«أوبك» تتوقع مزيدًا من «التخمة النفطية» في 2017

موسكو تتجه إلى «إنتاج قياسي».. والصين تعاني من «التشبع»

حقل كاشاجان النفطي في كازاخستان (رويترز)
حقل كاشاجان النفطي في كازاخستان (رويترز)
TT

«أوبك» تتوقع مزيدًا من «التخمة النفطية» في 2017

حقل كاشاجان النفطي في كازاخستان (رويترز)
حقل كاشاجان النفطي في كازاخستان (رويترز)

رفعت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، أمس الاثنين، توقعاتها لإمدادات النفط من خارج المنظمة في عام 2017، مع دخول حقول جديدة للإنتاج وإثبات شركات التنقيب عن النفط الصخري الأميركي مرونة أكبر من المتوقعة في التعاطي مع أسعار الخام المتدنية، مما يشير إلى فائض كبير في السوق العام المقبل.
وقالت «أوبك»، في تقرير شهري صدر أمس، إن متوسط الطلب على النفط من إنتاج الدول الأعضاء بالمنظمة سيبلغ 32.48 مليون برميل يوميا في عام 2017، انخفاضا من 33.01 مليون برميل يوميا في توقعات سابقة.
وقال التقرير إن «أوبك» نفسها أبقت على الإنتاج قرب أعلى مستوياته في عدة سنوات في أغسطس (آب) الماضي، حيث ضخت 33.24 مليون برميل يوميا وفق البيانات التي تجمعها «أوبك» من مصادر ثانوية، بانخفاض قدره 23 ألف برميل يوميا عن يوليو (تموز) الماضي. في حين أشارت إلى أنه من المتوقع أن يزداد إنتاج كل من كازاخستان والنرويج وبريطانيا من النفط بشكل يزيد على التوقعات السابقة. وقال التقرير إنه «من المتوقع ارتفاع الإنتاج من خارج أوبك في النصف الثاني من 2016. مقارنة بالنصف الأول».. بينما توقعت المنظمة أن يرتفع الإنتاج من خارج المنظمة بواقع 200 ألف برميل يوميا في 2017. مقارنة مع انخفاض قدره 150 ألف برميل يوميا في توقعات سابقة.
ويضاف احتمال وجود فائض أكبر من المتوقع في إنتاج النفط للتحدي الذي يواجهه منتجون من داخل «أوبك» وخارجها مثل روسيا، في الوقت الذي يحاولون فيه مجددا كبح الإنتاج. ويجري تداول النفط بسعر 47 دولارا للبرميل، وهو رقم يمثل نصف مستوى السعر الذي كان عليه الخام في منتصف عام 2014. في الوقت الذي ما زالت فيه تخمة الإمدادات قائمة، رغم آمال «أوبك» في أن تنتهي بفعل تدني الأسعار.
وعدلت أوبك توقعاتها لإمدادات النفط من خارجها في 2016 و2017 صعوديا، مستندة إلى عدة عوامل، من بينها بدء إنتاج حقل كاشاجان في كازاخستان وانخفاض يفوق المتوقع في إنتاج النفط الصخري بالولايات المتحدة، وقالت إن التوقعات الحالية تشير إلى مزيد من الإنتاج.

روسيا ترفع إنتاجها
وجاء تقرير «أوبك» متزامنا مع تصريحات مصدرين مقربين من وزارة الطاقة الروسية لـ«رويترز»، أمس، بأن إنتاج النفط في روسيا من المتوقع أن يرتفع هذا العام بنسبة 2.2 في المائة فوق التوقعات، ليصل إلى أعلى مستوى في نحو 30 عاما، بما يتراوح بين 546 و547 مليون طن.
وتتجاوز روسيا باستمرار توقعات إنتاج النفط الذي يشهد زيادة مطردة منذ عام 2009. عندما أدى هبوط في أسعار الخام إلى خفض مستويات الإنتاج. ومنذ ذلك الحين، زادت الشركات الروسية معدلات الحفر بنحو عشرة في المائة سنويا.
وقال أحد المصدرين لـ«رويترز»: «سيكون الإنتاج ما بين 546 و547 مليون طن هذا العام. الشركات تنفذ أعمال التنقيب بنشاط، ولوك أويل تدشن حقولا جديدة». في حين أكد المصدر الثاني التوقعات الجديدة ذاتها.. إلا أن وزارة الطاقة الروسية لم تؤكد «رسميا» تلك الأنباء.
وقال وزير الطاقة الروسي، ألكسندر نوفاك، في يوليو إن إنتاج النفط من المتوقع أن يترواح بين 542 و544 مليون طن هذا العام، أي بما يوازي 10.85 إلى 10.90 مليون برميل يوميا، ارتفاعا من نحو 534 مليون طن في عام 2015.
وبلغ إنتاج روسيا من النفط في أغسطس الماضي 10.71 مليون برميل يوميا، بانخفاض نسبته 1.3 في المائة عن حجم إنتاج يوليو بسبب صيانة موسمية. وتعافى الإنتاج منذ ذلك الحين ليقترب من 11 مليون برميل في الفترة من الأول حتى السابع من سبتمبر (أيلول) الحالي.
واتفقت روسيا والمملكة العربية السعودية، أكبر منتجي الخام في العالم، هذا الشهر على العمل معا من أجل تثبيت محتمل لإنتاج النفط لدعم الأسعار.
وتستعد شركة لوك أويل ثاني أكبر منتج للخام في روسيا لتدشين حقل جديد بمنطقة يامال الشمالية في وقت لاحق هذا الشهر، من المتوقع أن ينتج مائة ألف طن من الخام هذا العام. ومن المقرر أن تبدأ الشركة أيضا الإنتاج من حقل فيلانوفسكوجو في بحر قزوين في سبتمبر بهدف استخراج ما يصل إلى مليون طن من النفط بحلول نهاية العام.

سوق متشبعة
وفي حين تشير هذه التقارير إلى زيادة الإنتاج، فإن الأمل في زيادة موازية في الاستهلاك يبدو بعيدا. حيث تستعد مصافي النفط الحكومية في الصين لتصدير مزيد من الديزل والبنزين في الأشهر المقبلة، في الوقت الذي تنتشر فيه حالة من القلق في السوق العالمية المتشبعة بالفعل بسبب التوقعات القاتمة للفترة التي جرت العادة على أن تكون الأفضل في جانب الاستهلاك.
وقال أكثر من 12 من شركات التكرير والمحللين والتجار في الصين، ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم، إن الربع الأخير سيكون محكوما بتخمة في المعروض وتباطؤ الاستهلاك المحلي.
وأدى تباطؤ الطلب هذا العام وارتفاع الإنتاج من المصافي الصغيرة المستقلة في الصين إلى تضخم المخزونات المحلية، وتشجع شركات النفط الحكومية على بيع المنتجات النفطية المكررة بالخارج. وفي يوليو بلغت هذه الشحنات رقما قياسيا، لتصبح الصين مصدرا صافيا للوقود للمرة الأولى في ثلاث سنوات على الأقل.
ويقول محللون من «تسيبوه لونغ تشونغ» و«سابلايم تشاينا إنفورميشن غروب» إن الطلب المجمع على الديزل والبنزين سيهبط في الربع الأخير للمرة الأولى على أساس سنوي منذ الأزمة الاقتصادية العالمية في 2009.
وأيضا قالت مصادر في أربع مصاف مملوكة لـ«سينوبك» و«بتروتشاينا» و«شركة الصين الوطنية للنفط البحري» (كنوك)، التي تصنف ضمن أكبر عشر مصافي في الصين، إن التوقعات لا تترك لهم سوى القليل من الخيارات غير المزيد من التوسع في الأسواق الخارجية.
وتوضح مصفاة «داليان»، أكبر مصافي «بتروتشاينا» بقدرة إنتاجية 410 آلاف برميل يوميا، المعضلة التي تواجهها المصافي. وقال أحد كبار مديري المصفاة لـ«رويترز» إنه بدلا من الاستعداد لزيادة الطلب الموسمي في السوق المحلية تتطلع المصفاة لبيع مزيد من الإنتاج للأسواق الأجنبية في نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) مع ضعف هوامش الأرباح المحلية.
ومع سعيها للعثور على مشترين محليين لمنتجاتها، خفضت بتروتشاينا بالفعل حجم الاستفادة من الطاقة الإنتاجية لمصفاة داليان إلى 80 في المائة، مقارنة مع 85 في المائة في الشهور الأخيرة.
وقال أحد كبار المديرين في مصفاة «كنوك» الرئيسية إن «خفض الإنتاج سيكون ملاذنا الأخير، إذا كانت الأسواق الخارجية ممتلئة ولم نستطع التصدير».
وزادت المعاناة مع تراجع الطلب على الديزل والبنزين بنسبة سبعة في المائة في الأشهر السبعة الأولى من 2016، وفق حسابات «رويترز»، وذلك مقارنة بنمو الطلب على الديزل والبنزين بنسبة ثلاثة في المائة في 2015، وستة في المائة في 2014.
ويقول محللون ومصادر بالقطاع إن الطلب في الربع الأخير - رغم التوقعات بانخفاضه مقابل العام الماضي للمرة الأولى في سبع سنوات - سيتحسن قليلا عن الربع السابق؛ لكن ليس بما يكفي للتخلص من وفرة المعروض.

الأسعار تتراجع
أما على صعيد سوق النفط، فقد هبطت الأسعار بأكثر من 1.5 في المائة، صباح أمس، بعد أن أضافت شركات التنقيب في الولايات المتحدة مزيدا من الحفارات، في الوقت الذي تأقلم فيه منتجو الخام مع انخفاض الأسعار.
وبلغ سعر التعاقدات الآجلة لخام القياس العالمي مزيج برنت 47.19 دولار للبرميل في الساعة 6.45 بتوقيت غرينتش، بانخفاض قدره 82 سنتا، أو ما يعادل 1.71 في المائة عن سعر التسوية السابقة. بينما تراجع سعر التعاقدات الآجلة لخام غرب تكساس الأميركي الوسيط 86 سنتا، أو ما يعادل 1.87 في المائة، إلى 45.02 دولار للبرميل.
وقال تجار إن هبوط سعر النفط أمس ويوم الجمعة الماضي كان نتيجة زيادة نشاط عمليات التنقيب عن النفط في الولايات المتحدة، وهو ما يشير إلى أن المنتجين يمكنهم العمل وتحقيق ربح في نطاق المستويات الحالية للأسعار.
وأضافت شركات التنقيب الأميركية مزيدا من الحفارات للأسبوع العاشر في 11 أسبوعا بحسب تقرير شركة بيكر هيوز، الذي نشر يوم الجمعة، في أطول موجة تشهد عدم تخفيض عدد المنصات منذ عام 2011.



ضبابية الرسوم تعود من جديد... والشركات عالقة في «دوامة التخطيط»

دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
TT

ضبابية الرسوم تعود من جديد... والشركات عالقة في «دوامة التخطيط»

دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)

مع استمرار الغموض بشأن معدلات الرسوم الجمركية الأميركية، عاد عدم اليقين ليخيّم مجدداً على المشهد الاقتصادي. فبعد أن بدأ مسؤولون أميركيون وأجانب، إلى جانب مديري الشركات والمحللين والمستثمرين، يأملون بانتهاء التقلبات الحادة في السياسة التجارية الأميركية التي ميّزت العام الماضي، أعاد قرار المحكمة العليا الأميركية الأسبوع الماضي خلط الأوراق؛ إذ أبطل الحكم أجزاءً رئيسية من خطط الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمركية، قبل أن يقترح الأخير فرض رسوم كبيرة في محاولة للالتفاف على القرار.

مشهد ضبابي من جديد

في صورة تُذكّر بالأشهر الأولى من عام 2025، حين كانت مقترحات الرسوم الجمركية تتبدل بصورة مفاجئة، عادت التساؤلات بشأن السلع الخاضعة للضريبة، ونسب الرسوم، والدول المستهدفة. وتجد الشركات التي اعتقد كثير منها أنه توصّل إلى صيغة عملية للتعامل مع الرسوم المرتفعة، نفسها مضطرة لإعادة تقييم خطط التسعير، وربما الإسراع في إعادة تكوين المخزونات، أو حتى تأجيل قرارات التوظيف والاستثمار إلى حين اتضاح الرؤية.

وفي هذا السياق، قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، في مقابلة مع برنامج «واجه الأمة» على شبكة «سي بي إس»، إن أي اضطراب في القواعد التي اعتاد عليها العاملون في التجارة سيؤدي إلى اختلالات واسعة. وأضافت: «من المهم معرفة قواعد الطريق قبل ركوب السيارة، والأمر نفسه ينطبق على التجارة والاستثمار»، مشيرة إلى أن مجتمع الأعمال لا يرغب في الانخراط في نزاعات قضائية؛ بل في وضوح تنظيمي مستقر. وأعربت عن أملها في أن تكون أي خطط أميركية جديدة «مدروسة بعناية ومتوافقة مع الدستور».

كريستين لاغارد خلال اليوم الأخير من مؤتمر ميونيخ للأمن في ميونيخ بألمانيا يوم 15 فبراير 2026 (رويترز)

وكانت المحكمة العليا قد أبطلت -بأغلبية 6 قضاة مقابل ثلاثة- معظم الرسوم التي فرضها ترمب العام الماضي، معتبرة أن قانون الطوارئ الذي استند إليه لا يمنحه صلاحية فرض تلك التعريفات. وردَّ ترمب باستخدام قانون مختلف، معلناً أولاً عن تعريفة عالمية بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، على أن تستمر لمدة تصل إلى 5 أشهر ريثما تبحث الإدارة عن بدائل أكثر ديمومة.

أشعة الشمس الصباحية تضرب مبنى المحكمة العليا الأميركية في واشنطن (رويترز)

تخطيط شبه مستحيل

وقال غريغوري داكو، كبير الاقتصاديين في شركة «إرنست آند يونغ- بارثينون»، إن حالة عدم اليقين لم تغب فعلياً حتى خلال الفترات التي بدت فيها الأمور أكثر استقراراً. وأضاف: «شهدنا تقلبات حادة حسب الدولة والمنتج. الوضع لا يزال غير مستقر إلى حد بعيد، ما يجعل التخطيط شبه مستحيل». وأوضح أن الشركات تواجه قرارات متقلبة: «تسمع أن الرسوم أُلغيت فتفكر في استرداد التكاليف، ثم تُفرض بنسبة 10 في المائة بعد ساعات، وترتفع إلى 15 في المائة في اليوم التالي... غياب إطار مستقر يضر بالنشاط الاقتصادي والتوظيف والاستثمار».

الفيدرالي واليقين الغائب

كان هناك اعتقاد متزايد بأن الضبابية التي طبعت عام 2025 بدأت تنحسر؛ بل إن صانعي السياسات في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أبدوا ارتياحاً إلى أن أثر الرسوم الجمركية على التضخم قد يكون في طريقه إلى التراجع.

غير أن التطورات الأخيرة أعادت المشهد إلى حالة من السيولة العالية؛ إذ تدرس الإدارة استراتيجيات جمركية بديلة قد تستغرق شهوراً للتنفيذ، مع احتمال الطعن بها قانونياً في كل مرحلة. وقد تنخفض معدلات ضريبة الاستيراد مؤقتاً، ولكنها قد تعود للارتفاع في إطار محاولات لإعادة فرض الرسوم الملغاة عبر مسارات قانونية مختلفة، ربما تتطلب تحقيقات مستقلة أو إجراءات من الكونغرس.

وأشار القاضي نيل غورسوش، في رأيه المؤيد للأغلبية، إلى أهمية الضمانات الإجرائية في ترسيخ سياسة مستقرة، موضحاً أن المقترحات التي تمر عبر العملية التشريعية وتحظى بدعم واسع «تميل إلى الاستمرار، ما يتيح للأفراد والشركات تخطيط حياتهم وأنشطتهم، على عكس القواعد التي تتغير يومياً».

عامل يسير داخل مصنع شركة «ذا لوكشري بيرغولا» المتخصصة في تصنيع البرغولات الألومنيوم في نوبلزفيل بإنديانا (أ.ب)

تفاؤل حذر رغم الضبابية

تأتي هذه التطورات في وقت يسوده قدر من التفاؤل بشأن الاقتصاد الأميركي. ففي استطلاع أجرته الرابطة الوطنية لاقتصاديات الأعمال، أفاد نحو 60 في المائة من الاقتصاديين بأنهم لا يتوقعون حدوث ركود خلال العام المقبل، مقارنة بـ44 في المائة في أغسطس (آب). كما رأى 74 في المائة منهم أن انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة معتدلة على الأقل في نمو الإنتاجية خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، وهو تحول قد يعزز قدرة الاقتصاد الأميركي على النمو.

من جانبه، كتب برنارد ياروس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»، أن موجة عدم اليقين الجديدة قد لا تغيّر المسار العام للنمو، ولكنها قد تؤثر سلباً في الأشهر المقبلة. وقدّر أن معدل التعريفة الفعلي سينخفض من 12.7 في المائة إلى 8.3 في المائة بعد استبعاد الرسوم التي أبطلتها المحكمة، مع بقاء احتمال تطبيق تعريفة 15 في المائة الجديدة على نطاق واسع، ولو لفترة مؤقتة.

وأضاف أن أي دفعة قصيرة الأجل للنمو نتيجة خفض الرسوم «من المرجح أن يقابلها جزئياً استمرار حالة عدم اليقين». وحتى إذا نجحت الإدارة في إعادة فرض مستوى إجمالي مماثل من الرسوم عبر أدوات أخرى، فإن التأثيرات القطاعية والجغرافية قد تختلف جذرياً، ما يخلق موجة جديدة من الضبابية للشركات والمستثمرين والأسر على حد سواء.


الدولار يخسر زخمه بعد نكسة رسوم ترمب القضائية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يخسر زخمه بعد نكسة رسوم ترمب القضائية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

تراجع الدولار الأميركي، يوم الاثنين، بعدما رأى المتداولون أن قرار المحكمة العليا الأميركية بإلغاء سلسلة من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عامل داعم للنمو العالمي. غير أن حالة الارتباك المحيطة بالسياسات التجارية، إلى جانب مخاطر تصاعد التوتر مع إيران، أبقت تحركات الأسواق في نطاق حذر.

وارتفع اليورو بنسبة 0.4 في المائة إلى 1.1820 دولار، كما صعد الجنيه الإسترليني 0.3 في المائة إلى 1.3516 دولار خلال الجلسة الآسيوية، التي اتسمت بهدوء نسبي نتيجة عطلة في اليابان وعطلة رأس السنة القمرية في الصين. في المقابل، تراجع الدولار 0.4 في المائة إلى 154.40 ين ياباني، وفق «رويترز».

كانت المحكمة العليا قد قضت يوم الجمعة، بأن الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها ترمب تجاوزت صلاحياته القانونية. وردّ ترمب بانتقاد حاد للحكم، معلناً فرض تعريفة جمركية عامة بنسبة 15 في المائة على الواردات، ومؤكداً تمسكه باتفاقيات التعريفات المرتفعة مع الشركاء التجاريين.

وقال سيم موه سيونغ، استراتيجي العملات في بنك «أو سي بي سي» بسنغافورة، إن هذا التطور «يُضعف الدولار، إذ قد يدعم النمو خارج الولايات المتحدة». وأضاف أن الانعكاسات بعيدة المدى على أسعار الصرف لا تزال غير واضحة؛ إذ قد يؤدي تراجع الإيرادات الأميركية إلى الإضرار بالمركز المالي والدولار، في حين أن تقليص صلاحيات ترمب قد يُنظر إليه بإيجابية من زاوية الحد من تقلبات السياسات.

وارتفع الدولار النيوزيلندي بشكل طفيف ليقترب من مستوى 60 سنتاً أميركياً، بينما تراجع الدولار الأسترالي قليلاً إلى 0.7070 دولار، علماً بأن الولايات المتحدة كانت قد فرضت سابقاً تعريفة بنسبة 10 في المائة فقط على السلع الأسترالية. كما صعد الفرنك السويسري، الذي يُعد ملاذاً آمناً، بنسبة 0.5 في المائة إلى 0.7727 فرنك مقابل الدولار.

وقال جيسون وونغ، الاستراتيجي في «بنك نيوزيلندا» في ويلينغتون، إن الحكم «يمثل خطوة إضافية نحو تقييد سلطة ترمب، وهو ما يُعد إيجابياً للأسواق». لكنه أشار إلى أن المشهد لا يزال معقداً ومتغيراً، ولا يمكن التنبؤ بمساره بسهولة.

وبالإضافة إلى ملف الرسوم الجمركية، تتابع الأسواق عن كثب التعزيزات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، في ظل الضغوط على إيران للتخلي عن برنامجها النووي، كما تترقب خطاب حالة الاتحاد الذي سيلقيه ترمب يوم الثلاثاء.

رسوم مؤقتة وغموض قانوني

تسري الرسوم البديلة التي فرضها ترمب لمدة 150 يوماً، فيما لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ملزَمة برد الرسوم التي سبق أن دفعها المستوردون، إذ لم يتطرق حكم المحكمة العليا إلى هذه المسألة.

ويتوقع محللون سنوات من التقاضي وموجة جديدة من الضبابية قد تعرقل النشاط الاقتصادي، في وقت يسعى فيه ترمب إلى إيجاد آليات قانونية بديلة لإقرار حزمة رسوم عالمية بصورة دائمة.

وقال تاي هوي، كبير الاستراتيجيين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «جي بي مورغان» لإدارة الأصول، إن التطورات «تعكس اعتماد استراتيجية الإدارة لزيادة الإيرادات على مصادر قد تكون عرضة لقدر كبير من عدم اليقين، في حين يظل الميل إلى الإنفاق مرتفعاً». وأضاف أن هذا الوضع قد يدفع مستثمري السندات إلى توخي مزيد من الحذر حيال مسار الانضباط المالي.

في سياق متصل، دعت المفوضية الأوروبية الولايات المتحدة إلى الالتزام بالاتفاق الذي جرى التوصل إليه العام الماضي مع الاتحاد الأوروبي، والذي ينص على إلغاء الرسوم الجمركية على بعض المنتجات، من بينها الطائرات وقطع الغيار. كما يدرس شركاء واشنطن التجاريون في آسيا بحذر تداعيات حالة عدم اليقين الجديدة، شأنهم شأن المستثمرين الذين سبق أن فاجأتهم ردود فعل الأسواق على الرسوم التجارية التي فرضها ترمب، والتي لم تنجح في تقليص العجز التجاري الأميركي.

تحولات في رهانات الدولار

قبل انتخاب ترمب، راهن كثير من المستثمرين على أن الرسوم الجمركية ستدعم الدولار، على أساس أن شركاء الولايات المتحدة سيعمدون إلى خفض قيمة عملاتهم لتعويض تراجع صادراتهم.

غير أن الدولار اتخذ مساراً معاكساً في عام 2025، إذ تراجع مؤشره بأكثر من 9 في المائة، مع تركّز اهتمام الأسواق على توقعات خفض أسعار الفائدة، والمخاوف المتعلقة بالعجز المالي الأميركي، إضافةً إلى التقلبات المرتبطة بسياسات ترمب.

وقال ريتشارد يتسينغا، كبير الاقتصاديين في مجموعة «إيه إن زد»، خلال بودكاست خاص بالبنك، إن «الإدارة الأميركية ستكون مقيدة إلى حد كبير في قدرتها على استخدام الرسوم الجمركية على نطاق واسع». وأضاف: «لا أعتقد أن ذلك سيُحدث تغييراً جوهرياً في مسار الاقتصاد العالمي».


تذبذب الأسواق العالمية بعد إلغاء «المحكمة العليا» رسوم ترمب

متداول كوري جنوبي يعمل أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم ببنك هانا في سيول (إ ب أ)
متداول كوري جنوبي يعمل أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم ببنك هانا في سيول (إ ب أ)
TT

تذبذب الأسواق العالمية بعد إلغاء «المحكمة العليا» رسوم ترمب

متداول كوري جنوبي يعمل أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم ببنك هانا في سيول (إ ب أ)
متداول كوري جنوبي يعمل أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم ببنك هانا في سيول (إ ب أ)

تراجعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية و«بتكوين»، في حين تباين أداء الأسواق الآسيوية يوم الاثنين، عقب قرار المحكمة العليا الأميركية إلغاء معظم الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وفي أسواق العملات المشفّرة، هبط سعر «بتكوين» بما يصل إلى 5 في المائة في التعاملات المبكرة، ليتراجع دون مستوى 65 ألف دولار، وسط اتجاه المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأصول عالية المخاطر، إضافةً إلى تصاعد المخاوف بشأن مستقبل تنظيم هذا القطاع. وكانت العملة المشفّرة الكبرى في العالم، التي جرى الترويج لها بوصفها «الذهب الرقمي»، قد فقدت نحو نصف قيمتها منذ السادس من أكتوبر (تشرين الأول)، عندما سجّلت مستوى قياسياً بلغ 126.210.50 ألف دولار، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

مستثمر في العملات المشفرة بفيتنام يتحقق من أحدث أسعار «بتكوين» على جهاز كمبيوتر محمول بهانوي (أ.ف.ب)

وفي آسيا، أُغلقت الأسواق في اليابان والصين بمناسبة عطلات رسمية، فيما قادت هونغ كونغ المكاسب الإقليمية، إذ ارتفع مؤشر «هانغ سينغ» بنسبة 2.2 في المائة ليصل إلى 26.80.22 ألف نقطة.

وفي كوريا الجنوبية، قلّص مؤشر «كوسبي» مكاسبه المبكرة لينهي الجلسة منخفضاً 0.1 في المائة عند 5.809.53 آلاف نقطة. كما تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز/إيه إس إكس 200» الأسترالي بنسبة 0.6 في المائة إلى 9.024.40 ألف نقطة.

في المقابل، ارتفع مؤشر «تايكس» التايواني 0.5 في المائة، وصعد مؤشر «سينسكس» الهندي 0.4 في المائة، فيما قفز مؤشر «سيت» في بانكوك بنسبة 1.1 في المائة.

وقال بنجامين بيكتون، من «رابوبنك» إن «ردود الفعل المتباينة تعكس بوضوح وجود رابحين وخاسرين جراء تحولات سياسة الرسوم الجمركية، إذ استفادت الدول التي كانت تُعد سابقاً في موقع تفاوضي أضعف نسبياً». وأضاف أن «السياسة التجارية الأميركية ستبقى مصدر عدم يقين للأسواق، في ظل استمرار المتداولين في استيعاب تداعيات قرارات لم تستقر بعد».

على صعيد العقود الآجلة، تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الآجل بنسبة 0.8 في المائة، وانخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي الآجل 0.7 في المائة، فيما خسر مؤشر «ناسداك» المركب الآجل 1 في المائة.

وكانت «وول ستريت» قد أنهت تعاملات الجمعة على وتيرة هادئة، عقب صدور قرار المحكمة العليا بإلغاء الرسوم الشاملة التي فرضها ترمب العام الماضي، والتي كانت قد أثارت اضطراباً واسعاً في الأسواق عند إعلانها.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.7 في المائة ليغلق عند 6.909.51 نقطة، بعدما تذبذب بين مكاسب وخسائر طفيفة قبل صدور الحكم، في ظل بيانات مخيبة أظهرت تباطؤ نمو الاقتصاد الأميركي وتسارع وتيرة التضخم.

كما صعد مؤشر «داو جونز» الصناعي 0.5 في المائة إلى 49.625.97 نقطة، وارتفع ناسداك المركب 0.9 في المائة إلى 22.886.07 نقطة.

ورغم قرار المحكمة، فإن الرسوم الجمركية لن تختفي بالكامل. فقد أعلن ترمب أنه سيعتمد أدوات بديلة لفرض ضرائب على الواردات، واصفاً الحكم بأنه «كارثي». وأشار إلى عزمه توقيع أمر تنفيذي لفرض تعريفة عالمية بنسبة 10 في المائة بموجب قانون يقيّد مدتها بـ150 يوماً، قبل أن يرفعها لاحقاً إلى 15 في المائة. كما أوضح أنه يدرس فرض رسوم إضافية عبر قنوات قانونية أخرى تتطلب تحقيقات من وزارة التجارة.

وجاءت ردود فعل الأسواق حذرة، في ظل استمرار الغموض بشأن الخطوات المقبلة.

في قطاع الشركات، هبط سهم «أكاماي تكنولوجيز» بنسبة 14.1 في المائة، مسجلاً أحد أكبر التراجعات في السوق، رغم إعلان الشركة المتخصصة في الأمن السيبراني والحوسبة السحابية نتائج تفوقت على توقعات المحللين لنهاية عام 2025. غير أن توقعاتها لأرباح العام المقبل جاءت دون التقديرات، كما تعتزم زيادة إنفاقها الرأسمالي على المعدات والاستثمارات، في إشارة محتملة إلى تداعيات نقص مكونات الذاكرة المرتبط بطفرة الذكاء الاصطناعي.

وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، أظهرت البيانات الأخيرة تباطؤاً في النمو الاقتصادي الأميركي وتسارعاً في التضخم، مما يضع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أمام معضلة معقَّدة بشأن أسعار الفائدة. ومع ذلك، لم تُحدث هذه التقارير تغييراً جذرياً في رهانات الأسواق، إذ لا يزال المتداولون يتوقعون خفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل هذا العام، وفق بيانات مجموعة بورصة شيكاغو التجارية.

ومن شأن خفض الفائدة دعم النشاط الاقتصادي وأسعار الأصول، لكنه قد يعزز الضغوط التضخمية. وكان مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» قد أكدوا في اجتماعهم الأخير ضرورة رؤية تقدم أوضح في كبح التضخم قبل الإقدام على مزيد من التخفيضات.

Your Premium trial has ended