وإن كانت قمة مجموعة العشرين التي تختتم أعمالها في الصين اليوم، يبدو ملف الاقتصاد هو الأساس في أجندة الاجتماعات وعنوانه الرئيسي «بناء اقتصاد عالمي إبداعي ونشيط ومترابط وشامل»، لكن طيات أوراقها جلّها سياسية، وغالبية الدول العشرين هي في ملعب الأحداث التي تحد من أزمات العالم الاقتصادية، مع تزايد الاهتمام باللقاءات الثنائية في قمة العشرين.
فإنعاش الاقتصاد العالمي، مهمة الدول المجتمعة في هانغتشو الصينية، التي تنظر إلى الابتكار وزيادة المساهمة الصناعية التطويرية لتحفيز النمو في بلدان العالم، والقضاء على أغلب المعضلات والتحديات، ومنها البطالة والفقر والهجرة التي تحد من الوصول إلى قضايا أكثر غموضا وتعقيدا.
قمة فيها من الأزمات البينية الكثير، وهي التي ستفرض نفسها غالبا في مجمل العناوين الإخبارية، وإن ابتدأت بوميض إيجابي تمثّل في توقيع الولايات المتحدة وجمهورية الصين على اتفاقية باريس للمناخ، ويعدّ ذلك نقطة إيجابية تحمل الصين إلى قيادة ناجحة لاقتصاديات العالم، بوصفهما في ذلك الملف، هما البلدان الأكثر تصديرا للتلوث المناخي. انعقاد القمة في ضوء ظروف سياسية واقتصادية عالمية شتى، مع اشتداد وتيرة العمليات الإرهابية وتناول مكافحته على الصعيد العالمي، وأزمات متلاحقة في شؤون اللاجئين والغذاء والمناخ، إضافة إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ ما يفرض على العالم أن يكافح للعثور على حلول مناسبة تضمن النجاح لمواجهة التحديات.
وفيما ستعالج السياسات النقدية والمالية التقلبات على المدى القصير، تظهر الحاجة إلى إيجاد استراتيجية طويلة الأجل، لرفع ما يشهده الاقتصاد العالمي حاليًا من ضيق، كما ينتظر أن تدمج الإصلاحات والتكيف الهيكلي على وجه الخصوص ضمن السياسات الحالية، لخلق بيئة خصبة للنمو.
ومن المقرر أن تضع قمة هانغتشو للدول العشرين، خطة للتنمية المستدامة (2020 - 2030)، وتضع فتحا جديدا نحو بلوغ النمو، لمواجهة المشكلات العالمية بشكل فاعل، والعمل على إعادة جدولة أولوياته وفق الحاجة الإنسانية إلى السلام والتنمية والاستقرار، قبل أن تخضعها الرياح السياسية للغربلة، ويزداد بذلك الضغط على النظام العالمي بأسره. في ضوء ذلك، أصبح واضحا أن هناك بعض ارتياح لرئاسة الصين قمة العشرين الحالية، فما في جعبتها هو الكثير، وما تطمح له يمر بالاقتصاد غالبا، وهي التي تسير في الملفات السياسية والدبلوماسية بأسلوب مرن ومتزن، حتى وإن وضعتها السنون المقبلة في قيادة العالم؛ نظرا للخطط الاقتصادية العميقة التي تمر ببلدان عدة من الشرق إلى الغرب، وفقا لأهم محاور اقتصادها، وهي طريق الحرير الجديد، أو كما يعلنها الصينيون «الطريق والحزام».
* رؤية.. وطريق
بين الرياض وبكين، ملامح مشتركة وآمال تقود المجموعة الاقتصادية والسياسية الأكبر في العالم نحو تجاوز العقبات، فالبلدان يتمتعان بمصالح مشتركة واسعة في إطار تعاون مجموعة العشرين، وأمامهما فرصـة كبيـرة لـدفع التعاون الاقتصادي والتجاري إلى الأمام.
وهو ما أكد عليه وزير الثقافة والإعلام السعودي، الدكتور عادل الطريفي، بأن مبادرة الطريق والحزام التي طرحتها الصين، تعد أحد المحاور الأساسية التي تعتمد عليها خطة «رؤية السعودية 2030»؛ نظرا لكون الصين أكبر الشركاء الاقتصاديين للسعودية على مستوى العالم، وأشار الوزير الطريفي: «بقراءة (رؤية السعودية 2030) سنجد أن هناك موضوعات كثيرة منها تتحدث عن أشياء متناغمة مع مبادرة الحزام والطريق».
وأكد الطريفي، الذي كان يتحدث إلى وكالة شينخوا الصينية، أن هناك اعتقادا شديدا بأن قمة مجموعة العشرين ستكون قمة ناجحة، نظرا للتركيز على موضوعات مهمة، من بينها الابتكار في الصناعة والتطوير وعلى إعادة إنعاش الاقتصاد الدولي.
تفاؤل في أوساط الاقتصاديين، بالدور السعودي - الصيني في قمة مجموعة العشرين للحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي في إطار وضع سياسات المجموعة، حيث أكد المحلل الاقتصادي حمود الشدوي، أن السعودية والصين، بوصفهما وتأثيرهما الاستراتيجي الكبير سيمكنان الاقتصادات الأخرى من لعب دور فاعل في تحقيق التنمية المستدامة بالنظر إلى خطط إصلاحاتهما الاقتصادية، وأن فرص إنجاح التعهدات خلال القمة سيكون البلدان على درجة من الأهمية في تحقيقها، وهو ما يراه الشدوي طريق البدء لإصلاحات بنيوية لتوفير دعم دائم للطلب والإنتاجية وتوفير فرص العمل. وأضاف الشدوي خلال اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن الصين تهدف إلى الاستثمار بشكل كبير في الدول التي على طريق الحزام والطريق لزيادة التبادل التجاري بين آسيا وأوروبا، والسعودية هي الدولة الرئيسية في المنطقة التي يمر بها الحزام أو الطريق، وهو أمر يجعل المملكة راغبة في تحقيق رؤيتها بجذب الاستثمارات الصينية لقطاع البنية التحتية في المملكة لتصبح ملائمة للاستثمارات الصناعية الصينية.
يضاف إلى ذلك الاستثمار في الطاقة المتجددة، التي تركن إلى جانب هدف حكومي صيني في تقليل الانبعاثات الكربونية وتحقيق اتفاقية المناخ التي وقعتها مؤخرا، وهو ما يدعم خطة الاستخدام الكفء للطاقة، وتفعيل إجراءات شاملة بشأن التغير المناخي، ولم يخف الشدوي من بعض التغيرات الجيوسياسية التي قد تؤثر في سبيل الوصول إلى تحقيق تطورات إيجابية في مسار العمل المشترك بين دول المجموعة.
رؤية سعودية للخمسة عشر عاما المقبلة، تنظر وفق عملها الاستراتيجية؛ من خلال استثمارات مباشرة وشراكات استراتيجية مع الشركات الرائدة في هذا القطاع؛ بهدف نقل المعرفة والتقنية وتوطين الخبرات في مجالات التصنيع والصيانة والبحث والتطوير، كما سنقيم مجمعات صناعية متخصصة ومتكاملة تضم الأنشطة الرئيسية في هذا المجال، إضافة إلى تدريب المواطنين وتأهيلهم للعمل في هذه الصناعات، وهذه جميعها تصب في خطط الاقتصاد العالمي، الرائي للكيان الاقتصادي الكبير (مجموعة العشرين) بعين الترقب للتنفيذ.
وتزايدت المؤشرات على أن السعودية بدأت تقطف أولى ثمار برنامج التحول الاقتصادي، حين أكدت في وقت سابق أن عددا كبيرا من الشركات الأجنبية تتسابق للاستثمار في السعودية. وأظهرت البيانات أن 50 شركة عقارات عالمية أبدت رغبتها في المشاركة في برامج الإسكان الواسعة التي طرحتها الحكومة السعودية لتطوير القطاع.
وكشفت بيانات أخرى، عن أن حجم رؤوس أموال أكبر عشر شركات أجنبية ومختلطة منحتها الهيئة العامة للاستثمار رخصة عمل في السوق السعودية، بلغت في النصف الأول من العام الحالي نحو 66.4 مليار دولار.
كما أكدت أن ست شركات عالمية للاستثمار في قطاع التجزئة تقدمت لإنشاء مشروعات بنسبة تملك 100 في المائة، منذ إعلان إجراءات ومعايير الدخول في السوق المحلية، وأن 3 شركات منها حصلت على الرخصة النهائية.
الرياض وبكين.. خطط تدعم ترابط البنية الأساسية لمجموعة العشرين
بين «رؤية 2030» ومبادرة «الحزام والطريق».. آفاق تحقق الآمال
الرئيس الصيني مرحبًا بولي ولي العهد السعودي في هانغتشو أمس (إ.ب.أ)
الرياض وبكين.. خطط تدعم ترابط البنية الأساسية لمجموعة العشرين
الرئيس الصيني مرحبًا بولي ولي العهد السعودي في هانغتشو أمس (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
