ملهمات فنية وتاريخية تغطي 5 قرون من تاريخ الفن

كانت معلقة في بيوت الفنانين المشهورين وتأثروا بها في إبداع أعمالهم اللاحقة

لوحة مانيه {إعدام ماكسميليان}  -  تيتان
لوحة مانيه {إعدام ماكسميليان} - تيتان
TT

ملهمات فنية وتاريخية تغطي 5 قرون من تاريخ الفن

لوحة مانيه {إعدام ماكسميليان}  -  تيتان
لوحة مانيه {إعدام ماكسميليان} - تيتان

تبتكر إدارة «الناشنييال غاليري» في لندن أفكارًا متجددة وغير مألوفة لجذب المزيد من الزوار والسياح للدخول إلى هذا الصرح الثقافي المدهش وسط لندن. لذلك تحرص إدارة الغاليري على عرض الأعمال الفنية بسياق ومنظور مختلف، كأنها تحاول إشراك الزوار في عملية بحث واستقراء فنية لمصادر وملهمات الفنانين، وتحفز لدى الزوار خاصية النقد والتحري، وتخلق وتنمي لديهم النظرة الفاحصة للعمل الفني والمراجع التي أستلهمها الفنان، ومحفزاته على الإبداع. وهذا ما حصل في معرض «مقتنيات الفنانين»، حيث تجمع الإدارة خمسا وثمانين لوحة نصفها من مقتنيات المعرض والنصف الآخر من المقتنيات الخاصة للأفراد وبعض المعاهد والمتاحف حول العالم، تغطي فترة خمسة قرون من تاريخ الفن، لا رابط بين هذه اللوحات ومبدعيها غير شيء واحد. إنها كانت معلقة في بيوت الفنانين المشهورين وتأثروا بها في إبداع أعمالهم اللاحقة. لا يكتفي المعرض بهذا، بل يزيد بوضع اللوحة الأصلية المقتناة جنبا إلى جنب مع لوحة الفنان التي نتجت عن تأثره بها، كأن الإدارة تريد سبر العلاقة المتبادلة بين اللوحة والفنان الذي اقتناها، فاللوحة تتجاوز كونها ديكورا يزين بها جدار غرفة جلوس أو مرسمًا ما، إلى كونها باعثة على الإلهام والتنافس الخفي وسبر أسرار الإبداع الفني، كأن كل لوحة معروضة تقول للزائر: انظر وتفحص ونم ذائقتك الفنية وكلما زرت معرضًا فنيًا ابحث عن الملهمات التاريخية والفنية لكل فنان.
هناك عوامل أخرى تسهم في عملية اقتناء اللوحات بين الفنانين وهي الروابط الشخصية أو التقارب الروحي والفني أو حتى الانتماء إلى جيل أو بلد واحد أو المكانة الاجتماعية لكل فنان والرغبة في محاكاة إنجاز الآخر.
أولى قاعات المعرض خُصصتْ للرسام البريطاني لوسيان فرويد وهو حفيد عالم النفس سيغموند فرويد. وقد غادر لوسيان فرويد برلين مع عائلته حين كان بعمر الحادية عشرة بعد صعود المد النازي، وأصبح مواطنًا بريطانيًا عام 1939، وكجزء من امتنانه لهذا البلد أهدى الغاليري مجموعة من مقتنياته الفنية. يستقبل الزوار بورتريت شخصي للرسام يعود تاريخه إلى عام 2002 وهي لوحة تؤرخ لشيخوخته، وكما معروف أن فرويد يتقن رسم نظرته المركزة الغائرة، وهو غير معني إطلاقا بتجميل ملامحه بل من ملاحظة كثافة اللون وبروز ضربات الفرشاة، نستشف عدد المرات التي مرر فرشاته على وجهه المليء بالغضون والتجاعيد كأنه يؤكدها، كما يؤكد يده المليئة بالعروق التي تمس ربطة عنقه. وقبل رسمه لهذا البورتريت، اقتنى لوسيان فرويد عام 2001 لوحة بعنوان «المرأة الإيطالية ذات الأكمام الصفراء» للرسام الفرنسي كاميل كورو يعود تاريخها إلى عام 1870، من مزاد علني وعلقها في الطابق العلوي من بيته في لندن، وهي لوحة تصور خادمة بزي تقليدي وأكمام صفراء براقة تنتهي بأشرطة لكن نظراتها الغائرة، التي تميل بزاوية مائلة هي ما يميز هذه اللوحة. ليس صعبًا أن نكتشف أن نظرة فرويد في لوحته الشخصية مستوحاة من نظرة الخادمة ذات الأكمام الصفراء في لوحة كورو. اقتنى فرويد أيضا عام 1999 لوحة «ظهيرة في نابولي» للرسام الانطباعي بول سيزان التي سرعان ما سيظهر تأثره بها في لوحته المسماة «ما بعد سيزان» التي تصور امرأتين ورجلا كما في لوحة سيزان رغم اختلاف الثيمة بين اللوحتين وكذلك العلاقة بين شخوص اللوحتين.
* مقتنيات هنري ماتيس الفنية
القاعة الثانية خصصت للرسام الفرنسي هنري ماتيس (1869-1954) وأيضا يستقبل الزوار ببورتريت شخصي يعود إلى عام 1918 يصور نفسه منغمسا في الرسم يحمل لوحة ألوانه وفرشاته. واقتنى ماتيس عام 1899 لوحة سيزان الشهيرة «المستحمات الثلاث» التي يعود تاريخها إلى عام 1879 وهي لوحة كثيفة تصور ثلاث نساء كل واحدة بشعر مختلف (أحمر وأشقر وأسود) يستحممن في بركة وقت الغروب تؤطرهن شجيرتان بينما تتراقص ظلالهن وظلال القمر على صفحة الماء. دفع ماتيس ثمن هذه اللوحة على شكل أقساط لأنه لم يكن يملك ثمنها لكنه بقي مهووسًا بها طوال حياته واعتبرها من أكمل اللوحات الفنية ونتج عن هذا الهوس سلسلة من أربع منحوتات استغرق في إنجازها عشرين عاما والمعنونة «الظهر». في هذا المعرض وضعت لوحة سيزان الشهيرة مع منحوتة الظهر الثالثة التي تجسد ظهر امرأة ذات شعر طويل وليس صعبًا أن نلاحظ تأثر ماتيس بلوحة سيزان.
وتعرض أيضًا لوحتان لبيكاسو من مقتنيات ماتيس، تصوران عشيقة بيكاسو (دورا مار) وهي شاردة الذهن تماما، يعود تاريخ اللوحتين إلى بداية الأربعينات، كان بيكاسو قد أهداهما إلى مجايله ومنافسه هنري ماتيس، تكشف اللوحتان حجم التنافس بين ماتيس وبيكاسو وكيف كانا يتبادلان اللوحات عبر حياتهما ويشعران بالتهديد المتبادل إلى درجة أن ماتيس صرح يومًا قائلا: «ليس من حق أحد أن ينتقدني فنيا عدا بيكاسو».
في القاعتين التاليتين نتعرف على إديغار ديغا (1834-1917)، ليس بوصفه فنانا وأحد مؤسسي المدرسة الانطباعية بل بوصفه جامعا للأعمال الفنية ومطاردا لها من مزاد لآخر، فقد كان يردد: «اشتريت لوحات فنية وغرقت بالدين حتى لم أعد قادرًا على توفير قوتي اليومي»، وهذا ما نتأكد منه عندما نشاهد لوحة «إعدام ماكسميليان» لصديقه ومجايله إدوارد مانيه، التي رسمها تخليدا لذكرى إعدام إمبراطور المكسيك ماكسميليان. بعد وفاة مانيه قام ابنه بتقسيم هذه اللوحة الكبيرة الحجم إلى أجزاء أربعة وبيع كل جزء منها على حدة، لكن ديغا حاول جمع أجزاء هذه اللوحة لكنه لم يفلح تماما فقد بقيت فراغات في حيز اللوحة الكبير.
اقتنى ديغا أيضًا، 22 لوحة للفنان الكلاسيكي الفرنسي جان أوغست إنغر و22 لوحة أخرى للرسام الفرنسي إيغوين ديلاكروا وتسع لوحات أخرى لمانيه، ولوحات لبيسارو وغوغان وروسو وسيزان وفان غوغ، وحين مات كانت مقتنياته الفنية تقارب الألف.
* أفضل أنواع الثروة
كتب الفنان الإنجليزي جوشوا رينولدز (1723 - 1792) وهو أحد أبرز فناني القرن الثامن عشر ومؤسس وأول رئيس للأكاديمية الملكية للفن في لندن، في مذكراته «حيازة لوحات فنية لتيتيان وفاين دايك ورامبرانت هي أفضل ثراء». وقد اقتنى هذا الفنان لوحات للهولندي رامبرانت وأخرى للرسام الإنجليزي توماس غينزبره ولوحة لرسام عصر النهضة الإيطالي جيوفاني بيليني (1430-1516) وأخرى كان يعتقد حين اقتناها إنها لمايكل أنجلو.
القاعة الأخيرة خصصت للرسام البلجيكي الشهير فان دايك (1599-1641) الذي بعد أن حاز شهرة ونجاحا في إيطاليا وبلجيكا، انتقل إلى إنجلترا واشتهر بكونه رسام البلاط البريطاني ورسم لوحات للملك جارلس الأول وعائلته، واستمر تأثيره على الفنانين الإنجليز طوال 150 عاما. ورغم تنقله بين البلدان فقد اقتنى فان دايك لوحتين لرسام عصر النهضة الإيطالي تيتيان، إحداهما معنونة بـ«الرجل ذو الأكمام» التي رسمها تيتيان حين كان بعمر العشرين وابتكر فيها أسلوبا مدهشا ومغايرا عما كان سائدا في رسم البورتريت، فقد غيّر تيتيان من وضعية الجمود والمباشرة التي يتخذها الشخص المرسوم إلى وضعية جانبية توحي بالحركة، وكذلك نظرة الشخص من مباشرة إلى موحية، بل حتى غيّر في الإزار الذي يرتديه فقد جعله يغطي كتفا واحدة فقط فهو إما على وشك ارتدائه كاملا أو خلعه. هذا الأسلوب أثر لاحقًا في بورتريهات رامبرانت الشخصية وكذلك في لوحة البورتريت الشخصي لفان دايك التي علقت في الجدار المقابل من القاعة، حيث يتخذ فان دايك ذات الوضعية الديناميكية في جلسته ونظرته وثيابه ويزيد عليها بأنه يرفع يده ويمسك بها رداءه الذي على وشك السقوط.
يقدم هذا المعرض المدهش لزواره علاوة على حسن التنظيم وترتيب اللوحات تبعًا لمقتنيها وفترتها الزمنية، وعلاوة على عرضه أعمال استثنائية لفنانين استثنائيين، نظرة تاريخية متسلسلة للإبداع الفني، فنحن نرى تيتيان بأعين فان دايك ورامبرانت ورينولدرز، ونرى سيزان بأعين فرويد وماتيس وديغا، ونرى بيكاسو وديغا بعيني ماتيس، ونرى مانيه وإنغلز وديلاكروا بعيني ديغا، وهكذا هي السلسلة الفنية في الإعجاب والاقتناء والتأثر والإبداع.



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.