وزير خارجية قبرص لـ«الشرق الأوسط»: الرياض مفتاح المنطقة

شعرنا بقلق من الانقلاب الفاشل في تركيا بسبب وجود 43 ألف عسكري تركي على أرض الجزيرة

وزير الخارجية القبرصي إيوانيس كاسوليديس
وزير الخارجية القبرصي إيوانيس كاسوليديس
TT

وزير خارجية قبرص لـ«الشرق الأوسط»: الرياض مفتاح المنطقة

وزير الخارجية القبرصي إيوانيس كاسوليديس
وزير الخارجية القبرصي إيوانيس كاسوليديس

قبل ساعات من لقاء وزير الخارجية القبرصي إيوانيس كاسوليديس في الصباح الباكر الاثنين الماضي، بالعاصمة نيقوسيا، كانت الاتصالات مع ماريا باتورا مسؤولة الإعلام بالخارجية القبرصية تؤكد على ضرورة الحضور قبل لقاء الوزير بـ15 دقيقة الى مقر مدخل الوزارة الموجود بشارع الإدارات الحكومية «بريسدنشال افنيو» بوسط نيقوسيا. ووزير خارجية قبرص إيوانيس كاسوليديس كان مرتاحا للغاية وهو يتحدث عن العلاقات العربية القبرصية والتاريخية منذ عهد الرئيس الراحل المصري عبد الناصر والأسقف مكاريوس، في مكتبه بمقر الوزارة الذي لا يبعد سوى أمتار قليلة عن القصر الرئاسي بوسط العاصمة نيقوسيا، وتعتبر قبرص من أوائل الدول التي اعترفت بفلسطين كدولة بعد أن رفعت مستوى التمثيل الدبلوماسي معها إلى درجة سفير، وتشعر في العاصمة نيقوسيا بالانضباط كعاصمة أوروبية عبر ممر ليدرا بالاس، وهو مقر للقوات الدولية حاليا، لكن العبور ميسر، حيث تقابلك ابتسامات وعبارات ترحيب مرسومة، تعبر عن التفاهم والتناغم الشديد بين الجانبين اليوناني والتركي لحل المشاكل العالقة في الجزيرة المتوسطية.
وفي الساعة التاسعة تماما، خرج الوزير كاسوليديس من مكتبه يرحب بابتسامة عريضة بصحيفة «الشرق الأوسط»، وتحدث الوزير لأكثر من ساعة ونصف الساعة عن العلاقات الطيبة لبلاده بالمنطقة العربية، وتطرق إلى لقائه مع الرئيس عبد الفتاح السيسي الشهر الماضي خلال زيارته للقاهرة بحضور سامح شكري وزير الخارجية وكذلك أحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة العربية. وأكد في حديثه عن آماله لأن يرفرف العلم السعودي فوق أراضي بلاده قريبا بافتتاح سفارة سعودية في نيقوسيا، بعد افتتاح 4 سفارات خليجية في عاصمة بلاده لقطر والإمارات والكويت وعمان، وأخرى مماثلة لبلاده في العاصمة الرياض، الأمر الذي تأخر رغم التبادل الدبلوماسي بين البلدين منذ سنوات طويلة. وأكد أن السعودية هي مفتاح المنطقة العربية. وفيما يلي نص الحوار:

* كيف كانت زيارتكم إلى مصر الشهر الماضي؟
- كان لقاء مثمرا للغاية. فلقد استقبلني الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس وزرائه وجمعتنا محادثات دافئة وودية مع وزير الخارجية سامح شكري. كما قمت بزيارة مبنى جامعة الدول العربية وأمينها العام السيد أحمد أبو الغيط. واسمح لي أن أقول أولا إن زيارتي لمصر جاءت ترسيخا للعلاقات المتبادلة بين البلدين، وكانت اللقاءات تحسبا للقمة المقبلة التي ستعقد في أكتوبر (تشرين الأول) بالقاهرة وتضم كلا من رئيس الوزراء اليوناني والرئيس القبرصي والرئيس المصري في سياق التنسيق الاستراتيجي الثلاثي الذي تتشكل معالمه بين هذه البلدان الثلاثة، وهو استمرار لما كان قد تقرر في أثينا العام الماضي.
