{الرعب والتخويف}.. أكثر الأنواع السينمائية نجاجاً عبر التاريخ

بدأت صامتة وانطلقت ناطقة وما زالت رائجة

جين ليفي في خطر مفاجئ في «لا تتنفس»  -  تيبي هدرن ورود تايلور في «الطيور» لهيتشكوك
جين ليفي في خطر مفاجئ في «لا تتنفس» - تيبي هدرن ورود تايلور في «الطيور» لهيتشكوك
TT

{الرعب والتخويف}.. أكثر الأنواع السينمائية نجاجاً عبر التاريخ

جين ليفي في خطر مفاجئ في «لا تتنفس»  -  تيبي هدرن ورود تايلور في «الطيور» لهيتشكوك
جين ليفي في خطر مفاجئ في «لا تتنفس» - تيبي هدرن ورود تايلور في «الطيور» لهيتشكوك

أحد الأفلام الجديدة هذا الأسبوع فيلم رعب عن أعمى يجابه ثلاثة أشقياء، بينهم فتاة تؤديها جين ليفي، تسللوا إلى منزله الكبير لسرقته. عنوانه «لا تتنفس»، وهذا الطلب ينطلي على رغبة أن يحتذي المشاهد بذلك وهو يتابع لعبة تشويقية لا أبرياء فيها، تقوم على عدد من الحسابات الخاطئة، بينها توقع أن الرجل الأعمى لا يستطيع التصدي لمن اقتحم منزله، وأنه في أي مواجهة بين كفيف ومبصر، فإن الغلبة طبعًا للمبصر، كونه على الأقل قادرًا على تحديد خطوات الأعمى، وتجنّب ضرباته إذا ما وقعت.
المخرج فيد ألفاريز يعرف شروط مثل هذه اللعبة، وينجح في توفير المطلوب لنجاحها. وفي أحد أكثر المشاهد تشويقًا، يقوم بتعتيم غرفة تحت أرضية تعتيما كاملاً، مما يحوّل الأشرار إلى عميان أيضًا غير قادرين على رؤية محيطهم.
المخرج القادم من أوروغواي في ثاني عمل أميركي له (بعد فيلم رعب سابق، كان إعادة لفيلم سام رايمي Evil Dead)، لا بد أنه شاهد كثيرا من أفلام الرعب في حياته الشابة، وأحبها. هذا الفيلم يذكر مثلاً بفيلم ذي حبكة مشابهة، قام البريطاني ترنس يونغ بإخراجه سنة 1967 بعنوان «انتظر حتى الظلام» (Wait Until Dark)، حول أودري هيبورن، العمياء المتزوّجة التي لا تعرف أن زوجها أخفى في منزلهما دمية تحتوي على مخدرات، لكن ثلاثة أشرار يعرفون ذلك، ويقتحمون البيت مستغلين وضعها، وهي أيضًا ستدافع عن نفسها، مندفعة لدرء خطر لا كونها عمياء فقط، بل أنثى جميلة أيضًا.
* حقوق الكونت دراكولا
أفلام الرعب من بين أكثر الأنواع السينمائية نجاحًا عبر التاريخ. وفي حين توقف إنتاج أفلام المبارزات التاريخية وأفلام القراصنة والبحار، وقل إنتاج أفلام الويسترن والأفلام الحربية إلى ما هو عليه الآن، فإن أفلام الرعب استمرت في زخم استثنائي تشهد عليه كل سنة من السنوات الماضية. فمن عام 2010 إلى اليوم، بلغ عدد المنتج من هذا النوع 47 فيلمًا تم عرضه على الشاشات الكبيرة، وأكثر من ذلك مما توجه مباشرة إلى أسطوانات العرض. ومن بين هذه الأفلام، أقل من نصفها التي أضافت جديدًا وجيدًا، وهذا هو معدل لا بأس به، باعتبار أن كل نوعيات أفلام الرعب قد استنفذت، من أفلام البيوت المسكونة، إلى أفلام الوحوش المختلفة، ومن أفلام القتلة المقنعين إلى تلك التي تستخدم الحيوانات والطيور الأليفة وغير الأليفة رأس حربة في إثارة التخويف.
كل ذلك قديم جدًا. السينما الصامتة شهدته بوفرة، والثلاثينات نشرته بقوّة. في الأولى برز «كابينة دكتور كاليغاري» لروبرت واين (1920)، و«نوسفيراتو» للمخرج ف. مورناو (1922). وبعد نطق السينما، استعارت شركة يونيفرسال المخلوقات المرعبة من الأدب البريطاني، فاستحوذت على إنتاج أفلام فرانكنستاين ودراكولا والرجل - الذئب ودكتور جيكل ومستر هايد.
«نوسفيراتو» أحد أهم هذه الأفلام إلى اليوم؛ حكاية مصاص دماء يشبه في كل خصائصه دراكولا، بعدما اضطر المخرج مورناو إلى الاستغناء عن اسم دراكولا، بعدما رفض ورثة المؤلف برام ستوكر بيع الحقوق له. وتكوين الفيلم يحمل بعض التجريب، وبعض الفن الانطباعي، وكثيرا من التخويف الرصين. لقطاته مثيرة بحد ذاتها، كاشفة عن الخطر قبل حدوثه، مما يترك المشاهد أمام حتمية مشاهدته وهو يقع.
هذا النوع من الأفلام أسسته حكاية دراكولا، بوصفه مصاص دماء يتمتع بحياة لا تنتهي، إلا إذا ما أودع الرجل الشجاع، حين تتاح له الفرصة، وتدًا في القلب، أو أخر عودة الوحش إلى تابوته لكي يطلع عليه نور الصباح، فيحترق ويموت. لكن السينما في الخمسين الأخيرة تخلت عن هذين الشرطين، فصار التخلص من مصاصي الدماء أصعب بكثير مما كان عليه الوضع في النصف الأول من القرن الماضي، كذلك الحال بالنسبة للموتى الذين يتحوّلون إلى آكلي لحوم بشرية.
وفي العام 1969، قدّم المخرج جورج أ. روميرو «ليلة الموتى - الأحياء» الذي فتح الباب واسعًا أمام زمرة من أفلام تلك الوحوش الآدمية التي لا تشبع، وهو بنفسه استمر في السلسلة، بينما طرح آخرون نسخًا مشابهة.
* براعم غامضة
طبعًا التخويف متعدد المصادر، وتختلف أسبابه من فيلم لآخر، وكذلك نوعه. وفي كل نوع نماذج جيدة تحوّلت، كما «نوسفيراتو» و«ليلة الموتى - الأحياء» وأفلام شركة يونيفرسال، إلى كلاسكيات خالدة.
«سايكو» لألفرد هيتشكوك (1960) يتبوأ الصدارة، رغم أنه نوع مختلف عن أنواع أفلام الزومبيز وآكلي لحوم البشر، أو أي مخلوق متوحش شبيه. إنه مستأصل من حكاية منشورة مستوحاة بدورها من حادثة حقيقية: شاب يعاني من انفصام الشخصية، يقتل ضحاياه الذين تسوقهم الأقدار إلى فندقه. ولارتكاب الجريمة، يرتدي ملابس والدته من دون أن يدري، ثم يعود إلى شخصيته وينهر والدته لما ارتكتبه. طبعًا والدته متوفاة منذ سنوات بعيدة.
الخوف من القتلة المعانين من عقدة نفسية سوداء تبلور سنة 1978 إلى فيلم جيد آخر بعنوان «هالووين» لجون كاربنتر (إنتاج مصطفى العقاد) الذي تحول لسلسلة انتهت عمليًا قبل خمس سنوات.
هيتشكوك مرّة أخرى استخدم الطيور للتخويف. ففي عام 1963، عاد بفيلم «الطيور» حول هجوم غير متوقع لطيور السواحل على أناس بلدة صغيرة قريبة من سان فرانسيسكو. ولاحقًا، تم اعتماد الأسماك والكلاب والجرذان والتماسيح، وحتى الديدان، كمصدر شر يحصد أرواح الضحايا تبعًا لمبررات واهية وغير منطقية، لكنها فعالة في إثارتها الخوف.
والفضاء ليس بعيدًا عن كل هذا. ففيلم دون سيغال «غزو ناهشو الجسد» جاء فريدًا: عندما تمطر السماء فوق بلدة قريبة من سان فرانسيسكو، تتساقط براعم غامضة تنمو سريعًا كنباتات، ثم تتسلق الجدران، وتدخل من النوافذ المفتوحة إلى البشر النائمين، وتستولي عليهم. وسينما الخيال العلمي، كحال «غزو ناهشو الجسد»، مليئة بالأفلام التي اعتمدت على الرعب الناتج عن وجود مخلوقات فضائية تهبط إلى الأرض، أو يجد الإنسان نفسه أمامها وقد صعد إلى الفضاء، كما هو الحال في «غريب» (Alien).
ومن سمات السينما الماضية أنها كانت تبني الحدث بتمهل، فالرحلة إلى مجاهل الأمازون في «مخلوق البحيرة السوداء»، تبدأ عادية لنحو عشرين دقيقة، قبل أن يكتشف القائمين بها أن هناك مخلوقًا برمائيًا يعيش في المياه الداكنة.
وهكذا، تتعدد مصادر التخويف، وأساليب إثارة الفزع. تلك الغاية التي يسعى إليها المخرجون بكل ما أوتوا من وسائل. بعضها يكشف فقرًا في المخيلة، واتكالاً على المعهود، وبعضها - كما الحال في الفيلم الجديد «لا تتنفس» - ينجح في الإتيان بجديد، حتى مع تشابه حبكته مع فيلم آخر سبقه.



«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور... هذا المشهد يتكرر هذه الأيام داخل صالات السينما في السعودية وغيرها حول العالم، حيث يحظى الفيلم بإقبال لافت، مع حجوزات تنقضي بسرعة وحضور واضح من فئة الشباب، ليعود اسم «ملك البوب» إلى الواجهة، بعد أكثر من 15 عاماً على رحيله، بوصفه أيقونة موسيقية تستعيد حضورها عبر الفن السابع، وتفتح باباً جديداً لقراءة سيرته سينمائياً.

عالمياً، تصدّر «مايكل» شباك التذاكر الأميركي، متفوقاً على بقية الأفلام، بعدما نجح فيلم السيرة الذاتية في حجز المركز الأول بجدارة بين إيرادات يوم الجمعة الماضي. فالفيلم، الذي يأتي من إخراج أنطوان فوكوا، حقق 39.5 مليون دولار في يوم افتتاحه من مئات صالات العرض في أميركا الشمالية. وتعوّل شركة «لاينزغيت» كثيراً على نجاحه في تحقيق عوائد كبيرة، خصوصاً أن ميزانيته الإنتاجية بلغت 155 مليون دولار، وهي تكلفة مرتفعة تأثرت بأسعار حقوق الموسيقى ومشاهد الحفلات الضخمة. وتُظهر الأيام الأولى للفيلم نجاحاً كبيراً حول العالم، رغم أن الحكاية تبدو مبتورة، فلا يصل الفيلم إلى أعلى الأجزاء إثارة وتوتراً في حياة مايكل، ليفاجأ الجمهور بتصاعد إيقاع الفيلم بقوة، ثم انتهائه «بغتة» بعبارة «القصة مستمرة».

البوستر الرسمي للفيلم

من البدايات القاسية إلى صناعة الأسطورة

يبدأ الفيلم في منزل عائلة جاكسون عام 1966، حيث يفرض الأب جو تدريبات قاسية على أبنائه، في مشهد أقرب إلى الانضباط العسكري، سعياً إلى تحقيق «الحلم الأميركي»، وهو يردد على أولاده: «في الحياة إما أن نكون فائزين وإما خاسرين»، ويُظهر الفيلم بوضوح قسوة الأب، بما في ذلك تعنيفه مايكل؛ مما يشكّل جانباً أساسياً في تكوين شخصيته.

ثم ينتقل العمل إلى عام 1978، حين يبدأ مايكل التعاون مع المنتج كوينسي جونز، في خطوة مفصلية نحو ألبوم «أوف ذا وول»، ويعرض الفيلم تحوّل شخصيته، بما في ذلك انعزاله وتعلقه بعالمه الخاص، قبل أن يتخذ قراره الحاسم بالاستقلال عن والده، تمهيداً لصناعة عمله الأسطوري «ثريلر».

من هنا، يركز الفيلم على العلاقة بين مايكل ووالده المتسلّط جوزيف جاكسون، الذي يجسده كولمان دومينغو. ويؤدي الدور الرئيسي ابن شقيق جاكسون؛ جعفر جاكسون، فيما يشارك في البطولة كل من: نيا لونغ بدور «كاثرين جاكسون»، وتري هورتون بدور «مارلون جاكسون»، ورايان هيل بدور «تيتو جاكسون»، إضافة إلى جوزيف ديفيد جونز بدور «جاكي جاكسون»، وجمال هندرسون بدور «جيرمين جاكسون».

ويبدو الفيلم أشبه باحتفالية بنجومية «ملك البوب»، الذي بدأ طفلاً يغني مع إخوته في الستينات من العقد الماضي، وصولاً إلى نجوميته الكبيرة في الثمانينات وتحوّله ظاهرةً عالمية، دون تناول المنعطفات الصادمة التي مر بها جاكسون. ورغم أنه شخصية معقّدة ومتعددة الأبعاد، فإن الفيلم يقدّمه بصورة مسطّحة. وعندما لا يكون على المسرح أو في الاستوديو، يظهر جاكسون مبتسماً طيلة الوقت؛ يشاهد التلفاز مع والدته، ويزور الأطفال المرضى، ويقتني الحيوانات الغريبة.

يأتي ذلك نتيجة تدخلات عائلة جاكسون التي تناولها الإعلام لفترات مضت؛ مما دفع بالمنتجين إلى استبعاد كثير من القصص الحساسة في حياته. وخضع الفيلم لإعادة تصوير واسعة استمرت 22 يوماً، بعد حذف «فصله» الثالث بالكامل بسبب قيود قانونية؛ مما دفع إلى تأجيل طرح الفيلم كثيراً، حتى عُرض مؤخراً، في خطوة هدفت أيضاً إلى تجنّب أي تأثير سلبي محتمل على أدائه في شباك التذاكر.

احتفالية موسيقية ونهاية مفتوحة

ورغم أن الفيلم يبدو تقليدياً في سرده، فإنه يخفي داخله حساً إنسانياً حميمياً، مع استعراض أبرز محطات مايكل الغنائية، من «دونت ستوب تِل يو غِت إناف»، إلى أدائه الأسطوري لـ«بيلي جين». ويتوقف الفيلم في منتصف الرحلة، بعد أن يعلن مايكل أمام حشد جماهيري كبير انفصاله عن جولات إخوته الغنائية ضمن فرقة «جاكسون5»، ثم وقوفه على مسرح ضخم استعداداً للغناء، لينتهي الفيلم بعبارة «القصة مستمرة»؛ مما فتح باب التكهنات بشأن احتمالية إنتاج جزء ثان.

كما يختار الفيلم مساراً محدداً في تناول الشخصية فنياً، حيث يركّز على الجوانب التي تعزز صورة النجم بوصفه موهبة استثنائية وصاحب تأثير عالمي واسع. ويشكّل أداء جعفر جاكسون أحد أبرز عناصر الجذب في الفيلم، حيث ينجح في استحضار تفاصيل دقيقة من شخصية مايكل، سواء في الرقصات والصوت الهادئ والحضور على المسرح.

وإجمالاً، يؤكد الفيلم حقيقة لا جدال فيها، بأن مايكل جاكسون كان عبقرياً موسيقياً ويمتلك رؤية واضحة لمسيرته؛ بداية من صعوده منذ طفولته بموهبته اللافتة وحضوره الكاريزمي، ووصولاً إلى مرحلة نضجه الفني، حيث طوّر إحساساً دقيقاً بما يناسبه من أعمال، وكيفية تقديمها، سواء في الأداء المسرحي والفيديوهات الموسيقية.

ويبدو فيلم «مايكل» أقرب إلى تجربة جماهيرية متكاملة، تجمع بين الحنين، والمتعة البصرية، والإيقاع السريع، بما يفسر حجم الإقبال في صالات السينما، وتصفيق بعضهم بحرارة خلال الفيلم، حيث يجد المشاهد نفسه أمام عمل يستعيد ذاكرة فنية مشتركة، يعيد تقديمها ضمن قالب حديث يناسب جيل اليوم.


«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
TT

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)

تقع أحداث «العميل السري» (The Secret Agent) في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً. اختفى كثيرون، كما حدث في دول أميركا اللاتينية الأخرى قبل ذلك الحين وبعده، إلى جانب أولئك الذين جرت تصفيتهم جسدياً. يتناول المخرج كليبر ميندوسا فيليو هذه الفترة من زاويتين: ما يحدث لبطل الفيلم مارسيلو (واغنر مورا)، الذي يتنقّل بين 3 أسماء في سياق الأحداث، وما شهدته البيئة الاجتماعية والسياسية آنذاك.

«السر في عيونهم» (تورناسول فيلمز)

دول وأزمات

هناك ما لا يقل عن 20 فيلماً برازيلياً تناولت تلك الفترة، أو فترات سياسية أخرى، من بينها «اليوم الذي امتد 21 سنة» (The Day That Lasted 21 Years) لكاميلو تاڤاريز (2012)، و«أنا ما زلت هنا» (I’m Still Here) لوولتر ساليس (2024).

في الواقع، لا تقتصر الأفلام التي تناولت الاضطرابات السياسية في أميركا اللاتينية على بلد واحد. فهناك نحو 20 فيلماً تشيلياً عبّرت عن السنوات القاتمة التي مرت بها البلاد، نتيجة الصراع بين اليمين واليسار، من بينها «معركة تشيلي» (The Battle of Chile) لباتريسيو غوزمان (1975)، وأحدثها «الحظيرة الحمراء» (The Red Hangar) للمخرج خوان بابلو سالاتو.

أما الأرجنتين، فهي بدورها من الدول التي قدّمت عدداً لافتاً من الأفلام في هذا السياق (نحو 17 فيلماً)، من بينها الفيلم الحائز على الأوسكار «السر في عيونهم» (The Secret in Their Eyes) لخوان خوسيه كامبانيلا (2009).

كما أن دولاً أخرى في أميركا اللاتينية، مثل غواتيمالا، والسلڤادور، ونيكاراغوا، وباراغواي، وأوروغواي، تناولت قضاياها السياسية في أفلام، وإن كان ذلك بأعداد أقل.

من أبرز مزايا الأفلام المذكورة، إلى جانب غيرها، تنوّع مناهجها تبعاً لاختلاف رؤى مخرجيها، والموضوعات التي يتناولونها. ويقترب «العميل السري» من «السر في عيونهم» في اعتمادهما على مواجهة بين البطل والواقع السياسي ضمن حبكة تمزج بين التشويق السياسي والتحقيقي. كما يتشابهان في أسلوب بناء الأحداث، وصولاً إلى دلالات تعبّر عن طبيعة المرحلة. ويأتي ذلك في مقابل الابتعاد عن السرد الخطي المبسّط، والقائم على التسلسل الزمني وحده. كل من الفيلمين يربط بين الماضي والحاضر، ويترك المشاهد أمام تساؤلات مفتوحة حول المستقبل.

المخرج كليبر ميندوسا فيليو (سينما سكوبيو برودكشنز)

فصول

أحد أبرز اهتمامات المخرج في «العميل السري» هو الكشف عن معنى أن يعيش بلد تحت قبضة ديكتاتورية. في مطلع الفيلم، يقود مارسيلو سيارته الفولكسڤاغن القديمة إلى محطة بنزين على طريق ريفي. هناك تظهر جثة وُجدت قبل ساعات، وقد بدأت تتحلل تحت أشعة الشمس، فيما تحاول الكلاب نهشها. رائحتها تزكم الأنوف، لكن ليس جميعها؛ إذ يتأثر مارسيلو وصاحب المحطة، في حين لا يبدي الشرطيان اللذان يصلان إلى المكان أي انزعاج. لا يسدّان أنفيهما، بل يكتفيان بالنظر ببرود، في إشارة إلى اعتيادهما على مثل هذه المشاهد. يبرز هذا التباين بوضوح بين ردود الفعل.

يوسِّع المخرج دائرة اهتمامه لتشمل شخصيات متعددة، تنتمي إلى جانبي الخير والشر: شخصيات تعاني، وتخاف، وأخرى تُسبب المعاناة، وتنشر الخوف. ويمنح كل شخصية مساحة للتعبير عن نفسها، ودلالاتها، وموقعها ضمن تلك المرحلة العصيبة.

يقسم فيليو فيلمه إلى ثلاثة فصول. يقدّم الفصل الأول الشخصيات المحيطة بمارسيلو في بلدته التي وُلد فيها، وعاد إليها بعد انتقاله إلى العاصمة. وفيه مشهد لسمكة قرش تم اصطيادها، وكانت قد ابتلعت ساق رجل؛ في إشارة إلى رغبة ضمنية في إبقاء هوية الضحية مجهولة، كما كان الحال في المشهد الأول.

في الفصل الثاني، المعنون بـ«معهد إثبات الهوية»، تتخذ الأحداث منحى جديداً. يعمل مارسيلو في أرشيف المعهد، وتُطرح فرضية أن الساق المقطوعة تعود لشاب مفقود. تتوالى حوادث الاختفاء الغامض، في حين يظل رئيس الشرطة جاهلاً بخلفية مارسيلو الذي يحاول إخفاء ماضيه. ويتضح أن هناك خلافاً سابقاً بينه وبين رجل سلطة نافذ اتهمه بالشيوعية، وسعى للتخلص منه.

أما في الفصل الثالث، فتتصاعد الأحداث مع احتمال وصول قتلة مأجورين لتنفيذ عملية اغتيال، في إشارة إلى ممارسات شاعت في تلك الفترة، حيث كان بعض المسؤولين يلجأون إلى تصفية خصومهم عبر وسطاء.

دلالات

لا يبدو أن الفيلم يتمحور حول بحث مارسيلو عن هويته، كما لا يقدّم «عميلاً سرياً» بالمعنى التقليدي. ثمة إشارة عابرة إلى فيلم «La Magnifique» لفيليب دو بروكا، يظهر من خلال إعلان بعنوان «العميل السري»، وربما تحمل هذه الإشارة دلالة رمزية حول مفهوم «العمالة» نفسه؛ تُوجَّه الاتهامات جزافاً إلى الأبرياء، بدوافع شخصية، أو إدانات فردية. رئيس الشرطة في البلدة (ريسيف، مسقط رأس المخرج) شخصية فاسدة بدورها، ويظهر ذلك في انحيازه لإحدى امرأتين في نزاع، رغم وضوح الحق لغيرها. الفساد هنا ليس حالة فردية، بل هو جزء من منظومة أوسع، والمعاناة لا تقتصر على مارسيلو وحده.

هذا كلّه جزء من عالمٍ مُحكم البناء، تتوزّع فيه الأحداث من دون ترتيب مبسّط، أو إيقاع متعجّل، وفق رغبة المخرج في تحريك العوامل والعناصر الروائية المحيطة بالخيط المحوري. وليس دقيقاً ما كُتب عن أن الفيلم مجرّد رحلة لاستعادة الماضي وربطه بالحاضر؛ إذ ينشغل المخرج فيليو بتصوير حالةٍ تنتمي إلى الأمس، ساعياً إلى إعادة فتح ملفّها بطريقته الخاصة، مع مراعاة بناءٍ منهجي يحدّد العلاقات بين الشخصيات، ويكشف أسباب تموضعها على هذا النحو أو ذاك.


شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
TT

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)

JAWS

★★★

• إخراج:‫ ستيفن سبيلبرغ‬

• الولايات المتحدة | رعب (1975)

50 سنة على ثالث فيلم لسبيلبرغ وأول نجاحاته المطلقة

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا. عمد، بعد تمهيد موجز، إلى تصوير ثورة الطيور وانقضاضها على قاطني البلدة. لم يتأثر الفيلم بغياب الدافع مطلقاً (ولو أن هناك إيحاءً به في نهاية ذلك الفيلم الرائع). هذا لأن الحالة الماثلة وبراعة المخرج تجاوزتا هذه الحاجة.

عند سبيلبرغ يختلف الأمر. سمكة القرش الكبيرة تلتهم السائحين، والمبرر الوحيد الواضح هو أن أسماك القرش قد تفعل ذلك بطبيعتها (على عكس طيور هيتشكوك التي تعتمد على الأسماك أساساً).

مكان الأحداث في «جوز» هو أيضاً بلدة صغيرة ساحلية. حاكم البلدة (موراي هاملتون) يرفض طلب رئيس الشرطة (روي شايدر) إغلاق الشاطئ بعد أن تكرر هجوم تلك السمكة الضخمة على السابحين؛ حتى لا يتضرر الموسم السياحي. نتيجة ذلك مزيدٌ من الضحايا، وقيام الشريف برادي باستقدام عالم بحري اسمه هوبر (ريتشارد دريفوس) وصياد متخصص اسمه كوينت (روبرت شو). والثلاثة ينطلقون بعيداً عن الشاطئ منتظرين هجوم القرش على مركبهم، وانتظارهم يأخذ الوقت الكافي لكي يبلور المخرج شخصية كل منهم.

الإعجاب بفيلم ما ليس مقياس جودة، وفي هذا الفيلم ما يثير الإعجاب من مشاهد التشويق وتصوير السمكة القاتلة وهي تهدد حياة البشر. لكن، حال غيابها، ليس هناك سوى حكاية بلا دوافع كافية. عناصر العمل بذلك تنقسم ما بين بنية درامية ضعيفة وتشويق إثاري فعّال.

LEE CRONIN’S MUMMY

• إخراج:‫ لي كرونين‬

• الولايات المتحدة / آيرلندا | رعب (2026)

مومياء تعيش على أكل العقارب

العناوين التي تحمل أسماء مخرجيها، كما الحال في هذا الفيلم، كانت في زمن القيم تنتمي للمبدعين وحدهم: «فيلليني روما»، و«كوبولا العراب»، و«ألفرد هيتشكوك سايكو»... وفي مجال سينما الرعب «جورج آ. روميرو ليلة الموتى الأحياء». هذه الأيام المجال مفتوح. كل مخرج جديد، أو بعد حفنة من الأفلام ذات المستويات العادية أو أقل، يمكن أن يشترط وضع اسمه قبل العنوان. لي كرونين (في فيلمه الثالث) فعل ذلك على أمل أن يسهم ذلك في نجاح الفيلم. هل سمعتم به؟

من «لي كرونن مومي» (نيو لاين سينما)

الحال أن الفيلم الذي اختاره كرونين لهذه الغاية لا يستحق أن يُصنع أساساً، ليس لأنه دموي وعنيف، بل لأنه ممارسة رديئة في العموم، مليئة بالاستعارات من أفلام رعب أخرى، وباستثناء بعض المشاهد المصممة بنجاح، خالٍ من إضافة لما سبق من أعمال مشابهة.

تبدأ الأحداث في القاهرة. عائلة أميركية تعيش هناك وتفاجأ باختفاء ابنتها ذات السنوات التسع. البحث عنها لا يُجدي، والعائلة تعود إلى الولايات المتحدة مكسورة القلب. لكن بعد 8 سنوات يُكتشف أن الفتاة ما زالت حيّة. يهب الزوجان إلى القاهرة ويعودان بها إلى ولاية نيومكسيكو، غير مدركين بالطبع أن ابنتهما مومياء مسكونة وتحب أكل العقارب!

THE SUPER MARIO GALAXY MOVIE

• إخراج:‫ آرون هورڤاث ومايكل جلنيتش‬

• الولايات المتحدة | أنيميشن (2026)

كما قال شكسبير: «كثير من اللغط حول لا شيء»

في «سوبر ماريو غالاكسي موفي»، المستمد من لعبة فيديو حُوّلت إلى أجزاء عدة، هذا آخرها، عناية بالألوان والتصاميم وعناصر الصوت والصورة المتحركة، وألوف اللقطات السريعة.

من «سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)

لكنها جميعاً لا تعني أكثر من ذلك ولا تشكّل قيمة (لن أقول فنية، بل على الأقل ذات ضرورة). الحكاية تتولى الانتقال عبر المدارات المختلفة؛ لأن الأخوين ماريو (كريس برات) ولويجي (تشارلي داي) يبحثان عن الأميرة المختفية روزالينا (بري لارسن، كان لها مستقبل مختلف بعد فيلمها «Room» قبل 11 سنة) في واحد من ثقوب المجرّة التي يجوب الأخوان مساحاتها وتضاريسها الشاسعة في تواصل لا ينقطع من المواقف التي تدّعي التشويق. في كل ركن وسباحة فضائية هناك إعلان عن منتج تجاري. هي فرصة لبيع تذاكر وبيع منتجات.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز