مواجهات الفكر الأوروبي.. أنطونيو غرامشي

رسائله من السجن من أهم الشواهد على المواجهة بين المفكر والرقيب

غلاف «رسائل السجن»  -  نصب تذكاري لغرامش صممه الفنان السويسري توماس هيرستشيخون
غلاف «رسائل السجن» - نصب تذكاري لغرامش صممه الفنان السويسري توماس هيرستشيخون
TT

مواجهات الفكر الأوروبي.. أنطونيو غرامشي

غلاف «رسائل السجن»  -  نصب تذكاري لغرامش صممه الفنان السويسري توماس هيرستشيخون
غلاف «رسائل السجن» - نصب تذكاري لغرامش صممه الفنان السويسري توماس هيرستشيخون

أعود بعد جولة المقالات التي تناولت السينما إلى سلسلة المقالات التي سبق أن نشرتها في هذا الموضع حول الفكر الأوروبي، وتناولت فيها مفكرين مثل الفرنسيَّيْن فوكو وباديو. أعود إلى تلك المواجهات مع السلطة بأنواعها لأتناول مفكرين آخرين شغلوا بالقضية ذاتها، ويأتي في طليعة من يصعب تجاهلهم في هذا السياق ودون أدنى شك الإيطالي أنطونيو غرامشي Gramsci، الذي يعد أيضًا أحد أبرز مفكري القرن العشرين، وإن تركزت شهرته في كونه أحد أشهر سجناء ذلك القرن على المستويين الثقافي العام والفكري الخاص. وربما كانت المذكرات التي كتبها أثناء فترة سجنه التي امتدت لما يقارب الأحد عشر عامًا أشهر وأكثر المذكرات الشبيهة عمقًا واتساعًا في الرؤية والطرح، إلى جانب تأثيرها الواسع الممتد إلى يومنا هذا. ومع أن مذكرات غرامشي، وكذلك رسائله من السجن، تركزت على الموضوعات التاريخية والفكرية والاجتماعية والثقافية العامة، متفادية السياسي منها، فإنها من أهم الشواهد على المواجهة بين المفكر والرقيب، بين الرؤية المعمقة والشاملة للعالم والسلطة القمعية التي تأبى لتلك الرؤية أن تتطور لتنتشر وتقلقها.
سيقفز إلى ذهن البعض، عند ذكر اسم غرامشي، مفهومان شهيران: المثقف العضوي، والهيجيموني hegemony أو الهيمنة. ولا شك أن المفهومين وما يتصل بهما من تفاصيل في غاية الأهمية، وأن تأثيرهما كان واسعًا وملموسًا في تطور الفكر المعاصر، لا سيما المتصل منه بالعلاقة بين الثقافة والمجتمع، أو بالتغيير الثقافي ودور المثقف على مختلف المستويات. فمن الصعب اليوم أن يتحدث أحد عن مفهوم المثقف والثقافة ودورهما في التغير الاجتماعي والسياسي الاقتصادي دون أن يشير إلى غرامشي، حتى إن لم يكن قرأ له شيئًا. غير أن أهمية غرامشي تتمثل أيضًا في الكيفية التي استطاع من خلالها إنتاج ليس المفهومين المشار إليهما فحسب، وإنما ما تزخر به الدفاتر الثلاثة والثلاثون التي دوّنها في السجن، وتجاوزت صفحات بعضها المائة صفحة، شاملة للكثير من التأملات والملاحظات والمعلومات والتحليلات في مجالات كثيرة تمتد من النحو إلى الفلسفة، ومن الاقتصاد والتاريخ إلى الفن والأدب. هذا إلى جانب رسائله الكثيرة التي تزخر هي الأخرى بالكثير من المسائل والآراء. ومما يسترعي الانتباه هنا الظروف القمعية والصعوبات الشخصية المهولة التي أحاطت بالكاتب ومذكراته، والتي كانت كافية لإسكاته، ولكنه تمكن على الرغم منها أن يقرأ ويكتب ويمرر.
ولد غرامشي عام 1891 لعائلة متواضعة الدخل، واضطر في فترة مبكرة لقطع تعليمه سدًا لاحتياج والدته وإخوته، بعد أن دخل والده السجن لأسباب مالية. لكنه عاد ليواصل تعليمه، فقطع بعض المرحلة الجامعية ليتوقف من جديد ويمارس الكتابة في الصحف. وكان قد تعرف على الفكر الماركسي نتيجة قراءاته الواسعة، الأمر الذي دفعه إلى الانضمام إلى الحزب الشيوعي الإيطالي ليبرز فيه بذكائه وقدراته على التخطيط الاستراتيجي والحركي. كان ذلك في أعقاب الحرب العالمية الأولى حين بدأت تظهر حركات يمينية متطرفة في مقابل الحركات اليسارية. وكان في مقدمة الحركات اليمينية الحركة الفاشية بقيادة موسوليني الذي فرض بعد توليه السلطة، ما بين عامي 1922 و1923، ديكتاتورية حزبية تضمنت إلغاء ما عداها من أحزاب وآيديولوجيات كان الشيوعي منها.
في عام 1924 تولى غرامشي رئاسة الحزب الشيوعي الذي كان قد شارك في تأسيسه بعد اعتقال رئيسه الأسبق، وكان المفكر الإيطالي في الوقت نفسه قد انتخب عضوًا في البرلمان. لكن لم يكد يمضي عامان حتى اعتقل غرامشي نفسه على الرغم من حصانته البرلمانية وحكم عليه بالسجن خمسة أعوام في جزيرة أوستيكا، وفي العام التالي تضاعف الحكم إلى عشرين عامًا. ذلك الحكم الأخير جاء مصداقًا لما طالب به المدعي العام الإيطالي عند محاكمته، حين قال عبارته الشهيرة: «علينا أن نوقف هذا العقل عن العمل لعشرين عامًا». ومع أن العشرين عامًا لم تكتمل، لأن غرامشي توفي في منتصفها تقريبًا، ومع أن مطالبة المدعي لم تتحقق، لأن عقل غرامشي لم يتوقف عن العمل، فإن مواجهة السجن تركت أثرها العميق.
ما تحقق هو إنتاج فكري دؤوب على مدى عقد كامل تمخضت عنه إضافات مهمة، ليس إلى الفكر الماركسي فحسب، وإنما إلى فهمنا لأمور كثيرة خارج إطار ذلك الفكر، على الرغم من كونه الإطار الرئيس أو المهيمن على انشغال المفكر الإيطالي السجين. على أن عملية إنتاج ذلك الفكر والدوافع التي حركته وأبقته متقدًا هي بحد ذاتها من الأهمية والاستثنائية في عمليات التأليف المألوفة، بحيث تستحق التوقف عندها لوحدها. لقد قبل غرامشي قدره بهدوء العارف لما ينتظره، ووضع أمام ناظريه هدفين أساسيين: أن يهزم سجانه، وأن تكون هزيمة ذلك السجان في شكل عطاء فكري قادر على قلب الطاولة على التسلط وإن على المدى البعيد. قرر منذ دخوله السجن أن ينكب على القراءة والكتابة، على الرغم من كثرة العقبات التي كانت أمامه. لكنه ثابر في المحاولة، حتى مكّن من القراءة أولاً ثم الكتابة، وفي العمليتين، القراءة والكتابة، كان حصيفًا مدركًا أن عين الرقيب تلاحقه.
كانت العقبة الأولى أمامه هي تجاوز الكتب المتاحة في مكتبة السجن، ولم تكن تلك بالكتب التي كان يبحث عنها لإشباع احتياجاته البحثية، ولكنه مع ذلك قرأ منها الكثير، واستغل وقته أثناء وقت القراءة بكتابة الرسائل، ولكن دون تسجيل ملاحظات على ما يقرأ، فقد كان ممنوعًا من ذلك. وبعد عدة مطالبات وإلحاح سمح له بالحصول على كتب من خارج السجن، فكتب بذلك إلى أصدقائه وفي طليعتهم أخت زوجته الروسية تاتيانا شوخت، حيث طلب منها ومن صديق آخر كتبًا في مجالات مختلفة كالتاريخ والاقتصاد والنحو، إلى جانب قواميس ألمانية وروسية، اللغتين اللتين أكب على تعلمهما وهو يعلم أن لديه وقتًا كافيًا لذلك. وحين أتيحت له الكتب كتب مرة أخرى يطلب السماح له بالكتابة فجاءه ذلك بعد حين. وهكذا أدى انفتاح الأفقين، القراءة والكتابة إلى تغيير حياته اليومية في الزنزانة ومنحه الكثير من العزيمة والأمل.
على الرغم من أن الهدف الأساسي للقراءة والكتابة كان البحث والتأليف في موضوعات محددة، فقد أراد غرامشي من ذلك النشاط الذهني والفكري تحقيق هدفين: الأول الترويح عن النفس، والثاني هو ما عبر عنه في رسالة لأحد أصدقائه: «صدقني، لم أكن لأزعجك بهذا (أي طلب الكتب) لو لم أكن مدفوعًا بالحاجة إلى حل مشكلة الهبوط الفكري الذي يشكل همًا بالنسبة لي». ذلك الهبوط، أو التحطيم الفكري والذهني بالأحرى، هو الذي أراده المدعي العام حين قال بضرورة «أن نوقف هذا العقل عن العمل عشرين عامًا». أراد غرامشي لذلك العقل ألا يتوقف.
ولم يتوقف عقل ذلك المفكر قبل أن يترك ما يجعل عقولاً كثيرة تعمل. لكن آن لهذه المقالة أن تتوقف وتختم بالقول إن تاريخًا مؤلمًا وملهمًا كتاريخ هذا المفكر الإيطالي يؤكد أن تاريخ الفكر الأوروبي الحديث لم يكن أبدًا طريقًا مفروشًا بالحرية والورود كما يتخيل البعض، بل كان تاريخ كفاح ضد نظم ظالمة عرفتها أوروبا مثلما عرفها العالم، ومنه عالمنا العربي الإسلامي قديمًا وحديثًا. وإذا كانت أوروبا اليوم لا تسجن مفكريها؛ لأنه لم تعد فيها نظم كنظام موسوليني أو ستالين، فإن ما عبر عنه غير مفكر أوروبي وسبق أن أشرت إليه في مقالات سابقة هو أن الطريق إلى الفكر أو الإبداع وإن جللته الحرية محاط بألوان أخرى من الصعوبات، ستتضح مع تأمل حالات لمفكرين آخرين أقرب زمنًا بكثير.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended