تبادل الاتهامات بخرق الهدنة.. وأنقرة توقف مؤقتًا إرسال مساعدات

«المرصد» يوثق نحو 50 انتهاكًا من قبل النظام وحلفائه ونحو 28 من المعارضة

طفل سوري يحمل لعبته قرب أحد المباني المدمرة في القامشلي شمال سوريا (أ.ف.ب)
طفل سوري يحمل لعبته قرب أحد المباني المدمرة في القامشلي شمال سوريا (أ.ف.ب)
TT

تبادل الاتهامات بخرق الهدنة.. وأنقرة توقف مؤقتًا إرسال مساعدات

طفل سوري يحمل لعبته قرب أحد المباني المدمرة في القامشلي شمال سوريا (أ.ف.ب)
طفل سوري يحمل لعبته قرب أحد المباني المدمرة في القامشلي شمال سوريا (أ.ف.ب)

يتبادل كل من النظام والمعارضة السورية الاتهامات حول الجهة المسؤولة عن خرق الهدنة التي لا تزال مستمرة في سوريا، منذ مساء يوم الاثنين الماضي، بموجب اتفاق روسي أميركي. وفي حين أبلغت أنقرة واشنطن، بخروقات النظام السوري، وأنها أوقفت مؤقتًا إرسال المساعدات إلى حلب، أكدت موسكو أنها تؤيد تمديد فترة الهدنة 48 ساعة أخرى.
وادعت روسيا تسجيل 60 خرقا من قبل المعارضة، لكن الأخيرة اتهمت قوات النظام بتنفيذ ما بين 30 و40 خرقا خلال 48 ساعة، مؤكدة التزامها بالهدنة، وأن ما تقوم به هو في إطار حق الرد. ومن جانبه، أعلن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» تسجيل ما لا يقل عن 50 خرقا من قبل النظام وحلفائه ونحو 28 من المعارضة. يأتي ذلك في وقت أكد فيه «المرصد» أنه لم يسقط أي قتيل مدني أو عسكري في المناطق الخاضعة للهدنة، على الرغم من حصول إطلاق نار متقطع في محافظة حلب. لكن المعارك استمرت في محافظة حماه بوسط سوريا الشمالي الغربي، بين قوات النظام ومسلحي فصيل «جند الأقصى» الذي تصنفه دول عدة على أنه «إرهابي».
ورأى مدير «المرصد» رامي عبد الرحمن، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن اتفاق وقف الأعمال القتالية «إيجابي جدا ومطبق، إلا من بعض الخروقات القليلة التي لم تتسبب في مقتل مدنيين سوريين». وقال عبد الرحمن: «إنه خلال 48 ساعة تم توثيق نحو 28 خرقا من قبل المعارضة، وما بين 47 و52 خرقا من قبل النظام»، مشيرا إلى مقتل 6 مدنيين في مناطق خاضعة لسيطرة «داعش»، أهمها دير الزور وتدمر وريف محافظة حمص.
وبينما تراوحت تقديرات المعارضة بين 30 و40 خرقا، خلال 48 ساعة، أصدر «الائتلاف الوطني لحقوق الإنسان» تقريرا أشار فيه إلى تنفيذ النظام خلال اليوم الثاني انتهاكات في 28 منطقة، أبرزها في محافظات ريف دمشق وحلب وحماه وحمص ودرعا. وبدوره، سجّل «مركز جسور للدراسات» تنفيذ النظام نحو 11 خرقا في اليوم الأول للهدنة، تركّزت بشكل أساسي في أرياف محافظات درعا وحلب ودير الزور وحماه، ونحو 18 خرقا في اليوم الثاني، أبرزها في الغوطة الشرقية بمحافظة ريف دمشق ومحافظة حلب.
من جهتها أوقفت تركيا أخيرًا إرسال مزيد من المساعدات إلى مدينة حلب، عاصمة الشمال السوري، انتظارا للسماح لشاحناتها التي أرسلتها سابقا بالدخول، فيما أبلغت أميركا بخروقات النظام السوري لوقف إطلاق النار. مسؤول في وكالة الطوارئ والكوارث الطبيعية التابع لمجلس الوزراء التركي أفاد بأنه لن يجري إرسال شاحنات مساعدات أخرى عبر الحدود مع سوريا، إلى أن يتضح مصير 20 شاحنة كانت قد عبرت الحدود أول من أمس، في إطار اتفاق وقف إطلاق النار.
أنقرة كانت قد أعلنت عقب إعلان اتفاق وقف إطلاق النار الجمعة، أنها تهدف إلى إدخال 33 شاحنة من المساعدات تتركز بالأساس على الطحين والمواد الغذائية، التي يعاني سكان حلب نقصا شديدا فيها، بالتنسيق مع الأمم المتحدة. ويتمسك النظام السوري بأن تحصل تركيا على تصريح منها ومن الأمم المتحدة من أجل إدخال أي مساعدات.
من جانبه، قال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إن المعارضة السورية ملتزمة بالهدنة المعلنة، لكن النظام اخترقها مرات عدة، حتى أن هناك معلومات وتقارير تفيد بإلقائه براميل متفجرة. وأبلغ جاويش أوغلو نظيره الأميركي جون كيري بهذه الخروقات، خلال اتصال هاتفي مساء الثلاثاء. وأشار الوزير التركي إلى أنه بحث مع كيري عددا من القضايا، في مقدمتها الهدنة المعلنة في سوريا.
ولا تزال المناطق المحاصرة في سوريا تنتظر وصول قوافل المساعدات الإنسانية العالقة على الحدود بقرار من النظام الذي يمنع دخولها، وهو الأمر الذي اعتبرت المعارضة أنه يهدّد الهدنة بعد يومين من بدئها. وفي حين حذّرت الولايات المتحدة من استمرار العنف في سوريا مؤكدة أنها تحتفظ بحق إعلان الهدنة باطلة ولاغية، أعلنت روسيا على لسان المسؤول العسكري في رئاسة الأركان الروسية، فيكتور بوزنيخير، تأييدها تمديد العمل بالهدنة في كل أنحاء سوريا لمدة 48 ساعة.
أمس، نقلت وكالة الإعلام الروسية عن الجيش الروسي قوله، إن جيش النظام السوري «مستعد لتنفيذ انسحاب مرحلي متزامن مع انسحاب قوات المعارضة من طريق الكاستيلو القريب من حلب، في التاسعة من صباح غد (اليوم)». وكان جنود روس قد أقاموا نقطة مراقبة لمرور المساعدات على طريق الكاستيلو، محور الطرق الأساسية لنقل المساعدات من تركيا إلى أحياء المدينة الشرقية التي تسيطر عليها الفصائل المعارضة وتحاصرها قوات النظام.
وكانت قافلتان من المساعدات قد عبرتا الحدود التركية متجهتين إلى سوريا في المنطقة الفاصلة بين حدود البلدين، بانتظار الحصول على تصريح بالتحرك نحو حلب، وهو ما أشار إليه نائب رئيس «الهيئة العليا للتفاوض» جورج صبرا، مؤكدا أن إصرار النظام على التحكم في مسألة المساعدات يعرقل إدخالها إلى حلب، في حين استبعد مسؤول في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية احتمال أن يتم توزيع هذه المساعدة الإنسانية الأربعاء.
صبرا قال لوكالة «رويترز» في تصريح له: «ليس هناك كبير ثقة في أن هذه الهدنة يمكن أن تصمد أكثر من سابقتها.. ومن السابق لأوانه الحديث عن أي استئناف لمحادثات السلام، وإن الأمر يتوقف على تنفيذ البنود الإنسانية في قرار وافقت عليه الأمم المتحدة العام الماضي». وأكّد نائب رئيس «الائتلاف» السابق، هشام مروة، أن الطرف الأميركي حريص على إنجاح الهدنة، والمعارضة من جهتها السياسية والعسكرية تتعامل بإيجابية معها، لكن المشكلة لا تزال قائمة، وكما العادة، من قبل النظام الذي قام حتى الآن بخرقها أكثر من 30 مرة، إضافة إلى عرقلته إيصال المساعدات، وهو الأمر الذي يهدد الهدنة.
وأضاف مروة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجانب الروسي يقول إن المعارضة تخرق الهدنة يتجاهل ما يقوم به النظام، في وقت كان ما قامت به الفصائل في سياق الدفاع عن النفس». وأوضح: «كان يفترض أنه خلال الـ48 ساعة الأولى من الهدنة أن تصل المساعدات إلى مدينة حلب المحاصرة، على أن تبدأ بالتوسع أكثر إلى مناطق أخرى، لكن منع النظام من دخولها حال حتى الآن دون ذلك. وإذا استمر الوضع على هذه الحال، يعني ذلك أن الاتفاق ليس إلا حبرا على ورق»، وذكّر مروة بأن قرار مجلس الأمن رقم 2165، ينص على السماح للأمم المتحدة بإدخال المساعدات دون إذن من أي طرف.
بدوره، اعتبر الناشط في حلب، عبد القادر علاف، أن ما يقوم به النظام بمنعه إدخال المساعدات هو «خرق لوجستي» وعدم تنفيذ بند أساسي ورئيسي في الاتفاق الذي ينص على توصيلها. وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، تساءل علاف: «إذا كان النظام يمنع إدخال المساعدات عبر تركيا، فمن أين ستدخل إلى حلب، وهي طريق العبور الوحيدة إلى المدينة عبر الكاستيلو؟»، مضيفا: «ما يقوم به النظام ليس إلا تقديم حجج غير منطقية لعرقلة إيصال المساعدات».
هذا، ومنذ دخول اتفاق الهدنة حيز التنفيذ مساء الاثنين، توقفت المعارك بشكل كامل تقريبا بين قوات النظام ومسلحي المعارضة على مختلف الجبهات، باستثناء بعض النيران المتقطعة بحسب ناشطين و«المرصد السوري لحقوق الإنسان» والأمم المتحدة. ويفترض أن تتيح الهدنة نقل المساعدات الإنسانية من دون عراقيل إلى مئات آلاف المدنيين المحاصرين في نحو 20 مدينة وبلدة، وغالبيتها من قوات النظام.
وفي هذا الإطار، قال ديفيد سوانسون، الناطق باسم مكتب الشؤون الإنسانية في مدينة غازي عنتاب الحدودية في تركيا، لوكالة الصحافة الفرنسية «أ.ف.ب»: «على أساس ما سمعناه على الأرض، من غير المرجح أن يحصل هذا الأمر اليوم (أمس)»، وأضاف أن «الهدنة التي تبدو صامدة تعطينا الأمل، وهي الفرصة الوحيدة منذ فترة طويلة لإيصال المساعدات»، معتبرا في الوقت عينه أن التحدي هو ضمان أن كل أطراف النزاع على الموجة نفسها، مطالبا بضمانات أمنية.
وذكر سوانسون أن 20 شاحنة محملة بحصص غذائية كافية لنحو 40 ألف شخص، جاهزة لعبور الحدود التركية. وتابع: «ما إن نحصل على الموافقة، يمكننا التحرك»، مشيرا إلى أن «بعض الجماعات تسعى للحصول على مكاسب سياسية من هذا.. وهذا شيء نريد استبعاده». واستطرد: «المساعدة لن تسلم فقط إلى حلب، إن الأمم المتحدة في سوريا تسعى أيضا إلى تقديم المساعدة إلى مناطق أخرى محاصرة أو يصعب الوصول إليها». وقال مسؤول ثان في الأمم المتحدة، إن تسليم المساعدات إلى حلب يستلزم المرور بعدد كبير من نقاط التفتيش التي تديرها قوات تابعة للمعارضة وأخرى للحكومة السورية، وإنه لا تزال هناك حالة من عدم اليقين بشأن ما إذا كانت المعونة ستمر بسلام منها.
ما يستحق الذكر أن النظام السوري كان قد أعلن أنه سيرفض تسليم أي مساعدات للمدينة لا يتم التنسيق فيها معه ومع الأمم المتحدة، وخصوصا المساعدات القادمة من تركيا، في حين طالب مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، الثلاثاء «بضمانات بعدم التعرض للسائقين وللقوافل». وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما يزيد كثيرا عن مليون شخص يعيشون تحت حصار في سوريا، التي أدى الصراع فيها إلى مقتل مئات الآلاف وتشريد أكثر من 11 مليونا، فيما يعيش في مدينة حلب المحاصرة نحو 350 ألف مدني.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».