مولود جاويش أوغلو دبلوماسي التحديات الصعبة

مولود جاويش أوغلو دبلوماسي التحديات الصعبة

أحد مؤسسي «العدالة والتنمية».. وتولى وزارة الخارجية التركية مرتين
السبت - 8 ذو الحجة 1437 هـ - 10 سبتمبر 2016 مـ
أنقرة: سعيد عبد الرازق
لا يمكن فصل مرحلة تولى مولود جاويش أوغلو منصب وزير الخارجية في تركيا، الذي تقلده مرتين بفاصل زمني قصير امتد 4 أشهر بين استحقاقي الانتخابات البرلمانية في السابع من يونيو (حزيران) 2015، والانتخابات المبكرة في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، عن إطار السياسة الخارجية لتركيا تحت حكم حزب «العدالة والتنمية» منذ عام 2002. ولقد انطبعت هذه السياسة الخارجية، صعودًا وهبوطًا، بمدارس شخصية مختلفة على الرغم من محاولة «العدالة والتنمية» الحفاظ على الدوائر الأساسية لتحركها ما بين المحيط الإقليمي الملتهب الذي فرض تقلباته، والغرب الذي يرتبط مع تركيا بعلاقات تذبذب تحكمها المصالح الآنية في أوقات كثيرة.
جاء تولي مولود جاويش أوغلو وزارة الخارجية التركية للمرة الأولى في التاسع العشرين من أغسطس (آب) 2014 خلفًا لأحمد دواود أوغلو، الذي انتخب رئيسًا لحزب «العدالة والتنمية»، وبالتالي أصبح رئيسًا للوزراء في أعقاب انتخاب رئيس الوزراء الأسبق رجب طيب إردوغان رئيسًا للجمهورية، في العاشر من الشهر نفسه.
يومذاك ترك جاويش أوغلو منصبه السابق وزيرًا للدولة للشؤون وكبيرًا للمفاوضين مع الاتحاد الأوروبي، الذي خلف فيه الوزير الأسبق إيجمان باغيش في 26 ديسمبر (كانون الأول) 2013. وكان باغيش قد استقال تحت وطأة مزاعم الفساد والرشوة التي فتحت فيها تحقيقات طالت عددًا من وزراء حكومة إردوغان في ذلك الوقت، وقادت إلى تغييرات محدودة في الحكومة. وبالتالي، فإنه تسلّم حقيبة الخارجية في ظروف بالغة الصعوبة بدت فيها تركيا في حال من العزلة مع معظم «جيرانها» في منطقة الشرق الأوسط، وقطيعة مع حلفائها في الغرب وجمود في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي امتد لنحو 4 سنوات.
في تلك الفترة كانت الأصوات تتعالى داخل تركيا مطالبة بإحداث تغيير في السياسة الخارجية للبلاد التي انطبعت منذ عام 2007، أي منذ ترك عبد الله غل منصب وزير الخارجية بعد ترشيحه لرئاسة الجمهورية وتوليه الرئاسة، ببصمة «الخوجة» أحمد داود أوغلو، صاحب كتاب «العمق الاستراتيجي»، الذي حاول تطبيقه على أرض الواقع عبر مبدأ «صفر المشكلات مع دول الجوار». إلا أن هذه السياسة تحولت لاحقًا بعد ثلاث سنوات أمضاها داود أوغلو في وزارة الخارجية - خلفًا للوزير الأسبق علي باباجان الذي خلف عبد الله غُل في المنصب، إلى «صفر العلاقات مع دول الجوار»، وإلى حالة من العزلة إلى الحد الذي حدا بكثيرين من الخبراء والمتخصصين للدعوة إلى تغييرها. وكان من أبرز هؤلاء في عام 2014 الرئيس السابق غل الذي قال: «إنها بحاجة إلى أسلوب جديد كي تعود تركيا إلى دوائرها التي فقدتها الواحدة تلو الأخرى».
* العودة إلى البدايات
أمضى مولود جاويش أوغلو في ولايته الأولى كوزير للخارجية أقل من سنتين، ثم ترك المنصب ليخلفه فيه مساعده لشؤون الشرق الأوسط فريدون سينرلي أوغلو في الفترة التي أعقبت انتخابات السابع من يونيو 2015، وفيها أخفق حزب «العدالة والتنمية» في الحصول على غالبية مطلقة تمكنه من تشكيل الحكومة منفردًا.
وكان من أبرز مظاهر الإخفاقات في هذه المرحلة فشل تركيا في الحصول على أحد المقاعد غير الدائمة في مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة خلال التصويت الذي أجري في أكتوبر (تشرين الأول) 2014. إذ لم تحصل تركيا سوى على 63 صوتًا فقط، وهي التي كانت قد نجحت عام 2009 بسهولة في الحصول على المقعد عن أوروبا.
كان هذا الإخفاق مؤشرًا على أن السياسة الخارجية وصلت إلى حالة من الارتباك تقتضي التغيير، والعودة إلى النهج التصالحي الذي يقوم على زيادة عدد الحلفاء وتقليل عدد الأعداء، كما كانت الحال إبان تولي عبد الله غل توجيه الدفة، ومعلوم أن غل نجح في إعادة تركيا إلى محيطها الإقليمي مع المحافظة على قوة الدفع في العلاقة مع الغرب.
وحسب المنتقدين، ظهر الارتباك مع بدء «الربيع العربي» والموقف التركي منه، إذ اتسم (وفق هؤلاء) بسياسة اعتبرت من قبيل التدخل في شؤون بعض دول المنطقة العربية انطلاقًا من مبدأ العودة لمناطق النفوذ العثماني القديمة التي اعتمدها نظريًا داود أوغلو، لكنه أخفق في تطبيقها على أرض الواقع. وهو ما أدى إلى زيادة العزلة التي دفعتها للعودة إلى البدايات.
لقد أدركت تركيا كدولة، وليس كمؤسسة دبلوماسية فحسب، ضرورة العودة إلى البدايات التي تألق فيها «العدالة والتنمية» داخليًا وخارجيًا، وهو ما دفع رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم إلى أن يعلن صراحة، عقب توليه رئاسة الحكومة في مايو (أيار) الماضي، بعيد استقالة داود أوغلو، أن تركيا «ستتبنى سياسة تقوم على تقليل عدد الأعضاء وزيادة عدد الأصدقاء».
* حقول ألغام
والحقيقة أن جاويش أوغلو، منذ ذلك الحين وجد نفسه مضطرًا للسير وسط حقول ألغام تحيط به من كل جانب، فالعلاقات مع روسيا كانت متوترة، والعلاقات مع إسرائيل شبه مجمّدة، وفضلاً عن العداء مع نظام بشار الأسد، كان هناك الجمود في العلاقات مع العراق وإيران، والقطيعة والتوتر الحاد مع مصر، والصعود والهبوط في العلاقات مع أميركا والجفاء في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ودوله، والشلل الطويل في المفاوضات بينه وبين تركيا لمنحها عضويته، بجانب تباينات في المواقف مع دول أخرى مؤثرة إقليميًا ودوليًا.
كل هذه الظروف والتعقيدات أدت إلى محاولة البحث عن طريق، وكان إنهاء التوتر والقطيعة مع روسيا خطوة مهمة، أضيفت إلى نجاح الجهود المبذولة منذ عام 2012 لإعادة العلاقات مع إسرائيل إلى وضعها الطبيعي. وتحققت الخطوتان معًا في وقت واحد خلال يونيو الماضي، لكنهما حتى الآن تثيران نوعًا من الغضب المكبوت في صدور نسبة غير قليلة من الشعب التركي الذي يعتقد أن تركيا تنازلت لصالح روسيا وإسرائيل.
وفي حين أن علاقة أنقرة ما زالت متوترة مع دول إسلامية مثل مصر، التي يطالب قطاع رجال الأعمال والتجارة تحديدًا بتحسين العلاقات معها، نجح جاويش أوغلو أخيرًا في تذويب بعض الجفاء بين أنقرة وطهران على الرغم من الأوضاع في سوريا، وفي السعي للتنسيق مع القوى الفاعلة في ملف هذه الأزمة.
* أزمات وراء أزمات
واليوم تتلاحق الأزمات التي يواجهها الوزير جاويش أوغلو بصبر وعزيمة، وبعضها متولد عن البعض الآخر. فمن أزمة سوريا (مثلاً)، تولّدت أزمة المزاعم التي تتهم تركيا بتقديم الدعم لتنظيم داعش الإرهابي والاتجار معه في النفط. وكان على وزير الخارجية التركي أن يقنع العالم ببطلان اتهامات روسيا وإيران وبعض الدول الأوروبية في هذا الاتجاه. وبالفعل، تحقق له هذا الأمر على أرض الواقع بالعملية العسكرية التي شرعت فيها تركيا باسم «درع الفرات» يومي 24 أغسطس الماضي لإنهاء وجود «داعش» على حدودها.
وكان على جاويش أوغلو أيضًا بذل جهود كبيرة لإقناع الدول الغربية وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، بقبول إنشاء تركيا «منطقة آمنة» تمتد لأكثر من 40 كلم في عمق الأراضي الحدود السورية.
وما يُذكر أيضًا في هذا السياق، أنه نشأ كثير من التوترات على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا بين أنقرة ودول صعّدت من حملتها ضدها، مثل النمسا والسويد وألمانيا على خلفية تعليق العمل بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والدعوة لمنع السفر إلى تركيا.
* ظروف معاكسة
أضف إلى ما سبق أن الأوضاع الداخلية شكلت عنصرًا آخر ضاغطًا على جاويش أوغلو، ففي فترة توليه وزارة الخارجية كانت هناك حرب مشتعلة بين الحكومة من جانب و«حركة الخدمة» التابعة للداعية فتح الله غولن التي أطلقت عليها الحكومة اسم «الكيان الموازي»، واتهمتها بالوقوف وراء تحقيقات الفساد والرشوة في ديسمبر 2013، وصولاً إلى اتهامها بالتورط بمحاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو (تموز) الماضي أيضًا.
وهنا كان على جاويش أوغلو، كذلك، أن يبذل جهودًا ضخمة لإقناع الدول التي تنشط فيها جماعة غولن في أنحاء مختلفة من العالم بأنها «منظمة إرهابية»، وأن على هذه الدول إغلاق مدارسها ومؤسساتها الموجودة على أراضيها. وبالكاد اقتنع عدد لا يُذكر من بين أكثر من 160 دولة تنتشر فيها مدارس غولن، بما تريده أنقرة.
ثم تزايدت الضغوط على جاويش أوغلو الذي عليه كان، وما زال، عليه بحكم منصبه مواجهة الانتقادات الغربية الواسعة للإجراءات التي اتخذتها السلطات التركية في أعقاب محاولة الانقلاب من حملات اعتقالات وإقالات شملت عشرات الآلاف، فضلاً عن فرض حالة الطوارئ، والتلويح بإعادة عقوبة الإعدام، وما يثيره اتفاق اللاجئين وإعادة قبول المهاجرين الموقع بين تركيا والاتحاد في مارس الماضي من مشكلات أعقدها إعفاء المواطنين الأتراك من تأشيرة دخول دول الاتحاد.
* العمل على المبادئ
اليوم يحاول جاويش أوغلو في مواجهة كل هذه الأزمات والمشكلات تطويع السياسة الخارجية وإعادتها إلى المبادئ الأساسية التي قامت عليها منذ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة على يد مصطفى كمال (أتاتورك) وأهمها مبدأ «السلام في الوطن والسلام في العالم».
ومن بين هذه المبادئ أيضًا العمل على تهيئة وضع إقليمي ودولي يتحلّى بالسلام ويتسم الرخاء والاستقرار ويُبنى على التعاون وتطوير الطاقة البشرية، سواءً في تركيا أو في الدول المجاورة لها أو في المناطق الأخرى. ولا شك في أن النجاح في إثبات التزام تركيا بهذه المبادئ، وسط ظروف متغيرة ومتقلبة بشكل حاد، مهمة ثقيلة على الوزير الحصيف. إلا أنه يبدو مصرًا على السير قدمًا باتجاه تذليل العقبات وتحقيق النجاح المطلوب غير مبالٍ بحقول الألغام التي تحيط به من كل اتجاه.
* جاويش أوغلو.. في سطور
- مولود جاويش أوغلو أكاديمي وسياسي ودبلوماسي كان أحد الأعضاء المؤسسين لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا.
- من مواليد 5 فبراير (شباط) 1968 في منطقة ألانيا التابعة لمدينة أنطاليا الساحلية في جنوب غرب تركيا.
- راهنًا يمثل جاويش أوغلو دائرة أنطاليا في البرلمان، واحتفظ بمعقده البرلماني عن «العدالة والتنمية» لثلاث دورات متتابعة.
- متزوج ولديه ولد واحد، وهو يجيد اللغات الإنجليزية والألمانية واليابانية.
- حصل على الإجازة في العلوم السياسية من قسم العلاقات الدولية بكلية العلوم السياسية في جامعة أنقرة عام 1988، ثم حصل على درجة الماجستير في الاقتصاد من جامعة لونغ آيلاند في نيويورك بالولايات المتحدة عام 1991، وعمل فيها محاضرًا، ثم عاد ليتخصص في شؤون الاتحاد الأوروبي بجامعة أنقرة.
- اجتاز جاويش أوغلو «برنامج الخبرات في الاتحاد الأوروبي» عام 1993 في «مركز الرابطة الأوروبية للأبحاث والتطبيقات» بجامعة أنقرة. وبدأ في العام نفسه برنامج الدكتوراه في قسم العلاقات الدولية في جامعة بيلكنت المرموقة بالعاصمة التركية أنقرة (أول جامعة خاصة في تركيا، أسسها البروفسور إحسان دوغراماجي لتكون مركزا متميزا في مجال التعليم العالي والبحث العلمي).
- تابع في الفترة ما بين 1993 و1995 أبحاث ما بعد الدكتوراه في معهد لندن للاقتصاد LSE بمنحة «جين مونت» التي حصل عليها.
- عيّن وزيرا لشؤون الاتحاد الأوروبي وكبيرًا للمفاوضين بين 26 ديسمبر 2013 و29 أغسطس 2014.
- تولى منصب وزير الخارجية للمرة الأولى من 29 أغسطس 2014 حتى 30 أغسطس 2015، وأسند إليه المنصب مجددًا في 24 نوفمبر 2015.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة