الأكراد.. مشكلة تركيا المستعصية

هاجس «كردستان الكبرى» في قلب تطورات الشرق الأدنى

الأكراد.. مشكلة تركيا المستعصية
TT

الأكراد.. مشكلة تركيا المستعصية

الأكراد.. مشكلة تركيا المستعصية

وصل رجل أعمال جديد، انضم لصالون الضيافة، فارتفعت حرارة النقاش. في إحدى الضواحي المشيدة (مقدمة)
بلورت الحكومة التركية موقفًا جديدًا قديمًا من المسألة الكردية، التي كانت ولا تزال محورا من محاور الاضطراب والقلاقل في منطقة الشرق الأدنى، ومصدر معاناة لنحو 20 في المائة من سكان تركيا من ذوي الأصول الكردية، مكررة القول إنه «لا توجد في تركيا مشكلة كردية». والواقع أن الحكومة التركية ردّدت غير من مرة في الأيام الأخيرة على لسان رئيس الوزراء بينلي يلدريم، أنه لا يوجد في تركيا مشكلة كردية، وأن المواطنين الأكراد أنفسهم يعانون بسبب نشاط منظمة حزب العمال الكردستاني، التي تصنفها السلطات التركية «منظمة إرهابية»، وأعلنت أنها ستتبع خطة جديدة لربط شرق وجنوب شرقي تركيا بغربها وتحقيق المستوى نفسه من الخدمات.
مثّلت انتخابات السابع من يونيو (حزيران) الماضي في تركيا منعطفًا كبيرًا غيّر من مسار التعامل مع المشكلة الكردية في تركيا، عندما أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أن مفاوضات السلام الداخلي التي كانت انطلقت منذ عام 2012، وشهدت تصاعدا كبيرا خلال العامين 2014 و2015، قد جمّدت و«دخلت الثلاجة» وأنه «لا يوجد في تركيا ما يسمى بالمشكلة الكردية».
وعقب التحوّلات في نظرة السلطات التركية للمشكلة الكردية القائمة منذ عشرينات القرن الماضي، عادت منظمة حزب العمال الكردستاني إلى التصعيد مجددًا، وأعلنت في العشرين من يوليو (تموز) 2015 إنهاء الهدنة التي كانت أعلنتها تزامنًا مع مرحلة مفاوضات السلام الداخلي، وصعّدت من عملياتها التي تستهدف الجيش وقوات الأمن التركية. وفي الشهر الماضي قرّرت إدخال تغيير نوعي على عملياتها عبر إعلان القيادي بالمنظمة، جميل باييك، نقل عمليات المنظمة إلى داخل المدن لاستهداف قوات الأمن.
وفعلاً، نفذت المنظمة في أغسطس (آب) الماضي أكثر من عملية استهدفت مراكز الشرطة في مدن شرق تركيا وجنوب شرقها، منها استهداف مديرين أمن الازيغ بسيارة مفخخة؛ ما أوقع 3 قتلى و217 مصابًا، 85 منهم من الشرطة والباقي من المدنيين، و«عملية جيزرة» (جزيرة ابن عمر) في شيرناق جنوب شرقي تركيا، التي نفذت بالطريقة نفسها، وقتل فيها 11 شرطيا.
مع هذا، وبالتوازي مع دعوة صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي - الحزب الكردي الأبرز في تركيا - إلى العودة لعملية السلام الداخلي في البلاد، فإن حكومة يلدريم تبدو عازمة الآن على العودة إلى طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى حل للمشكلة الكردية، وهو ما أكده أيضا الرئيس إردوغان. ولقد اعتبر دميرطاش، من جانبه، أن «القضية الكردية في تركيا هي بمثابة جرح تقوم بعض الجهات بوخزه؛ لذا لا بد من العودة إلى طاولة المفاوضات وعملية السلام».
* الحقوق الغائبة
في نهاية عام 2012، تحدثت تقارير إعلامية عن لقاءات مكثفة بين الاستخبارات التركية وبعض قادة منظمة حزب العمال الكردستاني في العاصمة النرويجية أوسلو؛ الأمر الذي نفاه المتحدث باسم الحكومة التركية آنذاك نائب رئيس الوزراء بولنت أرينتش. لكن ما لبث أن عاد رئيس الوزراء التركي - وقتها - رجب طيب إردوغان ليعلن صحة ما سبق تداوله عبر الإعلام.
وأقر إردوغان بوجود «محاولات لبسط أرضية سلام توافقية» بين الحكومة وقادة حزب العمال الكردستاني خلال لقاء مع التلفزيون الرسمي التركي «تي آر تي» بتاريخ 28 ديسمبر (كانون الأول) 2012، وأشار إلى وجود لقاءات مباشرة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني لطي صفحة النزاع المسلح وبدء صفحة جديدة تحمل عنوان «عملية السلام».
وفي هذا الوقت أيضا استطاعت الحكومة التركية أن تقرّ عبر البرلمان حزمة إصلاحات ديمقراطية استهدفت منح بعض الحقوق للأكراد، وتضمنت إمكانية تعلّم اللغة الكردية، وحق التحدث باللغة الكردية في المحاكم والمؤسسات الرسمية والمناطق العامة، وحق ممارسة الدعاية السياسية الانتخابية باللغة الكردية، وإقامة عدد من المشروعات لتوفير فرص العمل في المناطق ذات الأغلبية الكردية، كذلك أعيد إطلاق الأسماء الكردية القديمة لبعض القرى في شرق وجنوب شرقي تركيا.
* أسباب التراجع
واليوم يثور في الأوساط السياسية الكثير من التساؤلات حول أسباب التراجع، بل الانقلاب المفاجئ في موقف منظمة حزب العمال الكردستاني عقب انتخابات السابع من يونيو 2015.
ولقد تناول ميديام يانيك، الباحث في مركز الدراسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التركي «سيتا»، الأسباب التي دفعت حزب العمال الكردستاني إلى الانقلاب على عملية السلام في دراسة أكاديمية أدرجت تحت عنوان «لماذا انقلب حزب العمال الكردستاني على عملية السلام؟» وعدّد الكثير من الأسباب لهذا التراجع، في مقدمتها ضلوع عناصر من حزب العمال الكردستاني في إدارة منطقة شرق وجنوب شرقي تركيا بصورة مستقلة وبشكل تعسفي، حيث كان يقوم أفراد حزب العمال الكردستاني بجباية الضرائب ومحاكمة المواطنين القاطنين في تلك المناطق بشكل جائر، وغيرها الكثير من الأفعال غير القانونية، وعلى الرغم من مطالبة الحكومة التركية لهم للتوقف عن هذه الإجراءات التي تتعارض مع مبادئ عملية السلام.
ويقول يانيك إن «النزاع بين الطرفين بهذا الخصوص كان محتدمًا قبل الانتخابات ببضعة أشهر، وأبدت الحكومة التركية مرونة تامة إزاء هذه الأحداث، وانتظرت من منظمة حزب العمال الكردستاني موقفا مقابلا، لكنها تعنتت واختارت طريق الانقلاب على عملية السلام، لتحقيق حلمها فيما يتعلق بالاستقلال الذاتي التام؛ استنادا إلى الظروف التي باتت مواتية في المنطقة».
* هاجس «كردستان الكبرى»
ثم، مع التطورات في سوريا والعراق، بدأت تركيا تشعر بالقلق من احتمالات تحقق مشروع «كردستان الكبرى»، ولا سيما مع بدء نشاط منظمة حزب العمال الكردستاني لفرض سيطرتها على مناطق في شرق تركيا وجنوب شرقها بالقوة، ونصب حواجز وحفر خنادق لتكريس سلطتها التعسفية في هذه المناطق. وحسب يانيك، فإن «هذه النقطة، أي الحديث عن إقامة كيان فيدرالي كردي في سوريا إلى جانب إقليم كردستان ذي الحكم الذاتي في العراق، هي إحدى النقاط الأساسية التي أقلقت تركيا». ومن ثم استطرد شارحًا «إن السيادة المحورية الكردية التي تحققت في إطار عمليات كوباني (عين العرب) و(ثورة روج آفا) (الشمال محافظتي الحسكة والرقة) في سوريا، والدعم الأميركي والروسي الوفير لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا وذراعه العسكرية ميليشيا (وحدات حماية الشعب) الكردية، وكذلك التعاطف العالمي الضخم تجاه النجاح الذي حققه المقاتلون الأكراد ضد تنظيم داعش الإرهابي.. كل هذه كانت عوامل حفّزت حزب العمال الكردستاني لقلب طاولة الحوار والعودة إلى السلاح في تركيا، لإعلان الاستقلال في ذلك الوقت الذي يعد الأكثر مناسبة في تاريخ النزاع الكردي».
* ارتباك تركي
لقد بدا من خلال التطورات الأخيرة مدى حالة القلق التي تنتاب صنّاع القرار في تركيا من احتمالات أن تؤدي الامتدادات التي تحظى بها منظمة حزب العمال الكردستاني في العراق وسوريا وإيران، إلى توحيد مناطق الكثافة الكردية في البلدان الثلاثة. إن القواسم الثقافية والعشائرية التي تربط أكراد تركيا والأكراد في الدول الثلاث دفعت بقمة السلطة في تركيا إلى حالة من الارتباك في التعامل مع ملف المسألة الكردية داخليًا. وأطلقت القوات المسلحة وقوات الأمن التركية عملية عسكرية موسعة منذ 17 ديسمبر (كانون الأول) 2015، للقضاء على عناصر حزب العمال الكردستاني المتحصنة داخل بعض المدن التركية. وأدت هذه العملية التي استهدفت إزالة مظاهر «الحكم الذاتي» التي سعت المنظمة لتثبيتها داخل أحياء بعض البلدات الكبيرة، ولا سيما في شيرناق وبلدة جيزرة (جزيرة ابن عمر) تحديدا، وكذلك في مدينتي ماردين وديار بكر وغيرهما، إلى واقع مأسوي بالنسبة للسكان الذين اضطر عشرات الآلاف منهم إلى النزوح من قراهم للتوجه إلى مناطق آمنة.
وكشفت جمعية حقوق الإنسان التركية، فرع مدينة ديار بكر بجنوب شرقي تركيا، في تقرير لها بمناسبة «اليوم العالمي للسلام» الموافق الأول من سبتمبر (أيلول)، عن أن العمليات العسكرية في جنوب شرقي تركيا والاشتباكات مع عناصر المنظمة منذ يوليو من العام الماضي أسفرت عن سقوط 1551 قتيلا و1683 جريحا من مدنيين ورجال شرطة وجنود وعناصر تابعين للمنظمة.
وأضاف التقرير أن «الإجراءات القضائية والإدارية التي اتخذت خلال تلك الفترة تضمنت توقيف 7884 شخصًا، من بينهم 275 طفلا واعتقال 1959 شخصا، من بينهم 81 طفلا، وفتح تحقيقات إدارية مع 13067 موظفا حكوميا بسبب مشاركتهم في مظاهرات ووقفات في أنحاء مدن جنوب شرقي تركيا».
ومع استمرار العمليات العسكرية وإخفاقها في تحقيق النتائج المرجوة على مدى نحو 4 أشهر، أعلن رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود أوغلو أنه في حال تخلي حزب العمال الكردستاني عن سلاحه وإخراج عناصره من تركيا بشكل كامل، يمكن لعملية السلام أن تعود تدريجيًا إلى التفاوض والمحادثات. غير أن الرئيس إردوغان سارع برد لاذع على هذه التصريحات، مؤكدا أنه لا يمكن إطلاقا الحديث عن بدء عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني من جديد.
وسبق هذا تنافر الرؤى حول «اتفاقية ضولمة بهجة»، التي وقعت في فبراير (شباط) 2015 بين الحكومة التركية برئاسة داود أوغلو وحزب الشعوب الديمقراطي لإتمام عملية السلام، لكن إردوغان اعترض عليها اعتراضا شديدًا، ولم يعمل بأي من مبادئها على الرغم من توقيع الطرفين عليها، وكان هذا سببا فيما بعد من بين أسباب كثيرة أدت إلى استقالة رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو. ومن ثم، مع تولي حكومة بينلي يلدريم في مايو (أيار) الماضي خلفا لحكومة داود أوغلو بدأ الحديث عن أنه «لا وجود مشكلة كردية في تركيا» لكي تجرى مفاوضات لحلها.
* جذور المشكلة
لا يختلف الخبراء والمتابعون للشأن التركي على أن المشكلة الكردية هي أكبر مشكلات تركيا منذ تأسيسها عام 1924 وحتى اليوم. ولقد رأى مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال «أتاتورك» أن التنوع العرقي والإثني الذي تميّزت به الدولة العثمانية كان أحد أسباب سقوطها، وبالتالي، يجب على الجمهورية التركية الوليدة مواجهة ذلك الأمر لتجنب المصير نفسه. وعلى هذا الأساس، أنكرت تركيا منذ نشأتها تنوّعها العرقي، واعتبرت كل مواطن يعيش داخل حدودها «تركيًّا» بغض النظر عن جذوره ولغته الأم.
واتبع خلفاء «أتاتورك» النهج نفسه وبأساليب أكثر تشددًا وإجحافًا؛ ما أدى إلى التنكر لحقوق الأقليات العرقية في تركيا من عرب وشركس ولاز (قوقازيون) وبوشناق (بوسنيون)، وكذلك الأكراد الذين يشكلون أكبر أقلية؛ كونهم يمثلون 20 في المائة من سكان تركيا البالغ 78 مليونا.
ولم يتوقف الأمر عند حد إنكار الحقوق الثقافية والاجتماعية لأكراد تركيا، ولا حتى حقوقهم السياسية، بل وصل إلى إهمال وتهميش شبه متعمدَين لمناطق جنوب تركيا وجنوب شرقها، حيث يشكل الأكراد غالبية السكان؛ ولذلك تراكمت مشاعر الغضب بين الأكراد الذين رأوا أنهم يعاملون بصفتهم مواطنين من الدرجة الثانية في البلاد.
ومع انتشار المد اليساري في العالم في ستينات وسبعينات القرن الماضي، احتكرت الحركة السياسية اليسارية الكردية التكلم باسم أكراد تركيا، وأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، وما لبث أن بدأ حرب عصابات ضد الدولة التركية عام 1984 كلفت تركيا حتى الآن حياة أكثر من 40 ألف شخص، وأكثر من 500 مليار دولار، فضلا عن الاضطراب السياسي والشرخ الاجتماعي.
* تاريخ المفاوضات
سعت تركيا مرتين من قبل خلال حكم تورغوت أوزال في الثمانينات، ثم في فترة رئيس الوزراء الراحل نجم الدين إربكان لحل المشكلة الكردية عبر مفاوضات السلام، لكن لم يكتب للمحاولتين النجاح. واستمر الفشل إلى أن قرر حزب العدالة والتنمية، الذي تولى السلطة في عام 2003 حل المشكلة الكردية داخليًا، باعتراف رئيسه رجب طيب إردوغان عام 2005 بوجود «مشكلة كردية» في تركيا، وباشر سلسلة من الإصلاحات الدستورية والديمقراطية جنبا إلى جنب مع عشرات المشروعات الاقتصادية والتنموية في مناطق الأغلبية الكردية.
وبعد سنوات من المفاوضات السرية مع زعيم حزب العمال المسجون في تركيا عبد الله أوجلان، أطلقت الحكومة ما أسمتها «عملية التسوية» بعد دعوة واضحة من الأخير لأعضاء حزبه بترك السلاح والانخراط في العملية السياسية عام 2013، لكن الهدنة التي استمرت سنتين لم تصمد طويلا على وقع التطورات المتسارعة في الجارة سوريا؛ إذ رأت الحركة الكردية أن ضعف قبضة الدولة المركزية في سوريا فرصة تاريخية قد تتيح للأكراد، للمرة الأولى في تاريخهم، بإنشاء دولة خاصة بهم في الشمال السوري؛ الأمر الذي انعكس على قرار الحركة السياسية الكردية في تركيا بشقيها: العسكري المتمثل بحزب العمال، والسياسي المتمثل بحزب الشعوب الديمقراطي.
* مخاوف التدويل
لا تشك أنقرة في أن هناك تنسيقًا بين الأكراد على طرفي الحدود التركية – السورية، أي بين منظمة حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا.
ويرى خبراء، أن المشكلة الكردية بأبعادها الحالية تحمل بذور تدويل المشكلة، وأن ذلك لو حدث سيشكل خطرا على تركيا في ظل حالة الجفاء بينها ومعظم حلفائها التقليديين، الذين يقدّمون الدعم السياسي والعسكري للفصائل الكردية المسلحة في سوريا المصنفة على قوائم الإرهاب في تركيا.
وفوق ذلك، تبدو الحكومة التركية تميل في تعاملها مع الأزمة من رؤية المؤسسة العسكرية بعدما جربت رؤيتها الخاصة في الحل لسنوات عن طريق المفاوضات التي انتهت إلى إعلان الساسة الأتراك، وفي مقدمتهم إردوغان، أنه «لا توجد مشكلة كردية في تركيا» رغم اعترافهم بوجود مشاكل كثيرة للأكراد.
* سبل الخروج
تركيا، في الواقع، تفتقر حتى الآن إلى دستور يكرس مبدأ المواطنة ويراعي التنوع الثقافي والعرقي والإثني في البلاد. ويقول وحيد الدين إنجة، الباحث المتخصص بالشؤون الكردية إن «إقامة منطقة حكم ذاتي للأكراد أمر غير واقعي؛ لعدم وجود مؤشرات تدل على إمكانية نجاح تلك المساعي، فضلا عن استحالة سلخ مناطق جغرافية عن دولة قوية عسكريًا واقتصاديا مثل تركيا عبر صدام مسلح».
وأضاف إن «هذا المسعى سيتسبب في الضرر للأكراد بدلا من أن ينفعهم؛ لأن الجماعات التي تطالب بالحكم الذاتي لا تملك المقومات للحفاظ عليه. وبالتالي، فإن الهدف من هذا الإعلان هو الحفاظ على المناطق التي يعدها حزب العمال الكردستاني وتفرعاته مكتسبات في الشمال السوري».
وقلل إنجة من أهمية إعلان حزب العمال الكردستاني الانفصال، ومقابلته من الحكومة بالإعلان عن اجتثاث مقاتلي الحزب، مؤكدا أنها مجرد تصريحات إعلامية يقابلها إدراك الطرفين بأنهما يخوضان حربا «لا غالب فيها ولا مغلوب». وأشار إلى أن «هناك مطالب حقوقية للأكراد، لا يمكن التعامل معها بالنهج العسكري الذي فشل طوال أربعين سنة في عهد (تركيا القديمة الكمالية)، رغم إدراك الجميع حق الدولة في منع حمل السلاح بوجهها»، داعيا الجميع إلى سلوك طريق ثالث لحل الأزمة دون سلاح.
من جهته، رأى جان أجون، الباحث في علاقات الجوار التركي بمركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركي «ستا»، أن الاتحاد الديمقراطي، الذي يعدّ امتدادا لحزب العمال الكردستاني في سوريا، يخطط للانتقال إلى القسم الغربي للفرات وضم «جيب» عفرين لتكوين ممرّ في الجنوب التركي، ويرى أن تصعيد حزب العمال الكردستاني للمواجهات في تركيا تكتيك يهدف إلى تحويل الانتباه إلى الداخل، لتحقيق الاستراتيجية المتمثلة في حفظ مكتسبات في سوريا وضم عفرين إلى مقاطعاته.
ويستبعد أجون أن ينجح الحزب في هذا المسعى في مواجهة الدولة التركية التي نجحت من خلال عملية درع الفرات في جرابلس في قطع هذا الخط، فضلا عن أهمية التنسيق الذي بدأ أخيرًا مع إيران وكردستان العراق لتطويق احتمال إقامة كيان «كردستان الكبرى».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.