بلغت كثافة تصريحات الدبلوماسيين والعسكريين الروس يوم أمس حول الأزمة السورية مستويات غير مسبوقة، وإن شكل معظمها تكرارا لمواقف شددت عليها موسكو خلال اليومين الماضيين. إذ عاد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ليشدد على ضرورة الكشف عن كل حزم الاتفاق الروسي - الأميركي حول سوريا، وذلك في محادثات مع نظيره الأميركي جون كيري دارت خلال اتصال هاتفي يوم أمس بمبادرة من الجانب الأميركي، حسب تعبير الخارجية الروسية، التي أضافت في بيانها مؤكدة أن «لافروف دعا كيري كذلك إلى الحصول على موافقة مجلس الأمن الدولي على تلك الاتفاقية».
ولفتت الخارجية الروسية إلى أن «الوزيرين أبديا ارتياحهما للالتزام بوقف الأعمال العدائية في سوريا وأعربا عن رغبتهما بمنحه صفة دائمة». ورغم هذا «دعا لافروف الجانب الأميركي إلى التنفيذ العاجل لتعهداته بشأن الفصل بين مجموعات المعارضة المعتدلة و(جبهة النصرة) وغيرها من مجموعات إرهابية، من التي لا يشملها اتفاق وقف إطلاق النار»، حسب قول لافروف وفق ما نقلت الخارجية الروسية عنه.
وتابعت الخارجية نقلاً عن لافروف في حديثه لكيري أن «القائمة التي قدمتها الولايات المتحدة حول المجموعات التي وقعت على وقف إطلاق النار، تتضمن عددا كبيرا من المجموعات الإرهابية علانية، والتي تتعاون بشكل وطيد مع «جبهة النصرة». وأشار بصورة خاصة إلى «أحرار الشام». ويكشف كلام لافروف بهذا الصدد بقاء خلافات جوهرية بين الرؤيتين الأميركية والروسية للوضع ميدانيا في سوريا، وبصورة خاصة في محافظة حلب.
هذا، وكان ألكسندر زورين، ممثل وزارة الدفاع الروسية في المجموعة الخاصة بوقف إطلاق النار قد أعلن يوم أمس من جنيف، حيث مقر المجموعة، أن الولايات المتحدة قامت لأول مرة بتقديم معلومات لروسيا حول أماكن انتشار مجموعات المعارضة السورية التي تحصل على دعم أميركي. وبعد إشارته إلى أن تلك المعلومات جارية دراستها حاليا سارع زورين إلى التشكيك مجددا بقدرة الولايات المتحدة على الفصل بين المعارضة و«الإرهابيين»، زاعمًا أن التحليل الأولي لتلك المعلومات أظهر أنها لا تسمح بالفصل بين فصائل المعارضة المسلحة و«جبهة النصرة». واللافت في الأمر أن لافروف نفسه كان قد أكد في وقت سابق يوم أمس، في حديث صحافي عبر وسائل إعلام من قيرغيزستان أن «الوثائق التي وافقنا عليها مع كيري تقول بوضوح تام إننا سننسق عملياتنا ضد جبهة النصرة وداعش»، دون أن يضيف أي مجموعات أخرى إليهما.
ومن العاصمة القيرغيزية بيشكيك أيضا اتهم لافروف الولايات المتحدة «بالتواطؤ مع مجموعات إرهابية»، وأشار إلى أن «لدى موسكو شكوكًا جدية بأن واشنطن تريد بشكل ما تجنيب مجموعات ترى فيها روسيا مجموعات إرهابية الضربات الجوية»، وذلك في هجومه على الموقف الأميركي. وكرر الوزير الروسي كلامه الذي غدا مألوفًا حول أن «الأولوية الرئيسية هي تنفيذ الولايات المتحدة لتعهداتها القديمة بشأن الفصل الفعلي والجغرافي على الأرض بين المعارضة و«جبهة النصرة»، ليعرب بعد ذلك عن أمله بأن «التأخير في الفصل لا علاقة له بأن البعض في واشنطن يريد لو أن يبعد الضربات عن أولئك الإرهابيين»، مشيرا إلى أنه «فيما يتعلق بالنصرة على أقل تقدير فإن الشبهات (بأن هناك من يحاول في واشنطن تجنيبهم الضربات) جدية بما فيه الكفاية».
من جانب آخر، قال ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي، في حديث صحافي يوم أمس إن روسيا تجري محادثات مع الشركاء الأميركيين حول الكشف عن مضمون الاتفاق الأميركي - الروسي وعرضه على مجلس الأمن ليعتمده بقرار صادر عنه. وشدد على أن «الاتفاق لا يتناول مصير بشار الأسد، وهو شأن سوري بالمطلق». وفي إجابته على سؤال حل آفاق المفاوضات السورية - السورية ومشاركة الجميع فيها، قال بوغدانوف إن «ضمان حوار سوري - سوري مستقر ومثمر على أساس بيان جنيف الصادر بتاريخ 30 يونيو (حزيران) 2012 وقرار مجلس الأمن 2254، وقرارات المجموعة الدولية لدعم سوريا، يشكل مهمة ملحة للتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية».
وكرر الدعوة إلى تشكيل وفد للمعارضة يمثل جميع الفئات (بما فيها الأطراف المحسوبة على موسكو) ويكون مستعدا للمفاوضات دون شروط مسبقة. وأعرب عن اعتقاده بأن «غياب وفد الهيئة العليا للمفاوضات عن جولة جديدة من المفاوضات السورية سيؤثر بصورة مباشرة على نتائج تلك المفاوضات، تماما كما هو الأمر بالنسبة لغياب ممثلين عن الأكراد وعن مجموعات موسكو والقاهرة». وأردف «إلا أن الأمر ما زال غير واضح بالنسبة لمشاركة الأكراد في المفاوضات»، حسب قول بوغدانوف الذي أحال الأمر إلى «وجود معارضة كبيرة لمشاركتهم من جانب دول في المجموعة الدولية لدعم سوريا».
وفي حين يبقى الوضع متناقضا ومبهما بالمطلق فيما يتعلق بشأن مصير التعاون الروسي - الأميركي في سوريا، حرصت موسكو على فتح قنوات اتصال بين العسكريين الروس والأتراك، وهو ما جرى بحثه يوم أول من أمس خلال محادثات أجراها رئيس أركان الجيوش الروسية فاليري جيراسيموف في أنقرة مع نظيره التركي خلوصي آكار. وقالت وكالة تاس إن «المسؤولين تبادلا وجهات النظر حول الموقف في سوريا، وساهمت المحادثات في تقريب تقييمات الطرفين للوضع هناك، وتحديد التدابير الضرورية للحفاظ على وقف إطلاق النار» واتفق الجانبان على فتح قنوات اتصال بين العسكريين من البلدين. بينما نشرت صحيفة «كوميرسانت» نقلا عن مصدر عسكري إلى أن زيارة جيراسيموف كانت مقررة يوم السادس والعشرين من أغسطس (آب) إلا أن إطلاق تركيا عمليتها العسكرية في سوريا أدى إلى تأجيل الزيارة. وأضاف المصدر العسكري أن «المسألة الأهم لجيشي البلدين هو إطلاق تنسيق في سوريا بعد أن أبدت موسكو حذرها على ضوء عملية (درع الفرات)، محذرة القوات التركية من التعمق كثيرا داخل الأراضي السورية».
أما صحيفة «نيزافيسمايا غازيتا» فقد أشارت في تقرير تناولت فيه محادثات قائدي أركان الجيشين الروسي والتركي إلى أن «مصدرا عسكريا - دبلوماسيا قال في وقت سابق إن أنقرة مستعدة ضمن شروط محددة أن تسمح للقاذفات الروسية بعيدة المدى باستخدام مطاراتها لتنفيذ طلعات في سوريا»، معربا عن يقينه بأن «خطوة كهذه ستكون ملائمة تماما نظرًا لأن روسيا ولأسباب مجهولة توقفت عن استخدام المطارات الإيرانية»، حسب قول المصدر العسكري - الدبلوماسي للصحيفة دون أن يوضح ما إذا كان الجنرال جيراسيموف قد بحث هذا الأمر مع نظيره التركي أم لا.
موسكو تواصل التشكيك بالنيات الأميركية إزاء سوريا
لافروف يدعو مجددًا إلى نشر الاتفاق.. وبوغدانوف يؤكد وجود محادثات مع واشنطن بهذا الصدد
رئيس الأركان التركي هولوسو آكار (يسار) مستقبلا نظيره الروسي فاليري جيراسيموف في أنقرة أول من أمس (أ.ب)
موسكو تواصل التشكيك بالنيات الأميركية إزاء سوريا
رئيس الأركان التركي هولوسو آكار (يسار) مستقبلا نظيره الروسي فاليري جيراسيموف في أنقرة أول من أمس (أ.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




