في عرض «جيفنشي» لخريف وشتاء 2016، انتظر الحضور وصول كيني ويست ما لا يقل عن 50 دقيقة. بعد وصوله تابعوا عرضًا لم يستغرق سوى 15 دقيقة من البداية إلى النهاية، الأمر الذي جعل البعض يتساءل أن كان حضوره ضروريًا بالأساس. في المقابل كان حضور نقشات النمر والفهد وجلود الأفاعي في هذه التشكيلة مثيرًا للأنظار، ومرحبًا بها إلى حد ما. المصمم ريكاردو تيشي قال إنه استلهم التشكيلة من مصر كما من حبه للحيوانات. فمنذ صغره وهو يعشق كل ما يتعلق بالمصريين القدامى، الذين أسسوا حضارة أعطت الكثير للعالم، كما أثرت بشكل مباشر في إيطاليا نظرًا لقربهما الجغرافي. وأضاف معلقًا بأن مصر القديمة برأيه «كانت بداية أشياء كثيرة، أولها أن المصريين القدامى ابتكروا (الباستا)، أي المعكرونة، قبل أن يُطورها الإيطاليون، وثانيها أنهم أول من صنع الورق وهلم جرا من الابتكارات الأخرى». وليس ببعيد، أن يكون رأيه أيضًا أنهم أول من استعمل جلود الحيوانات ونقشات النمر والفهد في الموضة، بالنظر إلى الصور التي عُثر عليها في مقبرة توت عنخ أمون. فهي تبين استعمال الجلود الطبيعية، إلى جانب جلود مصنعة تم جدلها بالكتان على شكل نجمات دائرية حتى تعطي الانطباع بأنها منقطة.
ريكاردو تيشي لم يكن الوحيد الذي عبر عن حبه للحيوانات المنقطة ونقشاتها التي اعتقدت الكثيرات ممن عايشن موضتها في الثمانينات أنها انقرضت واختفت، إما بسبب تعالي أصوات المناهضين لاستعمال جلود الحيوانات أو ارتباطها بحديثات النعمة، فقد ظهرت في عروض كل من دريز فان نوتن، «بوتيغا فينيتا»، «سان لوران» وآخرين. وفي كل هذه العروض كانت متوهجة وقوية. ما يشفع لها أنها لا تثير أي مخاوف منها نظرًا لتصاميمها العصرية، وأيضًا لأن رئيسة الوزراء البريطانية حاليًا، تيريزا ماي حضرتنا لها منذ سنوات. فمنذ عام 2002 وهي تقوم بدور فعال في نشر هذه الموضة، بطريقة غير مباشرة طبعا، حين ظهرت بها أول مرة على شكل حذاء بنقشات النمر. غني عن القول أن الحذاء المشار إليه، أثار جدلا كبيرا آنذاك، وشكل مادة دسمة لصحافة الموضة، إلى حد القول إنه أصبح أشهر حذاء في تاريخ السياسة البريطانية. سبب الجدل لم يكن لأنه افتقد الأناقة، بل لأنه كان جريئا وغير متوقع من سياسية. بالنسبة لتيريزا ماي فإن الأمر لم يكن يستحق كل هذه الضجة، فهي أولاً امرأة، وكأي امرأة تحب الأحذية، مع فرق بسيط أنها تميل أكثر إلى هذه النقشات، التي ظهرت بها في مناسبات كثيرة أخرى، إلى حد يجعلنا نشك بأنها أصبحت بمثابة تعويذة تتفاءل بها. ففي اليوم نفسه الذي اختارها فيه حزب العمال كرئيسة وزراء لبريطانيا، ظهرت بحذاء منقوش بجلد النمر أكثر نعومة مقارنة بذلك الذي ظهرت به في عام 2002، من حيث أن نقشات النمر ظهرت في الجزء الأمامي فقط منه.
ورغم أن السيدة تيريزا ماي ليست أيقونة موضة، رغم حبها الظاهر للموضة وجرأتها في اختيار ملابسها، فإنها أكدت أن هذه النقشات قوية هذا الموسم، كما أنها تجمع الكل، لأننا رأينا الكثير من الشهيرات يتبنينها بغض النظر عن ميولهم السياسية والفنية والشخصية. فقد رأينا المغنية نيكي ميناج بها والمغنية بيونسي، كذلك العارضة كايت موس ودوقة كايمبريدج، كايت ميدلتون، مع اختلاف في الجرعات. فبعضهن ظهرن بها في معاطف طويلة وأخريات اكتفين بالإكسسوارات مثل تيريزا ماي.
حسب رأي جو ويلدن، وهو مؤرخ ثقافي سيصدر له كتاب عن تاريخ هذه النقشات قريبا، فإن كل واحدة من هؤلاء تميل إليه من منطلق خاص، وإن كان القاسم المشترك بينهن أنهن مستقلات ويردن عكس مظهر قوي ومختلف. يضيف شارحا بأن تبني هذه النقشات لها لغة خاصة تريد صاحبتها أن تقول من خلالها إنها لا تخاف الاختلاف والتميز، حتى وإن كانت تعيش في ثقافة رجولية «فما أن تظهر المرأة بأي موضة مختلفة، حتى تبدأ عملية تشريحها من ألف جانب وزاوية». وأضاف: «مما لا شك فيه أن المرأة هنا لا تريد القول بأنها مفترسة لكنها حتما تريد أن تقول إنها ليست ولن تكون فريسة».
بغض النظر عن إيحاءاتها، فإن ما يزيد من جمال هذه النقشات هذا الموسم، تحديدا ويجعلها مختلفة عن تلك التي رأيناها في السبعينات أو الثمانينات، أن الخامات تطورت بفضل التقنيات الحديثة، ما أضفى عليها عصرية وخفة في أنٍ واحد. ثم لا ننسى أن مصممين مثل دريز فان نوتن ارتقوا بها إلى مستوى رفيع، بينما أبدع فيها هادي سليمان، في تشكيلته الأخيرة لـ«سان لوران»، وقدمها بلمسة حنين إلى الماضي الجميل مع بعض الجرأة في ألوانها التي طبعها اللون الأحمر أحيانًا. حتى المصممة ستيلا ماكارتني التي ترفض استعمال جلود الحيوانات الطبيعية وفرائها رفضا قاطعا، لم تقاوم جمالية هذه النقشات واستوحت منها في مجموعة حقائب يد تقدر أسعارها بـ1.850 جنيه إسترليني، ومعاطف بـ1.335 جنيه إسترليني وغيرها.
أما في عرض «أكريس» فقد أخذت هذه النقشات بُعدا آخر، لأن المصمم ألبير كريملر استلهمها خلال رحلة قام بها إلى غرب أفريقيا، الأمر الذي يفسر زمجرتها التي لا يخفف منها سوى ألوانها الدافئة. في هذا الصدد قال كريملر مدافعا عن نفسه بأنه استمتع بترجمة وحشيتها، وبكل دقيقة قضاها في صياغتها، حتى يتمكن من إدخالها الحياة اليومية، وهو ما نجح فيه.
العارضة كايت موس، التي لم تُخف يوما حبها لها وصرحت في عدة مناسبات أنها المفضلة لديها، ذهبت إلى أبعد من ذلك وقدمتها في التشكيلة التي تعاونت فيها مع الدار الفرنسية «إكويبمانت» مؤخرًا، بتجسيدها على قمصان و«بيجامات».
حاليًا وبفضل بيوت أزياء مثل «فندي»، «برادا» وغيرهما، فضلا عن أنيقات من مثيلات أنا وينتور، رئيسة تحرير مجلة «فوغ» النسخة الأميركية، وكارين روتفيلد، رئيسة تحرير النسخة الفرنسية سابقا، والمغنية بيونسي والعارضة كايت موس وغيرهن، أعيد الاعتبار لهذه النقشات واكتسبت فخامة ورقيًا، سواء كانت من الجلد الطبيعي أو الاصطناعي. فإذا كان المصريون القدامى، تعاملوا معها كرمز للتجدد والانبعاث، لهذا كانوا يحرصون على أن ترافقهم إلى مقابرهم، فإنها في قاموس هذا الموسم للموضة تحمل المعاني نفسها، أي التجديد. فجرعة قليلة منه، سواء ظهرت في حقيبة يد أو في حذاء أو تنورة أو معطف، لها مفعول ساحر، ومن شأنها أن تعطي صاحبتها مظهرًا لافتًا وواثقًا.
محطات تاريخية:
- كانت الحيوانات المرقطة تستغل نقشاتها الطبيعية لمفاجأة فرائسها والانقضاض عليها على حين غفلة، لأنه كان من الصعب التمييز بينها وبين محيطها الغني بالألوان، ومن هنا ولدت فكرة استعمالها كـ«كاموفلاج»، أي كوسيلة تخفٍ واندماج مع ألوان الطبيعة، لعدم جذب الانتباه فيما بعد. في قاموس الموضة الحالية أصبحت تُستعمل لجذب الانتباه وليس العكس.
- استعملت جلود النمر والفهد بداية لعكس القوة، وكان الصيادون يلبسونها في حروبهم واحتفالاتهم، بدليل أنها كانت المفضلة لدى محاربي قبائل الزولو الأفريقية.
- في القرن الثامن عشر أصبحت رمزًا للجاه والثراء عندما حملها المستعمر معه إلى أوروبا لتقديمها كهدايا.
- في البداية احتكرها الرجل، لكن سرعان ما استولت عليها المرأة في العشرينات من القرن الماضي. فمعاطف الفرو أصبحت في هذه الفترة موضة تمنح الدفء، وتعكس في الوقت ذاته تحرر المرأة من القيود القديمة، ورغبتها في معانقة أي جديد وثوري. ولأنه كان من ممتلكات الرجل، وجدت فيه عز الطلب.
- زادت الرغبة فيه، على مستوى الموضة، في عام 1925 حين ظهرت به النجمة ماريان نيكسون على شكل معطف من جلد النمر. بعد ذلك، عانقته الطبقات الأرستقراطية الأوروبية عمومًا والإيطالية خصوصًا، إلى حد أن المركيزة لويزا كازاتي جعلته ماركتها المسجلة إلى جانب اللؤلؤ، علما بأن المصمم دريز فان نوتن استلهم تشكيلته لهذا الموسم منها.
- الفضل في أناقته، كما نعرفها اليوم، تعود إلى المصمم كريستيان ديور، الذي استعمله في عام 1947 كنقشات في فساتين للنهار والمساء على حد سواء، ولم يكتف به في معاطف الفرو فحسب. حينها كتب في قاموسه الخاص للموضة، أنها لا تناسب كل النساء. فـ«لكي ترتدي نقشات النمر، يجب أن تتمتعي بلمسة أنوثة راقية وقوية. أما إذا كنت ناعمة ورقيقة فتجنبيها قدر الإمكان».
- في الستينات، اكتسب شعبية أكبر بعد أن ظهرت به نجمات السينما العالمية من مثيلات بريجيت باردو، إليزابيث تايلور، وغيرهما.
- في عام 1962، عندما ظهرت جاكلين كينيدي بمعطف مرقط صممها لها أوليغ كاسيني خصيصًا، تزايد الطلب على جلود الفهد بشكل غير مسبوق، الأمر الذي تسبب في مجزرة ذبح فيها 250.000 فهد. بعد تسرب الخبر لم يستحمل المصمم أوليغ كاسيني الفضيحة وتحول إلى مناهض لاستعمال الفرو والجلد الطبيعي، ليكون من أوائل المصممين المدافعين عن حقوق الحيوانات.
- في أواخر السبعينات والثمانينات خف بريقها واكتسبت سمعة غير إيجابية، لأنها أصبحت لصيقة بمعاطف الفرو، التي كانت أسهل هدية يقدمها الرجل للمرأة، عدا أن حديثات النعمة استعملنها لكي يعكسن ثراءهن، ما كان كافيًا للتأثير في صورته.
جلود الأفاعي ونقشات الفهود.. رسالة قوة وجمال
المظهر الذي تعتمده امرأة تريد القول «أنا لست فريسة»
من عرض «روبرتو كافالي» - من عرض دريز فان نوتن - من عرض «بوتيغا فينيتا» - من عرض «بيربري» - من عرض «جيفنشي»
جلود الأفاعي ونقشات الفهود.. رسالة قوة وجمال
من عرض «روبرتو كافالي» - من عرض دريز فان نوتن - من عرض «بوتيغا فينيتا» - من عرض «بيربري» - من عرض «جيفنشي»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة











