برامج الجريمة والزواج الأعلى مشاهدة عند الأتراك

أصبحت من طقوس حياتهم اليومية ومقدموها باتوا نجومًا في الصف الأول

لقطة من برنامج تليفزيوني تركي للمقبلين على الزواج - المذيعة زوهال توبال - آنلي مقدمة برنامج حول الجريمة - إسراء ارول مقدمة لأحد برامج الزواج («الشرق الأوسط»)
لقطة من برنامج تليفزيوني تركي للمقبلين على الزواج - المذيعة زوهال توبال - آنلي مقدمة برنامج حول الجريمة - إسراء ارول مقدمة لأحد برامج الزواج («الشرق الأوسط»)
TT

برامج الجريمة والزواج الأعلى مشاهدة عند الأتراك

لقطة من برنامج تليفزيوني تركي للمقبلين على الزواج - المذيعة زوهال توبال - آنلي مقدمة برنامج حول الجريمة - إسراء ارول مقدمة لأحد برامج الزواج («الشرق الأوسط»)
لقطة من برنامج تليفزيوني تركي للمقبلين على الزواج - المذيعة زوهال توبال - آنلي مقدمة برنامج حول الجريمة - إسراء ارول مقدمة لأحد برامج الزواج («الشرق الأوسط»)

تجتذب برامج الجريمة و«التوك شو» الاجتماعية، لا سيما برامج الزواج، شرائح واسعة من المشاهدين، تركز بشكل أساسي على شرائح المرأة وكبار السن، وتنافس المسلسلات التركية المعروفة بنسب مشاهدتها العالية، بحيث تجتذب هذه البرامج المشاهدين في فترة الصباح والظهيرة، فيما تنفرد المسلسلات بوقت المساء في مواسم العرض التي تبدأ في النصف الثاني من سبتمبر (أيلول)، وحتى النصف الثاني من يونيو (حزيران).
ويأتي برنامج «تاتلي سيرت» (Tatli Sert) وترجمته بالعربية «عطف وحزم»، في مقدمة البرامج التي تحظى بأعلى متابعة في تركيا ويحتل مرتبة بين أفضل برنامجين تتابعهما النساء ويتنافس مع برنامج يومي حول الصحة العامة.
واكتسبت مذيعته موجه آنلي شهرة واسعة وأصبحت وجها مألوفا يعيش مع الأسرة 4 ساعات يوميا باستثناء عطلة نهاية الأسبوع لمدة 4 ساعات كاملة في الصباح من العاشرة إلى الواحدة بتوقيت تركيا، ويقبل عليه الناس، ولا سيما ربات البيوت والفئات غير المرتبطة بعمل مثل كبار السن، بلا كلل، كما يتابعه من لا يسمح لهم الوقت بالمتابعة في الصباح عبر الـ«يوتيوب» مسجلاً.
بدأ البرنامج في عام 2010، وركز اهتمامه في البداية على حالات التفكك والضياع الأسري ومحاولة لم شمل الأسر ولا سيما من يفقدون الاتصال بأسرهم أو أبنائهم لأعوام طويلة لأسباب مختلفة وتعمل على إعادتهم حيث يتاح الاتصال بالبرنامج لمن يبحث عن عائلته أو لمن يبحثون عمن فقدوا من أبناء، وكذلك المغتربون الذين فقدوا ذويهم بسبب الانفصال.
وشهد البرنامج كثيرًا من الحالات لرجال ونساء بلغوا مراحل سنية متقدمة في الثلاثينات والأربعينات من العمر يبحثون عن آبائهم في تركيا بعد أن سافر الآباء من قبل إلى دول أخرى، لا سيما ألمانيا، وتزوجوا ثم تركوا زوجاتهم وأطفالهم وعادوا إلى تركيا.
وعرض البرنامج مئات الحالات المؤثرة بهذا الشكل، ونجحت في جمع شمل الأسر من خلال الصور القديمة وبعض المعلومات البسيطة، إذ يمتلك البرنامج فريقا كبيرا يعمل في كل اتجاه فضلا عن مراسلين في مختلف محافظات تركيا يشاركون في عمليات البحث والتقصي عن المفقودين أو عائلاتهم.
وتطور الأمر بالبرنامج إلى البحث عن حلول لبعض الجرائم الغامضة مثل القتل أو الاختفاء، لدرجة أن مديرية الأمن العامة بدأت تتعامل مع البرنامج للحصول على بعض المعلومات التي تساعد في كشف أبعاد الجرائم وغموضها، ونجح البرنامج في حل لغز عشرات جرائم القتل. ويعتمد البرنامج على فريق من خبراء القانون وأساتذة علم النفس والاجتماع في مناقشة الحالات التي تعرض على البرنامج، والتي غالبا ما يحضر أطرافها وجها لوجه فضلا عن تجميع الشهود والاتصال بهم ليصبح بمثابة تحقيق على الهواء فضلا عن حضور بعض الجمهور في الاستوديو.
ومع استمرار البرنامج بدأ البرنامج يستقبل الكثير من البلاغات عن جرائم لم تحل ألغازها، وفي كثير من الحالات كان مرتكبو الجرائم أنفسهم يحضرون إلى البرامج حتى يزيلوا الشبهات عن أنفسهم، وحدث أن حضرت الشرطة أكثر من مرة وقبضت على بعض الضيوف على الهواء، مما زاد من درجة إثارة وجذب الجمهور.
وعلى مدى ست سنوات أصبح البرنامج هو الأشهر والأكثر مشاهدة في فترة الصباح، ولم يتوقف عن التطوير في الوقت نفسه، وبات نافذة مهمة للمعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة الذين يفقدون عائلاتهم، وابتكر البرنامج خدمة مهمة وهي جمع ذوي الاحتياجات الخاصة عن طريق تلقي المكالمات من المشاهدين، ويقوم فريق خاص في البرنامج بطبع أرقام على معصم كل منهم وتسجيل بياناتهم وإتاحتها على الموقع الإلكتروني الخاص بالبرنامج ونجح البرنامج من خلال هذه الطريقة في إعادة آلاف المفقودين من ذوي الاحتياجات الخاصة لذويهم.
ووصل الأمر إلى حد أن مديرية الأمن العام في تركيا أصبحت تتعاون مع البرنامج لإنشاء قاعدة بيانات لمساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة وتقديم الدعم لهم وكذلك البلديات ووزارة الأسرة والضمان الاجتماعي والجهات المعنية بشؤونهم. ويشاهد هذا البرنامج حاليا ثلاثة من بين كل 100 تركي يوميًا، وأصبحت مذيعته موجه آنلي من أشهر مقدمات برامج «التوك شو» في تركيا.
وتقول مريم شنر، وهي إحدى المشاهدات التي تداوم على مشاهدة البرنامج، إنها سجلت رقم هاتف البرنامج على هاتفها الشخصي، وكذلك جميع أفراد أسرتها تحسبا لأي ظروف «لأننا نثق بشدة في البرنامج ومقدمته موجه آنلي، وهو وسيلة أمان إضافية بالنسبة لنا، ويمكننا في أي وقت تحدث فيه مشكلة الاتصال به».
وتضيف: «الشهرة الكبيرة التي حققها البرنامج جعل الناس تتابعه بكثافة وأصبح عدد متابعيه يتزايد باستمرار لأن الناس تثق في أن المشكلات والحوادث والقضايا التي يبلغون عنها ستجد طريقها للحل، إما عن طريق الجهود التي يبذلها فريق البرنامج أو عن طريق المسؤولين وأجهزة الدولة التي تتابع البرنامج بدقة».
وهناك فئة أخرى من البرامج تستحوذ على اهتمام الملايين في أنحاء تركيا وتستقطب فئة النساء والشباب وحتى الرجال، وهي برامج «التوك شو» الخاصة بالزواج، التي يتقدم إليها الراغبون في الزواج من مختلف الأعمار ومن يبحثون عن شريك الحياة، وتعرض هذه البرامج على ثلاث قنوات في وقت واحد من الثالثة إلى السادسة مساء.
بدأت هذه البرامج على قناة «فلاش تي في» منذ 10 سنوات، وكان أول من قدمها هي المذيعة إسراء إرول وكان يحمل اسم «ديستي ازدواج»، وهي كلمة عثمانية قديمة تعني «الزواج»، ثم استمرت إسراء إرول في تقديم هذا البرنامج 10 سنوات بلا انقطاع متنقلة به بين قناة وأخرى، وأصبح البرنامج الآن يقدم الآن على قناة «إيه تي في»، ويحمل اسم «عند إسراء إرول»، ويأتي بعد ساعتين من برنامج موجه آنلي «عطف وصرامة».
ويتقدم من يريدون الالتحاق بالبرنامج عن طريق ملء استمارة بيانات عبر الإنترنت، أو الهاتف، ويحضر الراغبون إلى الاستوديو يوميا، حيث يتم عقد لقاءات التعارف على الهواء مباشرة.
وتشهد الحلقات كثيرًا من المشاجرات بين الراغبين في الزواج، وكذلك حالات التنافس بين الشباب والفتيات وظهور مشاعر الغيرة والغضب والحزن، وفي بعض الحالات ينتهي الأمر بالزواج، لكن هناك من يمكثون بالبرنامج لعام أو أكثر.
ومن أشهر البرامج أيضًا، الذي يأتي في المرتبة الثانية بعد برنامج إسراء إرول هو برنامج «إذا كنت تريد أن تتزوج تعالَ» الذي تقدمه الممثلة السابقة سعدة سايان ومعها أوغور أرصلان على قناة «شو تي في»، ويتسم هذا البرنامج بجرعة كبيرة من الانفتاح، ويختلف عن برنامج إسراء إرول بالسماح للمشاركين والمشاركات بعرض هواياتهم في الرقص والغناء.
كما أن مذيعته كونها مطربة وممثلة سابقة، اشتهرت بأدوار الإغراء في السينما، تشارك في إضفاء مزيد من الجو الاستعراضي على البرنامج، الذي تكثر فيه أيضًا حالات كبار السن الراغبين في الزواج بعكس برنامج إسراء إرول الذي يجتذب الشباب من صغار السن.
أما البرنامج الثالث، فتقدمه زوهال طوبال، الممثلة السابقة، ويأتي برنامجها في المرتبة الثالثة بين برامج الزواج، وهو يحمل اسم «الزواج عند زوهال طوبال»، ويعرض حاليا على قناة «ستار»، بعد أن كان يعرض حتى الموسم الماضي على قناة «فوكس». وشهد البرنامج العام الماضي فضيحة مدوية، بسبب حالة زواج قيل إن عقد الزواج بها كان مزورا، فضلا عن اكتشاف وجود حالات من حضور البرنامج جاءوا للشهرة فقط، حيث يرتبطون بعلاقات خارج البرنامج ونشرت لهم صور على مواقع التواصل تؤكد وجود هذه العلاقات.
ويتنقل راغبو الزواج بين هذه البرامج، التي حقق مقدموها شهرة واسعة أيضًا، كما أصبحت مجالاً لشهرة كثير ممن يحضرونها طلبا للزواج بحكم بقائهم فيها لأشهر، وربما لأعوام، فالبعض يأتي للشهرة لا للزواج وفي بعض الحالات تبين أن بعض الشباب والفتيات الذين يأتون للبرامج ويتظاهرون بأنهم لا يعرفون بعضهم يرتبطون بعلاقات خارج هذه البرامج.
وتشير بحوث المشاهدة الخاصة بالبرامج في تركيا إلى أن برنامج القضايا والجريمة «عطف وحزم» يأتي في مقدمة البرامج التي تقبل عليها النساء تليها برامج الزواج، ويتقدمها برنامج إسراء إرول، ثم برامج السياسة والأخبار في المرتبة الثالثة وبالنسبة للرجال تأتي الأخبار في المرتبة الأولى.
وتتسم نشرات وبرامج الأخبار في تركيا بالتركيز على الشأن المحلي ونادرا ما تركز على مناقشة القضايا الخارجية، كما أن نشرات الأخبار بها جرعة من أخبار والحوادث والجريمة ولا سيما في نهاية الأسبوع يومي السبت والأحد.



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.