النظام يهدد «معضمية الشام»: تسليم السلاح وترحيل المعارضين.. أو الحرب

4 سنوات من الهدن فرضها النظام لحماية العاصمة ومناطقه الحيوية

النظام يهدد «معضمية الشام»: تسليم السلاح وترحيل المعارضين.. أو الحرب
TT

النظام يهدد «معضمية الشام»: تسليم السلاح وترحيل المعارضين.. أو الحرب

النظام يهدد «معضمية الشام»: تسليم السلاح وترحيل المعارضين.. أو الحرب

كثف النظام السوري أمس ضغوطه على أهالي «معضمية الشام» للقبول بتسوية معه، تقضي بتجريد المقاتلين من سلاحهم وترحيل من لا يوافق على التسوية إلى خارج المدينة الملاصقة للعاصمة السورية، مهددًا باستخدام القوة والقصف «في حال عدم القبول بتسويته».
وبعد اتفاق داريا، يسعى النظام إلى فرض تسوية في المعضمية الواقعة جنوب دمشق. وقال الناشط داني قباني، عضو المركز الإعلامي في المعضمية لـ«الشرق الأوسط»، إن لجنة التفاوض التي التقت ممثلين مع النظام أمس «تحدث معها ممثلو النظام بلهجة الفرض، وهددوا بحرق المعضمية في حال عدم القبول بالتسوية». وقال: «لم يترك النظام خيارًا آخر أمام السكان. ففي وقت كان السكان منقسمين قبل اللقاء مع ممثلي النظام بين من يرضى بالتسوية بشروطها، وبين من يعارضها بالكامل، أو يعارض بعض بنودها، مثل تسليم السلاح أو خروج بعض الأسماء التي أعد النظام قوائم فيها، بدا المشهد مغايرًا بعد الاجتماع، حيث بدأ النظام عازمًا على استخدام القوة والشروع في حرب لا قدرة على المدنيين في المعضمية خوضها».
وقالت مصادر سورية معارضة بريف دمشق لـ«الشرق الأوسط»، إن الاجتماع عقد بين لجنة المفاوضات عن مدينة (معضمية الشام) ولجنة المفاوضات من قبل قوات النظام الممثلة بالعميد غسان بلال، مدير مكتب ماهر الأسد، والمفاوض أكرم جميلة، حيث تم إبلاغ المفاوضين من أهالي المدينة، بأن هذا الاجتماع هو الأخير إلى حين الإبلاغ بالموافقة أو الرفض.
وأوضحت المصادر، أن بنود الاتفاق الذي يدفع النظام باتجاه تطبيقه، تتضمن «تسليم السلاح بشكل كامل، وتسوية أوضاع جميع الثوار والمنشقين والمتخلفين عن الخدمة الإلزامية، وإعداد قوائم تحمل أسماء الأشخاص الذين لا يرغبون في التسوية بغرض ترحيلهم خارج المعضمية باتجاه الشمال، ودخول مؤسسات الدولة إلى المعضمية، وتشكيل كتيبة تحمل اسم الشرطة الداخلية بقيادة مشتركة من أهالي المدينة وقوات النظام».
وهدد النظام، بحسب المصادر، بإعلان المعضمية «منطقة حرب في حال رفض التسوية، والعزم على حسم الوضع فيها عسكريًا بعد ترحيل النساء والأطفال منها».
المعضمية، ستكون آخر المناطق التي يقضمها النظام بالهدن والتسويات. ولم تُجارِ المعارضة السورية النظام بإجباره على تنفيذ هدنة، إلا في حالة الزبداني ومضايا – كفريا والفوعة التي تم التوصل إليها في شهر سبتمبر (أيلول) 2015، حين أجبر «جيش الفتح» في الشمال النظام السوري وحلفائه على تخفيف الضغط عن الزبداني، ومنع اقتحامها وإخراج 700 مقاتل لا يزالون فيها، إلا حين فرضوا معادلة «الزبداني مقابل كفريا والفوعة»، وهما قريتان يسكنهما سوريون شيعة في محافظة إدلب في شمال البلاد. وعدا ذلك، استطاع النظام أن يتدرج بالهدف إلى اتفاقيات إخلاء، يصفها النظام بأنها «مصالحات»، وتمثلت في اتفاق إخلاء داريا قبل أيام قليلة من المقاتلين المعارضين والمدنيين، بعد عامين على إخلاء أحياء حمص القديمة من السكان والمقاتلين.
وتوصل النظام والمعارضة منذ عام 2012 إلى عدة اتفاقات هدنة أو تهدئة، اختلفت تسمياتها، بدأت في بلدة قلعة المضيق في حماه، وتلاها بلدة المعضمية في جنوب دمشق، قبل أن تكر السبحة لتشمل الهدن معظم المناطق المحيطة بالعاصمة السورية، وصولاً إلى حمص. وغالبًا ما تم التوصل إلى تلك الاتفاقات، حين فشل النظام في إنهاء وجود المعارضة عسكريًا في تلك المناطق.
ويقول مدير «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» فضل عبد الغني لـ«الشرق الأوسط» إن الهدن «كانت بمجملها عبارة عن عمليات استنزاف من قبل النظام لقوات المعارضة، وإجبارهم على الرضوخ لاتفاقات سعى إليها، وادعى خلالها أنه يقوم بالمصالحات»، مشيرًا إلى أن إخلاء داريا «يصوره النظام على أنه اتفاق، بينما جاء بعد 7800 برميل متفجر»، لافتًا إلى أن المنطقة «قُصفت بأسلحة كيميائية وحصار وتجويع»، وهو ما تكرر بعد حادثة إخلاء حمص في مايو (أيار) 2014.
وقال عبد الغني: «لولا إن كانت المناطق تُقصف عشوائيًا، حيث تم استهداف المدنيين والمدارس والمرافق الصحية، فإن السكان لن يغادروها، ولن يجبروا على توقيع الاتفاقات»، مشددًا على أن ما انتهجه النظام «يخالف حكمًا تطبيق قواعد القانون الدولي المتعلق بقوانين الحرب». وأشار إلى أن مناطق القابون وبرزة «تعرضت لجرائم حرب وضد الإنسانية؛ ما أجبر المعارضين على توقيعها، وهي تُسمى تجاوزًا بهدن؛ كونها إجبارا تحت ضغط القتل والحصار».
وبدأت سلسلة الهدن في بلدة قلعة المضيق في ريف حماه، حيث توصل النظام مع المعارضين إلى اتفاق يقضي بتجميد الأعمال القتالية في قلعة المضيق ومحيطها؛ منعًا لقصفها من قبل النظام. علما بأن قلعة المضيق، هي بلدة استراتيجية، يسكنها السنة، وتجاور مناطق تواجد العلويين في سهل الغاب وصولاً إلى جبال اللاذقية. وبحسب مصادر المعارضة، فإن التوصل إلى الهدنة «كان يهدف إلى منع تمدد المعارضة إلى العمق العلوي الذي يمثل البيئة الحاضنة للنظام بسهل الغاب».
وبدأت في مدينة معضمية الشام، المجاورة لمدينة داريا في الغوطة الغربية للعاصمة، التي دخلت هدنة في 25 ديسمبر (كانون الأول) 2013 بعد معارك وحصار استمر أكثر من عام، وقضت بتسليم الأسلحة الثقيلة مقابل إدخال المساعدات.
وبعد معضمية الشام، كرت سبحة الهدن في ريف دمشق، حول العاصمة، حيث شملت أحياء برزة والقابون وتشرين، الخاضعة جميعها لسيطرة المعارضة على الأطراف الشمالية للعاصمة دمشق، ودخلت هدنة مع النظام بدءًا من برزة في فبراير (شباط) 2014 لتتبعها أحياء القابون وتشرين في سبتمبر من العام ذاته.
ويعتبر اتفاق برزة، نموذجًا لاتفاقيات توصل إليها الطرفان في وقت لاحق حول دمشق، وشملت «وقف إطلاق النار بين الطرفين، انسحاب الجيش النظامي من كل أراضي برزة، إطلاق سراح معتقلي الحي من سجون النظام، إعادة الخدمات إلى الحي وإصلاح البنى التحتية، فتح الطرقات الرئيسية في الحي والسماح بعودة الأهالي بعد إصلاح الخدمات، وأن يسيّر الجيش الحر أمور المنطقة بشكل كامل دون تسليم عناصره أو سلاحه».
وبالتزامن، عقدت في فبراير من العام نفسه اتفاقيات في جنوب دمشق، شملت بلدات بيت سحم ويلدا وببيلا، وذلك بالتزامن مع استمرار المعارك العسكرية في المنطقة نفسها ومحيطها، حيث خاض مقاتلو ما يسمى «حزب الله» اللبناني ومقاتلون نظاميون معارك ضد المعارضة في منطقة السيدة زينب وما حولها. وبعد مايو، دخل حيّا القدم والعسالي في هدنة أيضًا، ليصبح جنوبي دمشق خاليا من مقاتلي المعارضة، باستثناء حي التضامن، إضافة إلى حي الحجر الأسود، الذي سيطر عليه تنظيم داعش في عام 2014، إضافة إلى مخيم اليرموك الذي يتواجد فيه مقاتلو «جبهة النصرة» وآخرون.
هذا، وجاءت الهدنة في مدينة قدسيا في الثلاثين من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، شرطا رئيسيا وضعه النظام لإعادة فتح الطريق وفك الحصار الكامل المفروض عليها.
وكان النظام يسعى إلى عقد اتفاقيات في مناطق حيوية، لعل أبرزها اتفاقيات مع المعارضة في القلمون الشرقي في عام 2013 لضمان بقاء خط إمداد الغاز إلى المحطات الحرارية بريف دمشق، كما سعى إلى اتفاقيات في منطقة وادي بردى؛ لضمان وصول مياه السفة من نبع فيجي ونبع بقين إلى عاصمته.
أبرز الهدن في سوريا العابرة للمناطق، هي هدنة الزبداني – كفريا والفوعة، الذي تم التوصل إليه في سبتمبر 2015، ونصت على وقف إطلاق نار في كل من الزبداني ومضايا وبقين وسرغايا والقطع العسكرية المحيطة بها في ريف دمشق، كذلك الفوعة وكفريا وبنش وتفتناز وطعوم ومعرة مصرين ومدينة إدلب ورام حمدان وزردنا وشلخ في محافظة إدلب. وطبق الاتفاق على مراحله خلال الأشهر الستة الأولى، مدة الهدنة، قبل أن يتجدد تلقائيًا، ويعتبر صامدًا حتى الآن. ولعل من أبرز شروطه المنفذة، خروج المقاتلين ومن أراد من العوائل في المناطق المشمولة في ريف دمشق باتجاه إدلب تحديدًا، إضافة إلى خروج الراغبين من النساء والأطفال دون الثامنة عشرة، والرجال فوق الخمسين وكامل الجرحى من الفوعة وكفريا، بحيث لا يزيد العدد على عشرة آلاف مواطن سوري.
وفي عام 2016، توصل السكان المحاصرون في داريا الواقعة على بعد 10 كيلومترات جنوب دمشق، إلى اتفاق مع النظام السوري، انتهى تنفيذه السبت الماضي. ونص على إخراح المقاتلين وأفراد من عائلاتهم إلى مدينة إدلب في شمال غربي البلاد، وعلى إخراج مدنيين آخرين إلى مركز إقامة مؤقت في قرية حرجلة، الواقعة على بعد نحو عشرين كيلومترا جنوب شرقي داريا.
ويعد اتفاق داريا، تكرارًا لاتفاق أحياء حمص القديمة الذي توصل إليه المعارضون في النظام في مايو 2014، وقضى بإخراج جميع المقاتلين والمدنيين من تلك الأحياء، وترحيلهم إلى مناطق أخرى في حي الوعر بحمص أو بلدة الدار الواسعة بريف حمص الشمالي.



قبائل صنعاء تعرقل مساعي الحوثيين لتوسيع التجنيد

وقفة دعت لها الجماعة الحوثية في الضواحي الجنوبية من صنعاء (إعلام حوثي)
وقفة دعت لها الجماعة الحوثية في الضواحي الجنوبية من صنعاء (إعلام حوثي)
TT

قبائل صنعاء تعرقل مساعي الحوثيين لتوسيع التجنيد

وقفة دعت لها الجماعة الحوثية في الضواحي الجنوبية من صنعاء (إعلام حوثي)
وقفة دعت لها الجماعة الحوثية في الضواحي الجنوبية من صنعاء (إعلام حوثي)

اصطدمت محاولات الجماعة الحوثية توسيع حملات التعبئة والتجنيد في محيط العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء برفض قبلي متزايد، بعد إخفاقها في حشد أبناء عدد من المديريات لتنظيم وقفات مسلحة مؤيدة لتصعيدها العسكري، وسط ضغوط متصاعدة تمارسها على مشايخ القبائل لدفع مزيد من الشباب إلى جبهات القتال، وتعويض خسائرها البشرية.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن قيادات حوثية كثّفت، منذ مطلع الشهر الحالي، اتصالاتها وتحركاتها في ريف صنعاء، مطالبة مشايخ القبائل برفع جاهزية ما تسميه «التحشيد القبلي»، وتنظيم وقفات مسلحة وتوفير دفعات جديدة من المقاتلين لرفد الجبهات، في مسعى لتوسيع التجنيد بالتزامن مع ازدياد خسائر الجماعة في المواجهات المسلحة.

وجهاء موالون للحوثيين لدى مشاركتهم في وقفة تعبوية غرب صنعاء (إكس)

وشملت التحركات مديريات بني مطر، وسنحان وبني بهلول، وبلاد الروس، وخولان، وجحانة، وهمدان، وأرحب، ونهم، وصعفان، ومناخة، غير أن هذه المساعي واجهت، وفق المصادر، إحجاماً من عدد من المشايخ والوجهاء عن الاستجابة للمطالب الحوثية، وسط استياء متزايد من استمرار استنزاف أبناء القبائل في معارك تتحمل الأسر والمجتمعات المحلية تكلفتها البشرية والمعيشية.

وأضافت المصادر أن بعض زعماء القبائل أبدوا عجزهم عن توفير مقاتلين جدد، في ظل تراجع الاستجابة لدعوات التجنيد واتساع المخاوف من إرسال مزيد من الشباب إلى الجبهات، حيث تتكبد الجماعة خسائر متلاحقة.

تهديدات وامتيازات

لم تقتصر تحركات الجماعة على الاتصالات والدعوات التعبوية، إذ لجأت، وفق المصادر، إلى ممارسة ضغوط على مشايخ القبائل لدفعهم إلى الاستجابة، شملت التلويح بسحب امتيازات وفرض غرامات مالية على المتخلفين عن تنفيذ مطالبها، مقابل تقديم إغراءات مالية وعينية لمن يوافقون على رفد الجبهات بالمقاتلين.

وتسعى الجماعة، من خلال هذه الأساليب، إلى تحميل مشايخ القبائل مسؤولية توفير المقاتلين، وتوظيف نفوذهم الاجتماعي لاستقطاب أبناء مناطقهم، في وقت تزداد فيه الخسائر البشرية على جبهات تعز والساحل الغربي ومأرب والجوف ولحج والضالع.

وفي مؤشر على تعثر مساعي الحشد، شهدت مناطق في بني مطر وسنحان ونهم بمحافظة صنعاء، قبل أيام، وقفات قبلية منفصلة دعت إليها الجماعة، لكنها اتسمت بمشاركة محدودة، وفق المصادر المحلية.

إجبار أبناء قبائل ريف صنعاء على ترديد الشعارات الحوثية (فيسبوك)

وسخّرت الجماعة وسائل إعلامها لتغطية تلك الفعاليات وإظهارها بوصفها تعبيراً عن التأييد القبلي، في محاولة لتعزيز صورتها وتبرير استمرار تحركاتها العسكرية، بالتزامن مع مساعيها لاستقطاب مقاتلين جدد.

وتشير محدودية المشاركة في هذه الفعاليات، وفق المصادر، إلى صعوبة تحويل الدعوات الحوثية إلى حشد قبلي واسع، خصوصاً في ظل تنامي الاعتراضات على استنزاف الشباب، وتوظيف الروابط القبلية لخدمة الأهداف العسكرية للجماعة.

وتتزامن حملات التعبئة مع استمرار القيود والضغوط المفروضة على سكان مناطق ريف صنعاء، وسط اتهامات للجماعة بالتضييق على المعارضين ومواصلة الاستيلاء على أراضٍ وممتلكات خاصة، بما يزيد من حدة الاحتقان في أوساط السكان.

وفي ظل تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية في تلك المناطق، تواجه الأسر أعباءً اقتصادية متزايدة، بينما تواصل الجماعة توجيه جهودها نحو الفعاليات التعبوية والتحركات العسكرية، بدلاً من معالجة احتياجات السكان الأساسية.

مخاوف أسرية

تأتي هذه التحركات في ظل مساعٍ حوثية متواصلة لرفد الجبهات بالمقاتلين، بالتزامن مع تصاعد مخاوف الأسر من فقدان أبنائها أو عودتهم بإصابات دائمة، في وقت تزداد فيه الأعباء المعيشية، وتتراجع الخدمات الأساسية في مناطق سيطرة الجماعة.

وفي المقابل، يطالب سكان المناطق المستهدفة في ريف صنعاء بوقف حملات التجنيد والتحشيد، وتوجيه الجهود نحو معالجة الأزمات المعيشية، وتحسين الخدمات، بدلاً من دفع أبنائهم إلى جبهات القتال.

الحوثيون يستخدمون القتل والتهجير والخطف لإخضاع القبائل (فيسبوك)

وكانت الحكومة اليمنية قد دعت مشايخ القبائل والآباء والأمهات في تلك المناطق إلى منع إلحاق أبنائهم بصفوف الحوثيين، محذرة من الزج بهم في معارك تخدم، وفق موقفها، المشروع الإيراني وأجنداته الإقليمية على حساب أرواح اليمنيين ومستقبلهم.

وتتهم الحكومة الجماعة باستغلال النفوذ الاجتماعي والظروف الاقتصادية، إلى جانب أساليب الترهيب والإغراء، لاستدراج الشباب إلى معسكرات التعبئة والجبهات، بدلاً من توفير الظروف التي تساعدهم على العمل والحياة بعيداً عن الحرب.


تصعيد الحوثيين يفاقم النزوح ويهدّد الأمن الغذائي بتعز

منظر عام لمدينة تعز اليمنية المُحاصَرة من قِبل الحوثيين (رويترز)
منظر عام لمدينة تعز اليمنية المُحاصَرة من قِبل الحوثيين (رويترز)
TT

تصعيد الحوثيين يفاقم النزوح ويهدّد الأمن الغذائي بتعز

منظر عام لمدينة تعز اليمنية المُحاصَرة من قِبل الحوثيين (رويترز)
منظر عام لمدينة تعز اليمنية المُحاصَرة من قِبل الحوثيين (رويترز)

حذّر برنامج الأغذية العالمي من تعذر وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 600 ألف شخص في محافظة تعز، جنوب غربي اليمن، جراء استمرار التصعيد الحوثي وإغلاق الطرق، في وقت بدأت فيه السلطات المحلية بمحافظة لحج المجاورة إنشاء مخيم جديد لاستقبال الأسر الفارة من المواجهات، وسط مخاوف من اتساع موجة النزوح وتفاقم الاحتياجات الإنسانية.

وقال البرنامج إن من بين الأشخاص الذين بات الوصول إليهم متعذراً أكثر من 200 ألف امرأة وطفل يعتمدون على المساعدات الإنسانية، موضحاً أن انقطاع الوصول إلى المجتمعات المتضررة في الساحل الغربي منذ أوائل سبتمبر (أيلول) الماضي رفع إجمالي عدد المستفيدين الذين يتعذر الوصول إليهم إلى نحو 800 ألف شخص.

طفل يمني مع عائلته تحت شجرة شمال عدن بعد فرار أسرته من هجمات الحوثيين (أ.ب)

وأشار إلى أن مديريات تعز تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين داخلياً منذ اندلاع الأزمة، محذراً من أن استمرار المواجهات العسكرية واحتمال إغلاق مزيد من الطرق المحيطة بالمحافظة يزيدان صعوبة إيصال الإمدادات إلى السكان، في واحدة من أكثر المناطق اليمنية اكتظاظاً بالسكان.

تدهور معيشي

تتزامن هذه القيود الحوثية على تعز مع تدهور الأوضاع المعيشية في المحافظة، التي تسجل مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي. وذكر البرنامج أن 10 مديريات من أصل 16 في تعز سبق تصنيفها ضمن المرحلة الرابعة، أو مستوى الطوارئ، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

وفي مؤشر على اتساع المخاطر، أفاد البرنامج بأن أحدث عمليات الرصد أظهرت اقتراب مخزونات دقيق القمح من النفاد، محذراً من أن الكميات المتبقية من المواد الغذائية في الأسواق المحلية قد لا تكفي إلا لفترة محدودة إذا استمرت القيود المفروضة على الوصول إلى المناطق المتضررة.

مخيم قرب عدن للنازحين الفارين من جحيم الحوثيين (أ.ب)

ويزيد تعطل الطرق من صعوبة الاستجابة للاحتياجات المتنامية، خصوصاً مع وجود أعداد كبيرة من النازحين الذين يعتمدون على المساعدات لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تدهور إضافي للأوضاع الإنسانية إذا اتسعت رقعة المواجهات أو أُغلقت طرق إمداد أخرى.

مخيم جديد في لحج

في محافظة لحج، دفعت التطورات الميدانية في مديرية رأس العارة أسراً إلى مغادرة منازلها ومناطقها، هرباً من تداعيات التصعيد الحوثي، وفق مصادر محلية. وتأتي هذه التحركات في ظل المواجهات المرتبطة بمرتفعات كهبوب، التي تتحكم بمواقع عسكرية في ذو باب ومحيط مضيق باب المندب.

وباشرت لجنة الطوارئ في المحافظة، بالتنسيق مع السلطة المحلية في رأس العارة وممثل العمليات المشتركة، تحركات ميدانية لتنفيذ خطة عاجلة لتوفير المأوى للنازحين، بتوجيهات من محافظ لحج مراد الحالمي.

مسؤولون يشرفون على إقامة مخيم جديد للنازحين في محافظة لحج (إعلام حكومي)

وضم الوفد رئيس لجنة الطوارئ ووكيل المحافظة أحمد إبراهيم، ومدير عام الشؤون الاجتماعية صائب عبد العزيز، والمستشار عادل اليزيدي، ممثل محافظ عدن عبد الرحمن شيخ عن العمليات المشتركة وعضو لجنة عدن. وكان في استقبالهم مدير عام مديرية رأس العارة مراد جوبح، وأعضاء لجنة الطوارئ المحلية.

وخلال النزول الميداني، حُدّد موقع في منطقة خور عميرة لإقامة مخيم إيواء يتسع لأكثر من ألف خيمة، في حين بدأت الفرق الميدانية تركيب الدفعة الأولى، التي تضم 100 خيمة؛ تمهيداً لتجهيزها بصورة عاجلة لاستقبال الأسر التي اضطرت إلى ترك منازلها وممتلكاتها ومصادر رزقها.

ولا تقتصر احتياجات النازحين على توفير المأوى، بل تشمل الغذاء ومياه الشرب وسائر المستلزمات الأساسية، في ظل ظروف معيشية تزداد صعوبة على النساء والأطفال، الذين يجدون أنفسهم بعيداً عن منازلهم وبيئتهم المعتادة، وفي حاجة إلى الحماية والرعاية والمساندة الإنسانية.

وأكد رئيس لجنة الطوارئ أحمد إبراهيم أن السلطة المحلية واللجنة تعملان على تسريع توفير المأوى الآمن والسلال الغذائية والإغاثية للأسر النازحة، مع إيلاء اهتمام خاص بالنساء والأطفال والفئات الأكثر احتياجاً، مشدداً على أهمية مساندة المواطنين في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المديرية.

ودعا إبراهيم المنظمات الإنسانية والإغاثية المحلية والإقليمية والدولية إلى التدخل العاجل وتقديم الدعم اللازم، وتعزيز الاستجابة للاحتياجات المتزايدة، بما يضمن توفير الغذاء والمياه والمأوى والخدمات الأساسية، ويحول دون تفاقم معاناة الأسر التي دفعتها المواجهات إلى النزوح.


17 ألف استهداف للحوثيين منذ بدء عملية «فجر اليمن»

مقاتلون تابعون للحكومة اليمنية في إحدى جبهات المواجهة ضد الحوثيين (أ.ب)
مقاتلون تابعون للحكومة اليمنية في إحدى جبهات المواجهة ضد الحوثيين (أ.ب)
TT

17 ألف استهداف للحوثيين منذ بدء عملية «فجر اليمن»

مقاتلون تابعون للحكومة اليمنية في إحدى جبهات المواجهة ضد الحوثيين (أ.ب)
مقاتلون تابعون للحكومة اليمنية في إحدى جبهات المواجهة ضد الحوثيين (أ.ب)

تزامناً مع انكسار هجمات حوثية عنيفة في جبهات تعز ولحج، أعلنت القوات المسلحة اليمنية أن إجمالي الاستهدافات الجوية والبرية التي نفذتها، بإسناد من تحالف دعم الشرعية، تجاوز 17 ألفاً منذ بدء عملية «فجر اليمن»، في وقت شهدت فيه الساعات الـ24 الماضية تنفيذ أكثر من 1250 استهدافاً، أسفرت عن تحييد نحو 700 عنصر حوثي، وتدمير أو إعطاب أكثر من 150 آلية ووسيلة قتالية.

وتصدرت الجبهة الغربية لتعز مسار المواجهات، حيث أعلنت القوات الحكومية صد هجوم حوثي استمر نحو 12 ساعة، إلى جانب كسر هجمات أخرى في الضباب والأقروض والشقب، بالتزامن مع مواجهات في جبهتي المضاربة والوازعية بمحافظة لحج.

وأفاد المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، بأن العمليات المنفذة خلال اليوم الأخير، شملت مواقع وتحصينات وخنادق ومصادر نيران ونقاط مراقبة واستطلاع، إلى جانب مراكز قيادة وسيطرة متقدمة ومناطق حشد وإمداد حوثية.

وقال إن هذه الضربات استهدفت إضعاف الأنساق الدفاعية للجماعة والحد من قدرتها على شن الهجمات، مع تركيز ملحوظ على جبهات تعز.

جبل هان الاستراتيجي في غرب مدينة تعز حيث يضغط الحوثيون للسيطرة عليه (فيسبوك)

وشهدت الجبهة الغربية لمدينة تعز مواجهات عنيفة عقب هجوم حوثي واسع استمر نحو 12 ساعة في محيط جبل هان، وفق إفادات ميدانية للقوات الحكومية، التي قالت إنها تمكنت من صد الهجوم وإجبار المهاجمين على التراجع من المواقع التي حاولوا التقدم إليها.

وامتدت الاشتباكات إلى محيط المطار القديم ومنطقة غراب وبئر باشا، مع استخدام الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والقصف المدفعي والصاروخي. كما تواصلت المواجهات في محيط القصر الجمهوري شرق المدينة، وسط تقارير عن قصف حوثي استهدف أحياء سكنية في منطقة المطار القديم. وقالت القوات الحكومية إنها احتفظت بمواقعها في جبل هان، واستعادت مواقع تسلل إليها المهاجمون.

جانب من مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)

وفي جنوب المحافظة، تصدت القوات الحكومية لهجمات حوثية في جبهتي الأقروض والشقب، بالتزامن مع ضربات جوية استهدفت رتلاً من الدبابات والآليات العسكرية في منطقة رأس النجد بمديرية المسراخ، ومواقع للجماعة في تبة سوفتيل شرق المدينة، إضافة إلى دبابة وعربة عسكرية في جبهة الضباب غرب تعز.

وذكرت القوات الحكومية أن المواجهات والغارات أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف الحوثيين، من دون توافر حصيلة مستقلة للخسائر المعلنة.

تعزيزات واستنزاف في لحج

في محافظة لحج، تحديداً في غربها، حيث الحدود مع محافظة تعز، دفعت قوات ألوية العمالقة الجنوبية بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي، بتعزيزات من الفرقة السادسة مشاة ووحدات الإسناد إلى جبهة المضاربة، في إطار تعزيز القوات المنتشرة في المنطقة ومواجهة محاولات التسلل الحوثية.

وأعلنت قوات العمالقة تدمير آليات ومعدات عسكرية حوثية خلال التصدي لمحاولات التسلل، فيما تحدث إعلامها عن القضاء على آخر سرية من اللواء الحادي عشر احتياط التابع للجماعة، في سياق خسائر قال إن تشكيلات حوثية تكبدتها خلال المواجهات.

مقاتل يمني يتصدى للهجمات الحوثية في إحدى جبهات مدينة تعز (إعلام عسكري)

وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع استمرار القتال في جبهة الوازعية غرب تعز، حيث تسعى القوات الحكومية إلى إحباط الهجمات، ومنع الحوثيين من تحقيق اختراقات ميدانية باتجاه المناطق المجاورة لمحافظة لحج، والالتفاف على القوات الحكومية في باب المندب لفك الحصار عن الجيوب الحوثية.

وفي موازاة المواجهات البرية، أعلنت السلطات المحلية في مأرب أن الحوثيين قصفوا أحياء سكنية في المدينة بـ9 صواريخ باليستية و7 مقذوفات أخرى، مساء الخميس، محذرة من استمرار استهداف المناطق المأهولة بالسكان، وداعية المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ إجراءات لوقف هذه الهجمات.

وفي عدن، ارتفعت حصيلة الهجوم الصاروخي الذي استهدف قصر معاشيق الرئاسي ومنطقة البريقة غرب المدينة، إلى 5 قتلى و16 جريحاً، بحسب وزير الصحة العامة والسكان قاسم بحيبح، الذي أوضح أن الضحايا شملوا أفراداً من الحراسات وموظفين مدنيين.

استمرار العملية

على المستوى السياسي والعسكري، تابع رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، مستجدات عملية «فجر اليمن» وسير العمليات في مختلف الجبهات، خلال إحاطة قدمها وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، ورئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة الفريق الركن صغير بن عزيز، وقائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء الركن حمدي شكري، إلى جانب محافظي تعز ولحج.

ووفقاً للإحاطات، تجاوز عدد الاستهدافات الجوية والبرية التي نفذتها القوات المسلحة، بإسناد من تحالف دعم الشرعية، 17 ألف استهداف منذ انطلاق العملية، طالت مواقع وتجمعات وقدرات عسكرية حوثية على جبهات متعددة.

الحوثيون استهدفوا القصر الرئاسي في عدن بعدد من الصواريخ (رويترز)

وأشاد العليمي بأداء القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والمقاومة الشعبية، مثمناً دعم المملكة العربية السعودية ودور تحالف دعم الشرعية في مساندة الدولة اليمنية وقواتها المسلحة. وقال إن العملية مستمرة وفق أهدافها المعلنة لاستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية، وصولاً إلى العاصمة صنعاء.

كما تناولت الإحاطات الأوضاع الإنسانية والخدمية في تعز ولحج، والتدابير المتخذة للتعامل مع موجات النزوح وتأمين الخدمات الأساسية وطرق الإمداد، في ظل تداعيات التصعيد العسكري.

واتهم العليمي الحوثيين بفرض إجراءات قسرية في المناطق التي تسللوا إليها بمحافظة تعز، شملت التجنيد الإجباري والتعبئة الآيديولوجية ومحاولات تغيير هوية المؤسسات التعليمية والمجتمعية، محذراً من تداعيات هذه الممارسات، ومؤكداً مسؤولية الدولة عن حماية المواطنين ومساءلة المتورطين في الانتهاكات.