وأحد الأهداف المرجوة من القمة المقبلة يعد جزءا من التعاون المشترك في مجال الأمن، والتعاون القائم بالفعل فيما يتعلق بقضايا الأمن بين البلدان الثلاثة من حيث مكافحة الإرهاب والتهديدات غير المتناظرة التي تواجه كل بلد منها على حدة. ولقد قررنا سويا في أثينا أنه ينبغي أن يكون هناك نوع من النتائج الملموسة واتفقنا بعد ذلك على مجالات سبل مكافحة الإرهاب وخاصة «داعش»، وقررنا المساعدة في زراعة أشجار الزيتون في شبه جزيرة سيناء، وإنشاء المزارع السمكية في مناطق معينة تحددها مصر، وخصوصا في محافظة بورسعيد. ومن أجل ذلك أردت التأكد من أن كل شيء يسير على ما يرام على نحو ما قررناه حتى يمكننا الإعلان الرسمي عن هذه النتائج. وهناك مجالات أخرى للتعاون بين هذه البلدان الثلاثة، ومن بينها تبادل الاجتماعات الوزارية التي تمت. وسنستقبل خلال هذا الأسبوع السيد وزير البترول المصري في زيارة رسمية إلى قبرص. ومصر هي من دول الجوار، ومن أهم وأكبر الدول في المنطقة، وتعتبر مركزا محوريا في أمن واستقرار المنطقة، وإننا نقدر كثيرا العلاقات الاستراتيجية التي تجمعنا بالقاهرة والتي تهدف إلى المساهمة في الاستقرار والأمن في منطقتنا، ولا سيما في حوض شرق البحر الأبيض المتوسط وما وراءه. ومن الناحية التقليدية، كانت مصر وقبرص من الدول ذات العلاقات الوثيقة والعميقة منذ عهد الرئيسين مكاريوس وعبد الناصر، ولقد أعيد تنشيط العلاقات الثنائية بين البلدين خلال السنوات القليلة الماضية. وإنني فخور حين أقول إنني أول وزير بالاتحاد الأوروبي يقوم بزيارة القاهرة في الثالث من سبتمبر (أيلول) من عام 2013 بعد شهرين فقط من الثورة الثانية للشعب المصري. سيكون المؤتمر المقبل في القاهرة إيذانا بتنفيذ المشروعات التي تقررت أول الأمر في أثينا العام الماضي.
* كيف سمعتم بمحاولة الانقلاب العسكري في تركيا؟
- أبلغنا بمحاولة للانقلاب العسكري تجري في تركيا عبر وسائل الإعلام بطبيعة الحال. وكنا قلقين للغاية من تداعيات الموقف. وكنا الأولى بالقلق من أية دولة أخرى نظرا لأننا لا نريد حكما عسكريا جديدا في تركيا، فهو من الأمور غير المقبولة جملة وتفصيلا ويعد أمرا رجعيا بالنسبة للفترة الراهنة التي نمر بها. ولقد شعرنا بنوع من الارتياح عند الإعلان عن فشل الانقلاب هناك، كما شعرنا بالارتياح كذلك لاستمرار الحكومة المنتخبة ديمقراطيا في تولي زمام البلاد. وكان هذا أول رد فعل من جانبنا على الأحداث. كنا قلقين للغاية لوجود جيش تركي قوامه 43 ألف جندي على أراضي جزيرة قبرص، وعندما تكون قوة بهذا الحجم من دون قيادة أو أوامر لعدة ساعات، فلا يعلم أحد من هناك ومن يدعم من. ولذا، وبطبيعة الحال، كنا في قلق عميق.
* هل أعلنتم حالة التأهب القصوى باعتبار أن هناك أكثر من 40 ألف جندي تركي يتمركزون على أراضي جزيرتكم في شمال قبرص؟
- لم نعلن حالة التأهب القصوى. ولم نكن نريد أن نتخذ أية تحركات من شأنها استفزاز الجانب الآخر. وكنا محافظين على ضبط النفس لأقصى درجة ممكنة. أجل، اتخذت قوات الحرس الوطني بعض التدابير الاحترازية، ولكنها كانت في حدود التدابير المناسبة التي لا تسبب أي قدر من القلق للجانب التركي من قبرص.
* هل تحدثتم مع المسؤولين الأتراك خلال أو عقب محاولة الانقلاب؟
- تحدثنا بصورة غير رسمية مع القيادة التركية القبرصية خلال الانقلاب. وتبادلنا الأنباء معهم بأن الأمر الراهن لا تأثير له علينا.
* هل توافقون على أن محاولة الانقلاب في 15 يوليو (تموز) في تركيا ربما تكون دفعة إلى الأمام في طريق تسوية المشكلة القبرصية باعتبارها وسيلة من وسائل استعادة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة؟
- ظلت المفاوضات في قبرص بين زعماء الطائفتين الكبيرتين جارية وبدرجة من التقدم الملموس طيلة الوقت. وتحتاج الأفكار إلى نوع من النضوج قبل أن تتحول إلى وسيلة من التقارب الفعلي. وكلما طال أمد المحادثات زادت وتيرة المخاطر من وقوع أحداث أو أمور غير مرغوب فيها، مثالا بتداعيات الانقلاب العسكري الفاشل. ولكن يجدر بنا القول إن هناك اجتماعات عقدت في أعقاب المحاولة الفاشلة بين الرئيس نيكوس اناستاسيادس والسيد مصطفى أقينجي، والتي ظهر من خلالها أنه لا شيء يؤثر سلبيا على المحادثات الجارية بين الجانبين.
والرغبة الصريحة التي أعرب عنها كلا الزعيمين هي الانتهاء من جولة المحادثات خلال العام الحالي، وتلك هي الرغبة الصريحة المعلنة. ودعوني أقول الآن إنه تم الاتفاق على 95 أو 98 في المائة من المسائل المشتركة ولم يتبق إلا القليل مما يمكن التفاوض بشأنه في عام 2017، وتكمن المشكلة إذا ما واجهنا حالة من الجمود ولم نتجاوزها سويا. فلقد حققنا قدرا معتبرا من التقدم حتى الآن.
* بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، كان المسؤولون القبارصة يشيرون إلى أنه ليس من الممكن لتركيا أن تضطلع بدورها المهم في الأمن وضمانات اتفاق التسوية القبرصي - التركي. فما رأيكم في ذلك؟
- كنا نقول هذا الأمر حتى قبل وقوع محاولة الانقلاب الفاشلة. وكنا نقول إننا نسعى نحو نظام أمني، بعد الاتفاق، من شأنه أن يجعل القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك يشعرون بنفس الدرجة من الأمان على حد سواء. أي الاتفاقية التي توحي، بوسيلة من الوسائل، بدرجة ملموسة من الأمن المتماثل بين الجانبين. ويتحتم علينا العثور على طريقة تُشعر كلا منا بالأمن على حد سواء.
* عقد الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس أول جلسة للمناقشات خلال الأسبوع الماضي بشأن الأراضي، والأمن، والضمانات. وكانت المرة الأخيرة التي نوقشت فيها تلك القضايا على مائدة المفاوضات في عام 2004. وبعد العطلة الصيفية، من المتوقع للزعماء من الجانبين الاجتماع لثماني مرات أخرى على مدى الأسابيع المقبلة، حيث يكرسون جزءا من المناقشات الثنائية لمعالجة تلك القضايا المهمة. فهل يمكن أن نتوقع التوصل لاتفاق في أي وقت قريب؟
- أعتقد أنه إذا توافرت لدينا الإرادة السياسية، وإذا تمكنا من الوصول إلى تفاهم مشترك بشأن قضية الأراضي والأمن، وهما من القضايا التي لم يتطرق إليها الجانبان بصرف النظر عن التطرق الأول للقضية، فسوف يكون المجال مفتوحا لأن نرى نهاية لهذا الطريق الطويل قريبا. وسوف يحدث هذا الأمر من دون شك خلال الأيام والأسابيع المقبلة. وفي يوم 14 سبتمبر (أيلول)، بعد سبع جلسات من المناقشات، سيقرر الزعماء من الجانبين الخطوات التالية المزمع اتخاذها. فإننا نبدأ بمعالجة النقاط الأولية من وجهة نظر الجانبين، ثم نحاول تضييق الفجوات والثغرات المشتركة في محاولة للوصول إلى درجة التقارب المنشودة. وذلك الأمر يحتاج إلى القليل من الوقت.
* كيف تتعامل قبرص مع أزمة الهجرة التي تواجه دول الاتحاد الأوروبي، والتي تضررت منها اليونان على نحو قاس وخاصة في الأسابيع الأخيرة؟
- قبرص هي أقرب دولة من دول الاتحاد الأوروبي إلى سوريا. وعلى الرغم من ذلك، ونظرا لكون قبرص جزيرة، لم تنلنا نيران الحرب الأهلية السورية حتى الآن. وبالتالي لم نتأثر كثيرا بأزمة المهاجرين عبر البحر الأبيض المتوسط. قد يأتينا قارب للمهاجرين بين الفينة والفينة. ولكن نظرا لأننا جزيرة، فلسنا على درجة عالية من الجاذبية بالنسبة للمهاجرين. والسبب الحقيقي وراء ذلك أن المهاجرين يسعون للوصول إلى الدول الغنية في الاتحاد الأوروبي، مثالا بألمانيا والسويد وغيرهما. وهم لا يسعون للمجيء إلى قبرص لأن وصولهم إلى هنا يعني أن يظلوا عالقين هنا. فليس لهم هنا سوى حق اللجوء السياسي وبموجبه لا يمكنهم مغادرة الجزيرة.
ولا يمكنهم الذهاب إلى أبعد من ذلك. ولقد قرر الاتحاد الأوروبي سياسة التوزيع العادل للمهاجرين بين الدول الأعضاء في الاتحاد. أما بالنسبة لقبرص، ووفقا لقوانين الاتحاد، فمن المقرر لنا أن نستقبل 500 مهاجر فقط. ولقد طلب منا الاتحاد الأوروبي مرتين الذهاب واستقدام المهاجرين الموجودين على البر الرئيسي في أوروبا، ولم يقبل منهم المجيء سوى 6 مهاجرين فقط. ولقد تلقينا الدعوة مجددا لاستقدام 129 مهاجرا آخرين من اليونان، أما الباقون فقد رفضوا المجيء إلى الجزيرة.
* صرحت شركة النفط والغاز الإيطالية العملاقة (إيني) بأنها سوف تبدأ أعمال الحفر الاستكشافية قبالة سواحل جنوب قبرص بدءا من العام المقبل، وذلك في أعقاب الاجتماع المنعقد بين رئيس الشركة والرئيس القبرصي. فكيف لذلك الأمر أن يؤثر على قبرص؟
- تعلمون جيدا أنه بعد الكشف المهم في المنطقة الاقتصادية الحصرية المصرية استخدمت شركة إيني نموذجا جيولوجيا جديدا في هذا الاكتشاف، والذي أثبت أنه ينبغي أن يكون هناك المزيد من احتياطيات الغاز الطبيعي في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، سواء في المنطقة الاقتصادية الحصرية المصرية أو القبرصية أو الإسرائيلية، تاركا لبنان بمفردها والتي قد تكون لها احتياطياتها المحتملة. وبالتالي أعربت العديد من الشركات عن رغبتها في أعمال الحفر في المنطقة، ومن بينها شركة إيني بالنسبة للمناطق الاقتصادية الحصرية الثلاث التي تم تعيينها إليهم.
ولقد جرت منافسة بالنسبة للمناطق الجديدة في قبرص عادت بنتائج جيدة للغاية، حيث أعربت شركات مثل إكسون موبيل، وشركة على علاقة بالشركة القطرية للنفط، وشركة توتال عن اهتمامها بالأمر. ونظرا لأن العديد من الشركات قد أعربت عن رغبتها في الأمر، فسوف يكون هناك إعلان امتيازات جديدة ومهمة خلال العام المقبل وتكليف بعض الشركات بأعمال الحفر في مناطق معينة.
وهذا من الأمور ذات الأهمية الكبيرة. ليس بالنسبة للآفاق الاقتصادية المنتظرة فحسب، ولكن بالنسبة لازدهار مستقبل الجزيرة والذي سوف يعود بالفائدة على الطائفتين الكبيرتين في قبرص، وسوف يكون من العوامل المضافة لضرورة الاتحاد وعدم الانقسام.
بدءا من مارس (آذار) عام 2017 فصاعدا، سوف يكون الأمر لدى الشركات النفطية لاتخاذ القرار فيه. فهناك خيار خطوط الأنابيب التي يمكن مرورها عبر تركيا إذا ما كان هناك حل للمشكلة القبرصية. كما أن هناك ذلك المشروع المتعلق باليونان. وهناك أيضا خيار الغاز الطبيعي المسال لتصدير الغاز بواسطة الناقلات، في حالة وجود محطة للغاز الطبيعي المسال بطبيعة الحال. وهناك محطتان من ذلك النوع في انتظارها في مصر. ونحن نجري المفاوضات حاليا بشأن المنطقة المكتشفة حديثا مع الجانب المصري بغرض الانضمام إليها من خلال خط أنابيب الغاز.
* كيف تؤثر عضوية مصر في مجلس الأمن الدولي لعام 2016/2017 على آفاق المفاوضات بشأن المشكلة القبرصية؟
- إنها مساعدة كبيرة بشأن قضايانا وطرحها أمام مجلس الأمن الدولي مرتين في العام. إننا نحصل على مساعدة هائلة سواء في مجلس الأمن الدولي وفي منظمة المؤتمر الإسلامي على حد سواء.
* كنتم قد اجتمعتم أيضا مع السيد أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية. فكيف هي العلاقات القبرصية مع جامعة الدول العربية؟
- إن قبرص، باعتبارها عضوا في الاتحاد الأوروبي، تثمن وتقدر كثيرا الحوار الاستراتيجي القائم ما بين أوروبا والعالم العربي. وبالنسبة إلينا، فإن العالم العربي هو أقرب تجمع من البلدان إلى جزيرتنا، وهو الشريك الواضح والأساسي في العمل المشترك. وزيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية كانت من الأهمية الكبرى للتأكيد على أواصر الصداقة المتبادلة، ودعمنا لمجالات التعاون والتنسيق المشترك بين الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، ولكي أشرح لسيادته أيضا الانفتاح الاستراتيجي القبرصي، والسياسة الخارجية الاستراتيجية لدى قبرص، من حيث التواصل مع كافة الدول العربية.
* هناك سفارة جديدة لدولة الإمارات العربية المتحدة افتتحت في قبرص. فهل يعد ذلك إشارة على بداية عهد جديد من العلاقات المشتركة مع دول مجلس التعاون الخليجي؟
- كما تعلمون جيدا فإن قبرص لديها سفارات قائمة بالفعل في الكويت وحتى سلطنة عمان، والآن هناك سفارة لنا في دولة الإمارات العربية المتحدة. ولقد بعثت المملكة العربية السعودية بخطابات المصداقية الدبلوماسية خلال العام الماضي من العاصمة اليونانية أثينا.
ولدينا سفارة قبرصية في العاصمة الرياض، وفي الكويت، وفي الإمارات العربية المتحدة، وفي سلطنة عمان. وتقدم أول سفير أردني مقيم في قبرص بأوراق اعتماده للسيد الرئيس اناستاسيادس. وتعلمون بالطبع أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني سوف يقوم بزيارة رسمية إلى قبرص السادس من الشهر الحالي. هناك مجال كامل من النشاط الدبلوماسي وتحسين العلاقات مع كافة دول مجلس التعاون الخليجي ومختلف الدول العربية في المنطقة. وهناك اثنتا عشرة سفارة عربية في قبرص، بما في ذلك سفارات لسوريا وليبيا.
* ماذا عن سفارة المملكة العربية السعودية؟
- أرجو ونتطلع أن تكون هناك سفارة للمملكة العربية السعودية في قبرص قريبا وأن يرفرف العالم السعودي في سماء بلادنا قريبا. ولقد كانت خطوة أولى ومهمة للغاية من الجانب السعودي أن يبعث بخطابات المصداقية الدبلوماسية إلينا بشأن افتتاح سفارة للمملكة في بلادنا.

* وزير الخارجية القبرصي كاسوليديس في سطور
- ولد السيد يوانيس كاسوليديس في العاشر من أغسطس (آب) عام 1948 في العاصمة القبرصية نيقوسيا.
- درس الطب في جامعة ليون الفرنسية وتخصص في علاج أمراض الشيخوخة في لندن. وشارك في مظاهرات مايو (أيار) الطلابية عام 1968، وأسس ثم ترأس اتحاد الطلاب القبارصة في فرنسا.
- خدم السيد يوانيس كاسوليديس في حزب التجمع الديمقراطي (يمين الوسط) من مختلف المناصب، بما في ذلك منصب رئيس تنظيم الشباب في الحزب. وفي عام 1991 انتخب عضوا في مجلس النواب بالبرلمان القبرصي.
- وعندما فاز غلافكوس كليريدس بمنصب رئيس البلاد في مارس (آذار) من عام 1993، شغل السيد يوانيس كاسوليديس منصب المتحدث الرسمي باسم الحكومة، وهو المنصب الذي ظل يخدم فيه حتى عام 1997 عندما عُين وقتئذ في منصب وزير الشؤون الخارجية حتى نهاية فترة حكم الرئيس كليريدس في فبراير (شباط) من عام 2003.
- خلال شغله لمنصب وزير خارجية قبرص، كان السيد يوانيس كاسوليديس على رأس الجهود الدبلوماسية التي ميزت البداية، والمسار، والنهاية لمفاوضات انضمام قبرص إلى دول الاتحاد الأوروبي.
- انتخب السيد يوانيس كاسوليديس في يونيو (حزيران) من عام 2004، وللمرة الأولى، عضوا في البرلمان الأوروبي حيث حصل على نسبة غير مسبوقة من التأييد عبر التصويت. ثم عُين عضوا كامل العضوية في لجنة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، وخدم من خلال ذلك في مناصب عدة، من بينها رئاسة لجنة حقوق الإنسان المخصصة في الصحراء الغربية. كما خدم عضوا في مكتب حزب الشعب الأوروبي.
- خاض السيد يوانيس كاسوليديس غمار انتخابات الرئاسة في بلاده عام 2008. وفاز في الجولة الأولى من الانتخابات، ثم خاض انتخابات الإعادة في مواجهة المرشح الفائز في النهاية السيد ديمتريس كريستوفياس. ولقد حقق السيد يوانيس كاسوليديس نسبة تصويت بلغت 47 في المائة فقط من مجموع أصوات الناخبين، ولم يحظ إلا بتأييد حزب التجمع الديمقراطي فقط.
- في يونيو (حزيران) من عام 2009 أعيد انتخاب السيد يوانيس كاسوليديس عضوا في البرلمان الأوروبي، حيث كسر رقمه القياسي الأسبق من حيث عدد الأصوات. ولقد انتخب نائبا لرئيس حزب الشعب الأوروبي في مجموعته داخل البرلمان الأوروبي، ثم عُين رئيسا لمجموعة عمل الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي. ولقد أعيد انتخابه مرة أخرى لشغل نفس المنصب في عام 2012.
- يجيد السيد كاسوليديس اللغات الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية بإتقان. ولقد عمل على تأليف كتاب بعنوان: «قبرص والاتحاد الأوروبي.. شاهد على مفاوضات الانضمام».
- كاسوليديس متزوج من السيدة ايمي كاسوليدو وهي طبيبة التخدير ولديهما ابنة واحدة تدعى جوانا.
ولقد تولى كاسوليديس منصبه وزيرا لخارجية الجمهورية القبرصية في الأول من مارس عام 2013 وحتى الآن.
- السفارات العربية المقيمة في الجمهورية القبرصية:
سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة
سفارة سلطنة عمان
سفارة دولة الكويت
سفارة دولة قطر



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended