عدم المساواة اليوم.. كارثة اقتصادية غدًا

عدم المساواة اليوم.. كارثة اقتصادية غدًا

الفوارق الشاسعة في الدخول والثروات أبرز مظاهرها
الجمعة - 30 ذو القعدة 1437 هـ - 02 سبتمبر 2016 مـ
لا يزال الرجال يهيمنون إلى حد كبير على سوق العمل في أميركا ({الشرق الأوسط})
نيويورك: روبرت شيلر
باتت ظاهرة عدم المساواة اليوم مصدرا لقلق اقتصادي بالفعل، قد يتحول إلى كابوس في العقود المقبلة، وأخشى ما أخشاه ألا نكون مهيئين للتعامل معه.
فالفوارق الشاسعة في الدخول والثروات قد تحدث لأسباب عدة، ولنفكر مثلا في القليل منها: فالإبداع في صناعة الإنسان الآلي والذكاء الاصطناعي ساهم بدرجة كبيرة في الحد من فرص العمل، مما يؤدي في النهاية إلى عالم يصبح فيه العثور على عمل بسيط بأجر لائق أمرا مستحيلا، وكارثة بيئية مثل الاحتباس الحراري أو التلوث البيئي أو المرض، كلها أسباب قد تحد من قدرة متوسطي الحال على العيش في مناطق معينة أو في دول بأكملها.
فحروب المستقبل التي تستخدم فيها تكنولوجيا عالية التدمير، كالأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية، قد تبيد عددا كبيرا من سكان الأرض. ومن بين القضايا المثارة أيضا التغييرات السياسية الكبيرة كتنامي العنصرية والفكر الاجتماعي الإقصائي، وكلها قد تكون لها تبعاتها المدمرة على البشر، وتحديدا الأفقر.
وبالطبع، أتمنى ألا يحدث أي من تلك الأشياء، وحتى إن كانت مستبعدة الحدوث في ظل سعينا للعيش في عالم أفضل، فمن الضروري علينا البدء من الآن في التفكير في كيفية درئها.
فحملات الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة لم تتعرض للقضايا بعيدة المدى مثل تلك التي أشرنا إليها، وبدلا من ذلك ركزت بدرجة كبيرة على الاهتمامات الآنية وعلى قضايا تواجه الناس من ذوي الدخل المتوسط، لا على من يعيشون في فقر مدقع.
كذلك لا يقدم القطاع الخاص كثيرا من العون في هذا الإطار، ولم يذهب بعيدا في تطوير منظومة التأمين أو التحوط لحماية الناس من تلك المخاطر، بيد أن ذلك يثير التساؤل: هل نستطيع الاعتماد على تبرعات المجتمع لتعويض ورعاية هؤلاء الناس المعرضين للضرر في حال سارت الأمور للأسوأ؟
من ضمن أساليب الحكم على النتيجة تأمل ما حدث في الماضي، ففي كتاب حمل عنوان «فرض الضرائب على الأغنياء: تاريخ العدالة المالية في الولايات المتحدة وأوروبا»، (صدر عن معهد «برنستون» البحثي عام 2016)، قام كينيث شيف، الأستاذ بجامعة «ستانفورد»، وديفيد ستاسفادج، الأستاذ بجامعة «نيويورك»، بملاحظة الأوضاع في 20 دولة على مدى قرنين كاملين لتحليل طريقة تعامل المجتمعات مع غير الميسورين من سكانها، وفي النهاية، توصل البحث إلى نتيجة محبطة وهي أن الضرائب لم ترتفع على الأغنياء عندما تفاقمت نسب عدم المساواة والمصاعب الاقتصادية.
وعلى العكس، لاحظا أن الضرائب ترتفع عندما يعم الرخاء، و«السبب هو أن التعبئة للحرب قد غيرت من معتقدات الناس بشأن عدالة الضرائب»، وكان الهدف من تلك التغييرات الضريبية هو ضمان الإبقاء على الوضع الاجتماعي، بدلا من تصحيح حال عدم المساواة في الاقتصاد.
وتوصل شيف وستاسفادج إلى نتيجة مفادها أن الدول الديمقراطية لم تواظب على اتباع سياسات تعتمد على إعادة توزيع السياسة الضريبة، وأن غالبية الناس لا تصوت لمصالحها الذاتية الضيقة، على سبيل المثال، مع اتساع نطاق التصويت على مر القرون، وعندما بدأ الناس ممن لا يملكون العقارات يدلون بأصواتهم، لم يستمروا في فرض الضرائب على الأغنياء بانتظام، في الحقيقة، جاءت تلك النتائج على عكس المتداول بين الناس، فلنتذكر ما حدث عام 2012 عندما قال ميت رومني إن المرشح الذي يقدم إعفاءات ضريبية لغير الميسورين على حساب الأغنياء سوف يكسب تأييد الناس في الدول الديمقراطية «بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى»، لكن هذا الزعم لا يبدو مستندا لأي وقائع تاريخية.
على العكس، سواء كان للأفضل أو الأسوأ، فإن غالبية الناس تشترك في أفكار بسيطة تتعلق بمفهومي الجدارة والعدل، فالأستاذان الجامعيان وزملاؤهما توصلوا عام 2014 إلى أنه عند سؤال الناس داخل الولايات المتحدة عن الضريبة التي يقترحون أن تسددها أسرة ذات دخل سنوي يبلغ 375 ألف دولار، كانت الإجابة أن النسبة المتوسطة هي 30 في المائة من الدخل، إذ تراوحت غالبية الآراء بين 20 في المائة و40 في المائة (في حين أن الضريبة الفيدرالية المفروضة على هذا الدخل هي 33 في المائة).
تعتبر هذه النتائج متوافقة مع نتائج البحث الذي أجريته بنفسي والذي ركز على ضريبة التركات، ففي عام 1990 قمت أنا، وماكسيكام بويكو، الذي كان يعمل وقتها مع «مركز موسكو البحثي»، ويعمل أيضا مع «معهد اقتصادات العالم والعلاقات الدولية» الأميركي، بتوجيه السؤال التالي إلى عدد من سكان نيويورك وموسكو: «من وجهة نظرك، ما الضريبة المفروض جبايتها من الأغنياء؟»، وجاءت غالبية الإجابات متطابقة في المدينتين: 37 في المائة في نيويورك، و39 في المائة في موسكو، ففرض ضريبة تعادل ثلث الدخل، قد تقل أو تزيد قليلا، بدت عادلة للناس.
ربما تبدو الإجابة منطقية بشكلها المجرد، لكن ماذا عسانا أن نفعل في المستقبل في حال لم تف تلك النسبة بعائدات تكفي الطبقة الفقيرة والطبقة المتوسطة التي أخذت في التآكل؟
على غرار الدراسة سالفة الذكر، فقد شاركت مع 9 خبراء اقتصاديين في مشروع استقصائي بعيد المدى، لنخرج بكتاب ساعد في إخراجه أغناسيو بلاسيو هوريتا، الأستاذ بكلية الاقتصاد بجامعة «لندن»، ونشر عام 2013 تحت عنوان «في 100 عام: كبار خبراء الاقتصاد يتوقعون المستقبل»، فوفق الكتاب، لم يعبر أي منا عن تفاؤله بأن عدم المساواة سوف تصحح في المستقبل، وأنه ليس هناك سياسة اقتصادية يتوقع لها أن تغير من الوضع الحالي.
على سبيل المثال، علق أنغوس ديتون، الباحث بمعهد «برنستون»، على ما أسماه «الزيادة الغريبة لعدم المساواة خلال الثلاثين عاما الماضية»، بعبارات لا تخلو من التشاؤم، قال فيها: «الناجحون في عملهم سوف يحسنون تنظيم صفوفهم لحماية مكاسبهم بالشكل الذي يعود عليهم بالنفع على حساب الأغلبية».
وقال رويبرت سولو، الأستاذ بمعهد «إم إي تي»: «نحن لسنا بارعين في توزيع الدخل على نطاق واسع»، والجدير بالذكر أن كلا الأستاذين ديتون وسولو قد حصل على جائزة نوبل في الاقتصاد.
لا يبدو أن هناك من لديه خطة محكمة للتعامل مع احتمالية تفاقم عدم المساواة في حال زادت حدتها في المستقبل.
وفي كتاب «الفقر والمجاعات: مقال عن الاستحقاق والحرمان» («أكسفورد» عام 1983)، قام البروفسور أمرتسين، الأستاذ بجامعة «هارفارد»، بتوثيق أمر غير اعتيادي، حيث قال: «في أربع مجاعات ضربت أماكن متفرقة من العالم شملها البحث، كان هناك ما يكفي من الطعام ليبقي الجميع على قيد الحياة، لكن المشكلة كانت تكمن في أن الطعام لم يكن يوزع بشكل ملائم، فقد سمحت أنظمة الامتيازات والاستحقاق باكتناز الطعام من قبل ذوي النفوذ الذين سارت حياتهم كالمعتاد، والشيء الوحيد الذي طرأ على حياتهم أنهم باتوا ينهرون المتسولين الجياع من حولهم، ويرون جثث الموتى ملقاة على قارعة الطريق بين الفينة والأخرى».
صوّر فيلم «الرعد البعيد» للمخرج ستاجيت راي، الذي أنتج عام 1973، أحد تلك المآسي، والتي تمثلت في المجاعة التي ضربت بنغلاديش عام 1942، والتي أدت لموت الملايين، جميعهم تقريبا من أفقر طبقات المجتمع. لم تحرك الطبقة الميسورة ساكنا، ولم يرأف بحال الجياع والموتى سوى قلة قليلة ممن كانت لا تزال تحتفظ بوازع أخلاقي دفعها لأن تمد يد العون.
وعلى الرغم من الفشل في الماضي، فإنه يجب علينا ألا نفقد الأمل في قدراتنا على تحسين العالم، ففي عمود صحافي كتبته مؤخرا، اقترحت بعض الأساليب التي نستطيع بها تغيير الإحساس العميق بالاستحقاق عن طريق زيادة الأجور وتوسيع نطاق الأمان الوظيفي، مثل هذا البرنامج قد يمثل بداية للتعامل مع التحديات الضخمة القادمة.
* خدمة «نيويورك تايمز»

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة