هل ستنجح الإجراءات الاقتصادية في إنهاء المشكلة الكردية في تركيا؟

تصعيد للعنف والاشتباكات وتوتر سياسي ينذران بمزيد من التعقيد

اكراد يتظاهرون في كولون بألمانيا تضامنا مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان (رويترز)
اكراد يتظاهرون في كولون بألمانيا تضامنا مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان (رويترز)
TT

هل ستنجح الإجراءات الاقتصادية في إنهاء المشكلة الكردية في تركيا؟

اكراد يتظاهرون في كولون بألمانيا تضامنا مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان (رويترز)
اكراد يتظاهرون في كولون بألمانيا تضامنا مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان (رويترز)

تصاعدت حدة المواجهات بين الجيش التركي وعناصر منظمة حزب العمال الكردستاني في شرق وجنوب شرقي تركيا في أعقاب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي شهدتها تركيا في متصف يوليو (تموز) الحالي، ما أثار التساؤلات حول الهدف من هذا التصعيد في وقت توجهت فيه تركيا أيضًا إلى الحرب في شمال سوريا لتأمين حدودها من هجمات تنظيم داعش الإرهابي، وكذلك لمنع وحدات حماية الشعب الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري من التمركز غرب الفرات، وإقامة ممر كردي على حدودها من شأنه تشجيع العمال الكردستاني على تصعيد محاولاته لإعلان حكم ذاتي في جنوب شرقي تركيا.
وبموازاة هذا التصعيد في المواجهات، الذي خلف ما لا يقل عن 120 قتيلاً ومصابًا في صفوف المنظمة والجيش التركي على مدى الأيام الثلاثة الأخيرة، فضلاً عن العمليات التي نفذتها المنظمة ضد مواقع أمنية في شرق البلاد، وخلفت العشرات من القتلى والمصابين من الشرطة والمدنيين، بدا أن هناك تصاعدًا في التوتر السياسي بين الحكومة التركية وحزب الشعوب الديمقراطي الكردي الممثل في البرلمان بـ58 مقعدًا الذي يحتل المرتبة الثالثة في ترتيب الأحزاب الممثلة في البرلمان التركي بعد حزبي العدالة والتنمية الحاكم والشعب الجمهوري المعارض، وسابقا على حزب الحركة القومية اليميني، الذي يرفض أي اعتراف بحقوق الأكراد في تركيا.
وشهدت الأيام الأخيرة تلاسنا حادا بين رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم والرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي صلاح الدين دميرتاش على خلفية التعامل مع الوضع في جنوب شرقي تركيا والتدخل التركي في شمال سوريا.
وشن رئيس الوزراء بن علي يلدريم هجوما حادا على دميرتاش بسبب تصريحات أدلى بها في ألمانيا الأسبوع الماضي، وقال فيها إن حزبه لا يعتبر منظمة حزب العمال الكردستاني تنظيما إرهابية، وإنما يدين عملياتها التي يعتبرها إرهابية، ويطالبها بوقف العنف، وأن حزبه ينظر إلى العمال الكردستاني بوصفه تنظيمًا عنيفًا ظهر كرد فعل على إرهاب الدولة.
وتساءل يلدريم: «إن لم يكن حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية فبماذا تسمى (في إشارة إلى دميرتاش) كل هذه المجازر التي تنفذها المنظمة بحق الأبرياء في ديار بكر والولايات الأخرى من البلاد»، مطالبًا دميرتاش بأن يقول هذا الكلام أمام أسر من قتلوا في عمليات للمنظمة.
وقال يلدريم إن حكومته لن تسمح للمنظمات الإرهابية بزرع بذور الفتنة والكراهية والحقد بين أطياف المجتمع التركي، وستعمل على الحفاظ على وحدة الأرض والشعب التركيين وستقضي على منظمة حزب العمال الكردستاني كما قضت على ما تسميه السلطات التركية «تنظيم فتح الله غولن» في إشارة إلى جماعة الخدمة التابعة للداعية التركي المقيم في أميركا فتح الله غولن الذي تتهمه السلطات التركية بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة، مشيرًا إلى أن هناك ارتباطا بين التنظيمين، على حد قوله.
وردا على تصريحات يلدريم، التي أدلى بها، أمس (الأحد)، في ديار بكر التي تعد كبرى المدن التركية ذات الأغلبية الكردية في جنوب شرقي تركيا، والتي أعلن منها إطلاق حزمة استثمارية لتحسين الأوضاع المعيشية وتشغيل الشباب لمنعهم من الانضمام إلى منظمة حزب العمال الكردستاني، قال دميرتاش إن «النظر إلى القضية الكردية في تركيا على أنها قضية اقتصادية أو إرهاب فقط يعبر عن قصر نظر. القضية الكردية قضية اجتماعية واقتصادية وثقافية ومتداخلة في كل نواحي الحياة وحين يقول رئيس الوزراء التركي لا حل لها، فهذا يعني أن مزيدا من الدماء ستسفك ومزيدا من الأرواح ستزهق».
وكان يلدريم أعلن مرارا الأسبوع الماضي أن تركيا ليس بها ما يسمى بالمشكلة الكردية، وأن الحكومة لن تواصل مفاوضات السلام الداخلي مع منظمة حزب العمال الكردستاني، لافتا إلى أن المواطنين الأكراد أنفسهم يعانون من العمليات التي تقوم بها المنظمة.
ويتهم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان حزب الشعوب الديمقراطي بدعم الإرهاب، ويعتبره ذراعا سياسية لمنظمة حزب العمال الكردستاني التي تسعى لمناطق حكم ذاتي جنوب شرقي تركيا، وهو ما نفاه دميرتاش قائلا: «إننا لسنا ذراعًا سياسية لأحد، ولا نمجد عمليات إراقة الدماء، لكننا نطالب الحكومة بالالتفات إلى مطالب الأكراد والعودة إلى المفاوضات لإحلال السلام في البلاد».
واعتبر دميرتاش دخول القوات التركية للأراضي السورية غزوًا يستهدف الأكراد، وليس تنظيم داعش الإرهابي قائلاً: «إن أرادت تركيا أن تكتسب المصداقية فعليها أن تحارب تنظيم داعش داخل الأراضي التركية؛ فبؤر (داعش) كثيرة بإسطنبول وغيرها من المدن التركية».
وأضاف: «تركيا اعتذرت لإسرائيل وكثير من الدول وحين يصل الأمر إلى الشعب الكردي فإنها تعتبره عدوًا رغم أن أقرب صديق للشعب التركي هم الأكراد».
وفي وقت سابق رفض دميرتاش تصريحات قادة بارزين في حزب العمال الكردستاني تدعو إلى توسيع العمليات العسكرية لتشمل مراكز المدن التركية، وقال إن «هذا الكلام غير مقبول بالنسبة لنا، وأساسا هذه ليست مطالبنا وعلى حزب العمال الكردستاني تنشيط آمال السلام، لا توسيع العمليات العسكرية والحرب».
وأوضح دميرتاش أن الحديث عن عملية سلام جديدة بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية ميؤوس منه نظرًا لانعدام الثقة بين الطرفين، مؤكدًا ضرورة وجود وساطة دولية.
وفي تعليق على زيادة حدة التوتر السياسي والعسكري مع الأكراد خلال الفترة الأخيرة عقب فشل مفاوضات السلام الداخلي مع الأكراد، قال النائب البرلماني من صفوف حزب العدالة والتنمية الحاكم عن مدينة ديار بكر جمعة إتشان إن منظمة حزب العمال الكردستاني ومعها حزب الشعوب الديمقراطي أهدرا فرصة تاريخية لتحقيق السلام في تركيا وحل أي مشكلات للأكراد بسبب امتناع المنظمة عن ترك السلاح ومطالبتها للدولة بترك السلاح أولا متسائلا: «هل يمكن لمنظمة أن تطالب دولة بترك السلاح؟».
وأضاف أن حزب الشعوب الديمقراطي حصل على فرصة كبيرة ودخل البرلمان في سابقة أولى تحدث مع حزب كردي، وحصل على 80 مقعدا في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في السابع من يونيو (حزيران) 2015، لكنه لم يظهر موقفا صارما تجاه النشاط «الإرهابي» للمنظمة، وبالتالي خسر بعض التأييد في الانتخابات المبكرة في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 كرد من الناخبين على السلوك الذي أظهره، ولعدم عزل نفسه عن المنظمة بشكل واضح.
واستطرد: «أنا كمواطن تركي - كردي قبل أن أكون عضوًا في حزب العدالة والتنمية الحاكم لا أرى أنه ينقصني أي شيء من حقوقي الثقافية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، والأكراد منتشرون بطول تركيا وعرضها، والدليل على ذلك إسطنبول التي يمكن اعتبارها أكبر مدينة للأكراد حيث يعمل رجال الأعمال الأكراد ولهم مشروعاتهم وحيث يجد المواطنون الأكراد فرص العمل على قدم المساواة مع الأتراك، بينما في جنوب شرقي تركيا تعطل منظمة حزب العمال الكردستاني أي جهد لتحقيق التنمية وتدمر المنشآت المصانة، وتفجر المدارس، في محاولة لفرض الحكم الذاتي كسياسة أمر واقع وهو ما أدى بالتالي إلى مشكلات كبيرة بالنسبة للمواطنين الذين ضاقوا بالمنظمة وأفعالها وانفضوا بالتالي عن حزب الشعوب الديمقراطي».
وأعلنت الحكومة التركية، الأحد، عن إطلاق حزمة استثمارية واقتصادية متكاملة بتكلفة 3.4 مليار دولار لإعادة إعمار المنازل التي تهدمت في الاشتباكات بين الجيش وقوات الأمن التركية وعناصر منظمة حزب العمال الكردستاني التي حاولت ترسيخ حكم ذاتي بالقوة، وتقديم تعويضات للمتضررين، وإنشاء مصانع وصالات رياضية ومنح قروض للشباب لبدء مشروعاتهم الخاصة على أن تتولى الدولة شراء إنتاجها، ومن المنتظر أن توفر هذه الإجراءات 200 ألف فرصة عمل للشباب لعرقلة المنظمة عن محاولات تجنيدهم، ورفع مستوى المعيشة في 23 محافظة في شرق وجنوب شرقي تركيا وتحسين الخدمات لتصل إلى مستوى محافظات غرب تركيا.
وكان خبراء انتقدوا ميل الدولة التركية إلى الحلول التي تتبناها المؤسسة العسكرية للتعامل مع المشكلة الكردية، مطالبين بتحقيق الأمن التزامن مع الإصلاحات الاقتصادية وتحسين ظروف المعيشة في شرق وجنوب شرقي تركيا.
ورأي جان أكجون الباحث المتخصص في الشؤون الكردية ودول الجوار بمركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركية أن المواطنين الأكراد أنفسهم ضاقوا ذرعا بنشاط المنظمة، وأن ذلك أثر على حزب الشعوب الديمقراطي بالتالي، معتبرا أن التصعيد الأخير للعنف من جانب المنظمة كان هدفه تحويل اهتمام الجيش التركي إلى الداخل وإرهاقه في عمليات واشتباكات في جنوب شرقي البلاد من أجل منعه من الضغط على القوات الكردية ووحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا، التي تعد امتدادا لـ«العمال الكردستاني».
واستبعد حزب الشعوب الديمقراطي، الممثل الشرعي للأكراد، من اللقاءات التي عقدها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع رئيسي حزبي الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو والحركة القومية دولت بهشلي عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، وكذلك من اللجنة التي شكلت لتعديل الدستور التركي والتي اقتصرت على «العدالة والتنمية» وحزبي المعارضة الآخرين، لكن محللين يعتقدون أنه من الخطأ استبعاد حزب الشعوب الديمقراطية من العملية السياسية في تركيا، لأن ذلك سيشكل إضعافًا للديمقراطية في تركيا، كما أنه سيغذي نزعة العنف لدى منظمة حزب العمال الكردستاني.
ويواجه الرئيسان المشاركان لحزب الشعوب الديمقراطي أحكاما بالسجن قد تصل إلى أكثر من خمس سنوات بتهم منها إهانة رئيس الجمهورية ودعم منظمة إرهابية (في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني)، كما يواجه 51 من أعضاء الحزب قضايا مختلفة قد تؤدي إلى حبسهم وإسقاط عضويتهم بالبرلمان، بعد أن أقر البرلمان في مايو (أيار) الماضي تعديلاً دستوريًا يسمح برفع الحصانة عن نواب البرلمان من أجل التحقيق معهم.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...