نظام الأسد يهجر أهالي داريا.. مفرغا محيط العاصمة من سكانها.. والعالم يتفرج

سكانها ودّعوا موتاهم في المقابر قبل إخلاء المدينة وسط مخاوف من جرفها

بعد صمود تاريخي أهالي داريا يغادرونها وسط المباني التي دمرها القصف الإجرامي (أ.ب)
بعد صمود تاريخي أهالي داريا يغادرونها وسط المباني التي دمرها القصف الإجرامي (أ.ب)
TT

نظام الأسد يهجر أهالي داريا.. مفرغا محيط العاصمة من سكانها.. والعالم يتفرج

بعد صمود تاريخي أهالي داريا يغادرونها وسط المباني التي دمرها القصف الإجرامي (أ.ب)
بعد صمود تاريخي أهالي داريا يغادرونها وسط المباني التي دمرها القصف الإجرامي (أ.ب)

نُفذت المرحلة الأولى أمس من اتفاق قضى بإخراج مقاتلي المعارضة والمدنيين من مدينة داريا الواقعة غرب وسط دمشق والمحاصرة منذ أربع سنوات، وسط شبهات لدى المعارضة من أن يكون ضغط النظام على المدنيين بإخلائها، مقدمة لتغيير ديموغرافي حول العاصمة السورية.
وبدأت الدفعة الأولى من المدنيين والمقاتلين بعد ظهر أمس الجمعة وسط أجواء من الحزن بالخروج من داريا المدمرة، المتاخمة لدمشق، في إطار اتفاق يقضي بإخلاء مدينة - ضاحية طال حصارها وحافظت على رمزية خاصة لدى المعارضة السورية. وحسب التقارير توصل النظام والفصائل المعارضة في داريا يوم أول من أمس الخميس إلى اتفاق يقضي بخروج 700 مقاتل إلى إدلب، بشمال غربي سوريا، الواقعة تحت سيطرة فصائل إسلامية وأخرى متشددة، وإجلاء 4000 من الرجال والنساء مع عائلاتهم بدءًا من الجمعة من هذه المدينة، فضلاً عن تسليم المقاتلين سلاحهم المتوسط والثقيل.
وأفادت وسائل الإعلام ببدء خروج حافلات المدنيين والمقاتلين عند نحو الساعة الثالثة والربع بالتوقيت المحلي من المدينة، عبر حافلات نقل ركاب كانت متوقفة عند المدخل الشمالي للمدينة. وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن غالبية ركاب الحافلة الأولى كانوا من النساء والأطفال والمسنين، فبينما تضمنت الحافلات الأخرى مقاتلين يحملون سلاحهم الفردي ومعهم عائلاتهم. وأكد مصدر عسكري نظامي أن الدفعة الأولى الجمعة تتضمن «300 مقاتل مع عائلاتهم» على أن تستكمل العملية اليوم السبت.
جدير بالذكر أن مقاتلين معارضين كانوا قد قالوا في رسالة صوتية بثت مساء أول من أمس الخميس إن المفاوضات جرت بين اللجنة المكلفة من أهالي داريا ووفد من النظام ترأسته ابنة رئيس الفرقة الرابعة في قوات النظام، التي هدّدت بأن هذه المفاوضات هي الفرصة الأخيرة لمقاتلي داريا كي يخرجوا بشكل آمن من المدينة، و«إلا سيتم القضاء على كل من في داريا». وتحدث أحد المقاتلين عن صعوبة الأوضاع في داريا خلال الأيام الأخيرة واستحالة الاستمرار بالمعارك والصمود في ظل انعدام الإمداد، كما عبّر عن الشعور بالخذلان من فصائل معارضة أخرى «لم تؤازرهم إلا بالكلام».
في إطار عملية إخلاء المدينة، أوضح مصدر عسكري نظامي أن «الذي لا يريد المصالحة سيذهب باتجاه مدينة إدلب، والذي يريد البقاء (...) سيذهب إلى منطقة حرجلة» في الغوطة الغربية الواقعة تحت سيطرة قوات النظام. وأشار إلى أن «كل مسلح يرغب في أخذ أولاده معه باتجاه إدلب سيحصل له ذلك». ومن جهته، أكد المجلس المحلي لمدينة داريا أن «الأسر المدنية ستتوجه إلى بلدة حرجلة (...) ومن هناك يتوزّعون إلى المناطق التي يرغبون في التوجه إليها». هذا وأفاد ناشطون في الشمال، باستحداث غرفة طوارئ داريا، بتكليف من المقاتلين المنسحبين منها، وهي «الجهة الوحيدة المخولة بتنسيق وصولهم إلى الشمال ورعايتهم إغاثيا وأمنيًا.
من جانب آخر، أوضح رامي عبد الرحمن مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن النظام «اشترط عدم وجود معارضين له في داريا»، حيث يعمل على «إجلاء المدينة بأكملها من السكان، قبل أن يتيح لغير المعارضين في وقت لاحق العودة إذا أرادوا ذلك». وتابع عبد الرحمن في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن قسمًا من النازحين الموالين له من داريا «نزحوا إلى مناطق سيطرته في أطراف دمشق، ويُعتقد أنه ينوي إعادتهم بعد تطهيرها من المعارضين». واستبعد عبد الرحمن في تصريحه أن يكون ذلك «خطة لتغيير ديموغرافي» في المدينة، معتبرًا أن النظام «لا يستطيع إجراء تغيير فيها بالنظر إلى أن ربع مليون من سكانها الأصليين هم من السنة، ولا يستطيع استبدالهم بالعلويين أو غيرهم، بل يصر على إقصاء المعارضين من المنطقة المحيطة بعاصمته».
لكن القيادات المعارضة، رسمت شكوكًا حول خطط لتغيير ديموغرافي. إذ منسّق «الهيئة العليا للمفاوضات» الدكتور رياض حجاب - وهو رئيس حكومة سابق - وجه رسالة إلى «أصدقاء الشعب السوري» أعرب فيها عن مخاوفه من أن تكون خطة للتغيير الديموغرافي، إذ قال حجاب إن «إخلاء داريا بدأ، ويأتي ضمن خطة مفرغة من التغيير الديموغرافي التي ينفذها النظام مدعومًا من قبل الإيرانيين والروس». وأعرب عن خشيته من «تكرار سيناريو حمص وغيرها من المناطق، حيث تم إلقاء القبض على المواطنين والمقاتلين المغادرين».
وإذ أشار حجاب في رسالته إلى أنه «بسبب الحصار المنهجي على داريا من قبل النظام وحلفائه، مدعومًا بدعم كامل من روسيا، وباستخدام أسلحة محرمة دوليا، والنابالم والأسلحة المتطورة الأخرى التي أجبرت سكان داريا على القبول بأحكام هذا الاتفاق»، طالب أصدقاء الشعب السوري «بالإشراف على تنفيذ هذا الاتفاق المفروض لضمان سلامة وأمن المواطنين والمقاتلين الذين يجري ترحيلهم ومنع اعتقالهم أو الاعتداء عليهم».
قال المتحدث الرسمي باسم «الهيئة العليا للمفاوضات» الوزير السابق الدكتور رياض نعسان آغا في تصريح خاص لوكالة «سمارت»، من جهته «نخشى أن ينتقم النظام من أهل مدينة داريا، لأنها أسطورة الصمود أمام طغيانه، على مدى أربع سنوات من المقاومة والحصار.. إن ما يحصل اليوم كان متوقعًا لعدم وجود أي مساعدة عسكرية لها».
دوليًا، عبرت الأمم المتحدة أمس الجمعة عن قلقها بشأن الاتفاق على إنهاء الحصار المفروض على داريا قائلة إنه ينبغي عدم إجلاء المدنيين إلا إذا كان ذلك آمنًا تماما. وفي تصريحات بالبريد الإلكتروني لـوكالة «رويترز» قال منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ستيفن أوبراين «نواصل المطالبة بالوصول إلى داريا بحرية وأمان وندعو جميع الأطراف لضمان أن يكون أي تحرك للمدنيين آمنا وطوعيا ويتماشى مع المبادئ والقوانين الإنسانية الدولية».
داريا، تتمتع في الحقيقة برمزية كبيرة كونها من أوائل المناطق التي تضامنت مع درعا إثر فض النظام مظاهرات واعتصامات أهالي درعا بالقوة والرصاص في فبراير (شباط) 2011. وكان المتظاهرون في داريا وقتها يوزعون الورد والمياه على عناصر قوات النظام تأكيدا على سلميتهم، لكن ذلك لم يمنع سقوط قتلى برصاص قوات النظام ولاحقا بالقصف المدفعي، وكما في المدن السورية الأخرى تحولت الاحتجاجات بعد قمعها إلى نزاع مسلح. ومن ثم غدت داريا أول منطقة شكلت تنظيمًا عسكريًا مسلحًا ضده، ونظرًا لأنها تتمتع بموقع استراتيجي، دفع رئيس النظام بشار الأسد لزيارتها في العام 2012 لشد عصب مقاتليه. ولقد أعاد إخلاء المدنيين من داريا إلى الأذهان سيناريو أحياء مدينة حمص القديمة التي أخلاها النظام بموجب اتفاق تحت الإكراه مع المعارضة في مايو (أيار) 2014. إذ فرض، آنذاك إخلاء المدنيين منها، وأتاح في وقت لاحق إعادة الموالين له إلى أحياء حمص التي يقول ناشطون إن معظمها الآن خال من السكان.
وبكثير من الخيبة والشعور بالخذلان، ودّع المدنيون المحاصرون في مدينة داريا، المتاخمة للعاصمة السورية دمشق، قبور أحبائهم الذين قضوا في الحرب مع قوات نظام بشار الأسد والميليشيات الداعمة لها، وقال ناشطون في داريا إن الأهالي خرجوا يوم أمس من المدينة - الضاحية و«يتملكهم الخوف على قبور الشهداء من أن تجرفها قوات الأسد بعد دخولها» وفق اتفاق تسوية تحت الإكراه والضغط بدأ تنفيذه يوم أمس الجمعة.
المجلس المحلي لمدينة داريا، نشر صورًا لنساء ومدنيين في جبانتها قبل يوم من مغادرتها، بعد توصل لجنة مكلفة من داريا إلى تسوية مع وفد يمثل النظام إلى اتفاق يقضي بخروج الأهالي المدنيين. وقال مجلس المحلي لمدينة داريا إن النظام رفض إخراج المقاتلين سلاحهم الثقيل الذي هو عبارة عن دبابة واحدة ومدرعة بي إم بي ورشاشات 14.5 و«دوشكا» وقواذف وقناصات حرارية، واجهوا بها قوات النظام وطيرانه وميليشيات حلفائه لأكثر من ثلاث سنوات. واشترط النظام الذي حاصر داريا طيلة أربع سنوات تسليم الدبابة والمدرعة، أما الباقي فأحرقه مقاتلو داريا قبل خروجهم.
اللافت في الأمر، أن النظام، لأول مرة، يعترف بوجود مدنيين حاصرهم منذ أربع سنوات، ونقل التلفزيون النظامي وقائع إخراج المدنيين يوم أمس الجمعة بحافلات تابعة لمنظمة الهلال الأحمر السوري، والمفارقة أن إعلام النظام دأب على ترويج كذبة خلو داريا من المدنيين، والزعم أن المدينة تقع تحت سيطرة تنظيم «جبهة النصرة»، الذي أصبح اسمه «فتح الشام» أخيرًا. وبحسب التقديرات، لم يتبق من سكان داريا - التي كان يقطنها 250 ألفا قبل الحرب - سوى نحو ثمانية آلاف شخص، بينهم أكثر من ألفي امرأة وطفل، في منطقة دمّر أكثر 90 في المائة منها. وكان هؤلاء يتعرضون يوميا لغارات ألقت آلاف الصواريخ والقذائف وأكثر من عشرة آلاف برميل متفجر، فضلا عن هجمات الأسلحة المحرّمة دوليا كالغازات السامة وقنابل النابالم الحارقة.
وليس «قبور الشهداء» فقط ما يؤلم سكان داريا في هذه اللحظات. فالشعور بالخذلان، يتصدر كل المشاعر الأخرى. وقال ناشط في مدينة داريا، فضل عدم الكشف عن اسمه، في حديث عبر الهاتف مع مكتب وكالة الصحافة الفرنسية في العاصمة اللبنانية بيروت: «هناك قهر كبير» بين السكان. وأضاف: «ذهبت الأمهات أمس إلى المقابر لتوديع شهدائهم، إنهم يبكون على داريا أكثر مما بكوا حين سقط الشهداء».
وأظهرت صورة نشرها المجلس المحلي لمدينة داريا على صفحته على «فيسبوك» أحد الشبان وهو يقبل اسم داريا على أحد جدران المدينة. وقال أحد مقاتلي الفصائل المعارضة في المدينة إن داريا تعيش اليوم «أصعب اللحظات، الجميع يبكي، الطفل يودع مدرسته، والأم تودع ابنها الشهيد عند قبره».
ويجمع السكان المهجّرون، وفق قوله، «أغراضهم المتواضعة المتبقية، لتبقى معهم ذكرى لأربع سنوات من الحصار والجوع والقصف، وتبقى ذكرى لمجتمع دولي خذلهم دون أي ذنب». وأضاف: «المدينة لم تعد صالحة للسكن، فقد باتت مدمرة تمامًا»، إذ كانت تتعرض للقصف بعشرات البراميل المتفجرة يوميا، فضلا عن القصف المدفعي والغارات الجوية، ما أسفر عن دمار هائل فيها.
وعند مدخل داريا الشمالي، كتب على أحد جدران الأبنية: «داريا الحرة مع تحيات الجيش الحر».



الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)
صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)
صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.