كيف نجح مزج العصري بالكلاسيكي في كسب ود الرجال

كيف نجح مزج العصري بالكلاسيكي في كسب ود الرجال

خياطو «سافيل رو» وبيوت الأزياء كثفوا جهودهم لإيجاد الحل الوسط
الخميس - 6 ذو الحجة 1437 هـ - 08 سبتمبر 2016 مـ
من عرض «توماس بينك» - من عرض «بيري إيليس» - من عرض «بيرلوتي» - من عرض «دانهيل» - من اقتراحات دار «دانهيل» - من عرض «هيرميس»
لندن: جميلة حلفيشي
عندما يتعلق الأمر بالموضة، فإن الكل - رجلا كان أم امرأة - يبحث عن الجديد الذي يضمن التميز والأناقة، وإن كان لكل واحد منا تفسيره الخاص عن معنى الجديد. فإذا كان البعض الشباب يرونه في الثوري أو الصادم، فإن الأغلبية تراه في المتجدد الذي يواكب الموضة من دون أن يجافي المتعارف عليه. والموضة حاليا توافق الرأي الأخير، وترى أن خير الحلول أوسطها، لهذا نلاحظ أن كثيرا من المصممين يميلون إلى مزج الجديد بالقديم لخلق وصفة عصرية ترضي كل الأطراف، وصفة لا تتعارض مع الذوق الرفيع، ولا تكون عبارة عن صرعات استعراضية تتخفى تحت ستار العصري. وهذا هو ما عبر عنه الكاتب أوسكار وايلد ربما، في روايته «الزوج المثالي» (آن آيديال هازبند)، حين قالت لايدي ماكربي في لقطة معبرة: «ليس هناك أخطر من أن تكون عصريا للغاية، لأنك فجأة تصبح موضة قديمة». وبالطبع، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن عند قراءة هذه الجملة أن لايدي ماكربي تقصد الصرعات والتقليعات الغريبة، وهذا انطباع صحيح تؤكده أحوال السوق الحالية، لا سيما في عالم الرجل.
فرغم أنه قطاع أكد خصوبته من الناحيتين التجارية والفنية، كونه جديدا إلى حد ما مقارنة بقطاع الأزياء النسائية، فإنه مشوب بالخوف والريبة في الوقت ذاته. فبعض المصممين لا يزالون في طور جس النبض والتجربة، يختبرون الصرعات، ويحاولون إقحام بعض الألوان التي كانت إلى عهد قريب غريبة عليه، أحيانا بنجاح وأحيانا بحذر، لكن معظمهم يجمعون أن الحل الوسط أضمن. فهذا الحل يجمع العصري الجديد بالكلاسيكي المضمون، وهو ما لا يتعارض مع الموضة وجنوحها للتجديد. وهو ما يبدو واضحا في تصاميم كثير من بيوت الأزياء التي زاوجت بين التفصيل التقليدي، كما هو معروف في «سافيل رو» أو أي من الخياطين المعروفين في ميلانو وباريس وهونغ كونغ وغيرها، والتصميم الحداثي الذي تبنته كثير من بيوت الأزياء، من «لانفان» و«ديور» و«دانهيل» إلى «ألكسندر ماكوين» وغيرها. وبالطبع، استعمل كل واحد من هؤلاء وصفته الخاصة بجرعات متفاوتة.
ففي لندن، مثلا، ومنذ أن دخل خياطو «سافيل رو» عالم الموضة، سواء بمشاركتهم في عروض الأزياء أو بطرحهم أزياء جاهزة بعد اقتصارهم الطويل على التفصيل حسب الطلب وعلى المقاس، وهم يضخون على مدار الأسبوع جرعات من الأناقة الراقية. وهدفهم ليس خدمة أسبوع الموضة اللندني فحسب، بل ضمان استمراريتهم في مجال لا يحمي أي مستكين لأمجاد الماضي، ويُشجع في المقابل على التجديد بأي ثمن.
واللافت أنهم تمكنوا من اختراق أسواق الشباب بسرعة لم يكن يتوقعها أحد، بالنظر إلى أن سُمعتهم ونظرتهم الفوقية لكل ما لا يحترم الماضي والتقاليد، تسبقهم. ويبدو أن الفضل في تغيرهم يعود إلى جيل جديد من الرؤساء التنفيذيين والورثة الشباب الذين تسلموا مقاليد الأمور بعد الأسماء العريقة المستقرة في هذا الشارع، ودفعوا بها إلى الأمام. ولعل تدخلهم كان ضروريا تفرضه خريطة السوق والتغيرات التي طالت شارعهم تحديدا، بعد دخول بيوت أزياء كبيرة على الخط بافتتاحهم محلات في نفس الشارع.
وغني عن القول أن هذه الخطوة أربكتهم وجعلتهم يتسابقون لابتكار خطط جديدة، لا سيما بعد فشل كل المحاولات الأخرى لصد الغزو الجديد ومنعه قانونيا. فالتهديد كان مباشرا هذه المرة، إذ إن بيوت الأزياء الكبيرة لم تكتف بتوظيف مصممين تعلموا على أيدي هؤلاء الخياطين من أمثال سارة بيرتون أو ستيلا ماكارتني وغيرهما، بل افتتحت محلات رجالية خاصة بها، إما في «سافيل رو» للاستفادة من شهرة اسم الشارع، أو في أماكن قريبة منه. وقد كان هذا كافيا لكي يهز سكينة سكان الشارع العريق، ويجعلهم يتكاثفون لمواجهة هذا الخطر.
والنتيجة كانت في صالح الرجل الشاب، الذي ربما لا يملك للتفصيل على المقاس سبيلا نظرا لأسعاره العالية، أو لأنه ليس لديه الوقت والصبر لانتظار بدلة يمكن أن يستغرق صنعها أشهرا، من التصميم إلى التجهيز، لأنه أصبح يحصل منهم على بدلات وقطع أخرى منفصلة جاهزة لا تقل أناقة أو رقيا. وهذا لا يعني أن أسعارها رخيصة، لكنها تبقى أرخص من المفصلة، كما أنها أكثر شبابية ومرونة، من حيث تصميمها وألوانها وخاماتها.
وفي الجهة المقابلة، كثف المصممون، المستقلون أو الذي ينضوون تحت أجنحة بيوت أزياء كبيرة على حد سواء، جهودهم لدخول المنافسة، بالحفاظ على زبائنهم الشباب من جهة، واستقطاب آخرين من جهة ثانية. وقد تركز سلاحهم على مزج الأساليب التقليدية في التفصيل بالتصاميم العصرية التي يعرفون أنها ستلمس وترا حساسا بداخل شاب في مقتبل العمر. فهذا الأخير يريد أن يُبرز رشاقته، وفي الوقت ذاته لا يمانع أن تكون إطلالته مطبوعة بأسلوب «سافيل رو»، لما يتضمنه من مظهر «جنتلمان» إنجليزي. أي أنه يريد أن يجمع الثقافة والعراقة بالانطلاق، وكان له ما أراد، وذلك على شكل سترات محددة عند الخصر، وبنطلونات قصيرة ترتفع عن الكاحل، وأكتاف ناعمة، وغيرها من التفاصيل الأوروبية.
وقدمت دار «دانهيل» البريطانية، مثلا، تشكيلة لخريف وشتاء 2016 تعبق بالكلاسيكية، ويمكن أن تعطي الانطباع للوهلة الأولى بأنها مغرقة في هذه الكلاسيكية، لكنها في الحقيقة غنية بنغمات عصرية تخاطب شابا عالميا مُنفتحا على كل الثقافات، لكنه يريد التميز بالتفصيل الإنجليزي. وما نجحت فيه «دانهيل»، وأمثالها، أنها قدمت تصاميم متنوعة تراعي كل الأذواق، ركزت فيها على قطع منفصلة. ولا شك أن إمكانياتهم الإنتاجية تسمح لهم بهذا التنوع، مقارنة بخياطي «سافيل رو»، كما أن قوتهم تكمن في تعاملهم الطويل مع الزبون الشاب، واكتشافهم منذ مدة أنه لا يريد إطلالة واحدة، مهما كانت منمقة وأنيقة من الرأس إلى أخمص القدمين، بقدر ما يريد الكلاسيكي والحداثي ممزوجا في كأس واحدة تتوافق نكهته مع حياته الخاصة والعملية على حد سواء. ونسبة عالية من هؤلاء ترغب أيضًا في قطع تفتح الباب أمامهم للعب بالموضة، والتعبير من خلالها عن أسلوبهم وذوقهم الخاص، لأن الموضة بالنسبة لهم أصبحت جزءا لا يتجزأ من الحياة، تبدأ من الصبح ولا تنتهي سوى في الساعات الأخيرة من الليل، وهذا يتطلب تصاميم تحملهم من النهار إلى المساء بسهولة.
ومن نجح منهم في تحقيق المعادلة هم الذين مزجوا تقاليد «سافيل رو» بخفة الأسلوب الإيطالي، لأنهم خففوا من صرامة ورسمية الأول، وضخوا جرعة عالية من التميز والتفرد على الثاني. لهذا نلاحظ أن أغلبية البدلات التي تخرج من مصانع هذه البيوت تتميز بتصاميم رشيقة للغاية، ببنطلونات قصيرة بعض الشيء، وسترات محددة عند الخصر، وغالبا بصف أزرار واحد، وبطول أقصر من تلك التي تعود الرجل الشاب على رؤيتها في خزانة أسلافه. ولتعزيز الإحساس بالرشاقة والخفة، يستغنون غالبا عن تبطينها، أو يكتفون باستعمال أقمشة خفيفة ناعمة. والأمر نفسه بتنا نراه في بدلات ومعاطف «سافيل رو».
وما أصبح يُعول عليه معظم المصممين أيضًا القطع المنفصلة، عوض التركيز على البدلات وحدها. فهذه القطع المتنوعة، سواء كانت جاكتا من الجلد أو سترة من التويد أو الحرير أو قميصا من القطن أو كنزة أو «بلايزر» أو صديري، تمنحه فرصة أكبر للتلاعب بالموضة، وخلق مظهر خاص به، حسب المكان والزمان. ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن القطع المنفصلة أصبحت تشكل 40 في المائة تقريبا من المبيعات الرجالية. وللمزيد من الابتكار، يستعملون أقمشة مثل الكتان الممزوج بالصوف أو القطن أو الحرير، وألوانا غير متوقعة أو معتادة، على أمل أن تمنحه إطلالة متميزة مختلفة.
ومن المصممين الذين أرسوا هذا الأسلوب لا بد من ذكر اسم دار «ألكسندر ماكوين». فهي تشكل جزءا من الثورة التي تشهدها الأزياء الرجالية منذ عام 1996. فحينها، قدم المصمم الراحل تشكيلة بعنوان «دانتي»، كانت ثورية من ناحية أنها لعبت على الكلاسيكي المُشبع بلمسات غريبة، إن لم نقل مجنونة، تلقاها الرجل الشاب بالأحضان، وهللت لها وسائل الإعلام، رغم أن العرض كان غريبا من ناحية شكل العارضين. ولحسن الحظ أن مظهرهم لم يُشوش على الأزياء، أو يُخفي حقيقة أنها كانت مفصلة بشكل لا يُعلى عليه، كون الراحل ألكسندر ماكوين تدرب في «سافيل رو» في بدايته، وقبل أن يتخرج من معهد «سانترال سانت مارتن».
وهذه الخبرة، إلى جانب خياله الخصب وجنوحه إلى الجنون، وضع اللبنة لما أصبح يُعرف حاليا بالكلاسيكي الحداثي. وإلى الآن، لا تزال خليفته، سارة بيرتون، تتبع نفس الفلسفة والأسلوب. لكن مع مرور الوقت، ودخول بيوت أزياء أخرى على خط المنافسة، أضافت لمساتها الخاصة التي بتنا نراها ليس في التفصيل المحسوب والأكتاف فحسب، بل أيضًا في النقشات والأقمشة المترفة، مثل البروكار والمخمل وغيرهما. وقد تبدو غريبة بعض الشيء على منصات عروض الأزياء، لكن بعيدا عن الإخراج والماكياج وغيرها من البهارات، فإنها تشي بفنية لا يضاهيها سوى قدرة غير مسبوقة على التفصيل الإنجليزي. ولا يقتصر الأمر هنا على البدلات، بل أيضًا على القطع الأخرى، مثل السترات المنفصلة والمعاطف.
والمصمم كريستوفر بايلي، مصمم دار «بيربري»، عانق أيضًا موجة التفصيل، وإن كانت الإيحاءات فنية أكثر منها تقليدية. والمقصود بالفني هنا أنه غالبا ما يستلهم ألوانها من أدباء مثل «جماعة بلومزبوري»، أو فنانين مثل ديفيد هوكني. ومثل غيره من المصممين الشباب، من الصعب انتقاد طريقته في التفصيل، ورغم أنه يركز أكثر على اللمسات الشبابية التي يُضمنها تارة في جاكيتات تعانق الصدر، وبنطلونات قصيرة، وتارة في ألوان فاتحة يمزجها بأسلوب عجيب يجعلك تشعر بأنه يتمتع بعين رسام.
ومع أننا لا يمكننا القول إن بدلاته تنتمي إلى أسلوب «سافيل رو»، فإننا أيضًا لا يمكننا القول إنها تنتمي إلى الأسلوب الإيطالي، لأن المصمم يراعي أن الدار بريطانية، ومن ثم يجتهد دائما في الحفاظ على شخصيتها الإنجليزية بابتكار أسلوب خاص بها، في خطها الرجالي خصوصا. صحيح أنه أسلوب شبابي أكثر منه كلاسيكي، لكنه نجح فيه إلى الآن. وصفته أنه تجنب الشطحات المغرقة في هز التابوهات، فيما يتعلق بالبدلات، واكتفى بها في التفاصيل والإكسسوارات، مثل قمصان الدانتيل التي قد تثير بعض الشكوك حول ذكوريتها.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة