«تفخيخ الأطفال».. يسقط أقنعة «داعش» الزائفة

يستغل عقولهم كـ«لوح أبيض» لنقش عقيدته الدموية

أحد عناصر داعش أثناء حراسة فرن في مدينة الرقة السورية التي يسيطر عليها تنظيم داعش في صورة تعود لعام 2013 (أ.ف.ب)
أحد عناصر داعش أثناء حراسة فرن في مدينة الرقة السورية التي يسيطر عليها تنظيم داعش في صورة تعود لعام 2013 (أ.ف.ب)
TT

«تفخيخ الأطفال».. يسقط أقنعة «داعش» الزائفة

أحد عناصر داعش أثناء حراسة فرن في مدينة الرقة السورية التي يسيطر عليها تنظيم داعش في صورة تعود لعام 2013 (أ.ف.ب)
أحد عناصر داعش أثناء حراسة فرن في مدينة الرقة السورية التي يسيطر عليها تنظيم داعش في صورة تعود لعام 2013 (أ.ف.ب)

أثار شريط فيديو يظهر فيه مجموعة من الأطفال وهم يعدمون رميًا بالرصاص أسرى في العراق، وتوقيف الشرطة العراقية طفلاً حاول تنفيذ عملية انتحارية بحزام ناسف، إضافة إلى الهجوم الانتحاري الدامي الذي نفذه خلال حفل زفاف بجنوب بتركيا، تساؤلات كثيرة حول تجنيد تنظيم داعش الإرهابي المتطرف الأطفال. وأبرز هذه التساؤلات ماذا يهدف «داعش» من استخدام الأطفال في عمليات تفجيرية؟ وهل هناك مخطط للتنظيم للاعتماد عليهم بشكل أساسي؛ توفيرا للنفقات بدلا من عناصره القتالية المدرّبة؟ ومن ثم ما الطريقة المثلى لحماية الأطفال من الفكر التكفيري والممارسات العنفية؟
يرى خبراء مصريون معينون بشأن الجماعات الإرهابية، أن اتجاه تنظيم داعش الإرهابي لدفع الأطفال للقيام بعمليات تفجيرية يسقط آخر أقنعة التنظيم الزائفة، ويرجح هؤلاء أن يكون التنظيم قد توجه إلى استغلال الصغار توفيرا للنفقات، وحتى يتفادى خسارة عناصره من ذوي الخبرة. ومن ناحية أخرى، بقول الخبراء أن الأطفال ورقة رابحة جديدة لـ«داعش» يستغلهم وقودا للحروب، ولنقش عقيدته الدموية على عقولهم البيضاء، وفيما تسمى مدارس «أشبال الخلافة» يصار إلى تدريب الأطفال على 3 مستويات، فكرية وقتالية ونفسية.
المراقبون يرون أيضًا، أن التنظيم المتطرف ما زال يمارس أفعالا غير شرعية على وجه الإطلاق، وهو على الرغم من مناداته بتطبيق «الخلافة الإسلامية»، فإن جميع تصرفاته وأفعاله لا تمت للإسلام بصلة، وهو عندما يدفع بالأطفال ليواجهوا ضربات التحالف الدولي، فإنه يراهن على أن الضربات ستتراجع حال زجه بالأطفال في المواجهة.
والحقيقة أن «داعش» هدد حقًا بشن مزيد من الهجمات الانتحارية داخل الدول المشاركة في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية للحرب على التنظيم في العراق وسوريا.. ونشر التنظيم شريط فيديو مصوّرا لمجموعة من الأطفال وهم يرتدون الزى العسكري والأحزمة الناسفة لتدريبهم على تفجير أنفسهم، والقتال ضد دول أعضاء التحالف الدولي. وقال التنظيم في الفيديو الذي بثه باللغة الفرنسية «أموالكم وحياتكم ليست معصومة لدينا.. وأطفالنا جاهزون لقتلكم».

رأي دار الإفتاء
دار الإفتاء في مصر قالت: إن لجوء «داعش» للدفع بالأطفال لتنفيذ عمليات انتحارية هو أحد عواقب التغيير الطارئ على نهج حملته العسكرية على دول العالم؛ إذ تسببت حملة التحالف الدولي ضد التنظيم في مقتل الآلاف من مقاتلي التنظيم؛ ما اضطره إلى تجنيد ما يسميهم أشبال الخلافة، من الأطفال لسد الفجوة التي يعانيها في عدد المقاتلين. وأوضح الدكتور إبراهيم نجم، مستشار مفتي مصر، أن الهدف من تجنيد «داعش» لهؤلاء الأطفال «هو إعداد جيل جديد أقوى من المقاتلين الحاليين يتم تعليمهم ليكونوا هم مستقبل الخلافة المزعومة». وأردف، أن «داعش» يلقن الأطفال «الأفكار والآيديولوجيات المتطرفة في سن مبكرة جدا، إضافة إلى تدريس المناهج الأكثر وحشية، كما يقوم بعمليات الإعدام العلنية أمامهم، ويعرض لهم أشرطة الفيديو الخاصة بأعمال العنف، ويمنحهم ألعابا مكونة من أسلحة، وهو ما يثير مزيدا من القلق».
وتابع الدكتور نجم، أن «التنظيم الإرهابي يركز في جهوده على تلقين الأطفال منهجا تعليميا قائما على التطرف، وتعزيز فكرة أن يصبح هؤلاء الأطفال إرهابيي المستقبل. كما أن الجيل الحالي من المقاتلين يرى هؤلاء الأطفال أفضل وأكثر فتكا منهم؛ لأنهم - من وجه نظر «داعش» - لم يختلطوا بالقيم العلمانية والمجتمعات الكافرة – على حد زعم التنظيم».
من ناحية ثانية، يقول خبراء إن «نسبة العمليات الانتحارية التي شارك بها الأطفال ارتفعت في يناير (كانون الثاني) الماضي، إلى 3 أضعاف النسبة التي كانت عليها في الشهر نفسه من عام 2015، والواقع أن ما يسمى جيل «أشبال الخلافة» لا يعرف في حياته سوى الإجابة عن سؤالين فقط، كيف تقتل عدوك؟ وكيف تقدم الولاء المطلق للقائد؟ وتشير التقارير إلى أن هناك 3 أقسام للجيش «الداعشي»، هي: «جيش الدولة» و«جيش الخلافة» و«جيش العدنان». وهذه الجيوش تضم معسكرات لـ«أشبال الخلافة» يجري فيها عمل إعداد نفسي وعقائدي مدروس يقوم على مبدأ التكرار وزرع الفكرة في عقل الطفل. وعندما يرى كل طفل ما يجري في مسارح العمليات، سيبدأ في التفكير في فعل كل ما يفعله عناصر التنظيم من المقاتلة؛ لذلك يذهب الطفل إلى مدربه من عناصر «داعش»، ويقول له: «أريد أن أصبح انتحاريًا».
الهدف الاستراتيجي والبصري الأول في الدروس التي تقدم للأطفال هو إجراء «غسل الدماغ» لهم، وهو يبدأ من الملبس العام حتى تعليم القرآن الكريم الذي لا يظهر فيه سوى سور «الكفار وتحليل قتلهم».

مستويات إعداد الأطفال
وهنا يفصّل الخبراء عمل ما تسمى مدارس «أشبال الخلافة» داخل «داعش» ومستوياتها التدريبية الثلاثة، هي:
1 - التدريب الفكري - الديني وهو الأقوى، حيث يتم تدريب الأطفال فيه على الفكر الراديكالي، بما فيه الاستعداد لتنفيذ العمليات الانتحارية فداءً للدولة المزعومة.
2 - التدريب العملي – القتالي، ومعه يتلقى الأطفال التدريب البدني القاسي، ويجري تدريبهم على طرق استخدام الأسلحة.
3 - التدريب النفسي، وبموجبه يؤخذ الأطفال إلى الساحات العامة للمشاركة في ذبح أعداء «داعش» أو «الخائنون» أو «المرتدّون» أو «الكفار»؛ وذلك لتعزيز شعورهم بالانتماء للتنظيم.
ويشير الدكتور إبراهيم نجم إلى أن التنظيم يرى في الأطفال «وسيلة لضمان الولاء على المدى البعيد؛ إذ يجري تدريبهم منذ نعومة أظافرهم على الفكر التكفيري الدموي، خاصة، أن الأطفال يعتبرون صيدًا ثمينًا لجماعات التطرف بسبب استغلال حسن نيتهم وضعف مداركهم؛ لأن عقولهم كـ«لوح أبيض» يمكنه نقش عقيدته الدموية عليه كما يشاء».
ويذهب الخبراء المتابعون إلى أن التنظيم يعلّم جيلاً من الأطفال في معسكرات التدريب التابعة له على التنصّت على آبائهم، وحتى قتلهم، وينشّئ جيلا من «التكفيريين» الجادين، وعندما يكبر الأطفال يبدأون في تعليم الأجيال التي تليهم ما تعلموه وهم في عمر الزهور. ويعرب المتابعون عن تخوّفهم بأن خطر «داعش» لا يكمن الآن فقط؛ بل سيكون أكبر في الفترة المقبلة. وللعلم، وفقًا لإحصائيات تلقى نحو 2000 طفل تدريبات داخل معسكر في مدينة الميادين، بمحافظة دير الزور في شرقي سوريا.
ومن النماذج المقلقة في الآونة الأخيرة، بثّ «داعش» في فبراير (شباط) الماضي شريط فيديو لعملية تفجيرية قيل إنها تمت في منتصف يناير الماضي، في ريف محافظة حلب بشمال سوريا، نفذها طفل لم يتجاوز عمره 11 سنة، كانت في غاية الدموية. والفظيع في الفيديو منظر والد الطفل وهو يساعده على ركوب سيارة مشحونة بالمتفجرات، بعدما علّمه كيف يقودها، ليمضي الطفل بعيدا ويفجّر نفسه فيها.
ثم في مارس (آذار) الماضي، بث التنظيم الإرهابي مقطع فيديو آخر قيل إنه صوّر في سوريان يظهر أطفالاً يتامى يتدربون على الأعمال العنفية داخل دار أيتام، ليكونوا نواة مقاتلين في المستقبل.
وفي مايو (أيار) الماضي، أطلق «داعش» تطبيقًا للأطفال يُسمى «حروف» ويعمل على نظام تشغيل الهواتف المحمولة «آندرويد»، ويهدف إلى استقطابهم وتجنيدهم منذ الصغر، وذلك عبر تعليمهم الحروف الأبجدية العربية باستخدام كلمات تتعلق بالحروب والأسلحة.
وقدّر الخبراء المتابعون استخدم الأطفال في دعاية «داعش» القتالية بما يقرب من 400 مرة خلال الأشهر القليلة الماضية، وظهر الأطفال حاملين الأسلحة الثقيلة، ونفذ بعضهم عمليات انتحارية.
ويشار إلى أن «داعش» يجبر الأطفال على مشاهدة تسجيلات الفيديو وهم يشاركون في قتل سجناء، وهو يركز على الأطفال من عمر السابعة ويخصّص أموالا ضخمة لتدريبهم وتعليمهم شؤون القتال. وفي أحد الأشرطة التي صورها «داعش» شارك خمسة أطفال، منح 4 منهم مسدسات لقتل السجناء، بينما أعطي الخامس سكينا لنحر سجين آخر.

تعمّد الإساءة للإسلام
على صعيد آخر، قال الدكتور محمد أحمد الدش، مدرس الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين والدعوة بجامعة الأزهر، إنه «ليس بعجب أن تتحرك كل التنظيمات التكفيرية والتيارات المنحرفة لتجنيد الشباب، وأن تعمل على ضمان ولائها لزعيمهم ولاءً حقيقيًا يدفعهم إلى الزج بأرواحهم في وسط العمليات التفجيرية والوقوف في وجه كل مخالف حتى ولو كانوا آباءهم. فما يهمهم هو الحصول على درجة عالية من الشهادة المزعومة والجنة المكذوبة، لكن العجب هو ما لجأ إليه التنظيم الإرهابي (داعش) من تجنيد الأطفال وتنشئتهم داخل معسكراته الحربية، وإرضاعهم الفكر المتطرف والسلوك الدموي البعيد عن رحمة الإسلام وتعاليمه السمحة، حيث يمكن تشكيل تلك العقلية الغضة وهي في أولى مراحل النضج؛ فهذا أوفر بكثير من تجنيد الشباب الذي يكلفهم أمولا ومحاولات إقناع وترغيب».
وتابع أحمد الدش «لاشك أن تلك التنظيمات تصدر للغرب صورة مشينة عن الإسلام الذي يستعمل أدعياؤه الأطفال وقودا للحروب، وإهدار حقوقهم التي كفلها الإسلام لهم. وفي سبيل تجنيد هؤلاء الصبية يعمل قواد هذا التنظيم على غسل عقول الأطفال من كل أثر لوسطية الإسلام، ونزع معالم الرحمة من قلوبهم في معسكرات مغلقة يتلقون فيها مبادئ ومعالم الخلافة القادمة – في زعمهم – ومبايعة خليفتهم، وانتهاج نظام تعبدي خاص سمته الغلو والتشدد، وإلهاب حماسة هؤلاء الصبية بالأناشيد المتطرفة، والتدريب على حمل السلاح واستخدامه باحتراف ولبس الأحزمة الناسفة والقيام بالأعمال التفجيرية المنفردة».
ولم يستبعد أحمد الدش أن يستعمل هؤلاء الصبية في تجنيد نظرائهم من جنسيات أخرى عن طريق تعليمهم كيفية التواصل معهم باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وتدريبهم على ذلك الأسلوب. وأردف «لما كان الطريق المباشر لتضليل عقول الأحداث هو ارتياد هذه المواقع ومواجهة أصحاب الفكر التكفيري وجب أن يكون الطفل مسلحًا بعدة عقدية وفكرية تحصّنه ضد هذه التيارات المعادية لصحيح الإسلام، وتقع تلك المسؤولية على الأسرة بنسبة كبيرة؛ فهي المحضن الأول للطفل، ومن ثم فالوالدان فيها منوط بهما تنشئة الطفل على وسطية الإسلام في الاعتقاد والعمل وغرس سماحة الإسلام ورحمته في وجدانه. فضلا عن تعزيز ثقته بنفسه وتعويده التفكير المستقل؛ حتى لا ينقاد لغيره طائعا مختارًا دون حجة أو دليل، ثم فتح الأبواب ومد الجسور من الحوار والتواصل بين الآباء والأبناء والاهتمام بمشكلاتهم واحتوائهم؛ حتى لا يكون الإنترنت هو المربي والمتنفس لهم والملجأ من جو التعنيف والإيذاء المستمر».

تقارير بالأرقام
وفي سياق مختلف، كشفت تقارير عن أن ما بين 800 إلى 900 طفل خطفوا على أيدي تنظيم داعش من مدينة الموصل العراقية عام 2015 وحدها؛ وذلك لتدريبهم دينيا وعسكريًا. وجرى تقسيم الأطفال إلى مجموعتين الأولى، لأطفال تتراوح أعمارهم بين خمس و10 سنوات، وتم وضع هؤلاء في مخيمات لتلقي تكوين ديني، والمجموعة الثانية للأطفال بين الـ10 و15 سنة، واقتيد أصحابها إلى مخيمات تدريب عسكرية.
ويجند تنظيم داعش الأطفال بالقوة، ولا يعرف العدد الحقيقي للأطفال المجندين لديها، إلا أنه في كل مرة تظهر إحصائيات جديدة، تؤكد ارتفاع أعدادهم؛ حيث لا يتوانى التنظيم المتشدد في تجنيد أطفال المدارس. وحسب الخبراء فإن الأطفال الانتحاريين أشد فتكا من المُقاتلين الحاليين من عناصر «داعش»؛ لأنهم لم يتعايشوا مع أشخاص يتبنّون القيم الصحيحة، ويجري تلقينهم الكراهية منذ الصغر من خلال تدريبهم على العنف في سن مبكرة.
ويلفت هؤلاء الخبراء إلى أن «التنظيم يغرّر بالأطفال في تحدٍ واضح لسنن الكون؛ لأنهم أسهل الطرق لتنفيذ مُخططه الإرهابي»، مؤكدين أن «داعش» غيّر من استراتيجيته بتوظيف الأطفال بصفتهم بدلاء للعناصر القتالية؛ لإيمان التنظيم بأن أرواح الصغار ثمن هين مقابل خسارة أي عنصر من عناصره، فضلا عن كونه يحتاج إلى الكثير من عناصره لحماية توسعاته الجديدة والأراضي التي سيطر عليها في العراق وسوريا.
وحول استغلال «داعش» للأطفال في عمليات تفجيرية وهدفه من ذلك؟ قال الدكتور حامد مصطفى المكاوي، الأستاذ في جامعة الأزهر، خلال لقاء معه: «يستغل (داعش) الأطفال لتنفيذ عمليات تفجير توفيرًا للنفقات، وحتى يتفادى خسارة الأفراد ذوي الخبرة، فضلاً عن استخدامهم دروعا بشرية من هجمات التحالف الدولي، ومن ثم، يضمن طول الصراع وقوة رسوخ النهج الإرهابي وتسهيل عمليات الحماية الشخصية والتجسس وجمع المعلومات في بعض المناطق؛ كونهم لا يثيرون الشكوك».
وتابع المكاوي «ثم أن الأطفال يستطيعون النفاذ إلى أماكن لا يستطيع وصول الكبار إليها بتنفيذ عمليات انتحارية، كما يتم استخدامهم في عمليات التمويه والخداع، ولا سيما، وأن الأطفال يكسبون التعاطف. وهو يشجعهم بنشر فيديوهات عبر (يوتيوب) وألعاب عنف ويمدهم بالمال مما يشجع العوائل على إرسالهم ويخصص لهم مدارس لتدريس المناهج التكفيرية».
وعن أبرز معسكرات الأطفال، قال الدكتور المكاوي «أبرزها (أشبال العز) غربي مدينة الرقّة بوسط شمال سوريا و(معسكر الزرقاوي) و(معسكر الأشبال)، و(معسكر الطلائع)، وفيها يعزل التنظيم الإرهابي الأطفال عن ذويهم ويحرضهم ضد عوائلهم. وكذلك يفرض التجنيد الإلزامي على الأطفال من سن 10 سنوات في مدينة الرطبة، ولا يحصل الشاب على شهادة تخرج في تلك الدورات التأهيلية، ما لم يمارس وينفذ عملية قطع الرأس. وهم يرغِّبون الأطفال بالتدرّب على رجم نساء وحضور طقوس قطع الرؤوس، ويجري منحهم ألقابا، مثل (أبو القعقاع) و(أبو طلحة) و(أبو عمارة)، ويكلّفون بحمل الرايات والاستماع إلى الأناشيد الحماسية وتفسير الآيات القرآنية وفق سياساتهم والتركيز على القتال والقتل». ويشار إلى أن موقع «الفرقان» التابع للتنظيم نشر دليلا إرشاديا يشرح للأمهات الداعشيات كيفية تنشئة أطفالهن على أعمال العنف والقتل، وحمل السلاح في سبيل نشر أفكار الدولة الداعشية المزعومة.
وعن كيفية مواجهة «داعش» قال مصطفى المكاوي «المواجهة بداية بإطلاق حملة على مواقع التواصل الاجتماعي لتسليط الضوء على الأذى الذي يلحقه هذا التنظيم بالأطفال من اعتداء جنسي وقتل، وخطورة ذلك على مستقبل الأمة، وعلى مستقبل الأطفال صحيا ونفسيًا. وكذلك الحث على محاولة التدخل لتحرير الأطفال من البيئات التي يتم فيها استغلالهم، وإعادتهم إلى حياتهم الطبيعية والنمطية وإشراكهم في أنشطة متنوعة بإشراف كوادر مدربة من الاختصاصيين النفسيين».



«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».


ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)

عندما وصف رجل ألماني في شريط على «يوتيوب» سوسن شبلي، السياسية الألمانية الشابة من أصل فلسطيني، والتي تنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، بأنها: «دمية متحدثة باسم الإسلاميين»، ظنت أن محكمة ألمانية سترد لها حقها بعد «الإهانة» التي تعرضت لها، ولكنها فوجئت عندما حكمت المحكمة بأن هذه الصفة وغيرها من التي ألصقها بها الرجل، هي «ضمن حرية التعبير التي يصونها القانون الألماني»، وليست إهانة ولا تحريضاً على الكراهية.

في الواقع، لم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض لها شبلي لتوصيفات عنصرية كهذه. فهي وغيرها من السياسيين المسلمين القلائل في ألمانيا، والسياسي الأسود الوحيد كرامبا ديابي، معتادون على سماع كثير من الإهانات، بسبب ديانتهم ولونهم فقط؛ حتى أنهم يتلقون تهديدات عبر البريد الإلكتروني والاتصالات، تصل أحياناً لحد التهديد بالقتل.
ورغم أن هذه التهديدات التي يتعرض لها السياسيون المسلمون في ألمانيا تجلب لهم التضامن من بقية السياسيين الألمان، فإن أكثر من ذلك لا يُحدث الكثير.
في ألمانيا، تصنف السلطات ما يزيد على 12 ألف شخص على أنهم من اليمين المتطرف، ألف منهم عنيفون، وهناك خطر من أن ينفذوا اعتداءات داخل البلاد.
يشكل اليمينيون المتطرفون شبكات سرية، ويتواصلون عادة عبر الإنترنت، ويتبادلون الأحاديث داخل غرف الـ«تشات» الموجودة داخل الألعاب الإلكترونية، تفادياً للمراقبة.
وفي السنوات الماضية، ازداد عنف اليمين المتطرف في ألمانيا، وازداد معه عدد الجرائم التي يتهم أفراد متطرفون بارتكابها. وبحسب الاستخبارات الألمانية الداخلية، فإن اعتداءات اليمين المتطرف زادت خمسة أضعاف منذ عام 2012.
وفي دراسة لمعهد «البحث حول التطرف» في جامعة أوسلو، فإن ألمانيا على رأس لائحة الدول الأوروبية التي تشهد جرائم من اليمين المتطرف، وتتقدم على الدول الأخرى بفارق كبير جداً. فقد سجل المعهد حوالي 70 جريمة في هذا الإطار بين عامي 2016 و2018، بينما كانت اليونان الدولة الثانية بعدد جرائم يزيد بقليل عن العشرين في الفترة نفسها.
في الصيف الماضي، شكل اغتيال سياسي ألماني يدعى فالتر لوبكه، في حديقة منزله برصاصة أطلقت على رأسه من الخلف، صدمة في ألمانيا. كانت الصدمة مضاعفة عندما تبين أن القاتل هو يميني متطرف استهدف لوبكه بسبب سياسته المؤيدة للاجئين. وتحدث كثيرون حينها عن «صرخة يقظة» لأخذ خطر اليمين المتطرف بجدية. ودفن لوبكه ولم يحدث الكثير بعد ذلك.
فيما بعد اغتياله بأشهر، اعتقل رجل يميني متطرف في ولاية هسن، الولاية نفسها التي اغتيل فيها السياسي، بعد أن قتل شخصين وهو يحاول الدخول إلى معبد لليهود، أثناء وجود المصلين في الداخل بهدف ارتكاب مجزرة. أحدثت تلك المحاولة صرخة كبيرة من الجالية اليهودية، وعادت أصوات السياسيين لتعلو: «لن نسمح بحدوثها مطلقاً مرة أخرى»، في إشارة إلى ما تعرض له اليهود في ألمانيا أيام النازية. ولكن لم يحدث الكثير بعد ذلك.
وقبل بضعة أيام، وقعت مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة في مدينة هاناو في الولاية نفسها، استهدفا من قبل يميني متطرف لأن من يرتادهما من المسلمين. أراد الرجل أن يقتل مسلمين بحسب رسالة وشريط فيديو خلَّفه وراءه بعد أن قتل 9 أشخاص، ثم توجه إلى منزله ليقتل والدته، ثم نفسه. أسوأ من ذلك، تبين أن الرجل كان يحمل سلاحاً مرخصاً، وينتمي لنادي الرماية المحلي.
بات واضحاً بعد استهداف هاناو، أن السلطات الألمانية لم تولِ اليمين المتطرف اهتماماً كافياً، وأنها لا تقدر حقيقة خطره على المجتمع، رغم أنها كشفت قبل أيام من جريمة هاناو عن شبكة يمينية متطرفة، كانت تعد لاعتداءات على مساجد في أنحاء البلاد، أسوة بما حصل في كرايستشيرش في نيوزيلندا.
وجاء الرد على اعتداء هاناو بتشديد منح رخص السلاح، وبات ضرورياً البحث في خلفية من يطلب ترخيصاً، على أن يرفض طلبه في حال ثبت أنه ينتمي لأي مجموعة متطرفة، ويمكن سحب الترخيص لاحقاً في حال ظهرت معلومات جديدة لم تكن متوفرة عند منحه. كما يبحث وزراء داخلية الولايات الألمانية تأمين حماية للمساجد وللتجمعات الدينية للمسلمين واليهود.
ولكن كل هذه الإجراءات يعتقد البعض أنها لا تعالج المشكلة الأساسية التي تدفع باليمين المتطرف لارتكاب أعمال عنف. وفي كل مرة تشهد ألمانيا اعتداءات، يوجه سياسيون من اليسار الاتهامات لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، بالمسؤولية عنها بشكل غير مباشر. ويواجه الحزب الذي دخل البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى عام 2018، وبات أكبر كتلة معارضة، اتهامات بأنه «يطبِّع سياسة الكراهية»، وبأنه يحرض على العنف ضد اللاجئين والمهاجرين، من خلال ترويجه لخطاب الكراهية. وحتى أن البعض ذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى حظر الحزب للتصدي للعنف المتزايد لليمين المتطرف.
والواقع أن مشكلة اليمين المتطرف تزداد منذ أن دخل «البديل لألمانيا» إلى «البوندستاغ». فهو - كما حملته الانتخابية - يركز خطابه على مواجهة سياسة اللاجئين التي اعتمدتها حكومة المستشارة أنجيلا ميركل. وكثير من الأسئلة التي يتقدم بها نوابه في البرلمان تهدف لإثبات خطأ هذه السياسة، وعدم قدرة اللاجئين على الاندماج. ورغم أن نوابه في البرلمان يحرصون على عدم تخطي القانون في خطاباتهم، فإن كثيراً من السياسيين المنتمين لهذا الحزب؛ خصوصاً في الولايات الشرقية، لا يترددون في الحديث بلغة لا يمكن تمييزها عن لغة النازيين. أبرز هؤلاء السياسيين بيورغ هوكيه الذي لم يستطع أعضاء في حزبه تمييز ما إذا كانت جمل قرأها صحافي لهم، هي مقتطفات من كتاب «كفاحي» لهتلر، أم أنها أقوال لهوكيه.
كل هذا خلق أجواء سلبية ضد المسلمين في ألمانيا، وحوَّل كثيرين من الذين ولدوا لأبوين مهاجرين إلى غرباء في بلدهم. في هاناو، يقول كثيرون من الذين فقدوا أصدقاءهم في المجزرة، بأنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان، ولا بأنهم جزء مقبول من المجتمع. وبعضهم يرى أنه ما دام حزب «البديل لألمانيا» مقبولاً بين الأحزاب الأخرى، فإن خطاب الكراهية سيستمر، والجرائم كالتي حصلت في هاناو ستتكرر.
ما يزيد من هذه المخاوف ومن الشبهات، أن السلطات الألمانية لم تأخذ خطر اليمين المتطرف على محمل الجد طوال السنوات الماضية. وهناك فضائح متتالية داخل المؤسسات الأمنية تظهر أنها مليئة بمؤيدين أو متعاطفين مع اليمين المتطرف؛ خصوصاً داخل الشرطة والجيش. ويواجه رئيس المخابرات الداخلية السابق هانس يورغ ماسن اتهامات بأنه متعاطف مع اليمين المتطرف، وهو ما دفع جهازه لغض النظر عن تحركاتهم طوال السنوات الماضية، والتركيز عوضاً عن ذلك على خطر الإسلام المتطرف. ومنذ مغادرته المنصب، أصدرت المخابرات الداخلية تقييماً تقول فيه بأن خطر اليمين المتطرف بات أكبر من خطر الإسلام المتطرف في ألمانيا.
وطُرد ماسن الذي ينتمي للجناح المتطرف في حزب ميركل (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) من منصبه، بعد اعتداءات كيمنتس في صيف عام 2018، بسبب رد فعله على التطورات هناك. وعارض ماسن ميركل في قولها بأن شريط فيديو من هناك أظهر ملاحقة نازيين جدد للاجئين، شتماً وضرباً. وخرج ماسن ليقول بأنه لم يتم التثبت من الشريط بعد، ويشكك في وجود نازيين جدد هناك. وكانت تظاهرات كبيرة قد خرجت ضد لاجئين في كيمنتس، بعد جريمة قتل ارتكبها لاجئان (عراقي وسوري) بحق أحد سكان البلدة.
وتعرض كذلك لانتقادات بعد جريمة هاناو لقوله بأن الرجل يعاني من اضطرابات عقلية، وهو الخط نفسه الذي اتخذه حزب «البديل لألمانيا» عندما رفض طبع المجرم بأنه يميني متطرف؛ خصوصاً أن الأخير تحدث في شريط الفيديو عن «التخلص» من جنسيات معينة من دول عربية ومسلمة.
ويعيد ماسن صعود عنف اليمين المتطرف لموجة اللجوء منذ عام 2015، إلا أن ألمانيا شهدت عمليات قتل وملاحقات عنصرية قبل موجة اللجوء تلك. ففي عام 2011 كشف عن شبكة من النازيين الجدد عملت بالسر طوال أكثر من 12 عاماً، من دون أن يكشف أمرها، ما سبب صدمة كبيرة في البلاد. ونجح أفراد هذه الشبكة في قتل تسعة مهاجرين لأسباب عنصرية بين عامي 2000 و2007، إضافة إلى تنفيذهم 43 محاولة قتل، و3 عمليات تفجير، و15 عملية سرقة.
وقبل اكتشاف الخلية، كانت الشرطة تستبعد أن تكون عمليات القتل ومحاولات القتل تلك تتم بدوافع عنصرية، رغم أن جميع المستهدفين هم من أصول مهاجرة. وعوضاً عن ذلك، كانت التخمينات بأن الاستهدافات تلك لها علاقة بالجريمة المنظمة والمافيات التركية.
ورغم أن الكشف عن ارتباط هذه الجرائم باليمين المتطرف زاد الوعي الألماني لخطر هذه الجماعات، وأطلق نقاشات في الصحافة والمجتمع والطبقة السياسية، فإن التعاطي مع الجرائم التي لحقت، والتي اشتبه بأن اليمين المتطرف وراءها، لم يكن تعاطياً يحمل كثيراً من الجدية.