«غيظ» فرنسي من تكتم واشنطن على تفاصيل اتفاقها مع موسكو بشأن سوريا

باريس تتساءل عن غياب الجانب السياسي.. وعن نجاعة «الثنائية» الروسية ـ الأميركية

سورية تحمل طفلها أثناء دخولها الأراضي التركية هربا من الصراع الدائر في سوريا (رويترز)
سورية تحمل طفلها أثناء دخولها الأراضي التركية هربا من الصراع الدائر في سوريا (رويترز)
TT

«غيظ» فرنسي من تكتم واشنطن على تفاصيل اتفاقها مع موسكو بشأن سوريا

سورية تحمل طفلها أثناء دخولها الأراضي التركية هربا من الصراع الدائر في سوريا (رويترز)
سورية تحمل طفلها أثناء دخولها الأراضي التركية هربا من الصراع الدائر في سوريا (رويترز)

بعد أسبوع على توصل وزيري خارجية الولايات المتحدة الأميركية وروسيا إلى اتفاق لإعادة العمل بالهدنة بين قوات النظام السوري وحلفائه من جهة، والمعارضة المسلحة من جهة أخرى، ما زال الغموض يحيط بتفاصيل الاتفاق الذي لم يعرف منه سوى خطوطه الكبرى بينما الملاحق الخمسة «السرية» التي تتضمن كل التفاصيل ومنها أمور «حساسة»، وفق تعبير الناطق باسم الخارجية الأميركية، مارك تونر، بقيت طي الكتمان بفعل رغبة واشنطن. ولم يتردد سيرغي لافروف في استغلال الفرق بين أداء الدبلوماسية الروسية التي لا تمانع في نشر الاتفاق، لا بل في استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يتبناه كما هو وبين رغبة واشنطن في الإصرار على إبعاده عن الأعين ليسجل هدفا في المرمى الأميركي وليذكر واشنطن بـ«التزاماتها»، وأولها الدفع باتجاه إبعاد الفصائل المعتدلة عن مواقع «جبهة فتح الشام» (جبهة النصرة سابقا).
هذا الوضع دفع فرنسا التي لم تتردد في تأييد الاتفاق مباشرة عقب إبرامه في جنيف إلى الإعراب عن «اندهاشها»، لا بل عن «غيظها» من هذه الحالة وفق ما أفادت به مصادر رسمية فرنسية لـ«الشرق الأوسط». واللافت أن التعبير علنا عن التبرم جاء على لسان مسؤول الدبلوماسية الفرنسية مباشرة، الوزير جان مارك إيرولت، الذي وجه انتقادات مبطنة لواشنطن التي كان من المفترض بها أن تسارع إلى إطلاع الدول الرئيسية الفاعلة في التحالف الدولي ضد «داعش»، خصوصا تلك التي تساهم في عمليات قصف جوي وبمجموعات كوماندوز في سوريا، وعلى رأسها فرنسا.
وقد استغل الوزير إيرولت زيارة مشتركة مع نظيره الألماني فرانك فالتر شتاينماير إلى شرق أوكرانيا للكشف عن عدم ارتياح بلاده إزاء اكتفاء واشنطن بإطلاعها فقط على الخطوط العامة للاتفاق وليس على تفاصيله. وهي بذلك تجد نفسها في الحالة ذاتها التي تعاني منها المعارضة السورية ممثلة بالهيئة العليا للمفاوضات التي طالبت هي الأخرى بأن تتسلم نسخة عن صيغته الرسمية.
وقال إيرولت، أمس، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية «أ.ف.ب» و«رويترز»، إن الاتفاق المذكور الذي «لا نعرف تفاصيله - وهنا تكمن المشكلة - ينص على أن يتحقق الروس والأميركيون بدقة من أماكن تمركز الإرهابيين الذين يتعين علينا الاستمرار في محاربتهم وذلك على الخرائط وموقعا بعد موقع». وأردف الوزير الفرنسي، معللا أسباب رغبة بلاده بالحصول على نص الاتفاق، أنه «إذا حدث لبس.. فسيكون هناك أيضا خطر يتمثل في احتمال ضرب المعارضة المعتدلة». وخلاصة الوزير الفرنسي أن بلاده «ستكون مطالبة في مرحلة ما بتأييد التفاصيل الشاملة لهذه الخطة وكي نفعل ذلك فنحن بحاجة للاطلاع على كامل المعلومات».
تتخوف باريس من أنه إذا بقيت تفاصيل الاتفاق سرية فإن تطبيقه قد يكون كذلك على حساب المعارضة، إذ إن الطيران الروسي يستطيع دوما الادعاء أنه يضرب مواقع «النصرة» بينما هو يستهدف أماكن تمركز المعارضة المعتدلة. وقالت المصادر الفرنسية، لـ«الشرق الأوسط»، إن روسيا «دأبت منذ البداية على التحجج بـ(داعش) و(النصرة)، ولكن غرضها الأول والرئيسي كان مواقع المعارضة المعتدلة لحماية النظام ولمساعدته على الوقوف على قدميه وهي مستمرة في ذلك». أما إذا حصلت باريس، وهي العاصمة الوحيدة التي طالبت جهارًا بالاطلاع، على تفاصيل الاتفاق والخرائط المصاحبة، فإنها ستكون في موقع يتيح لها التأكد من طبيعة الأهداف التي ستضرب.
بيد أن الاعتراض الفرنسي له أسبابه العميقة. وتعتبر المصادر الفرنسية أن واشنطن وموسكو تريدان «الاستئثار» بالملف السوري وهذا واضح بقوة من الجانب الروسي الذي «سعى دوما لجعل نقاشاته محصورة في الوزير جون كيري وإبعاد الأطراف الأخرى عنها». ومردّ ذلك، بحسب الفهم الفرنسي، لثلاثة أمور: الأول: «الليونة الفائضة» التي أبداها كيري منذ البداية إزاء الأداء الروسي، وسببها رغبة أميركية في الامتناع عن مزيد من الانغماس في سوريا والتركيز على ملف «داعش» (والآن النصرة) وترك مصير الرئيس السوري ونظامه إلى مرحلة لاحقة. والثاني، رغبة مشتركة أميركية - روسية في إبعاد الأطراف التي يمكن أن تلعب دورا «تعطيليا» بمعنى رفع سقف الشروط وتعقيد المفاوضات الشاقة أصلا. أما السبب الثالث، فإن الطرفين يريان أن الدول الأخرى لا تلعب دورا مؤثرا في مسار الأزمة السورية، وبالتالي إذا اتفقت موسكو وواشنطن، فيتعين على الآخرين عندها أن يسيروا وراءهما وهو ما لا تقبله باريس. وفي أي حال، ترى باريس أن للأطراف الإقليمية والدولية دورا كبيرا إن لجهة الحل أو التصعيد، وأن تجاهلها «يشكل مقاربة غير مكتملة لا بل خاطئة».
حقيقة الأمر أن باريس عبرت دائما عن شكوكها من «الثنائية» الأميركية - الروسية في إدارة النزاع في سوريا. ولذا دأبت فرنسا، قبل أي استحقاق رئيسي، على دعوة ما يسمى «النواة الصلبة» الداعمة للمعارضة السورية إلى اجتماعات وزارية تمهيدية في عاصمتها من أجل «بلورة مواقف مشتركة». والمقصود بذلك «تكبيل» يدي المفاوض الأميركي حتى «لا يفرط في التنازلات». وسبق لباريس أن لعبت هذا الدور فيما يخص مفاوضات الملف النووي الإيراني، حيث برز وقتها وزير الخارجية السابق، لوران فابيوس. وكان كيري قد اعتاد التفاوض على انفراد مع وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف قبل أن ينضم إليهما المسؤولون الآخرون.
تقول المصادر الفرنسية إنه بانتظار أن تتكون لباريس صورة متكاملة عما توصل إليه كيري ولافروف، فإن ما يقلق الجانب الفرنسي هو غياب «البعد السياسي» عن الاتفاق. وهذا الواقع يعني أن الطرفين الرئيسيين مستمران في تأجيل النظر بهذا الاستحقاق إلى المراحل اللاحقة أي إلى مرحلة ما بعد القضاء على «داعش» و«النصرة» عن طريق العمل العسكري المشترك. والحال أن باريس ترى أنه «لا يمكن تصور المحافظة على الهدنة لفترة طويلة ما لم يحصل تقدم سياسي على طاولة المفاوضات بشأن المسائل العويصة وعلى رأسها مصير الرئيس السوري». والحال أن «تغييب» هذه المسألة سيعني العودة بـ«المحادثات»، وفق توصيف المعارضة السورية التي ترفض كلمة «مفاوضات»، إلى المربع الأول، خصوصا أن «لا مؤشرات تدل على تغير في الموقف الروسي من النظام ومن رغبته في الإبقاء عليه والاستمرار في استخدام الملف السوري في لعبة شد الحبال مع واشنطن والمقايضة به في محافل أخرى». وما زالت باريس تعتبر أن موسكو (ومعها النظام) لم تتخل عن الرغبة في حسم النزاع في سوريا عسكريا طالما أنها لا تعمل على الضغط على النظام ودفعه باتجاه حل سياسي لا يمكن أن يخرج بصورة انتصار فريق وهزيمة فريق آخر.
في أي حال، تولي باريس مدينة حلب أهمية قصوى وهي ترى أن وضعها يمكن أن يكون «حاسما» في تقرير مصير الحرب. وقال إيرولت بهذا الخصوص إن موضوع إيصال المساعدات الإنسانية سيكون بمثابة اختبار لمصداقية الاتفاق الذي ما زال في مرحلة «التجربة»، وهو يمدد كل 48 ساعة ولا شيء يمكن أن يكفل استمرار العمل به، نظرا للتجارب السابقة وآخرها اتفاق فيينا في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي الذي رسم خريطة طريق للخروج من نفق الأزمة السورية وتم تثبيتها في القرار الدولي رقم 2254.
يبقى تساؤل أخير: لماذا تريد واشنطن المحافظة على سرية الاتفاق بينما موسكو لا تمانع في نشره؟
السؤال يحير الدوائر الفرنسية التي ليست لديها رؤية دقيقة للأسباب التي تجعل الجانب الأميركي متكتما حتى على حلفائه بصدد ما توصل إليه مع الطرف الروسي. وجل ما يصدر عن باريس تقديرات وتحليلات عنصرها الأول ربما حرص واشنطن على عدم كشف أوراقها كافة، خصوصا ما يمكن أن يعد تنازلات إضافية وتراجعا عن مواقفها السابقة المعلنة أكان ذلك بخصوص تصنيف المجموعات المسلحة أم بشأن العملية السياسية ومحتوى مراحلها.



الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

تشهد المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، تصاعداً في وتيرة الإنفاق على الفعاليات ذات الطابع الآيديولوجي، وفي مقدمتها المناسبة المرتبطة بما يُعرف بذكرى «الصرخة الخمينية»، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، ويجد ملايين اليمنيين أنفسهم عالقين بين الجوع، وانقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات الأساسية، وتآكل ما تبقى من قدرتهم على الصمود في مواجهة واقع معيشي بالغ القسوة.

وفي مقابل الانكماش الاقتصادي الحاد، واستمرار التدهور في قيمة الدخول، والارتفاع المتواصل في معدلات الفقر والبطالة، تمضي الجماعة في تخصيص موارد مالية كبيرة لتمويل الفعاليات التعبوية، بما يشمل الحشد الإعلامي، وطباعة الشعارات، وتنظيم الأنشطة الجماهيرية، في مشهد يثير تساؤلات واسعة بشأن أولويات الإنفاق في مناطق تعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق مصادر مطلعة، فقد رصدت الجماعة الحوثية، عبر ما تُسمى اللجنة العليا للاحتفالات، ما يقارب مليون دولار لتمويل فعاليات ذكرى «الصرخة الخمينية»، ضمن مساعٍ متواصلة لترسيخ خطابها الآيديولوجي وتعزيز حضورها التعبوي داخل المجتمع، خصوصاً بين فئة الشباب، عبر سلسلة من الأنشطة المكثفة التي شملت المدارس والمعاهد والجامعات، إلى جانب مهرجانات جماهيرية ومحاضرات تعبوية أُقيمت في عدد من المدن والمناطق الواقعة تحت سيطرتها.

أطفال في محافظة حجة حشدتهم الجماعة الحوثية لإحدى فعالياتها (إكس)

وعلى امتداد الأيام الماضية، شهدت مناطق سيطرة الجماعة أكثر من 150 فعالية واحتفالية مرتبطة بهذه المناسبة، وهو ما فجّر موجة استياء واسعة بين السكان الذين يرون أن الأولوية يجب أن تُمنح لمعالجة الملفات المعيشية الملحة، وفي مقدمتها صرف الرواتب المتوقفة، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه، والحد من التدهور الاقتصادي الذي يدفع مزيداً من الأسر نحو دائرة الفقر المدقع.

وتعكس شهادات السكان حجم الفجوة بين ما يُصرف على الأنشطة التعبوية وبين الاحتياجات الأساسية للمواطنين؛ فهناك موظفون حكوميون يؤكدون أنهم لم يتسلموا رواتبهم منذ سنوات، فيما تعتمد أسر كثيرة على الديون، أو على مساعدات متقطعة بالكاد تكفي لسد الرمق.

ولا يقتصر أثر الأزمة على جانب واحد من الحياة اليومية؛ إذ تمتد تداعياتها إلى التعليم والصحة وفرص العمل، مع اتساع رقعة العجز داخل الأسر عن تأمين الاحتياجات الأساسية، واضطرار كثير من الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة، في حين يواجه المعلمون والعاملون في القطاع العام ظروفاً معيشية خانقة نتيجة توقف المرتبات وغياب أي معالجات اقتصادية ملموسة.

أولويات طائفية

يرى مراقبون يمنيون أن استمرار توجيه الموارد نحو هذه الفعاليات الحوثية، يعكس طبيعة الأولويات التي تحكم سياسات الجماعة، حيث تتقدم الاعتبارات الآيديولوجية والسياسية على الملفات الخدمية والمعيشية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للسكان.

وبحسب هذه القراءة، فإن الاستثمار في المناسبات التعبوية لا يُنظر إليه بوصفه حدثاً موسمياً فحسب؛ بل بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام وترسيخ خطاب الجماعة في المجال الاجتماعي والتعليمي والثقافي.

فعالية تعبوية أقامها الحوثيون في صعدة حيث معقلهم الرئيسي (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن هذا النمط من الإنفاق، في ظل الموارد المحدودة والاقتصاد المنهك، يسهم بصورة مباشرة في تعميق الاختلالات القائمة، ويزيد الضغوط على المجتمع الذي يواجه أصلاً مستويات غير مسبوقة من الفقر، في وقت تتراجع فيه فرص العمل، وتتآكل القدرة الشرائية بوتيرة متسارعة، وسط غياب أي مؤشرات على انفراج اقتصادي قريب.

كما يربط بعض المراقبين هذه المناسبة بسياقات رمزية تتجاوز البعد المحلي، باعتبارها جزءاً من منظومة شعارات وطقوس جرى إدخالها إلى خطاب الجماعة منذ سنوات، لتصبح لاحقاً ركناً ثابتاً في نشاطها العام، وأداة متكررة للحشد والتعبئة، بما يعكس استمرار توظيف البعد الآيديولوجي بوصفه أولوية تتقدم على متطلبات الحياة اليومية للمواطنين.

خطر المجاعة يقترب

في موازاة هذا المشهد، تتزايد التحذيرات الدولية من انزلاق اليمن نحو مستويات أشد خطورة من الأزمة الإنسانية؛ إذ حذرت «منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة، من التدهور المستمر في الوضع الغذائي.

الحوثيون يحرمون الموظفين من الرواتب ويبددون الأموال لإحياء مناسبة طائفية (إكس)

وأكدت المنظمة أن اليمن بواجه خطراً حقيقياً بالانزلاق نحو المجاعة خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار القيود على إيصال المساعدات، وتراجع التمويل الإنساني، وتأثيرات التصعيد الإقليمي على الوضع الاقتصادي والإنساني.

ووفق أحدث التقديرات، يعاني نحو 18.3 مليون شخص في اليمن، من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي مع بداية عام 2026، وهو رقم يعكس حجم الكارثة المتفاقمة، ويضع البلاد ضمن أعلى المعدلات العالمية في مستويات الطوارئ المرتبطة بالجوع وسوء التغذية.


اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.