شعبية ميركل على المحك بسبب أزمة اللاجئين

شعبية ميركل على المحك بسبب أزمة اللاجئين

ساهمت في ظاهرة صعود «المتطرفين» اليساريين واليمينيين
الجمعة - 30 ذو القعدة 1437 هـ - 02 سبتمبر 2016 مـ رقم العدد [ 13793]
مخيم للاجئين في برلين أقيم قبل عام عندما قررت ألمانيا استقبال أكثر من مليون لاجئ (أ.ف.ب)
كولون (ألمانيا): ماجد الخطيب
مرت سنة كاملة على تصريح ميركل الشهير «سنحقق ذلك»، الذي فتحت على أساسه أبواب ألمانيا أمام موجة لاجئين بلغت 1.1 مليون مهاجر حتى نهاية عام 2015، وبهذه المناسبة تحدثت كبريات الصحف الألمانية عن حصيلة هذا العام، وعما حققته ميركل حتى الآن، وعما لم تحققه أيضًا.

ويتفق المراقبون السياسيون الألمان على أن أنجيلا ميركل أكدت أكثر من مرة على كلمة «سنحقق»، لكنها لم توضح حتى الآن ما الذي قصدته بـ«ذلك». هل قصدت إيواء وإطعام ومعالجة مليون لاجئ؟ أو دمج هذا العدد الكبير من اللاجئين في الاقتصاد والمجتمع الألماني؟ أو ربما تحمل كلفة استقبال اللاجئين دون إرهاق ميزانية الدولة؟

من الواضح أن ألمانيا، رغم المتاعب الجمة التي واجهتها، قد نجحت في إيواء ومعالجة وإطعام المليون لاجئ، ونجحت بعد تأخر في تسجيل معظمهم في سجلات اللاجئين وأخذ بصماتهم، لكن الحديث عن دمجهم في المجتمع والاقتصاد الألماني بعيد، بعد مرور سنة واحدة، عن تصور أكثر المعاهد الاقتصادية تفاؤلاً. مع العلم أن معظم هذه المعاهد تعول على نتائج إيجابية متأخرة لسياسية «الترحيب باللاجئين»، ربما تبدأ بعد 10 سنوات، أو ربما مع الجيل الثاني من هؤلاء المهاجرين، كما حصل ذلك في الستينات مع ملايين العمال الأتراك المهاجرين.

ميركل نفسها، بمناسبة مرور سنة على مغامرة استقبال الـ1.1 مليون لاجئ، دافعت عن سياستها رغم اعتراض كتلة كبيرة من نواب حزبها البرلمانيين على هذه السياسة. ودافعت المستشارة عن المهاجرين وأقرت بوجود الإرهاب في ألمانيا قبلهم، وقالت إن ألمانيا ستظل كما هي، والإرهاب لم يأت مع اللاجئين بل كان موجودًا في أشكال كثيرة قبلهم.

وقالت المستشارة الألمانية لصحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» الواسعة الانتشار إنه رغم تدفق المهاجرين فإن «ألمانيا ستبقى ألمانيا». واعترفت أنها «تجاهلت في السابق قضية المهاجرين». وشددت على أن بلادها سوف تظل وفية لقيمها وأن «التغيير ليس أمرًا سيئًا، بل هو جزء ضروري من الحياة، وألمانيا ستبقى ألمانيا، مع كل عزيز علينا».

وما حققته سياسة الترحيب باللاجئين «المنفلتة» أنها أدت إلى صعود لم يسبق له مثيل لليمين المتطرف في ألمانيا. وتمثل هذا الخطر الجديد - القديم بصعود حزب البديل لألمانيا إلى برلمانات في عدة ولايات ألمانية وبنسبة تكاد تعادل النسب التي حققها الحزب الديمقراطي المسيحي. وكان من نتائجها أن تشكلت حركة «مناهضة أسلمة أوروبا» وتحالفها مع حزب البديل لألمانيا، وعودة نشاط اليسار المتطرف بقوة، وخصوصًا نشاط جناح الجيش الأحمر الذي أعلن اعتزاله السياسة في تسعينات القرن الماضي.

وأنهت المستشارة المحافظة للتو جولة ثانية في أوروبا زارت خلالها التشيك وبولندا والمجر في محاولة لإقناع هذه الدول بقبول سياسة توزيع عادلة للاجئين. وباءت هذه المحاولة بالفشل، كما حصل مع جولة مماثلة أجرتها قبل ستة أشهر، فاقتصاديات هذه البلدان، وحكوماتها اليمنية، ترفض بشكل تام سياسة ميركل الداعية للترحيب باللاجئين.

ومن الناحية الأوروبية، أصبحت اتفاقية دبلن للاجئين بين دول الاتحاد الأوروبي، في خبر كان. واضطرت السويد والدنمارك إلى رفض استقبال المزيد من اللاجئين بحكم نفوس البلدين الصغيرة، واضطرت فرنسا للتعامل بالمثل بسبب خشيتها من تفاقم مشاكلها مع الإرهاب ومع صعود جماهيرية ماري لو بين. ثم جاء البريكست ليضيف همًا جديدًا للمستشارة التي فشلت حتى في إقناع هولندا وبلجيكا باستقبال المزيد من اللاجئين. ويقول لسان حال حلفاء ألمانيا في الاتحاد الأوروبي إن أزمة اللاجئين أزمة ألمانية وليست أوروبية، وفتحت المستشارة الألمانية أبوابها بنفسها، وعليها الآن أن تسد هذه الأبواب بنفسها. في هذه الأثناء بدأت ميركل، وتحت ضغط حزبها الديمقراطي المسيحي، وفي ظل الانتقادات العلنية لحليفها البافاري الاتحاد الاجتماعي المسيحي (هدد بدخول الانتخابات المقبلة في العام المقبل بشكل منفصل)، سد أبواب الهجرة الواحد بعد الآخر. وصار الشعار الرئيسي لها هو وقف تدفق المزيد من المهاجرين عبر البحر المتوسط وطريق البلقان، كما سعت إلى اتفاقية اللاجئين المعروفة مع تركيا بهدف وقف موجة اللاجئين مقابل حفنة مليارات من اليوروات.

وتجسد تراجع ميركل التدريجي عن سياسة الترحيب باللاجئين بإصدار حزمتي قوانين جديدة لتنظيم اللاجئين والهجرة. صدرت الحزمة الأولى في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وتركزت على وقف الهجرة وتسريع إعاشة وتسجيل اللاجئين، وصدرت الحزمة الثانية في مارس (آذار) الماضي وركزت على قوانين الاندماج والتدريب المهني. وكانت النتيجة تشديد قانون لم شمل عوائل اللاجئين، والترحيل القسري للاجئين من شمال أفريقيا، والبحث عن محطات لجوء حدودية يجري فيها حسم طلبات اللجوء وتسفير المرفوضين منهم في الحال.. إلخ. وأدت هذه السياسة (التطفيش) إلى عودة آلاف اللاجئين إلى البلدان التي أتوا منها، ويجرى الحديث في عن 500 عراقي يغادر ألمانيا طوعًا كل الشهر. زيغمار غابرييل، نائب المستشارة، ورئيس الحزب الديمقراطي الاشتراكي، انتقد سياسية المستشارة علنًا وقال إنها تريد إصلاح الخطأ بخطأ آخر. وقال غابرييل إنه «لا يمكننا أن نطلب من اللاجئين القدوم إلى بلدنا ثم نمنعهم من لم شمل عوائلهم، ونحرمهم من فرص العمل».

ومن نتائج سياسية الترحيب باللاجئين المباشرة أن شعبية المستشارة ميركل اهتزت لأول مرة منذ عقد من السنين. وأشار آخر استطلاع للرأي أجراه معهد «أيمند» لاستطلاعات الرأي أن 42 في المائة من الألمان فقط صاروا يؤيدون بقاء ميركل في دائرة المستشارية على نهر الشباير في الانتخابات المقبلة.

وفي استطلاع آخر للرأي أجراه معهد «فورسا» بمناسبة عام على «سنحقق ذلك!» انخفضت نسبة ناخبي التحالف المسيحي إلى 33 في المائة (41.5 في المائة في انتخابات 2013)، وعبرت نسبة 25 في بالمائة فقط عن ثقتها بأن حزب المستشارة قادر على حل أزمة اللاجئين.

تعبيرًا عن صعوبة التكهن بمآل سياسة ميركل تجاه اللاجئين، كتب المعلق السياسي أوليفر جورجي في صحيفة «فرانكفورتر الغيماينه» المعروفة: مرت سنة وعرفنا ما تحقق وما لم يتحقق من «سنحقق ذلك!»، ولكننا لا نعرف ماذا ستكون العواقب بعد 10 سنوات! اندماج اللاجئين في المجتمع أم فوضى؟

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة