قوانين العشيرة تسود في العراق.. بدلاً من الإجراءات القضائية

محامية عراقية: ضعف القضاة والترهل في الإجراءات سمح بابتزاز المواطنين

كتابة على جدار روضة في بغداد تحذر من بيعها لأن مالكتها مطلوبة عشائريًا («الشرق الأوسط»)
كتابة على جدار روضة في بغداد تحذر من بيعها لأن مالكتها مطلوبة عشائريًا («الشرق الأوسط»)
TT

قوانين العشيرة تسود في العراق.. بدلاً من الإجراءات القضائية

كتابة على جدار روضة في بغداد تحذر من بيعها لأن مالكتها مطلوبة عشائريًا («الشرق الأوسط»)
كتابة على جدار روضة في بغداد تحذر من بيعها لأن مالكتها مطلوبة عشائريًا («الشرق الأوسط»)

يشكو العراقيون من غياب سلطة القانون وانحسار هيبة الدولة مقابل سيادة سلطة العشيرة وقوانينها التي تحولت إلى باب واسع لابتزاز المواطنين ماليا، ومما ساعد على ذلك ضعف الإجراءات القضائية وتوفر الأسلحة دون رقابة أو سيطرة الحكومة.
وتظهر سطوة العشائر وقوانينها الارتجالية بوضوح عندما يتخلى المواطن العراقي عن حقوقه المدنية ولا يلجأ إلى مراكز الشرطة أو القضاء، بل إلى العشيرة لنيل ما يعتقد أنها حقوقه المشروعة بعد «أن يتأكد من أن القضاء لا يأخذ حقه ولا يحاسب المعتدين عليه»، حسبما تؤكد المحامية أزهار الخفاجي، التي قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «ما تسمى (مجالس العشائر) المنتشرة في بغداد وبقية المحافظات تحولت إلى مجالس للقضاء ولحل النزاعات بواسطة دفع الأموال، بينما غاب حق الدولة أو ما يسمى في القضاء العراقي (الحق العام)»، مشيرة إلى أن «ضعف القضاء، وعدم متابعة الإجراءات القانونية من قبل الشرطة، وسيطرة القوي على الضعيف، عوامل أدت إلى تغييب القوانين المدنية».
وأضافت المحامية أن «المدعين أو المعتدى عليهم لم يعودوا يلجأون إلى مراكز الشرطة أو المحاكم، لمعرفتهم مسبقا بأن هذه الإجراءات تطول وسيدفعون كثيرا من الرشى، والذي سيفوز في النهاية هو من يدفع أكثر، لهذا يتوجهون إلى العشيرة التي تأخذ حقه مضاعفا من المعتدي في أسرع وقت وبأسهل طريقة»، مضيفة أن «هناك كثيرا من المشتكين الذين توكلتُ عنهم يسحبون شكواهم ويلجأون للعشيرة دون أن يتخذ الادعاء العام أو الحق العام دوره في متابعة قضاياهم ومعاقبة المعتدي».
وكانت شاشات التلفزيونات العراقية ببغداد قد عرضت قبل يومين مشاهد لاعتداء 3 من شرطة المرور على سائق شاب في ساحة الخلاني وسط جانب الرصافة من بغداد، وأظهرت اللقطات التي صورها «مستطرق» وانشغلت بها وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، تعرض شاب للضرب المبرح من قبل الشرطة. وعرضت إحدى المحطات الفضائية حديثا للشاب المعتدى عليه أوضح فيه أسباب الاعتداء من قبل شرطة مرور لم يكونوا يقومون بواجبهم ودون أسباب، حسب قوله، بينما أكد والده أنه لجأ إلى عشيرته التي ستأخذ حقه من أفراد الشرطة الذين اعتدوا على ابنه.
ويقول الناشط المدني عدنان علي، بكالوريوس علم الاجتماع، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يعنيه والد الشاب بنيل حقوقه هو الحصول على أكبر مبلغ من المال تعويضا مقابل التنازل عن حقه المدني»، مشيرا إلى أن الإجراءات العشائرية تتم أولا بتسجيل دعوى أو شكوى في مراكز الشرطة من قبل المعتدى عليه ضد المعتدين، ثم تقوم العشيرة بإجراءاتها للتفاوض مع عشيرة المعتدي من خلال جلسات مشتركة وتحت تهديد السلاح لتحديد مبلغ التعويض والاتفاق عليه، كي يتنازل المشتكي عن حقه أمام القضاء وتتم تسوية القضية».
وأضاف علي قائلا إن «الموضوع تحول إلى مصلحة تجارية بحتة (بزنس) يدر كثيرا من الأموال على ما تسمى (مجالس العشائر) ومن يدعون أنهم شيوخ عشائر»، مشيرا إلى أنه «بدلا من أن تسود وتنتصر قيم المدينة، خصوصا في بغداد التي عرفت طوال تاريخها بأنها مدينة متحضرة، سادت للأسف القيم المتخلفة في الريف، وسيطرت على قوانين وأسلوب الحياة البغدادية؛ إذ صرنا نشاهد في العاصمة العراقية كتابات على أبنية تجارية ومساكن، مثل: (البيت محجوز لعشيرة.. مطلوب دم)، وهذا يعني أن صاحب البيت مطلوب ثأرا ومهدد علانية بالقتل، وشاهدنا ذلك على جدران بيوت أطباء ومهندسين وتجار دون أن تتخذ الدولة أي إجراءات قانونية ضد من كتب هذه العبارات، بل لم تكلف السلطات نفسها محو وإزالة هذه العبارات».
«الشرق الأوسط» زارت أحد مقرات مجالس العشائر في منطقة حي الشعب شرق بغداد لتتعرف على سير الإجراءات التي يتخذها المجلس الذي يرى أن مهمته «إحقاق الحق لصالح المعتدى عليه» حسبما يؤكده علي الساعدي الذي تنحدر أصوله من محافظة ميسان جنوب العراق، والذي قال: «عندما يتقدم إلينا أي شخص ينتسب لعشيرتنا بشكوى ضد شخص اعتدى عليه أو سرق حقوقه كأن يكون تاجرا وسرق شريكه حقوقه، ونتأكد من الموضوع، نقوم بتشكيل ما يشبه اللجنة، ونستدعي جماعة من عشيرة المعتدي للتفاوض معهم، وهذه تسمى (كعدة عشاير) أي جلسة مفاوضات، وبعد أن يتم التأكد من حيثيات القضية نحدد مبلغا من المال تعويضا عن الاعتداء للمعتدى عليه، وتتم المفاوضات حول المبلغ لمحدد»، مشيرا إلى أن «التهديد باستخدام السلاح يأتي بعد أن نجد أن المفاوضات الودية غير نافعة، ويكون اسم العشيرة وقوتها ونفوذها مؤثرا في حسم النزاع». وأوضح أن «مجلس العشيرة أو الأشخاص المتفاوضين والذين ينتزعون حق المعتدى عليه، تكون لهم نسبة من التعويض المالي الذي يسمى عشائريا (الفصل)، وحسب القضية وقيمة التعويض»، مؤكدا أن «لنا قوانيننا الخاصة التي لا علاقة لها بقوانين الدولة التي لم تعد تحل أي مشكلات أو قضية».
لكن المحامية أزهار الخفاجي أكدت «انتشار ما يشبه الوكالات القضائية أو شركات المحاماة غير القانونية لحسم أي نزاع أو لاستحصال حقوق الآخرين والقيام بالدفاع عمن يوكلهم، كأن يأتي أي شخص حتى لو لم يكن منتسبا لعشيرتهم، ويكلفهم بأخذ حقوقه المادية من شخص آخر مقابل نسبة عالية من قيمة التعويض، وقد تصل إلى 30 في المائة، وهذا بمثابة منحهم التوكيل الشرعي للدفاع عن حقوقه ونيلها من عشيرة المشتكى ضده»، مشيرة إلى أن «هذه الإجراءات غير القانونية والقائمة على مبدأ الابتزاز والتهديد بقوة السلاح هددت البنية الاجتماعية، من جهة، ووضعت القوانين والحكومة والإجراءات القضائية جانبا، من جهة ثانية، وبالتالي هي تخرق القانون وتجب مواجهتها والوقوف في وجهها لأنه ابتزاز واضح ومعلن».
يذكر أن نزاعا عشائريا في محافظة ميسان كان قد تحول إلى معركة مسلحة الأسبوع الماضي أدى إلى سقوط ضحايا، مما دفع برئيس الوزراء حيدر العبادي لإرسال قوة عسكرية لحل النزاع.
من جهته، يؤكد العميد سعد معن، مدير العلاقات في وزارة الداخلية والمتحدث الرسمي باسمها، أن «الشرطة العراقية وبقية الأجهزة الأمنية حريصة على تطبيق القوانين ومتابعة جميع القضايا لإحقاق الحق بالطرق القانونية وحسب ما يقرره القضاء». وقال معن لـ«الشرق الأوسط»: «إحصاءاتنا تشير إلى تراجع كبير في نسبة الجريمة المنظمة».



رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
TT

رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

زار الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، يوم الجمعة، عاصمة إقليمية متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، وذلك في زيارة هي الأولى التي يُجريها رئيس في المنصب للمنطقة منذ نحو 50 عاماً.

تأتي الزيارة إلى لاسعانود، العاصمة الإدارية لمحافظة صول، في خِضم توترات تشهدها منطقة القرن الأفريقي، على خلفية اعتراف إسرائيل مؤخراً باستقلال جمهورية أرض الصومال المعلَنة من جانب واحد، وهو ما أثار حفيظة مقديشو.

وحضر محمود في لاسعانود مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

تضم ولاية شمال شرقي الصومال أجزاء من ثلاث محافظات صومالية هي صول وسناج وعين، وعاصمتها لاسعانود.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته لاسعانود لحضور مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

كانت جمهورية أرض الصومال الانفصالية تسيطر على لاسعانود منذ عام 2007، لكن قواتها اضطرت للانسحاب منها بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الصومالية وميليشيات مُوالية لمقديشو، خلّفت عشرات القتلى.

وقالت الرئاسة الصومالية إن زيارة محمود ترمز إلى تعزيز الوحدة والجهود التي تبذلها الحكومة الفيدرالية لتكريس وحدة أراضي الدولة الصومالية وشعبها.

وسارعت جمهورية أرض الصومال للرد، إذ قال وزير شؤون الرئاسة في الإقليم الانفصالي، خضر حسين عبدي، إن لاسعانود هي أرض الصومال، مشدّداً على وجود تصميم على حل الخلافات بالحوار والوسائل السلمية.

وشدّد على أن الاعتراف بأرض الصومال أصبح، الآن، «واقعاً»، وعَدَّ أن «أحداً لا يمكنه تغيير ذلك».

Your Premium trial has ended


انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني، وترحيب واشنطن، وعدم ممانعة رسمية إسرائيلية بعد تحفظات سابقة.

وجاء الاجتماع الأول بعد ساعات من قتل إسرائيل 8 فلسطينيين، واتهام «حماس» لها بـ«تخريب الاتفاق»، وهو ما يجعل خبراء «إزاء تفاؤل حذر بمسار الاتفاق، في ضوء تلك المتغيرات واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية». وشددوا على «أهمية موقف أميركي حاسم لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية التي بدأت بتشكيل لجنة إدارة القطاع، وتشهد عقبات رئيسية منها إدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح (حماس)».

وتحدثت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن بدء أول اجتماع تعقده اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، في العاصمة المصرية، برئاسة الفلسطيني علي شعث.

وفي أول ظهور إعلامي له، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، إن اللجنة بدأت رسمياً أعمالها من العاصمة المصرية، وهي مكونة من 15 شخصية فلسطينية مهنية وطنية. ولفت إلى أن اللجنة تلقت دعماً مالياً، ووُضعت لها موازنة لمدة عامين هي عمر عمل اللجنة، وطالب بإنشاء صندوق في البنك الدولي لإعمار وإغاثة غزة، مشيراً إلى أن «هناك وعوداً من الدول الوازنة في المنطقة، لتقديم دعم مالي كبير وملموس».

وأوضح شعث أن خطة الإغاثة تستند إلى الخطة المصرية التي أقرّتها جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2025، (وتستغرق 5 سنوات بتكلفة نحو 53 مليار دولار)، ولقيت ترحيباً من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن «أول خطوة تبنتها لجنة إدارة قطاع غزة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع للقطاع».

وفي حين قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها جاهزة لتسليم القطاع لإدارة التكنوقراط، ونبهت، في بيان، إلى أن «المجازر» التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بغزة باستهداف 9 فلسطينيين بينهم سيدة وطفلة جراء غارات وإطلاق نيران صوب خيام النازحين، تؤكد استمرار تل أبيب في «سياسة تخريب اتفاق وقف الحرب، وتعطيل الجهود المعلنة لتثبيت الهدوء في القطاع».

ولفتت إلى أن تلك المجازر «تصعيد خطير» يأتي مع «إعلان الوسطاء تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق (في بيان الأربعاء)، وكذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تشكيل مجلس السلام»، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالوقوف أمام مسؤولياتها في ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وإلزامها بما جرى الاتفاق عليه.

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

والخميس، أعلن ترمب، تأسيس «مجلس السلام» المعني بغزة، مشيراً إلى أنه تم الدخول رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. بينما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الخميس، إن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً، منذ سريان الاتفاق.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن انطلاق عمل اللجنة مهم للغاية، ويعدّ إنهاءً لإحدى ذرائع إسرائيل بشأن وجود «حماس»، خصوصاً أن اللجنة تكنوقراط ومحل توافق، لافتاً إلى أنه رغم إبطال إنهاء تلك الذرائع وإنهاء «حماس» لسلطتها السياسية، فإنه يجب التعامل بحذر مع تطورات المشهد الذي يجب أن يُستكمَل بقوات الاستقرار وشرطة فلسطينية حال لم توجد عراقيل إسرائيلية جديدة.

وفي ضوء ذلك، يبدي المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً حذراً أيضاً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تحديات كبيرة تواجهها اللجنة، خصوصاً أنها تدير منطقة مدمرة كلياً، وأمامها تعقيدات إسرائيلية مرتبطة بسلاح المقاومة، ورفض الإعمار الكامل والانسحاب.

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في المقابل، هناك جهود لا تزال مستمرة من الوسطاء، وتلقّى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب.

وشهد الاتصال الهاتفي بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» الجمعة، «التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب إعلان تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار».

حسن أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري مهم، ويواصل حرصه على استكمال الاتفاق وعدم عرقلته من جانب إسرائيل، خصوصاً أن فتح معبر رفح لم يتم من المرحلة الأولى ويتواصل التلكؤ في نشر قوات الاستقرار التي ستشرف على المعابر، مشدداً على أن واشنطن ستحاول أن تستكمل الاتفاق؛ حرصاً على مصداقيتها ألا تُفقَد.

في حين يعتقد الرقب أن أي تقدم في المرحلة الثانية وعدم تكرار جمود المرحلة الأولى، يتوقف على الدعم الأميركي لإنجاز استكمال الاتفاق، خصوصاً انسحاب إسرائيل وليس فقط نزع السلاح.


وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.