الإرهاب وخراب المعنى

داء البشرية الذي لم نستطع معالجته على الرغم من دعوات التسامح والتنوير الفلسفي

الإرهاب وخراب المعنى
TT

الإرهاب وخراب المعنى

الإرهاب وخراب المعنى

يعتبر العنف ظاهرة ملازمة للإنسان وللتاريخ، ويتطور بتطور الإنسان. وقد يتخذ أشكالا متعددة، ترتبط بطبيعة المناخ البشري، وبعلاقات القوى والسيطرة في العالم. فالمعنى ظاهرة إشكالية بامتياز. إذ بقدر ما هو مدمر للإنسان، بقدر ما يلعب دورا أساسيا في صنع التاريخ البشري، بقدر ما يشكل تهديدا حقيقيا لمصير الإنسانية. وبقدر ما يعتبر أساسا لتثبيت السلطة السياسية بقدر ما يمكن أن ينقلب ضدها.
إن العنف، هو داء البشرية الذي لم تستطع الحد من انتشاره، على الرغم من دعوات التسامح الديني ومن التنوير الفلسفي، وعلى الرغم من تناسل الخطابات، وتناسل المنظمات الداعية إلى احترام حقوق الإنسان.
ويشكل الإرهاب ذروة العنف. فهو رعب ضد رعب، ينتشر في كل مكان، حيث بات الهاجس المقلق والمربك لكل المجتمعات والدول. إنه الظل المرافق لكل نسق من الهيمنة. وليس ثمة خط فاصل يسمح بمحاصرته. والإرهاب شكل من أشكال العنف، أو لنقل، عنف فاحش، لأنه يهدف إلى إحداث أكبر قدر من الخسائر في الأرواح والممتلكات، وبأفظع الوسائل، لكي يترك الأثر الأقوى والأبلغ في النفوس، وليس من رادع له، لا في الزمان ولا في المكان، فالكل مستباح. هذا يعني أنه عنف أعمى لأنه لا يميز، فالكل في سلة واحدة، ولا وجود لأبرياء في نظر الإرهابي، إذ يعتبر كل الناس مسؤولين عن مأزقه أو بؤسه أو فشله. وفي هذه الحالة، يصبح الكل رهائن له ولخططه. وهذا ما يلاحظ من خلال عمليات خطف الطائرات، أو التفجيرات التي تشهدها المقرات الرسمية والأماكن العامة، التي يستخدم فيها الإرهابي، جسده وأجساد الآخرين كأدوات للتفجير، أو الترويح، أو التعذيب، أو التصفية. بهذا المعنى، فهو عنف فائق، عنف شرس. إنه عنف فيروسي يحدث عن طريق العدوى، ويعمل شيئا فشيئا على تدمير مناعتها. ومن الخطأ أن نعتقد أن الإرهاب هو سلاح الضعفاء. فمثل باقي الأسلحة الفتاكة، يعتبر الإرهاب سلاح الأقوياء على الخصوص. وعندما ندعي عكس ذلك، فلأن الأقوياء يراقبون الأجهزة الآيديولوجية والثقافية التي تجعل إرهابهم يتخذ شكلا غير شكل الإرهاب. بهذا المعنى، فالإرهاب تعبير عن انفجار المنظومة الغربية، من خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، ومختلف ردود فعلها. فشعار الحرب على الإرهاب: عنف يولد عنفا. بمعنى أنه لم يتم الخروج من المنطق المأزوم نفسه. فنجد بن لادن وبوش يتحدثان اللغة نفسها، أي لغة القوة وليس لغة الحوار. وعدوانية الإرهابي، لا يمكن فهمها كحركة ممانعة ومدافعة عن الهوية الإسلامية، بقدر ما تعبر عن أزمة الثقافة الإسلامية وردتها عن قيمها.
أزمة الثقافة العربية الإسلامية
للإرهاب الممارس اليوم من طرف الحركات الأصولية، جذر ثقافي يرتبط ببنية الثقافة وثوابتها ومعتقداتها ونماذجها، وكل أشكال الوعي المرتبطة بروافدها. يحدده سؤال الهوية، وما ينتجه من أوهام تتعلق بالميولات المرجعية، والنماذج البائدة، التي تحرك اختياراته وقناعاته في نظرته إلى ذاته وإلى الغير. بهذا المعنى، فالهوية في نظر الإرهابي، تعتبر جوهرا متعاليا، ومبدأ حصريا أحاديا، وأصلا ثابتا يختم، بصورة نهائية، على العقول والأجساد والأسماء. حيث يجري قذف الآخر خارج دائرة الإيمان والإنسانية، ويعتبره جرثومة يجب استئصالها والقضاء عليها. فكل من يدعي أنه الأحق والأشرف والأفضل والأرقى، من حيث المعتقد أو الثقافة، فهو مشروع إرهابي، لأنه ينطلق من عقلية اصطفائية إقصائية. حيث تناسى، وهذا ما يثبته الدرس الحضاري، بأن الهوية مركبة ومتحركة ومفتوحة ونسبية. فهي مجمل علاقاتنا وتبادلاتنا مع الآخر والزمن والعالم. على هذا النحو، يجب على المجتمعات الإسلامية، أن تتعامل سواء مع نفسها أو مع غيرها، بحيث تكون مهمتها المشاركة في صناعة الحضارة بصورة وسطية تداولية، بعيدة عن منطق الثنائيات: الخير-الشر، البربرية -الحضارة.
لقد تغيرت الهوية الثقافية التي ندافع عنها بفعل الزمن، وبفعل علاقات التأثير والتأثر بين الحضارة الإسلامية وباقي الحضارات الأخرى، من فارسية وهندية وصينية ويونانية، وكذلك باقي المذاهب الدينية الأخرى، التي وافقته أو اختلفت معه. كما أن انتماءنا إلى العالم المعاصر، اخترق وجودنا بفعل أدواته وأفكاره، وبالتالي لم نعد قادرين على الانفصال عنه. بل في دفاعنا عن أنفسنا، نلجأ إلى أسلحته ومخططاته. أمام هذا الوضع كيف يمكن تصور وجود هوية ثابتة أصلية؟ إن هويتنا متصدعة يسكنها الاختلاف. فنحن على الأقل، أوروبيون وآسيويون وأفارقة وغير ذلك.
ويعد الإرهاب نتاجا لطرق التفكير ولكيفيات استعمال العقل، بحيث ارتبط بنماذج فكرية دغدغت الحياة العامة بخطاباتها التي تدعي امتلاك الحقيقة، بل وامتلاك الأجوبة النهائية على كل قضايا ومشكلات الحياة المعاصرة. وتزعم أن كل ما أنتج من مفاهيم ونظريات وتجارب، في جميع فروع العلم والمعرفة، لم يأت بجديد. وهذا النموذج من التفكير يجهل سيرورة المفاهيم والنظريات وانتقالها عبر براديغمات (منظومة أفكار ومفاهيم مرجعية). كما يجهل تاريخ الأفكار، وأن كل فكرة تتولد عن أسئلة نظرية في سياق معين. وما يقوم به، هو السطو على المعارف المنتجة في الجامعات الغربية، لكي ينسبها إلى الإسلام. وتلك هي الفضيحة المعرفية والخلقية. لكن هناك من أغلق فكره، وسلم أوراقه إلى مرجعه الذي يختم على عقله، ويعمل على قولبته، لكي يكون على شاكلة الأوائل فيما كانوا يعتقدونه أو يفعلونه في كل أمر وشأن، أي في جميع مجالات الحياة اليومية، من أكل ولبس وزواج وعطر وغير ذلك. بمعنى أن هؤلاء قدموا استقالتهم من التفكير الحي والمثمر. ونتيجة هذه المهمات المستحيلة، هي إعادة إنتاج الماضي، عجزا وفقرا أو مسخا وتشويها. إلى جانب هذا كله، هناك من يدعي إنقاذ الأمة الإسلامية والبشرية جمعاء، عبر زرع الرعب، وسفك الدماء، وزعزعة الأمن والاستقرار، وتدمير معالم الحضارة، حيث تحول إلى مخرب أممي يدعي أنه وكيل الله وصاحب مهمة إلهية. أي أن الإرهابي يمتلك الحقيقة، وكل القيم والمعاني، من خير وحق ومدنية وحضارة، مستبعدا كل من يختلف معه ويعارضه. بهذا المعنى فإن بن لادن والزرقاوي والظواهري وغيرهم، لم يأتوا من عالم الغيب. وإنما هم ثمرة مرشدين ودعاة ووعاظ وتأويل معين للنص الديني، والحصيلة هي بناء جميل متشدد ومتطرف وعدواني وانتقامي، يفتش عن سفارة يحتلها، أو عن مقر يفجره، أو عن جسد يمزقه، أو عن كاتب يطعنه.
إن مقولة «إسلامية المعرفة»، من المقولات الرائجة لدى الكثير من الحركات الفكرية الداعية إلى أسلمة كل أشكال الحياة والمجتمع والثقافة. واللافت للنظر، أن العلماء المسلمين القدامى، لم يصنفوا العلوم على أساس ديني، بل صنفوها على أساس ثقافي، علوم أصيلة ودخيلة، مع العلم أنهم كانوا منتجين لكل أشكالها. أما اليوم، فما هو إنتاج المسلمين في مجال العلم لكي يتحدثوا عن علوم إسلامية، أو عن معرفة إسلامية. وكل مشتغل في أي فرع من فروع المعرفة، يجد نفسه في حقل له تاريخه وأعرافه. وله عدته وأدواته. كما أن له مشكلاته ورهاناته، فضلا عن مدارسه واتجاهاته. همه في عمله، تشخيص واقعة أو تحليل ظاهرة أو صوغ مشكلة أو فهم أزمة أو معالجة قضية. ومن يفعل ذلك لا يتخلى عن خصوصيته الثقافية بقدر ما يسهم في توسيع عالم المعرفة.
بهذا المعنى، فإن الدعوة إلى أسلمة المعرفة تشكل تراجعا عن عالمية الفكر الإسلامي. كما تشكل دليلا على تبعية العقل المسلم، وعدم قدرته على التحرر من تأثيرات الحداثة الغربية ومنجزاتها. فالحضارة الإسلامية تأثرت بالحضارات السابقة، وأثرت في الحضارات اللاحقة، بفعل الإبداع والإنجاز، لا بالبحث عن افتراضات واهية نابعة من تغلغل ما هو آيديولوجي في عقل المسلم على حساب ما هو ابستيمولوجي.
بشكل عام، ما يلاحظ على أزمة الثقافة الإسلامية أنها مركبة في عواملها، حيث تجمع بين موضوعات الفقر، والبطالة، والعنف الأسري والمدرسي، وغياب الديمقراطية، والفساد والجهل. والأمية كمحركات داخلية، لها دورها الفاعل كذلك، إلى جانب ما جرى الوقوف عليه من كيفيات التفكير وأنماطه لكي تشكل ظاهرة الإرهاب.



طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب
TT

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني، وفي سن 25 عاماً يمَّم شطر الغرب، وتحديداً النمسا التي يقيم بها منذ 42 عاماً.

في عام 1992، صدرت روايته الأولى «مدن بلا نخيل» ثم تعددت مؤلفاته، ومن أبرزها «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، و«أطُوف عارياً»، و«نهارات فيينا»، و«الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء»، و«بيت النخيل»... هنا حوار معه حول روايته الجديدة وعالمه الأدبي.

* في روايتك الجديدة «رأيت ما لا يجوز لك»، يبدو أن البطل على استعداد لتحويل الشعار الثقافي القديم «قتل الأب» من حالة مجازية تشير إلى رغبة كل جيل أدبي في تجاوز من سبقوه، إلى حالة فعلية من خلال هاجس إنهاء حياة والده فعلاً... ألم تكن قاسياً في تجسيد السلطة الأبوية؟

- فكرة قتل الأب أدبياً وفلسفياً ترمز في مضمونها إلى فكرة تمرّد نابع من سلطة الأب أو جبروته، وهي أيضاً تعبير عن عِصيان للتقاليد ومخالفة للأصول والجذور المتوارثة. الأب في روايتي تلك هو رجل واهن لا حول له ولا قوة ومصاب بألزهايمر.

من يقرأ العمل بلا اجتزاء، سيتبيّن له أن العلاقة بين الابن بلال والأب تتبع مبدأ (وبالوالدين إحساناً)؛ علاقة في مُنتهى اللطف واللين والمحبّة من الابن، يُحضّر للأب ألبومات الصور القديمة ليسحبه نحو الذكريات المبهجة، ويتذكر دوماً المعاملة الحنون من أبيه له وهو طفل صغير.

فكرة ضيق الابن بـ«حالة» أبيه وبعجزه هو عن التصرف لا جحود فيها، بل هو يتمنّى أن يأتي أبوه إلى هذا البرزخ الذي يستعيد فيه كلّ شخص عافيته وشبابه.

* بدا لبعض القراء أنك تنحاز لموقف الابن وتمنحه كل المبررات في مشاعر الجحود ضد والده؟

- الجحود هو إنكار المعروف وعدم الاعتراف بالفضل، والعكس في الرواية هو الموجود.

الابن يبوح لنا بحقيقة مشاعره تجاه حالة أبيه، بلال لا يتمنّى أن يكون أبوه في هذا الوضع المُحزن، يعترف بضعف طاقته كابن. لم يَظهر منه خلال الرواية بالكامل أي لفظ يدلّ على جحوده بأبيه، بل إنّه حين يحكي نتعاطف معه بالقدر نفسه الذي نتعاطف فيه مع الأب.

* هل يمكن القول إن السلطة الأبوية هنا تشير إلى سلطة الاستبداد السياسي أو المجتمعي عموماً؟

- لا توجد سلطة أبوية في الرواية ولا صراع أجيال. الرواية تدور ببساطة حول أب مريض بمرض مُرهِق والابن يحاول التخفيف عنه بكل الطرق الممكنة، فكأنّ الأدوار تبدّلت وصار هو الأب، حيث يحاول أن يعوّضه عن تلاشي عالمه القديم من ذاكرته.

حين أصبح بلال في البرزخ مع الموتى - الأحياء، ورأى بنفسه هناك بهاء الحياة ونعيمها وأدرك أن كلّ مريض قد برأ من مرضه؛ تمنى أن يأتي أبوه إلى هذا المكان.

مَن سيتجاوز هذه النقطة المهمة ويتسرّع في القراءة سيخِلَ بفكرة النص؛ فكرة أمنية بلال في استحضار أبيه إلى مكان يبرأ فيه من ألزهايمر ويتعافى.

* لك العديد من التصريحات التي تنتقد فيها «تقديس» البعض للطيب صالح وتحويله «صنماً» وفق تعبيرك... هل يمثل لك هذا الكاتب السوداني الشهير نوعاً من «السلطة الأبوية» التي أردت أن تتمرد عليها مبكراً؟

- الكاتب الكبير الطيب صالح أكتب عنه دوماً كلّ ما يليق به كقامة عظيمة شامخة. ويبدو أيضاً أن قراءة تصريحاتي مبتورة من الأصل، فانتقادي يتعلّق بمحاولة البعض اعتبار الطيب صالح نبياً أو قديساً لن يأتي من بعده من يمكن أن يكون جديراً بالتفرّد والإبداع الجديد والمميّز.

فكرتي بوضوح التي عبَّرت عنها مراراً أن الطيّب صالح سيبقى دوماً مصدرَ إلهامٍ لكثيرٍ من الأدباء في كلّ مكان، وهذا أمر جيّد وطبيعيّ لكاتب فريد من طراز الطيّب صالح، أمّا مسألة كونه سقف الرواية السودانية؛ فهذا شأنٌ ضارٌّ تَسبّب فيه الناقد المتساهل أولاً ثمّ القارئ المتسرّع ثانياً بتحويل الأديب الكبير إلى «صنم».

هذا الأمر للأسف ليس في صالح الأدب السودانيّ برُمّته ويغلق الباب من البداية بفرضيّة: «لا أدبَ سودانياً بعد الطيّب صالح»، ولا أعرف من أين يأتون بهذا اليقين؟!

* هل تشعر أن البعض لا يزال يختصر الأدب السوداني في شخص الطيب صالح، على نحو يبخس التجارب والأجيال التالية حقها؟

- سبق أن أكدت كذلك على أنه يكاد لا يخلو أيّ نقد عن كاتب سودانيّ من الوقوف عند ناصية الطيّب صالح والبدء منها أو الانتهاء بها، وهذا يدلّ على إجْحاف في براعة وتميُّز الكتابات السودانيّة التي تسبَح في عالم آخر بعيد تماماً عن سِكَة الطيّب صالح.

معظم النقاد يتساهلون في قراءة الأدب السودانيّ الجديد ويراوغون باستيعاب كتابات الطيّب صالح ويصوغونها بإفراط كمرجعيّة لكلّ أدب سودانيّ بَعده.

* أديب سوداني مولود في القاهرة ويعيش في فيينا... هل تتكامل أم تتصارع عناصر الهوية في تكوينك؟

- الهويّة تتبدّل كل لحظة باستيعاب المزيد من اللّغات أو المعارف أو القناعات، فهي لا تمحو قديماً لتنسخ جديداً، هي حاملة متغيّرات على أصل ثابت لا يتغيّر. الهويّة كائن حيّ يعيش ويتزوّد ويتلاقح ويتجدّد ليضيف ويُثبت وجوده الأصليّ وجذره الذي لا يفنى.

هويتي مكونة من عناصر متعدّدة لا تتعارض على الإطلاق، بل تضيف إلى جذر هوّيتي الثابت. الهوية الصماء المغلقة على نفسها التي لا تقبل التلاقح والانفتاح تتجه نحو العدم وإلى عدم القدرة على الإنتاج ولا حتى التفرد.

ميلادي في القاهرة ونشأتي منحاني نِعماً كثيرة. وجود الأب السوداني منحني بلداً كاملاً يمتزج بهوّيتي. فيينا درَستُ فيها وتخرّجتُ وعملتُ بجامعاتها الكبرى وعشت فيها لاثنتين وأربعين سنة وتزوجتُ من أهلها. أضاف كلّ ذلك لي ولهوُيتي التي أعتزّ بها.

إنها نِعمة كبيرة أن يكون للإنسان كلّ هذه الروافد الثقافيّة والإنسانيّة المؤتلفة، ثم يبحث فيها عن التناقض ويعزّزه فيشقى!

* كيف انعكست تجربتك الشخصية ما بين شمال وادي النيل وجنوبه، إلى جانب الحياة في الغرب، على تجربتك الإبداعية، فيما يتراءى لك؟

- بعد ربع قرن من الحياة في مصر انتقلتُ إلى النمسا وأقمتُ فيها حتى الآن (42 سنة)، حملتُ معي كلّ هذا الخزين الحياتي بحُلوه ومُرّه.

معرفتي العميقة بالحياة في النمسا سواء في فيينا أو في الريف كانت ضروريّة للحياة قبل الكتابة. كتبتُ عن النمسا من خلال معرفتي الوطيدة باللغة الألمانيّة وبالعادات والتقاليد وتحديداً النَّسَق الاجتماعي الوسط أوروبي، هذه المعرفة مكّنتني من الكتابة من كثب من الداخل عن الداخل.

كتبتُ بتفاصيل دقيقة عن أبطال وبطلات من عالمنا في الجنوب، عن أحوالهم هناك وعن انتقالهم إلى فيينا. ظهرت هذه الأصداء في رواياتي: في قصة حب في «بيت النخيل»، أيضاً في قصة علاقة مستحيلة، لكنها نجت ونجحت في «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، كتبت عن الفنان المضطهد في كلّ مكان عاش فيه في «وأطوف عارياً».

كذلك، كتبت عن غرائبيّة تحقق الأمنيات حين تأتي بالخطر والرعب في «لهو الإله الصغير»، في كلّ هذه الروايات ضَفّرتُ أفريقيا بأوروبا من خلال خبرة شخصيّة وتجربة فنيّة ضروريّة لكتابة الرواية، باختصار لا يمكن تجاوز تاريخ حياة الكاتب وتأثُّره بالبيئة عندما يكتب.

* أصداء العلاقة بين الشرق والغرب... كيف تسللت إلى نصوصك، وماذا كان عنوانها العريض برأيك؟

- تسلّلتْ العلاقة في نصوصي ببساطة «في» الشرق والغرب، وليس «بين» الشرق والغرب؛ فالعيش في النمسا لأكثر من أربعة عقود لا بد أن يأتي بحصيلته الفنيّة: عشتُ في وسط البلاد، حيث درَستُ بجامعة فيينا العريقة ثم درّستُ فيها.

كما عشتُ في شمالها، في مدينة كريمس وأقمتُ في بيتنا في الريف في أقصى الشمال، وكذلك أقمت في جنوبها. وبما أنهم يعدّونني كاتباً نمساويّاً نشطاً بينهم، منحوني وسام الجمهوريّة النمساويّة وعيّنوني سفيراً ثقافيّاً.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

ومنحوني منحة «إلياس كانتّي» الكبرى وجعلوني أمثّل النمسا في العديد من بلدان العالم وقدّموا لي الكثير غير ذلك.* تحاضر في ثلاث جامعات غربية في مجال شديد الجفاف هو الاقتصاد، وفق الانطباع السائد على الأقل، هل يتكامل التدريس الجامعي أم يتنافر مع تجربتك الإبداعية عموماً؟

- يظنّ أغلب الناس أن الاقتصاد مادّة جافّة لا علاقة لها بالأدب، في حين يرون أن مِهناً أخرى أكثر قرباً من الأدب أو أكثر جدارة أو قدرة على الكتابة فيه. أرى، على العكس، أن العلوم الاقتصادية من أقرب العلوم إلى الأدب، فهي قمّة التعامل العقلانيّ مع الموارد المحدودة أو السلع النادرة والقدرة على اتخاذ القرارات بعد تحليل دقيق من أجل إيجاد حلول لمشكلاتنا الاقتصادية. والاقتصاد يتضمّن مواضيع عديدة: من حروب واحتلال واحتكار وتسليح وفساد وأزمات بيئيّة وديكتاتوريّات ومصالح عالميّة شريرة... وغيرها، كلّ هذا يدخل بيسر من بوّابة الاقتصاد إلى ميدان الأدب.

الإلهام عبر الاقتصاد يتسلّل أيضاً بكل بساطة إلى حياتي كأديب، وإلى روحي كإنسان يحاول أن يفهم العالم ويكتبه. دراستي للاقتصاد في جامعة فيينا كانت في قسم فلسفة الاقتصاد، مع دراسة إلزاميّة موازية للعلوم الاجتماعية من أجل دراسة تعايش البشر وعلاقاتهم الاجتماعية والتغيّر الاجتماعي والقوانين والأنماط التي تحكم الحياة المجتمعية ودراسة المعايير والقيم والأدوار والتفاعلات والتوقّعات التي تشكّل سلوكهم.

تخصّصتُ فيما بعد بموضوع «أخلاق الاقتصاد» وكتبتُ أطروحتي عن «نقل الأخلاق»، أظنُّ أنه ليس هناك ما هو أقرب من ذلك إلى الأدب.


الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر
TT

الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر

مدينة مصرية قديمة تحتشد بالجميلات القويات البارعات في الحفاظ على الحضارة، لكنهن يجدن أنفسهن فجأة في قلب مشهد كابوسي يبدو فيه كل ما شيدته أياديهن من أسباب للخلود مهدَّداً بسبب غزو قادم من البحر يهدد جميع فئات المجتمع بعواقب كارثية.

يفتتح الكاتب المصري مصطفى الشيمي أحداث روايته «آرو... تراتيل النار»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة، والذي يخالف النقوش الموجودة على نقوش معبد هابو، حيث خلّد النساخ كلمات رمسيس الثالث «وصلوا إلى الشاطئ لكن ذريتهم لم تفعل»، معلناً نهاية الغزاة من شعوب البحر، لكن على خلاف إرادة الفرعون تنجو امرأة غازية في بيت كاهن وتترك ذريتها على هذه الأرض.

يولد الطفل ميري بعينين مغلقتين وحواس خامدة فلا يدرك الحياة إلا حين تفتح أمه جفنيه بقطرتين من زيت التمساح ليجد نفسه المنوط به إحياء ديانة إخناتون ومجابهة فرعون وجنوده، ولا يملك في يده سوى معجزة واحدة هي صبغة الألوان.

من مستنقعات مدينة ثونيوس إلى معابد طيبة، تشق الرواية جسد مصر القديمة بتاريخها الممزوج بالأسطورة، وتتبع رحلة عائلة استثنائية على حافة زمن يتداعى وعالم توشك قواعده القديمة على السقوط، عبر لغة جزلة تتدفق بسلاسة وقدرة على التخييل لجعل القارئ يرى تفاصيل الأزمنة البعيدة بأنهارها ومعابدها وشخصياتها التي تجمع بين الصلابة والهشاشة في آن واحد.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كان كل شيء يبدو مثالياً في مدينة (ثونيوس)، الضوء ينساب كالشلال على الوجوه وفي أول النهار، البيوت طينية مطلية بالأبيض ومسقوفة بالنخيل أو القصب من طابق أو عدة طوابق، مزينة بجداريات من حياة الفلاحين ومواسم الحصاد وصيد الأسماك.

فجأة دوّى صوت البوق من أحد أبراج المراقبة، وظل الجندي ينفخ فيه بلا توقف، مشيراً إلى البحر بجنون. لم يطل الغموض فعندما اقترب الجنود من مواقعهم على حافة الميناء رأوا ما رأى في قلب البحر: أسطول هائل من السفن لا تُرى ألوانها ولا تميّز أعلامها من بعيد، لكنها لم تكن سفناً تجارية لم يحتج أحد إلى تفسير إنه الغزو...

صاح قائد الجند:

- إنهم أبناء البحر!

ليست أول مرة يغزون مدن وادي النهر العظيم أو ممالك البحر الأخضر، سفنهم مصنوعة بهيئة ضيقة تساعدها على شق البحر بسرعة بالغة، إضافة إلى مجاديفها وأشرعتها القوية.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

داخل كل سفينة مجموعة من رماة الأسهم والرماح حتى السفن البيضاوية التي احتوت غالباً على النساء والأطفال والبضائع والحيوانات كانت قادرة على اصطياد السفن التجارية أيضاً. بداخلها نساء شرسات في القتال. التجار الذين فضَّلوا البقاء آمنين على الأرض راقبوا الجنود وهم يُغرقون سفنهم التجارية أمام أعينهم لاستعمالها متاريس حربية، دون أن يستطيعوا الاعتراض. الأمان والبقاء على قيد الحياة هو كل ما أرادوه، هل الأمان بالبقاء على هذه الأرض المنذرة بالفناء؟ أليس الهاربون المغامرون أكثر حكمة؟».


مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.