خروج الدفعة الثانية من مدنيي داريا ومقاتليها.. وإدلب تستقبلهم استقبال الأبطال

خروج الدفعة الثانية من مدنيي داريا ومقاتليها.. وإدلب تستقبلهم استقبال الأبطال

«الائتلاف السوري» والمجلس المحلي للمدينة: الأمم المتحدة شريكة في عملية التهجير
الأحد - 25 ذو القعدة 1437 هـ - 28 أغسطس 2016 مـ رقم العدد [ 13788]
سوريون في إدلب بعد خروجهم من داريا (رويتر)
بيروت: يوسف دياب
وصلت، صباح أمس السبت، الدفعة الأولى من مقاتلي الفصائل السورية المعارضة وعائلاتهم، ممن أجلوا من مدينة داريا المحاصرة المتاخة للعاصمة السورية دمشق، إلى مدينة إدلب بشمال غرب سوريا، وذلك تطبيقًا للاتفاق الذي تم التوصل إليه الخميس، وقضى بإخلاء المنطقة بالكامل من سكانها، بعد حصار القصف والقتل والتجويع الذي فرضه النظام السوري وحلفاؤه على مدى أربع سنوات.

وبينما انطلقت ظهر أمس الدفعة الثانية من المسلحين والمدنيين من داريا ضمن حافلات وسيارات إسعاف بإشراف من الأمم المتحدة والهلال الأحمر، اتفق «الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة» والمجلس المحلي لداريا، على التأكيد بأن الأمم المتحدة «شريكة في عملية التهجير التي حصلت برعايتها وتحت أنظارها». وأوضح ضياء الحسيني، الناشط الإعلامي في محافظة ريف دمشق - التي تتبعها داريا -، أن الدفعة الثانية من المدنيين والمسلحين انطلقت ظهر أمس من مدينة داريا نحو الشمال السوري، مشيرًا في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «المدنيين الذين يُرحّلون إلى إدلب، هم عوائل الثوار الذين آثروا المغادرة مع أبنائهم». ولفت الحسيني إلى أن «نحو 3000 مدني ممن فضلوا البقاء في ريف دمشق نقلوا إلى بلدات صحنايا والكسوة وقدسيا، بعدما استخدمهم النظام ورقة ضغط لضمان خروج جميع الثوار إلى إدلب».

إلا أن الحسيني أبدى تخوفه من أن «يعود النظام إلى اعتقالهم في ظل غياب أي ضمانات»، وقال: «حتى مبعوث الأمم المتحدة ستافان دي ميستورا عبّر عن قلقه على مصير مدنيي داريا». وفي غياب أي ضغط دولي تجاه سلوك نظام بشار الأسد في مناطق ريف دمشق، كشف الناشط الحسيني عن «خوف يجتاح سكان الغوطتين الشرقية والغربية من نقل نموذج داريا إلى مناطقهم»، لافتًا إلى أن «الهدف الثاني قد يكون معضمية الشام، وبعدها دوما وكفر بطنا وزملكا وغيرها، طالما أن النظام وجد في الحصار والتجويع والقتل بالبراميل المتفجرة والقنابل الحارقة سياسة رابحة». وتابع الحسيني: «داريا ليست الأولى ولن تكون الأخيرة»، ورأى أن «أهم الوسائل لمواجهة هذا المخطط هو وحدة الفصائل الثورية لوقف هذا المخطط، وعدم الرهان على المجتمع الدولي المتآمر على الشعب السوري»، داعيًا فصائل الثوار في محافظة إدلب إلى «تطبيق معادلة داريا على بلدتي الفوعة وكفريا (الشيعيتين) وإفراغهما من سكانهما، وتسليمهما إلى أهالي داريا للإقامة فيها».

أما على صعيد وصول المرحّلين إلى إدلب، فقد أعلن «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، أن «ست حافلات تقلّ 600 شخص بين مقاتلين ومدنيين، وعدد من سيارات الإسعاف التي تحمل الجرحى والحالات المرضية، وصلت قبل الظهر (أمس) إلى مدينة إدلب». وأشار إلى أن «هذه الدفعة هي الأولى غداة بدء تنفيذ الاتفاق الذي توصل إليه النظام والفصائل، ويقضي بخروج 700 مقاتل إلى إدلب وأربعة آلاف من الرجال والنساء مع عائلاتهم، فضلاً عن تسليم المقاتلين لسلاحهم المتوسط والثقيل». وقال أحد مقاتلي الفصائل الذي كان ضمن القافلة لوكالة الصحافة الفرنسية «أ.ف.ب»، إن «قرار التوصل إلى الاتفاق مع الحكومة السورية على مغادرة داريا بعد صمود دام أربع سنوات، جاء نتيجة الوضع الإنساني المتدهور فيها والقصف المتواصل».

من جهة أخرى، أوضح الناشط في مدينة إدلب محمد عزام لـ«الشرق الأوسط» أن «داريا باتت عروس الشمال السوري». وأكد عزام - القريب من «جيش الإسلام» - أن «أهل إدلب استقبلوا ثوار داريا استقبال الأبطال، بعد صمود أسطوري استمرّ أربع سنوات، وسط تخاذل العالم كلّه»، وأشار إلى أن هؤلاء «لم يحملوا معهم إلا أسلحتهم الخفيفة، وذكرياتهم، بعدما تركوا خلفهم قبور الشهداء، وركام بيوتهم، بتآمر دولي لا مثيل له».

جدير بالذكر، أن داريا تحظى برمزية خاصة لدى المعارضة السورية، إذ كانت في طليعة حركة الاحتجاج ضد نظام بشار الأسد في (مارس) 2011. وهي أولى المناطق التي حوصرت في عام 2012، علمًا بأن أول قافلة مساعدات غذائية دخلت إليها كانت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتعرضت مدينة داريا، خصوصًا في الأسابيع الأخيرة لقصف عنيف من قوات النظام بمئات البراميل المتفجرة وقنابل النابالم الحارقة. واتهمت المعارضة والفصائل قوات الأسد باستخدام سياسة الحصار لتجويع المناطق الخارجة عن سيطرتها وإخضاعها، بهدف دفع مقاتليها إلى تسليم سلاحهم.

وعن مستقبل مسلّحي داريا وما سيكون دورهم بعد وصولهم إلى إدلب، أشار محمد عزام إلى أن «وضع ثوار داريا لم يتبلور بعد، فهؤلاء يبلغ عددهم نحو الـ700 مقاتل، جلّهم ينتمي إلى لواء شهداء الإسلام». وأوضح: لقد حلّوا الآن في ضيافة الفصائل الثورية في إدلب مثل «جيش الإسلام» و«أحرار الشام» و«فيلق الشام» والجيش السوري الحر، ومن المبكر معرفة خيارهم، لكنه أكد أنهم «سيواصلون عملهم النضالي سواء في إدلب أو حلب، لكن من المبكر معرفة قرارهم، سواء بالبقاء كلواء منفصل أو الاندماج في فصيل آخر».

بدوره أوضح الناشط الإعلامي المعارض في ريف إدلب، زيد الجبلي، أن «مراكز إيواء هي عبارة عن غرف مسبقة الصنع جهزتها لهم هيئات ومنظمات إنسانية قبل وصولهم إليها، ستكون نقطة تجمع للوافدين من داريا ريثما تصل الدفعة الثانية ليتم توزيعهم على مناطق محافظة إدلب، باستثناء بلدتي الفوعة وكفريا الخاضعتين لسيطرة النظام بريف إدلب الشمالي». ومما يذكر أن مقاتلي المعارضة الذين خرجوا إلى إدلب اصطحبوا أسلحتهم الخفيفة، لكنهم تركوا وراءهم السلاح الثقيل وأحرقوا الوثائق والأجهزة ووسائل التخزين الإلكتروني التي منعوا من إخراجها، في حين أعلن المجلس المحلي المعارض أن «غرفة طوارئ داريا» هي الجهة المفوضة والمعتمدة لتنسيق الجهود الإغاثية والإنسانية لاستقبال وتأمين أهالي داريا الذين خرجوا وسيخرجون منها باتجاه الشمال السوري.

في هذه الأثناء، اعتبر «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» أن نظام بشار الأسد «يسير وفق خطة ممنهجة لتهجير السكان حول دمشق، بهدف التغيير الديمغرافي وصولاً إلى التقسيم على أساس طائفي». ودان عضو «الائتلاف» خطيب بدلة «إجبار سكان داريا على الهجرة من أرضهم تحت التهديد بالإبادة، حيث كثف النظام قصفه بالبراميل المتفجرة والحارقة على داريا في الأشهر الماضية، وأحرق الأراضي الزراعية ومنع وصول القوافل الإغاثية للمدنيين داخل المدينة، التي يحاصرها هو والميليشيات الطائفية منذ أربع سنوات». وقال «بدلة» إن «أي مشروع يهدف لتقسيم البلاد لن يمر، وسيصطدم بإرادة الشعب السورية الذي لا يقبل بالتنازل عن وحدة سوريا كاملة أرضًا وشعبًا».

بدوره، شدد المتحدث باسم مجلس مدينة داريا المحلي، فادي محمد، على أن «المبعوث الأممي الخاص بسوريا ستافان دي ميستورا، على علم كامل بكل ما يجري في المدينة، ويرسل له مجلسنا تطورات وأحداث المدينة فور وقوعها»، مشيرًا إلى أن «البيان الذي أصدره، مساء الجمعة، يحاول فيه التملص من مسؤولية حماية أهالي داريا الذين هجّرهم نظام الأسد من مساكنهم». وحمّل فادي محمد الأمم المتحدة ودي ميستورا بشكل خاص، «مسؤولية سلامة المدنيين الذين نقلهم النظام إلى مناطق خاضعة لسيطرته بريف دمشق، لأنهما لم يستجيبا للمناشدات والنداءات المتكررة التي كان يطلقها المجلس المحلي، عند انتهاك النظام لوقف الأعمال القتالية، وسيطرته على الأراضي الزراعية، وتدميره المشفى الوحيد، واستهداف المدينة بمادة نابالم المحرمة دوليًا». وأكد أن «موظفين من الأمم المتحدة ووفدًا من اللجنة الدولية للصليب الأحمر كانوا على علم بالمفاوضات وأشرفوا على عملية التهجير، ما يعني أن الأمم المتحدة حاضرة ولكنها تحاول أن ترفع يدها عن حماية السوريين الذين يهجرهم النظام برعايتها وتحت أنظارها»، معتبرًا أن «أهالي داريا استنفدوا جميع خياراتهم المتاحة، ليقبلوا بالخروج من مدينتهم مكرهين»، لافتًا إلى أن «النظام هدّد بإبادة المدينة بعلم الروس والأميركان الذين أشرفوا على عملية التفاوض».

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة