مصر.. دَفعة قوية لحل القضية الليبية

وسط مخاوف من تسلل الدواعش إلى حدودها الغربية

مصر.. دَفعة قوية لحل القضية الليبية
TT

مصر.. دَفعة قوية لحل القضية الليبية

مصر.. دَفعة قوية لحل القضية الليبية

مع اختفاء عدد لا يستهان به من تنظيم داعش الإرهابي المتطرّف من مدينة سرت، بوسط الشمال الليبي، تحت ضربات قوات محلية وبمساعدة من الولايات المتحدة الأميركية، تحوّلت العاصمة المصرية القاهرة أخيرًا إلى وجهة لأطراف سياسية وعسكرية متصارعة في ليبيا التي تعاني من تعدد الحكومات والقوى التي تحمل السلاح على الأرض ومن التدخلات الدولية. ومنذ بدء عملية قوات «البنيان المرصوص» التابعة لـ«حكومة الوفاق الوطني» برئاسة فايز السراج، ضد «داعش»، يبدو أن القاهرة فتحت الأبواب، لأول مرة منذ سقوط نظام معمر القذافي، لمختلف الأفرقاء الليبيين، في محاولة منها لإعطاء دفعة قوية للحل قبل أن تتفاقم الفوضى في هذا البلد المجاور لحدودها من ناحية الغرب، خاصة بعد أن رفض البرلمان منح الثقة للحكومة المقترحة من السراج.
تنخرط القاهرة في لقاءات مباشرة من جانب، ومن جانب آخر يبدو أنها تكتفي بالمراقبة من بعيد، فيما يتعلق بضيوف مثيرين للريبة، ومختلفين، يعقدون اجتماعات على أراضيها أيضا.
يأتي هذا وسط خشية مصر من تداعيات حروب صغيرة مستعرة في ليبيا، منذ نحو خمس سنوات، وإمكانية تحولها إلى نزاع أهلي يمتد لسنوات كثيرة، خاصة في ظل استمرار حالة التشرذم بين أكبر مجموعتين تملكان أسلحة وقوات نظامية وشبه نظامية؛ هما قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة الفريق أول خليفة حفتر، الذي يحارب في الشرق ويسعى للتوجه غربا، وقوات «البنيان المرصوص» في الغرب، التي تحارب «داعش» في سرت وتلِّوّح بمواصلة الزحف ناحية الشرق.
تضع القاهرة هذه المرة الملف الليبي على اتساع الطاولة بغض النظر عن وجودها بشكل مباشر في بعض المفاوضات الجانبية. إنه ملف مكتظ بتناقضات كثيرة أهمها «ازدواجية السلطات والجهات التشريعية» الموجودة الآن بين بنغازي وطرابلس.. بل داخل طرابلس نفسها. ولقد تسببت في هذا الإرث المعقّد «دول غربية مهيمنة على الأمم المتحدة ومبعوثها إلى ليبيا مارتن كوبلر» كما يقول لـ«الشرق الأوسط» عيسى عبد المجيد، وهو زعيم قبلي ليبي ومستشار سابق لرئيس البرلمان. ومنذ بدء الوساطة الأممية للمصالحة بين الليبيين في أواخر عام 2014، حتى وصول السراج إلى طرابلس كممثل لـ«حكومة الوفاق»، في مارس (آذار) الماضي، لا يبدو أن الوفاق قد تم بعد.
من جانب آخر، يقول إبراهيم عميش، رئيس «لجنة العدالة والمصالحة وخارطة الطريق» في البرلمان الليبي: «إذا نظرتَ إلى بلادنا فسترى أن هناك أيدي تعبث فيها. الولايات المتحدة دخلت أخيرا على الخط بقوة»، في حين يضيف عبد المجيد موضحًا أن حكومة السراج، وبغض النظر عن رعايتها للحرب على «داعش»، تعد «حكومة مولودة ميتة.. حكومة دون روح شعبية»، حيث إنها لم تحصل على الثقة من البرلمان منذ اقتراحها قبل نحو خمسة أشهر.
في هذه الأثناء، يقول أحد المسؤولين الأمنيين المصريين الذين يعملون على الملفّ الليبي: «أخطر ما يمكن أن تواجهه في هذه المرحلة، هو تعدد السلطات في بلد يعج بالإرهابيين من الموالين لداعش وتنظيم القاعدة وجماعات أخرى مسلحة منتشرة في الشرق والغرب». ويشير المسؤول المصري، طالبا عدم الإفصاح عن اسمه لأنه غير مخول له الحديث للإعلام، في الوقت نفسه إلى أن نهاية مفاوضات الأمم المتحدة حول ليبيا.. «كما نراها هذه الأيام، أنتجت ازدواجية نخشى أن تكبر وتتحوّل إلى خطر داهم على الليبيين وعلى مصر أيضا».

خلايا نائمة؟
توجد مخاوف حاليًا من وجود خلايا نائمة للدواعش في مدن ليبية أخرى منها العاصمة نفسها. وكانت تقديرات غربية تقول إن عدد دواعش سرت ربما يصل إلى أكثر من أربعة آلاف. أين هم الآن؟ لا توجد إجابة، بينما دول الجوار تتحسّس حدودها. وحسب المسؤول الأمني المصري «لدينا حدود طولها 1150 كيلومترا مع ليبيا، ومهمة تأمينها تحتاج إلى شريك ليبي قوي، وهو غير موجود بالقدر الكافي، كما يبدو. لا توجد سلطة مركزية ولا جيش موحد يمكن التعويل عليه في منع تسلل الإرهابيين إلى أراضينا».
لكن، وفي إفادة عبر الإنترنت، أجاب مسؤول في «مركز دراسات الجنوب الليبي للبحوث والتنمية» عن أسئلة «الشرق الأوسط»، قائلا إنه من المنطقي ألا يفكر تنظيم داعش في التحرك نحو شرق ليبيا أو الجنوب الشرقي من ليبيا (في اتجاه حدود مصر). ويعمل باحثو المركز بعيدًا الأضواء خشية تعرضهم لأذى من الجماعات المتطرفة. وتابع المسؤول في مركز الدراسات شارحًا أنه، إلى جانب تكثيف القوات المصرية لوجودها على الحدود، فإن قوات رئاسة أركان الجيش الليبي برئاسة عبد الرزاق الناظوري، وهي تابعة لحفتر، تُحكم سيطرتها على كامل المناطق الشرقية والجنوب شرقية، التي يتشارك في حمايتها أيضا بعض المقاتلين والكتائب المحلية في مناطق الواحات والكفرة في الداخل الليبي.
ومع ذلك من الصعب الاكتفاء بقوات الأمن للحفاظ على الاستقرار. هناك كتلة الغرب الليبي، وهي ذات أهمية كبيرة في المعادلة. أو كما يقال: لكي تحل مشكلة ما لا بد أن تستمع إلى جميع أطرافها. وفي الحقيقة، كما يبدو من مناقشات جارية في القاهرة، فإن مصر منذ 2011 لم تكن تجنح لفتح الأبواب على آخرها لقيادات في طرابلس تعتمد في وجودها وفي قوتها على ميليشيات مسلحة وينتمي بعضها لتنظيمات متطرفة وجماعات مصنفة في مصر كمنظمات إرهابية. من بين هؤلاء «الجماعة الليبية المقاتلة» و«جماعة الإخوان»، و«أنصار الشريعة» وغيرها.
لكن الواقع تغيّر. وأدى مرور الأيام وتعدّد الأحداث وكثرة النزاعات إلى شعور الأطراف الليبية المتحاربة بالإرهاق، مع وجود مشتركات بين الجميع يقول معظمها إن «حل المعضلة السياسية في ليبيا» لا بد أن يكون عبر القاهرة، وإنه لا بد أيضًا من وقوف جميع الليبيين ضد انتشار الفارين من الدواعش في باقي البلاد أو عبر الحدود.

علاقات مصرية قوية
من المعروف أن مصر لديها علاقات قوية مع الكثير من الأطراف الليبية، في إقليم برقة في الشرق، وفي بعض مناطق الغرب، لكن انتقال البرلمان الليبي الذي جرى انتخابه في 2014 للعمل في المنطقة الشرقية، أوجد ذريعة لدى خصوم متحصنين في العاصمة طرابلس وأيضًا في مدينة مصراتة، للتلويح باتهام مصر بالانحياز إلى إقليم برقة حيث يوجد أيضًا مقر الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر.
وفي متغيّر لافت، تكشف مصادر من مدينة مصراتة، التي ينتمي إليها قادة يهيمنون على طرابلس وينبذون حفتر، عن قيام قيادات عسكرية من ميليشيات الغرب الليبي بزيارة القاهرة للمرة الأولى منذ سقوط نظام القذافي.. ولم يجر الإعلان عن هذه الزيارة من أي من الطرفين. لا من مصراتة ولا من القاهرة. وتشير المصادر إلى أن «المصراتيين التقوا برموز من نظام القذافي»، وأن أهم ملف جرى بحثه في هذا الإطار، هو «كيفية إنقاذ ليبيا من الانقسام إلى دولتين أو حتى دويلات.. وتوحيد الجميع للوقوف ضد خطر داعش».
أما الزيارة المعلنة، التي تعد أيضا زيارة نادرة تعزّز تواصل القاهرة مع أطراف في الغرب الليبي، على غير العادة، فهي تلك التي قام بها نحو أربعين نائبا غالبيتهم ممن يحسبون على جناح تأييد الاتفاق السياسي الذي جرى توقيعه في الصخيرات أواخر العام الماضي. واستقبل وزير الخارجية المصرية سامح شكري قبل أسبوعين، ممثلين عن نواب لهم رؤية مختلفة لحل الأزمة الليبية، من بينهم نائب رئيس البرلمان محمد شعيب.
ويقول عميش، وهو نائب عن بنغازي التي تشهد حربًا مستمرة منذ نحو عامين بين الجيش والمتطرفين، إن مصر «تحاول إيجاد حل وسط لإنهاء الفوضى لكن الطريق ما زال طويلا». بينما يشدد عبد المجيد على أن مصر «تساعد الليبيين بالفعل لكن ينبغي أن تبذل مجهودا أكبر». ويشير عبد المجيد إلى الظروف الاقتصادية والأمنية الصعبة التي أصبح يعيش فيها الليبيون جراء الانقسامات والاقتتال، والنزاع الداخلي الذي تقف وراءه، حسب قوله، بعض الدول الغربية.

لقاءات على النيل
وعلى ضفاف النيل بدأت كذلك مفاوضات بعيدة عن الأنظار وتجري فيها أغرب لقاءات من نوعها بين ممثلين لـ«الجماعة الليبية المقاتلة» التي سبق وأعلنت ولاءها لتنظيم القاعدة، وأنصار من النظام الليبي السابق. ولقد بدأت الفكرة أول الأمر في «سجن الهضبة» في طرابلس الذي يُسجن فيه وفي سجون أخرى بالعاصمة الليبية عدة آلاف من قيادات عهد القذافي. ويتحكم في «سجن الهضبة» قادة من «الجماعة المقاتلة». ومن بين هؤلاء المحكومين في «سجن الهضبة» عبد الله السنوسي، رئيس المخابرات القوي في عهد القذافي، والبغدادي المحمودي، آخر رئيس للوزراء أيام القذافي، وغيرهما. ولقد جرى إطلاق سراح المحكوم محمد الزوي من هذا السجن ليظهر بعدها بأيام في القاهرة. وللعلم، كان الزوي مسجونًا مع السنوسي والمحمودي، لكن «الجماعة المقاتلة» أطلقت سراحه لكي يكمل مفاوضات مع باقي أنصار النظام السابق المقيمين في مصر.
ومع أنه لا يوجد راهنًا ممثل مصري في هذه المفاوضات، فإن المصادر تقول إن القاهرة تتابع ما يجري. ويشارك في العملية ويراقبها كذلك زعماء وقادة قبليون من المحسوبين على نظام القذافي، من بينهم شخصيات من قبيلة القذاذفة نفسها التي ينتمي إليها أحمد قذّاف الدم، ابن عم القذافي ومبعوثه الشخصي لسنوات طويلة، ومن قبيلة المقارحة التي ينتمي إليها السنوسي، ومن قبيلة ورفلة أيضًا.
من جانبه يؤكد الدكتور محمد الزبيدي، الرئيس السابق للجنة القانونية لمؤتمر القبائل الليبية، وهو من قبيلة ورفلة، أنه من الشخصيات التي تراقب حوار «الجماعة المقاتلة» وبعض من أنصار النظام السابق، دون أن يشارك فيه، لكنه يضيف موضحًا ردًا على أسئلة لـ«الشرق الأوسط» أنه «إذا لم يتم الإفراج أولا عن السجناء وعودة المهجرين فسنكون كمن يضع العربة أمام الحصان».
قذّاف الدم، بدوره، من أبرز المشاركين في الحوار الذي يهدف بالأساس إلى إنهاء معاناة ألوف من سجناء النظام السابق ضمن خطة عامة لإنقاذ البلاد من الفشل. ويقول في مقابلة أثناء تحقيق «الشرق الأوسط» في الأمر أخيرًا، بشأن الأسئلة المطروحة عن غرابة هذا النوع من المفاوضات، إن «الهدف هو الوطن والدفاع عنه.. مثل هذه الحوارات لا تعني أن يستسلم أحدنا للآخر ولكن من أجل ليبيا ومن أجل الوطن».

ورقة ضغط
تبدو المفاوضات المعروفة باسم «مفاوضات سجن الهضبة» ورقة يمكن أن تسهم في الضغط، بطريقة ما، على «جماعة الإخوان» الليبية التي تنتمي إليها شخصيات متنفّذة في مجلس السراج الرئاسي، وفي قوات «البنيان المرصوص» التي تعود أصول غالبية عناصرها إلى مدينة مصراتة. وربما أدى هذا الأمر إلى فتح نافذة لبعض قيادات مصراتة للحوار مع الخصوم الليبيين في القاهرة. وأيا ما كان الأمر فقد أدت مفاوضات «الهضبة» إلى حراك في جبهة «الإخوان» وجبهة مصراتة، وبالتالي، داخل المجلس الرئاسي الذي يبحث حاليا إعادة تشكيل حكومة مصغرة لإرضاء البرلمان.
من جانبها تقول قيادات في «الجماعة المقاتلة» إنها لم تعد على صلة بـ«القاعدة»، وإنها تحوّلت إلى حزب سياسي ولا علاقة لها بالمجاميع المسلحة أيضًا. ويُعدّ أهم زعماء هذه الجماعة عبد الحكيم بلحاج وخالد الشريف، وكانا من المقاتلين العرب في أفغانستان. أما الزوي المستمر في عقد لقاءات في العاصمة المصرية للتوصل إلى حل مع «الجماعة المقاتلة»، فهو معروف بأنه أحد الآباء الروحيين من مؤسّسي ثورة القذافي عام 1969، وهو يتمتع بخبرات سياسية ودبلوماسية وقانونية معتبرة، رغم أن بعض التسريبات التي خرجت في القاهرة كانت تريد الإيحاء بأن المفاوضات جارية مع قيادات من «جماعة الإخوان» الليبية. ويقول أحد المشاركين في اللقاءات إن هذا غير صحيح، وإن المفاوضات قائمة بالأساس مع «الجماعة المقاتلة».
الواقع أن نجاح قوات «البنيان المرصوص» في دحر «داعش» في سرت، منذ بدء الحملة العسكرية المدعومة من الولايات المتحدة، دفع الآلاف من مقاتلي التنظيم إلى الفرار خارج المدينة. وبالتزامن مع هذا الأمر، وتحسبا لأي تداعيات يمكن أن تؤثر على أمنها القومي، استقبلت القاهرة النائب الأول لرئيس البرلمان الليبي، محمد شعيب، الذي يبدو أنه يميل إلى سرعة إنجاز «حكومة التوافق المقترحة». في البداية أكد شعيب لوزير الخارجية المصري سامح شكري على الحاجة للضغط على البرلمان لكي يعقد جلسة ينظر فيها أمر منح الثقة لحكومة السراج. وهذا ما حدث في النهاية، لكن النتيجة جاءت عكسية بعد أن رفض البرلمان حكومة السراج.
ويدعم النواب الذين جاءوا مع شعيب الاتفاق السياسي الذي توصلت إليه الأمم المتحدة في الصخيرات (المغرب)، على عكس نواب آخرين يرون في الاتفاق السياسي إقصاء لحفتر وعودة لحكم «جماعة الإخوان» و«الجماعة المقاتلة»، كما حدث في عامي 2012 و2013، وكان البرلمان وافق على «وثيقة الصخيرات» في يناير (كانون الثاني) الماضي، لكن الموافقة كانت مشروطة بإجراء تعديل في وثيقة الاتفاق وتضمينها في الإعلان الدستوري المعمول به بعد سقوط نظام القذافي. وهذا لم يحدث أيضًا.
منذ ذلك الوقت تجذّرت الخلافات وبدأت تلوح في الأفق بوادر انقسام البلاد. وحين بدأت الحرب على «داعش» ساد اعتقاد بأنها ستوحّد الليبيين حول حكومة واحدة، لكن يبدو أن ما حدث شيء مختلف. وبناءً عليه، وخوفًا من فقدان القدرة على مواصلة مطاردة الدواعش في باقي البلاد، بدأت محاولات جمع الليبيين تحت مظلة واحدة وإنهاء حالة الانقسام والاقتتال، وإدخال الجميع في طريق الوحدة.
عبد المجيد يشدد على أن «كوبلر هو السبب في حالة الانقسام، لأنه منذ البداية أقصى أطرافا أصيلة بعيدًا عن حوار الصخيرات. نحن نأمل أن تتسلم الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي الملف الليبي. نأمل أن تعمل مصر من أجل إنقاذ ليبيا، لأن أمن مصر من أمن ليبيا، خاصة أن تنظيم داعش بدأ يخرج من سرت ويتجه إلى الصحراء جنوبا وهذا، كما أرى، يمثل خطرا على مصر».
من جانبها، تقول مصادر أمنية مصرية إنها تراقب الوضع في ليبيا عن كثب، وهي تقرّ بأن هناك عناصر مصرية موجودة مع «داعش» ليبيا.. «كانت تقاتل مع التنظيم في مدينة درنة ثم انتقلت معه، منذ العام الماضي، للاستقرار في سرت. والآن يفرّون من المدينة ولا أحد يعرف إلى أين يمكن أن يتجهوا». ويرجح عبد المجيد أن يستقر الدواعش في الصحراء والجبال في جنوب ليبيا، ومن ثم، سيستمر خطر هؤلاء على الدولة الليبية وعلى دول الجوار، كما يقول محذرا.
استهداف الواحات الغربية
وللعلم، سبق لتنظيم داعش تنفيذ عمليات في غرب مصر قرب الحدود مع ليبيا من جهة الواحات (غرب مصر)، خاصة واحة الفرافرة، في انتقال لافت للنظر من مركزه في سيناء. وفي إفادته لـ«الشرق الأوسط» بشأن ما يمكن أن يمثله «داعش» ليبيا من خطر على مصر، يقول «مركز الجنوب» إن الحدود الليبية المصرية «مؤمنة تأمينًا جيدًا من قبل القوات المصرية، كما أن التنظيم لن يخاطر بالهروب في اتجاه الجنوب الشرقي نحو مصر».
وفي حين يتزايد الزخم في طريق إيجاد حلول سياسية، على عدة أصعدة، بدلاً من النزاع العسكري، لا تخفي دول الجوار الليبي، بما فيها تونس والجزائر، مخاوفها من تسلل الدواعش الفارين من سرت إليها. وبينما تتزايد الضغوط على الأفرقاء الليبيين من أجل التخلص من خلافاتهم، وإنقاذ بلدهم، تبدو القاهرة أكثر مرونة من أي وقت مضى، لتحقيق هذا الغرض.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.