قوات النظام وميليشياته تبدأ عمليات «تعفيش» داريا المدمرة

قوات النظام وميليشياته تبدأ عمليات «تعفيش» داريا المدمرة

سلع مسروقة من برادات وغسالات مستعملة تظهر في دمشق
الجمعة - 30 ذو القعدة 1437 هـ - 02 سبتمبر 2016 مـ رقم العدد [ 13793]
لندن: «الشرق الأوسط»
بعد أقل من يومين على تهجير ما تبقى من سكان مدينة داريا بريف دمشق الغربي امتلأت أسواق المدن والبلدات المجاورة بأثاث وعفش منازل وبضائع من مخازن المباني المدمرة، أخرجتها من تحت الأنقاض عناصر من قوات النظام والميليشيات الداعمة لها.
ورغم أن أهالي داريا الذين أخرجوا قسرا من مدينتهم المدمرة يوم الجمعة الماضي، أحرقوا ما تبقى لهم داخل المدينة من ممتلكات شخصية يصعب حملها قبيل خروجهم منها، فإن مدينة داريا وقبل اندلاع الثورة كانت تعد واحدة من أهم مراكز صناعة الأثاث المنزلي الفاخر، كما كانت مقصد كبار التجار ورجال الأعمال لتملك واستئجار مستودعات ضخمة للبضائع، لقربها من دمشق. وبحسب أبو جمال من سكان داريا الذين هجروا من المدينة عام 2012 قبل فرض الحصار، أن هناك بضائع بمئات الملايين ما تزال في مستودعات ومخازن داريا، وأن هناك أحياء كاملة هجّر سكانها عام 2012 بعد المجزرة الكبيرة التي ارتكبتها قوات النظام، بقيت مغلقة، وأن الثوار حموها من السرقة لأكثر من ثلاث سنوات، وكان أصحابها يتواصلون معهم من خارج المدينة يطمئنون على أملاكهم وبيوتهم بأنها لا تزال على حالها تنتظرهم. إلا أن تكثيف القصف من قبل قوات النظام وشراسة المعارك واشتداد القصف حال دون بقاء تلك المنازل وكثير منها هدم على ما فيها. ويتابع أبو جمال أنه واحد من الناس الذين كان يتواصل مع الداخل لمعرفة مصير بيته ومستودع ورشة النجارة وفيها بضاعة بأكثر من مائتي مليون ليرة، تقدر بنحو 400 ألف دولار، وقال إنهم كانوا يرسلون له صورا بعد التأكد من أنه صاحبها، لكن التواصل انقطع منذ عام 2014. ولم تعد لديه أي فكرة عما حل بالبيت وورشة النجارة والمزرعة. لكنه يتوقع أن يرى ممتلكاته تباع في أسواق «التعفيش». وجرت عادة قوات النظام بعد الاستيلاء على أي منطقة القيام بعمليات تمشيط تقوم خلالها قوات النخبة بنزع الألغام وسرقة ما يعثرون عليه مما خف وزنه وغلا ثمنه، قبل أن يطلق يد ميليشيات جيش الدفاع من المتطوعين لنهب كل ما يمكن بيعه، بدءا من أدوات الطبخ وليس انتهاء بأسلاك التمديدات الكهربائية في الجدار المهدمة. وبعد أكثر من خمس سنوات من حرب ضروس تكرس على هامشها عادات وأعراف للأعمال غير مشروعة تقوم بها مجموعات أقرب إلى مؤسسات ظل ترفد الأسواق بكميات هائلة من البضائع المسروقة.
ويقول أبو جمال إنه رأى يوم أمس عدة شاحنات تنقل برادات وغسالات مستعملة إلى منطقة الباردة القريبة من داريا، كما امتلأت المخازن في الأشرفية ببطانيات لا تزال مغلفة أي غير مستعملة، ويرجح أنها سرقت من مخزن لبيع البطانيات في داريا.
وبحسب ناشطين فإن بضائع مسروقة غزت يوم أمس أسواق ضاحية قدسية ومزة 86 ومساكن الحرس وصحنايا وأشرفية صحنايا والباردة.
و«التعفيش» كلمة راجت مع اندلاع الحرب بين قوات النظام والمعارضة، وجاءت كناية عن سرقة عفش المنازل في مناطق المعارضة التي تجتاحها قوات النظام، ونتج عنها نشوء أسواق في مناطق سيطرة النظام صارت تعرف بأسواق «السنة» أي أن ما يباع فيها مسروق من بيوت المسلمين السنة المعارضين للنظام. وبعد أربعة أيام من عملية تهجير ما تبقى من سكان محاصرين في داريا مع الثوار المسلحين يقول أبو جمال إن عمليات «التعفيش» لم تبدأ بعد، ومتوقعا أن تغص مناطق النظام بريف دمشق بخيرات داريا المدفونة تحت الركام!!
وكانت عمليات تفريغ مدينة داريا من أهلها قد بدأت يوم الجمعة 27 أغسطس (آب)، واستمرت ليومين، وذلك بموجب اتفاق توصلت إليه لجنة مثلت فعاليات داريا العسكرية والمدينة مع وفدٍ للنظام السوري، وقضى بخروج المدنيين مراكز إيواء في منطقة حرجلة بريف دمشق والعسكريين بسلاحهم الفردي مع عائلاتهم، إلى ريف إدلب. وكانت المفاجأة الكبرى للموالين للنظام أن عدد العسكريين لم يتجاوز 700 عسكري بين شاب ويافع، وهؤلاء صمدوا في وجه أشد وأطول حصار وأشرس هجمات عرفتها البلاد على مدار خمسة أعوام، كانت الأشهر الست الأخيرة منها هي الأقسى والأعنف على الإطلاق. وبحسب إحصاءات المجلس المحلي في داريا، والشبكة السورية لحقوق الإنسان، استمر حصار داريا من قبل النظام 1375 يومًا، ابتداءً من نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 وحتى 26 أغسطس 2016. وبلغ عدد سكان داريا نحو 255 ألف نسمة وفق الإحصاء الرسمي عام 2007، لينخفض العدد إلى سبعة آلاف مدني ومقاتل حتى 26 أغسطس 2016. قبل أن يبدأ تفريغها بشكل كامل. نسبة الدمار في المدينة فاقت الـ95 في المائة، طالت معظم معالمها الرئيسية وبناها التحتية، وتعدّ المدينة السورية الوحيدة المدمرة كليًا من قبل النظام السوري. وخلال الأعوام الثلاثة الماضية قذفت بنحو ستة آلاف برميل متفجر، ونحو 3500 برميل في عام 2015 وحده، عدا عن آلاف القذائف والأسطوانات والصواريخ المتنوعة.
ومنذ نحو ستة أشهر أحكم الخناق على داريا وتم قطع المنفذ الوحيد بينها وبين مدينة المعضمية، وقبل نحو شهر تقدم النظام نحو المزارع وأحرق مساحات واسعة منها، فلم يعد هناك أي طريق أو مصدر للغذاء والإمداد. وفي الأسبوع الأخير بدأ النظام بقصف المدينة بقذائف النابلم الحارقة المحظورة دوليا وبشكل همجي وسط صمت دولي غير مسبوق، مما جعل البقاء على قد الحياة مستحيلا، مما اضطر ذلك المقاتلين في داريا للدخول في مفاوضات تقضي بخروجهم إلى إدلب وإخراج المدنيين لا سيما النساء والأطفال. وتكاد تكون مدينة داريا الوحيدة بين المدن السورية الثائرة على نظام الأسد التي احتفظت بروح الثورة المدنية رغم الحرب، وقدمت نموذجا فريدا في العمل الثوري، حيث شكّل مجلسها المحلي مظلة جامعة للمؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية فيها، لتتحول إلى نموذج ناجح بالمقارنة مع تجارب الشمال والجنوب. لذلك كان لطي صفحتها على هذا النحو وقع مرير في نفوس غالبية السوريين المعارضين للنظام.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة