كيف تستفيد روسيا من كشف جوليان أسانغ لأسرار الغرب؟

من الواضح أن الرجل لا يزال لديه كثير من الأسرار

اسانغ كشف عن كم هائل من الاتصالات الحكومية الأميركية السرية ({الشرق الأوسط})
اسانغ كشف عن كم هائل من الاتصالات الحكومية الأميركية السرية ({الشرق الأوسط})
TT

كيف تستفيد روسيا من كشف جوليان أسانغ لأسرار الغرب؟

اسانغ كشف عن كم هائل من الاتصالات الحكومية الأميركية السرية ({الشرق الأوسط})
اسانغ كشف عن كم هائل من الاتصالات الحكومية الأميركية السرية ({الشرق الأوسط})

كان جوليان أسانغ في هيئة تعليمية كلاسيكية، متحدثا بحزم واهتمام حول الموضوع الذي يستحوذ على عقله وتفكيره - غدر الحكومات الكبيرة وخصوصا حكومة الولايات المتحدة الأميركية.
ظهر السيد أسانغ، محرر موقع ويكيليكس، على مسرح الأحداث العالمية في عام 2010 إثر الإفصاح عن كم هائل من الاتصالات الحكومية الأميركية السرية والتي كشفت عن مكنونات الحرب الأميركية في أفغانستان والعراق، ومناوراتها الدبلوماسية - الساخرة في بعض الأحيان - في جميع أنحاء العالم. ولكن في مقابلة تلفزيونية أجريت في سبتمبر (أيلول) الماضي، كان من الواضح أن الرجل لا يزال لديه كثير ليفصح عنه حول «العالم وفقا للإمبراطورية الأميركية»، وهو العنوان الفرعي لكتابه الأخير: «ملفات ويكيليكس».
ومن خلف الأسوار الضيقة لسفارة الإكوادور في لندن، حيث تم منحه حق اللجوء السياسي قبل أربع سنوات في خضم المأزق القانوني الذي يعاني منه، قدم السيد أسانغ رؤيته عن الولايات المتحدة بأنها فتوة كبير: الأمة التي حققت القوة الإمبريالية عن طريق إعلان الولاء لمبادئ حقوق الإنسان في حين أنها تنشر أذرع أجهزة استخباراتها العسكرية في شكل «الكماشة» لإجبار الدول على الخضوع والإذعان لمطالبها، ومعاقبة الناس من أمثاله الذين يجرؤون على الإفصاح عن الحقيقة.
ومن الأمور الغائبة عن تحليل السيد أسانغ، برغم ذلك، كان انتقاد القوة العالمية الأخرى المسماة روسيا، أو رئيسها فلاديمير بوتين، الذي لا يكاد يرقى إلى مثل الشفافية العليا التي تتمتع بها وثائق ويكيليكس. كانت الحكومة الروسية تشن حملات شديدة القسوة والصرامة على المعارضين - من حيث التجسس عليهم، وسجنهم، وتلفيق التهم الجنائية، وفي بعض الأحيان اغتيال المعارضين في الوقت الذي تعزز من قبضتها المحكمة على وسائل الإعلام المحلية وشبكة الإنترنت. وإذا كان السيد أسانغ يقدر أو لعله يفضل اللمحة الساخرة للحظة الراهنة، حيث تعمد شجب الرقابة على وسائل الإعلام في مقابلة مع قناة روسيا اليوم، القناة الروسية الناطقة باللغة الإنجليزية والخاضعة تماما لسلطان الكرملين الروسي - فإن شجبه ذلك لا يحمل القدر المطلوب من الوضوح أو التأييد.
والآن، يعود أسانغ وموقعه ويكيليكس إلى دائرة الضوء مرة أخرى، مسببين القلق والتوتر الكبير للمشهد الجيو - سياسي العالمي من خلال المزيد من الإفصاحات الجديدة مع وعود بمزيد في المستقبل.
وفي شهر يوليو (تموز)، أصدرت المنظمة ما يقرب من 20 ألف رسالة بريد إلكتروني للجنة الوطنية الديمقراطية مما يشير إلى أن الحزب كان قد تآمر مع حملة السيدة هيلاري كلينتون الانتخابية للإطاحة بمنافسها الرئيسي السيناتور بيرني ساندرز. ولقد تعهد السيد أسانغ - الذي كان ينتقد السيدة كلينتون علانية - بمزيد من الإفصاحات التي من شأنها أن تغير تماما من حملتها الحالية ضد المرشح الجمهوري دونالد ترامب. وعلى صعيد منفصل، أعلن موقع ويكيليكس أنه سوف يصدر في وقت قريب بعضا من جواهر تاج الاستخبارات الأميركية: وهي مجموعة «لم تنشر من قبل» لرموز التجسس الإلكتروني.
يقول المسؤولون الأميركيون إنهم يعتقدون بدرجة عالية من الثقة أن مواد الحزب الديمقراطي تعرضت للاختراق من قبل الحكومة الروسية، ويشتبهون في أن الرموز المشار إليها قد تعرضت للسرقة بواسطة الروس أيضا. ويثير هذا الأمر تساؤلا مهما: هل تحول موقع ويكيليكس إلى آلة غسيل للمواد التي يعكف على جمعها الجواسيس الروس؟ وبصورة أكثر توسعا، ما هي على وجه التحديد العلاقة الرابطة بين السيد أسانغ وحكومة الرئيس الروسي؟
ولقد أصبحت هذه التساؤلات أكثر بروزا وتحديدا في معرض المكانة البارزة التي تحتلها روسيا في خضم الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية. فالسيد بوتين الذي اصطدم مرارا وتكرارا مع السيدة كلينتون عندما كانت تشغل منصب وزيرة خارجية الولايات المتحدة، كان قد أشاد علانية بالسيد ترامب، والذي رد الجميل داعيا بمزيد من العلاقات الوثيقة مع روسيا ومتحدثا بصورة إيجابية حول ضم السيد بوتين لشبه جزيرة القرم. ومن بداية ظهور موقع ويكيليكس، قال السيد أسانغ إنه يعمل بدافع الرغبة في استخدام «التشفير من أجل حماية حقوق الإنسان»، وسوف يركز عمله وجهوده على الحكومات السلطوية مثالا بروسيا.
ولكن بحثا أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» حول أنشطة موقع ويكيليكس خلال سنوات السيد أسانغ في المنفى خلص إلى العثور على نمط مختلف: سواء عن طريق الاقتناع أو الملائمة أو المصادفة فإن الكشف عن وثائق ويكيليكس، إلى جانب اثير من بيانات السيد أسانغ نفسه، كان يصب في مصلحة روسيا على حساب الغرب.
وهناك إجماع يتشكل بين مسؤولي الولايات المتحدة بأنه ليست هناك علاقة مباشرة تربط السيد أسانغ وموقع ويكيليكس بأجهزة الاستخبارات الروسية. ولكنهم يقولون في الوقت نفسه إن، وعلى الأقل في حالة رسائل البريد الإلكترونية الخاصة بالديمقراطيين، موسكو متعاطفة بدرجة ما مع ما ينشره موقع ويكيليكس، حيث يمكن لحفنة من الوسطاء المجهولين إسقاط كم معقول من الوثائق المسروقة في البريد الرقمي الوارد إلى عنوان المجموعة.
وفي مقابلة أجرتها صحيفة «التايمز» الأربعاء الماضي مع السيد أسانغ قال فيها إن السيدة كلينتون والديمقراطيين كانوا «ينشرون موجة جديدة من المكارثية الفوضوية حول روسيا». وليس هناك من دليل دامغ على أن ما ينشره موقع ويكيليكس يعود بمصادره إلى أجهزة الاستخبارات، كما يقول، حتى مع الإشارة إلى أنه سوف يقبل مثل تلك المواد بمنتهى السرور.
ولا يستهدف موقع ويكيليكس ولا يستثني أي دولة بعينها، كما أضاف السيد أسانغ، ولكنه يعمل بدلا من ذلك على التحقق من المواد كافة التي يطرحها في المجال العام من أجل خدمة الجماهير والصالح العام، والذين يحبون كثيرا معرفة لمحات عن ماكينة الفساد الجبارة التي تحاول جهدها بسط سيطرتها عليهم. ولكن بالنظر إلى المصادر المحدودة لدى موقع ويكيليكس وعقبات الترجمة الكبيرة التي يواجهها الموقع، كما يقول السيد أسانغ، فلماذا ينصب التركيز على روسيا بمفردها، والتي وصفها بقوله: «اللاعب الهامشي على المسرح العالمي»، عند مقارنتها بدول مثل الصين والولايات المتحدة؟ وعلى أي حال، كما استطرد يقول، فإن فساد الكرملين من القصص القديمة، وإن كل رجل وكلبه ينتقدون روسيا الآن، وإنه لأمر يبعث على الضجر، أليس كذلك؟
ولقد نجح موقع ويكيليكس على بعض الجبهات وبشكل مذهل منذ نشأته وحتى الآن، حيث عمل على الكشف عن عمليات القتل العشوائية، والنفاق السياسي، والفساد الاقتصادي، وساعد في إذكاء شرارة ثورات الربيع العربي.
*خدمة: «نيويورك تايمز»



ما هي تداعيات زيادة الإنفاق على شراء ناشرين لـ«الترافيك»؟

رسم بياني يظهر حجم الإنفاق على شراء الترافيك (Similarweb)
رسم بياني يظهر حجم الإنفاق على شراء الترافيك (Similarweb)
TT

ما هي تداعيات زيادة الإنفاق على شراء ناشرين لـ«الترافيك»؟

رسم بياني يظهر حجم الإنفاق على شراء الترافيك (Similarweb)
رسم بياني يظهر حجم الإنفاق على شراء الترافيك (Similarweb)

أثار اتجاه ناشرين لإنفاق ملايين الدولارات شهرياً على شراء الزيارات، تساؤلات بشأن تداعيات ذلك على مستقبل الإعلام، وبينما تباينت آراء الخبراء بشأن استمرار «شراء الترافيك» في السنوات المقبلة، أكدوا أن هذا الاتجاه ليس سلبياً في المطلق في ظل تراجع الزيارات، إذا ما استخدم بطريقة جيدة.

تقرير نشره موقع «أدويك» الأسبوع الماضي، رصد ارتفاع إنفاق الناشرين على «شراء الترافيك» بنسبة وصلت إلى 274 في المائة خلال السنوات الثلاث الماضية، إثر تراجع الزيارات القادمة بصورة طبيعية من محركات البحث». وبحسب «أدويك» أنفق ناشرون في 100 مؤسسة إعلامية نحو 113 مليون دولار على شراء الزيارات خلال يوليو (تموز) 2026 وحده. بزيادة قدرها 41 في المائة مقارنة بالعام السابق، وارتفاعاً بنحو 274 في المائة مقارنة بما كان عليه الإنفاق قبل ثلاث سنوات.

شعار «غوغل» (رويترز)

وفي الوقت نفسه ارتفع عدد الزيارات الناتجة عن البحث المدفوع بنسبة 39 في المائة على أساس سنوي إلى 23.7 مليون زيارة في يوليو، وبنسبة 148 في المائة خلال ثلاث سنوات، استناداً إلى إحصاء نشرته «سيميلرويب» Similarweb.

ونقل «أدويك» عن ديفيد كار، المسؤول عن أبحاث الأخبار في «سيميلرويب» قوله إن «البيانات أظهرت قفزة واضحة في الإنفاق بنظام الدفع مقابل النقرة PPC منذ أبريل (نيسان) 2026». في حين عدّ الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك يوشنا إكو «زيادة الإنفاق على البحث المدفوع، واحدة من الوسائل التي تلجأ إليها المؤسسات الإعلامية لمواجهة التراجع العام في الزيارات»، مشيراً إلى أن «هذه الوسيلة ليست سلبية بشكل مطلق إذا ما أحسن استخدامها مع وسائل أخرى لتوطيد العلاقة بالجمهور».

إكو قال في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إن «الزيارات المدفوعة يمكن أن تصبح جزءاً طبيعياً من تكلفة اكتساب الجمهور، شريطة الحفاظ على ذلك الجمهور وإشراكه في الخدمات التي تقدمها المؤسسة الإعلامية»، لافتاً إلى أن «شراء الترويح بات وسيلة متبعة لدى غالبية المؤسسات الإعلامية».

لكن إكو نبه إلى «مخاطر الاعتماد الكبير على الزيارات المدفوعة»، موضحاً أنه «قد يهدد مستوى الثقة في المؤسسة الإعلامية»، داعياً بالتالي إلى «اعتماد وسائل أخرى في جذب الجمهور وبناء علاقة قوية معه»، ومحاولة العمل لزيادة الزيارات المجانية.

وفق بيانات «سيميلرويب» واصلت الزيارات المجانية القادمة من محركات البحث الهبوط، وتراجعت الزيارات العضوية إلى «فوربس» بنسبة 26.7 في المائة على أساس سنوي، وإلى «سي إن إن» بنسبة 28.9 في المائة، وإلى «يو إس إيه توداي» بنسبة 24.1 في المائة، بحسب «سيميلرويب».

من جهة ثانية، أرجع المدرب والباحث المتخصص في الذكاء الاصطناعي التوليدي رائف الغوري السبب في اتجاه الناشرين لشراء لترافيك إلى «تراجع الزيارات المجانية الناتجة عن تزايد الإجابات المولدة بالذكاء الاصطناعي (AI Overviews)، وسياسات محركات البحث التي تجيب عن أسئلة المستخدمين دون الحاجة للنقر»، مشيراً إلى «اتجاه المؤسسات إلى تحسين نتائجها للظهور في الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعرف اصطلاحياً بـ(GEO)، ومن ثم العمل على تحسين ظهورها كإجابات عند طرح أسئلة نوعية وهو ما يعرف بمصطلح (AEO)».

وأضاف الغوري في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الناشرين يعمدون إلى تعويض الانهيار في الزيارات المجانية بعدما انخفضت الزيارات الناتجة من عمليات البحث لبعض كبرى المؤسسات الإعلامية مثل الـ(سي إن إن) و(فوربس) بنسب تتراوح بين 24 في المائة و29 في المائة، ما أجبر المؤسسات على إعادة شراء جمهورها لتغطية هذا النقص». ثم أشار إلى «ظاهرة البحث بدون نقر مع انتشار إجابات الذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى تراجع نسب النقر بشكل حاد، بحيث تظهر الإجابة مباشرة للمستخدم في صفحة البحث، إضافة إلى اعتماد المؤسسات الإعلامية على حجم زيارات معين للوفاء بعقود الإعلانات والتسويق بالعمولة، مما يجعل انخفاض الزيارات تهديداً مباشراً للسيولة المالية».

وبحسب رائف الغوري، فإن «شراء الترافيك ليس حلاً سحرياً مستداماً، بل هو أداة تكتيكية قصيرة المدى»، موضحاً أنه الاستفادة منها تكمن في «تحويل الزائر إلى مشترك في النشرة البريدية أو اشتراك مدفوع بالخدمات، وبذلك تكون تكلفة الاستحواذ مبررة ومربحة على المدى الطويل»، وشدد على أهمية «سد الفجوة في الإعلانات المباشرة من خلال تحقيق حد أدنى من المشاهدات لإرضاء المعلنين المباشرين».

وبالتوازي لفت الباحث والمدرب في الذكاء الاصطناعي إلى «وجود حلقة مفرغة إذ تقتطع المؤسسات جزءاً من إيراداتها لتدفعه مجدداً للشركات التقنية نفسها التي تسببت في تراجع زياراتها الأصيلة مثل (غوغل) و(ميتا)... وثمة تفاوت القدرات التنافسية، بين المنصات الكبرى التي تمتلك سيولة مالية تمكنها من الاستمرار في المزايدات لشراء الزيارات، والمنصات الإعلامية الصغيرة والمتوسطة غير القادرة على ذلك».

ومن ثم توقع الغوري «عدم الاستمرار في شراء الترافيك كنموذج عمل أساسي مع التطور المتسارع واستمرار ارتفاع تكلفة الإعلانات المدفوعة... ذلك أن وسائل الإعلام ستتجه إلى حلول وبدائل أكثر استقلالية، ومنها؛ السعي إلى التملك المباشر للجمهور، مع التركيز على النشرات البريدية، والتطبيقات الخاصة، والتنبيهات المباشرة من دون الاعتماد على الوسطاء».

ثم أشار إلى «إمكانية توفير نماذج للاشتراكات والعضويات والاعتماد على القارئ الداعم بدلاً من النموذج الإعلاني القائم على كثافة الزيارات، إضافة إلى إبرام اتفاقيات ترخيص مع شركات الذكاء الاصطناعي للحصول على مقابل مالي مباشر منها مقابل استخدام محتوى الناشر في تدريب النماذج والردود»، وأخيراً، قال إن «الفترة المقبلة ستشهد توسعاً في البث الصوتي (البودكاست) والتلفزيون الرقمي، واللقاءات التفاعلية المباشرة التي تبني مجتمعات مخلصة».

يذكر أن شراء الزيارات ليس ظاهرة جديدة تماماً؛ فالناشرون يستخدمون الإعلانات المدفوعة وعمليات «شراء الترافيك» منذ سنوات، لكن الجديد هو القدر الهائل الذي وصل إليه حجم الإنفاق على شراء الترافيك في ظل تراجع الزيارات. فوفق بيانات «سيميلرويب» أنفقت «فوربس» نحو 72.2 مليون دولار على البحث المدفوع في يوليو الماضي وحده، بزيادة 34 في المائة عن العام السابق، وأكثر من ثمانية أمثال ما كانت تنفقه قبل ثلاث سنوات. كذلك ضاعفت الـ«نيويورك تايمز» إنفاقها على البحث المدفوع بأكثر من الضعف خلال عام ليصل إلى 11.3 مليون دولار».

وفي رأي الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي معتز نادي فإن «اتجاه بعض المؤسسات الإعلامية إلى شراء الترافيك يرتبط أساساً بتغير قواعد التوزيع الرقمي»، موضحاً في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الزيارات المجانية من محركات البحث ومنصات التواصل باتت غير مضمونة كما كانت، والخوارزميات أصبحت أكثر تقلباً، بينما يستهلك الجمهور الأخبار داخل المنصات نفسها أو عبر الفيديو ومحركات الإجابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي».

وأشار نادي إلى أنه «حتى لو أعلنت (غوغل) عن تحديثات تساعد الناشرين في ظهور نتائجهم دون ملخصات تؤثر على الزيارات يظل الأمر مرتبطاً بسلوك القارئ الذي قد يفضل الخبر في وجبة سريعة ملخصة بسطور معدودة دون النقر على رابط يخص موقعاً بعينه لزيارته».

ثم شرح إن «الناشر يحاول تعويض جزء من التراجع عبر الوصول المدفوع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من زيارات... لكن في الوقت نفسه، فإن شراء الترافيك لا يعني بالضرورة شراء جمهور حقيقي، ذلك أن الفارق كبير بين أن تدفع مقابل زيارة لرفع الأرقام، وأن تستثمر في مستخدم يمكن أن يعود مجدداً، ويسجل في النشرة البريدية، أو يحمل التطبيق، أو يشترك في خدمة مدفوعة باشتراك مناسب القيمة».

وأضاف معتز نادي أنه «لو كان الإنفاق لصالح هذا المستخدم الذي سيعود باستمرار بالزيارة، فيمكن أن يتحول الإنفاق إلى استثمار، لأن المؤسسة تقيس تكلفة اكتساب هذا المستخدم مقابل ما يحققه من قيمة وإيرادات على المدى الأطول ببقائه المستمر مع الوسيلة المفضلة له».

ارتفع عدد الزيارات الناتجة عن البحث المدفوع بنسبة 39 % على أساس سنوي إلى 23.7 مليون زيارة في يوليو

ومن الناحية الاقتصادية قال نادي: «الترافيك المدفوع يمكن أن يرفع الدخل إذا ارتبط الأمر بعائد إعلانات في مقابل تلك الأرقام من زيارات ومشاهدات، بينما شراء زيارات رخيصة فقط لرفع أرقام المشاهدة، قد يصنع رقماً جيداً في التقارير، لكنه لا يبني مؤسسة قوية، وقد يتحول إلى خسارة مستمرة... وذلك الأثر يمكن قياسه بزيادة عدد المتابعين بالآلاف، بينما مشاهدة الفيديوهات لا تتجاوز المئات».

ثم أوضح أن «تأثير الظاهرة على الإعلام مزدوج، فربما تساعد المؤسسات على الوصول إلى جمهور جديد، غير أنها قد تزيد أيضاً الفجوة بين الناشرين القادرين على الإنفاق وغيرهم من محدودي الموارد، وتدفع بعض غرف الأخبار إلى تفضيل المحتوى الأسرع والأكثر جذباً للنقر على حساب الصحافة الأعمق، والاكتفاء بمطاردة الترندات».

واختتم نادي كلامه متوقعاً أن «يستمر شراء الترافيك بصيغة أكثر ذكاءً ما يعني شراء المستخدم الصحيح لا الوهمي، مع إدخال المستخدم/ المتابع الحقيقي في علاقة مباشرة مع المؤسسة عبر التطبيقات والنشرات والاشتراكات والمجتمعات الرقمية كما هو الحال في (واتساب) حالياً... ثم أن الناشر الأقوى لن يكون من يشتري أكبر عدد من الزيارات، فهو يتمتع بهذه القوة من خلال تحويل الزيارة المدفوعة إلى جمهور يعود من تلقاء نفسه، مما يتطلب العودة، وبيانات دقيقة عن سلوك المستخدم، واستراتيجية توزيع لا تترك مستقبل المؤسسة رهينة لمنصة واحدة أو حملة إعلانية مؤقتة».


إتاحة التحكم بالخوارزميات لمستخدمي «التواصل» تفتح باب التساؤلات

جامعة التكنولوجيا في سيدني (جامعة التكنولوجيا في سيدني)
جامعة التكنولوجيا في سيدني (جامعة التكنولوجيا في سيدني)
TT

إتاحة التحكم بالخوارزميات لمستخدمي «التواصل» تفتح باب التساؤلات

جامعة التكنولوجيا في سيدني (جامعة التكنولوجيا في سيدني)
جامعة التكنولوجيا في سيدني (جامعة التكنولوجيا في سيدني)

طرحت الحكومة الأسترالية خطة لجعل خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي خياراً اختيارياً، وهو ما قد يمنح المستخدمين تحكماً أكبر في المحتوى الذي يظهر أمامهم في صفحاتهم الرئيسية، وسط تساؤلات بشأن هذا الإجراء. ومن جهة أخرى، رهن خبراء نجاح هذا الاتجاه في تقليص حجم المحتوى المثير للقلق، الذي يواجهه مستخدمو مواقع التواصل، بمدى إقبال المستخدمين فعلياً على تفعيل هذا الخيار الجديد.

الحكومة الأسترالية قدمت في 8 سبتمبر (أيلول) الحالي مشروع قانون «تُلزم بموجبه منصات التواصل الاجتماعي بإخطار المستخدمين ومنحهم خياراً بشأن التغذية الافتراضية لصفحاتهم». ومعه يُمكن للمستخدم اختيار الانضمام إلى تغذية مخصّصة تحددها الخوارزمية، أو الانسحاب منها والاكتفاء برؤية منشورات الأصدقاء والمبدعين الذين يتابعهم فقط.

شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل «ميتا» المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب»، و«غوغل» التابعة لشركة «ألفابت»، لم تعلق بعد على مشروع القانون.

غير أن مراقبين يرون أن الاتجاه إلى الترتيب الزمني، وليس الخوارزمي، قد يكون سيئاً بالنسبة لمنصات التواصل الاجتماعي التي تجني أرباحها من زيادة التفاعل داخل تطبيقاتها. ولكن من منظور المصلحة المجتمعية قد يكون الأمر إيجابياً في مجمله، إذ يدفع إلى قضاء وقت أقل في التصفح المستمر لمواقع التواصل.

الخبير التقني السعودي خالد أبو إبراهيم توقع أن غالبية المستخدمين لن يُفعّلوا الترتيب الزمني للمنشورات، وسيفضلون البقاء تحت سيطرة الخوارزميات. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الخوارزمية أصبحت جزءاً من الإدمان نفسه». ودلل على ذلك بقوله إن «التجربة موجودة، وليست نظرية، فـ(فيسبوك) و(إنستغرام) أضافا خيار (الأحدث/ المتابعون) في أوروبا بعد تطبيق قانون الخدمات الرقمية الأوروبي (DSA)، ونسبة من فعّلوا هذا الخيار أقل من 5 - 10 في المائة»، حسب تقديرات باحثين من جامعة التكنولوجيا في سيدني (UTS) بأستراليا.

وأرجع أبو إبراهيم السبب إلى «الاحتكاك والفراغ». وشرح أن «الخلاصة الزمنية مملة. فإذا كنت تتابع 700 شخص، فسترى منشورات كثيرة غير مهمة، وستفوتك المنشورات المهمة، لأنها نُشرت قبل 8 ساعات... بينما الخوارزمية تمنحك دوباميناً فورياً، فكل سحب للشاشة يعطي شيئاً يعجب المستخدم».

غير أن الخبير التقني السعودي يرى أن أهمية القانون الأسترالي لا تكمن في نسب تفعيل الخدمة، بل «هذا هو أول مقياس لتجربة إنترنت من دون خوارزميات على مستوى دولة كاملة، حتى النسب المحدودة التي يُتوقع أن تتبع الترتيب الزمني، هم عينة ثمينة لمعرفة الأثر النفسي الحقيقي». ثم أشار إلى دور هذا الاتجاه في الحدّ من المنشورات المثيرة والجدلية، فقال: «أتوقع أن يقل هذا النوع من المنشورات بشكل كبير، ليس لأنه سيختفي، بل لأنه لن يجد من يضخمه، فالخوارزمية لا تصنع المحتوى المُحرض، بل هي مُكبر صوت له»، بحسب رأيه.

هذا، وجرى تطبيق الترتيب الخوارزمي في البداية لمعالجة مشكلة إغراق المحتوى داخل التغذية الإخبارية. ووفق بيان سابق لشركة «فيسبوك» عام 2014، فإنها احتاجت إلى تطبيق الاختيار الخوارزمي لأن المستخدمين كانوا يتابعون عدداً كبيراً جداً من الأشخاص والصفحات داخل التطبيق.

وذكرت «فيسبوك» حينها أنه «في كل مرة يزور فيها أحدهم صفحة الأخبار الرئيسية، يكون أمامه في المتوسط 1500 منشور محتمل من الأصدقاء والأشخاص الذين يتابعهم والصفحات، ومعظم الناس لا يملكون الوقت الكافي لرؤيتها جميعاً».

وتابعت أن هذه الخطوة نجحت بالفعل، ففي السابق كان المستخدمون يقرأون 57 في المائة فقط من القصص بصفحاتهم الإخبارية في المتوسط، ولم يكونوا يمررون الصفحة بما يكفي لرؤية النسبة المتبقية، البالغة 43 في المائة. وعندما أُعيد إظهار القصص غير المقروءة ارتفعت نسبة القصص المقروءة إلى 70 في المائة.

الحسيني موسى، خبير تحليلات الإعلام الرقمي وقياس الأداء، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الخوارزمية ليست السبب الوحيد في انتشار المحتوى المثير والاستقطابي... لأن المحتوى المستقطب موجود بالفعل، لاعتبارات السياسة وسلوكيات المستخدمين ورغبة بعض صُناع المحتوى في جذب الانتباه، لكن أنظمة التوصية تقوم باختيار المحتوى وتصفيته وتخصيصه لكل مستخدم ومنح أولوية الظهور على حسب التفاعل وحجمه».

وعن تفضيل منصات التواصل الاجتماعي للترتيب الخوارزمي، أرجع موسى ذلك «لكون السيطرة على الخوارزمية تمسّ جوهر نموذج عمل المنصات وربحها». وأضاف: «الخلاصة الخوارزمية ليست مجرد ترتيب للمحتوى، هي أداة لإطالة وقت بقاء المستخدم وزيادة التفاعل وتحسين استهداف الإعلانات، في حين يتم منح المستخدم خياراً واضحاً وسهلاً لتقليل التوصيات أو العودة لترتيب زمني قد يقلل حجم التفاعل الذي تعتمد عليه المنصة تجارياً».

ثم لفت إلى أن الجهات التنظيمية، مثل «مفوض السلامة الإلكترونية الأسترالي»، تطالب بأن تكون سلامة المستخدم ومصالحه وحقوقه أولوية في تصميم أنظمة التوصية، وأن يحصل المستخدم على تحكم أكبر وشفافية أوضح، بينما تميل المنصات إلى الحفاظ على النموذج الذي يحقق أعلى وقت استخدام وأعلى عائد إعلاني.


ترمب والإعلام... معركة تتمدّد داخل الإدارة

مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)
مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)
TT

ترمب والإعلام... معركة تتمدّد داخل الإدارة

مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)
مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)

أن يقاضي ناشر صحيفة عسكرية ورئيس تحريرها ومراسلة فيها الوزارة التي تمولها، ليس نزاعاً وظيفياً مألوفاً في واشنطن. لكن إقالة مسؤولي «ستارز آند سترايبس»، بعد دفاعهم عن استقلالها التحريري، وضعت البنتاغون (وزارة الحرب الأميركية) أمام سؤال يتجاوز مصير ثلاثة موظفين: أين تنتهي سلطة الوزارة في إدارة الصحيفة، وأين يبدأ تدخلها في مضمونها؟

تزداد دلالة القضية لدى تزامنها مع قيود على حركة مراسلي الدفاع، واستبعاد صحافيين من اجتماعات لوزارة الخزانة، وتجدد دعاوى الرئيس دونالد ترمب على مؤسسات إعلامية، فضلاً عن تغييرات واسعة في قيادة المؤسسة العسكرية. بالتالي، بين تأكيد الإدارة أنها تحمي المعلومات الحساسة وتفرض الانضباط، وتحذير منتقديها من إخضاع الإعلام والمؤسسات لاختبارات الولاء، بات الخلاف يدور حول الجهة التي ترسم حدود الخبر المستقل عندما تكون الحكومة مموّلاً للصحيفة، ومصدراً للمعلومة، وموضوعاً للتغطية في الوقت نفسه.

إريك سلافين (ستارز آند سترايبس)

استقلال على المحك

بدأت القضية عندما أخطرت وزارة الحرب ناشر «ستارز آند سترايبس» ماكس ليديرر، ورئيس تحريرها إريك سلافين، والمراسلة لارا كورتي، بإنهاء خدماتهم في 21 أغسطس (آب) المنصرم، عازية القرار إلى «العصيان».

وذكرت تقارير صحافية أن كورتي وسلافين كانا قد دافعا في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» عن استقلال الصحيفة، ورفض ليديرر طلباً بإقالتهما. وردّ الثلاثة برفع دعوى اتحادية اتهموا فيها الوزارة بالانتقام منهم بسبب كلامهم، وبسبب تغطية أوضاع البحارة على حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لنكولن» إبّان مهمتها الطويلة المرتبطة بـ«حرب إيران». أما «البنتاغون» فلم يعلق على الاتهامات التفصيلية، وتمسّك بوصف المخالفة إدارياً.

ومنح تدخل القضاء القضية بعداً يتجاوز نزاعاً وظيفياً. فقد وافقت الوزارة على إبقاء الثلاثة في إجازة إدارية وتأجيل تنفيذ الإقالة حتى جلسة عقدت في 4 سبتمبر (أيلول) الحالي. وقضت المحكمة بالسماح مؤقّتاً بالمضي في الإقالات، ليس بسبب حق «البنتاغون» في الرقابة، بل لأن كلام كورتني وسلافين مع الشبكة جاء ضمن واجباتهما الوظيفية، لا بصفتهما مواطنين يحظون بحماية التعديل الدستوري الأول. ومع ذلك لم يحسم الحكم أصل الدعوى المتعلق باستقلالية الصحيفة.

لارا كورتي (بوليتيكو)

خصوصية النزاع

خصوصية النزاع أن «ستارز آند سترايبس» ليست صحيفة خاصة عادية ولا نشرة علاقات عامة عسكرية. بل هي مموّلة جزئياً من وزارة الحرب، لكن القواعد الناظمة لعملها تشدد على تدفق الأخبار من دون إدارة أو رقابة، وعلى عدم حجب الأخبار السلبية عمداً. ولهذا أثارت خطة «التحديث» التي بدأها «البنتاغون» هذا العام اعتراضات واسعة: فلقد قيّدت استخدام وكالات الأنباء، وربطت المحتوى بمقتضيات «النظام والانضباط»، وأُقيلت أمينة المظالم المكلفة حماية الاستقلال، ثم عُيّن ضابط في الخدمة نائباً للناشر. وتدّعي الوزارة أن على الصحيفة أن تحمي المعلومات المصنّفة (سرّيةً أو شبه سرّية) وتتفادى ما يضرّ بالأمن القومي؛ لكن المُعترضين يخشون أن يتحوّل معيار أمني مشروع إلى باب فضفاض للتدخل في الاختيارات التحريرية.

ماكس ليديرر (ستارز آند سترايبس)

من «البنتاغون»... إلى الخزانة

لا تقف المسألة عند الصحيفة العسكرية. فمنذ الخريف الماضي، فرض «البنتاغون» قواعد اعتماد اعترضت عليها معظم المؤسسات الكبرى، بما فيها وسائل محافظة، لأنها قد تعرّض الصحافي لفقدان بطاقته إذا سعى إلى معلومات لم تجز الوزارة نشرها، حتى عندما لا تكون سرية.

وفي مارس (آذار) قضت محكمة اتحادية بأن أجزاء من السياسة تنتهك التعديلين الأول والخامس، لكن الوزارة أصدرت قواعد بديلة شملت تقييد الحركة واشتراط المرافقة. ثم في يونيو (حزيران)، صُنّف المكتب الصحافي مساحة مخصّصة للتعامل مع معلومات حسّاسة، ومُنع المراسلون من دخوله.

وهكذا انتقل الخلاف من سؤال حول حماية الأسرار إلى سؤال أوسع عن مقدار الوصول اللازم كي تظلّ الرّقابة الصحافية ممكنة. وامتد الجدل إلى وزارة الخزانة التي رفضت اعتماد مراسلين من صحيفتي «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» وقناة «بلومبرغ» لتغطية اجتماعات وزراء مالية «مجموعة العشرين» في مدينة آشفيل بولاية نورث كارولينا. وأفادت الخزانة بأن نحو 300 إعلامي من 12 دولة حصلوا على وصول واسع، وأن التغطية ينبغي أن تلتزم الوقائع لا أن تطارد النقرات والإثارة. كذلك ذكّر الوزير سكوت بيسينت بأن الاستبعاد لا يتعلّق بوجهات النظر، لكن الوزارة لم تقدّم تفسيراً محدداً لاختيار المراسلين المُستبعَدين، ما أبقى الشُّبهة قائمة لدى المؤسّسات الثلاث، لا سيما مع وجود حرب وعقوبات وتضخّم وأسواق سندات على جدول الاجتماع.

من جانب آخر، حدّث ترمب دعوى تشهير يطالب فيها «نيويورك تايمز» ودار «بنغوين راندوم هاوس» للنشر بـ15 مليار دولار، مضيفاً تفاصيل يدّعي أنها تثبت تعمّد الإضرار بسمعته التجارية والسياسية. ويُذكر أنه سبق للمحكمة رفض الصيغة الأولى لإفراطها في الطول والاستطراد، قبل إعادة تقديمها؛ في حين تؤكد الصحيفة دقة عملها، وتقول إن الشكوى لا تثبت «سوء النّية الفعلي» المطلوب قانوناً. وللعلم، الدعاوى حقٌ متاح لأي متضرِّر، لكن كثرتها، مقترنة بقيود الوصول، هي ما يدفع منظّمات الصحافة إلى التحذير من أثر «ترهيبي» حتى عندما تنتهي بعض القضايا بالرفض.

كلّما اتسع إطار الإقالات وضاقت قنوات الصحافة صار أصعب على الجمهور والكونغرس التمييز بين إصلاح مهني وإعادة تشكيل سياسي

اختبار حياد المؤسسة

في أي حال، تكتسب معركة الإعلام هذه حساسيتها الأكبر لأنها تتزامن مع تغيير واسع في قيادة المؤسّسة العسكرية. ووفق إحصاء نشرته قناة «سي بي إس نيوز»، غادر أو أُقيل ما لا يقل عن 20 جنرالاً وأميرالاً ومسؤولاً مدنياً منذ تولّي بيت هيغسيث وزارة الدفاع، أي ما يعادل 10 في المائة من أفراد القيادة. وجاءت استقالة وزير الجيش دان دريسكول يوم 31 أغسطس، بعد إقالة رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج، لتعمّق الأسئلة حول مسار التحديث والقيادة خلال الحرب.

ويرى منتقدون ديمقراطيون ومسؤولون سابقون أن الإقالات تُضعِف الخبرة وتقرّب المؤسّسة من اختبارات الولاء، بينما يملك الرئيس ووزير الدفاع قانوناً سلطة تغيير كبار القادة، وتقول الوزارة إن الحديث عن الفوضى «لا أساس له»، وإنها تعيد التركيز على الجاهزية و«روح المحارب». أيضاً، لا تثبت التغييرات، بمجرد حدوثها، أن كل قائد أُبعِد لأسباب حزبية، مثلما لا تجعل كل قاعدة أمنية عملاً من أعمال الرقابة. لكن المشكلة تكمن في الأثر التراكمي وفي نقص التفسيرات العلنية. ذلك أنه كلّما اتسع إطار الإقالات وضاقت قنوات الصحافة، صار أصعب على الجمهور والكونغرس التمييز بين إصلاح مهني وإعادة تشكيل سياسي. ثم إن التقارير عن تعيين شخصيات إعلامية مُتماهية مع خطاب «ماغا» السياسي اليميني في وظائف مدنية داخل «البنتاغون»، واستمرارها في الترويج لهيغسيث ومهاجمة منتقديه، تعزّز الانطباع بأن المسألة تتعلّق بإدارة الرواية أيضاً، لا بضبط التسريبات فحسب.

بناءً عليه، يرى المُنتقدون أن القضية لا تدور في جوهرها حول امتيازات المراسلين، بل حول علاقة السلطة بالمعلومة في زمن حرب. فالإدارة تستطيع وضع قواعد لحماية الأسرار ومحاسبة الموظفين، لكن هذه السلطة تُصبح موضِع شكٍ عندما تغيب المعايير المُتساوية والتفسيرات القابلة للفحص. وستحدِّد المحاكم والكونغرس، بقدر ما تحدد قرارات «البنتاغون»، ما إذا كانت «ستارز آند سترايبس» ستبقى نموذجاً لصحافة مستقلّة داخل مؤسّسة عسكرية، أم تتحوّل إلى علامة على أن إعادة تشكيل واشنطن شملت أيضاً تضييق المسافة بين الخبر الرسمي والخبر المستقلّ.