله.
وأوضح أردم أن مساكن الشرطة استخدمت أيضًا للغرض نفسه، وأن ميليشيات «داعش» انتقلت من هناك إلى غازي عنتاب، حيث معسكرات التدريب التي يتلقّون فيه تدريبات نظرية، قبل التدريب على الأسلحة والقنابل فور بلوغهم الرقّة. وأكد أردم أن هيئتي الأمن العام والاستخبارات التركية على علم بكل هذه المعلومات، لكنهما لم تتخذا أي إجراءات في هذا الصدد. ثم أشار إلى اعتقال خالص بايانجوك - واسمه الحركي «أبو حنظلة»، الذي يُزعم أنه قائد التنظيم في تركيا، عقب هجوم سورج في شانلي أورفة العام الماضي، واقتيد إلى مديرية الأمن حيث طُرحت عليه خمسة أسئلة من بينها سؤال كوميدي حول ما إن كانت له أي علاقة بالتنظيم الإرهابي، ومن ثم أطلق سراحه، وتبين لاحقًا أنه فر إلى سوريا.

تحركات علنية
يوم 21 أغسطس الماضي وقع هجوم انتحاري على صالة للأفراح في منطقة شاهين بي بغازي عنتاب أودى بحياة 56 شخصًا، وأدى إلى إصابة 94 آخرين، ونسب الرئيس إردوغان المسؤولية عن الهجوم إلى تنظيم داعش، وقال إن طفلا بين 12 و14 سنة هو الذي نفذه. وكانت مصادر أمنية قد ذكرت أنه في 18 مايو (أيار) الماضي فجّر دورماز نفسه قبل القبض عليه في حملة أمنية في غازي عنتاب استهدفت تنظيم داعش. وعثرت قوات الأمن في جهاز الكومبيوتر الخاص به على قائمة بأسماء أعضاء التنظيم في تركيا والمهام المكلفين بها وقائمة بالعمليات الإرهابية التي كان من المقرر تنفيذها بواسطة عناصر «داعش» في تركيا، وعددها 3 آلاف و56 عملية انتحارية، لكن هناك معلومات أخرى تشير إلى هروبه إلى سوريا.
أيضًا كان مقطع فيديو التقطه أحد المواطنين في غازي عنتاب قد كشف عن احتفال أقامته عناصر تابعة للتنظيم عقب هجوم باريس الذي أودى بحياة نحو 160 مدنيًا في فرنسا العام الماضي. وأظهر الفيديو أنصار داعش يمرون بسياراتهم وعليها علم داعش الأسود من أحد الشوارع في غازي عنتاب، وهو نفسه الشارع الذي شهد التفجير الانتحاري في 21 أغسطس، والذي بعده بثلاثة أيام فقط انطلقت عملية «درع الفرات» في شمال سوريا.
وأوضحت تركيا بعدها أن الهدف منها هو تطهير حدودها من «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية، في إشارة إلى الميليشيات الكردية في سوريا، وإقامة «منطقة آمنة» بطول 95 كيلومترا وعمق 45 كيلومترا داخل الأراضي السورية ينقل إليها اللاجئون السوريون خلال سنتين، ومثلت هذه العملية منعطفا جديدا في تعامل تركيا مع تنظيم داعش، الذي لطالما اتهمت بدعمه.

أهداف جديدة
الدكتور مراد يشيل طاش، الخبير في مركز دراسات الشرق الأوسط في تركيا، يُرجع أسباب تصعيد «داعش» عملياته في تركيا في الفترة الأخيرة إلى سببين: أولهما جرّ تركيا إلى دخول سوريا والتورط في أزمات المنطقة، لأن ذلك سيؤدي إلى أزمة جديدة بين تركيا وروسيا بسبب تدخل تركيا في سوريا، كما أن تركيا ستدخل في مواجهة مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية في سوريا، مما سيؤثر سلبًا على علاقة أنقرة بواشنطن.
أما السبب الثاني فيرتبط (وفق يشيل طاش) باستراتيجية «داعش» للضغط على تركيا بهدف منع انطلاق ضربات التحالف الدولي من قاعدة إنجيرليك (بجنوب تركيا)، لأن هذه الضربات ألحقت خسائر كبيرة بالتنظيم وقلصت المساحة التي كان التنظيم يخطط لإقامة دولته عليها، وكذلك تؤثر على الموارد البشرية والدعم اللوجيستي للتنظيم.
أما وسف أوزهان، الخبير التركي في شؤون الإرهاب، فيري أن تصعيد التنظيم لعملياته ضد تركيا يرجع إلى السياسة الحازمة التي بدأت تركيا تطبيقها في الفترة الأخيرة والتضييق على عناصر «داعش»، ومنعهم من الحركة واستهدافهم بعملية «درع الفرات».



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.