أعداد «مكتومي القيد» تزداد في سوريا.. ومئات الآلاف من الأطفال سيحرمون من حقوقهم المدنية

أعداد «مكتومي القيد» تزداد في سوريا.. ومئات الآلاف من الأطفال سيحرمون من حقوقهم المدنية

بين بطش «النظام» و«داعش» أصبح التسجيل في دائرة النفوس أشبه بالـ«كابوس»
الجمعة - 23 ذو القعدة 1437 هـ - 26 أغسطس 2016 مـ رقم العدد [ 13786]
لندن: «الشرق الأوسط»
لم تنتظر معاناة مكتومي القيد في سوريا انتهاء الحرب لتبرز كواحدة من أعقد نتائج الحروب، بل بدأت تزداد وتتسع مع ازدياد أعداد المواليد غير المسجلين في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، وفي مراكز إيواء النازحين، إلى مناطق سيطرة النظام وفي مخيمات اللجوء.
وتشير فاطمة، وهي لاجئة فلسطينية بسوريا نزحت من مخيم اليرموك جنوب دمشق قبل 3 سنوات، إلى عدم تمكنها من تسجيل حفيدها في دوائر النفوس، الذي يبلغ من العمر 4 سنوات؛ لأن والده فُقد في المخيم قبل تثبيت عقد زواجه بالمحكمة، والعقد كان «كتاب شيخ»، أو ما يعرف في سوريا بعقد «برّاني»، وعندما نزحوا من المخيم هربًا من القصف ضاع العقد مع ما ضاع من أوراق وثبوتيات، وبقي الطفل من دون تسجيل ولا يمكنه دخول مدرسة أو إثبات نسبه، ولا يحصل على أي شيء. مشكلة مماثلة تعاني منها رئيفة (30 عامًا) وهي نازحة من الجولان وتسكن في ريف دمشق، تزوجت شابا كرديا من الجزيرة السورية، وهو من الذين يعانون أساسا من مشكلة مكتومي القيد، وبصعوبة بالغة يسجلون زيجاتهم وولاداتهم، وعندما اندلعت الثورة كان عمر ابنتها جنان عاما واحدا، وتركها والدها مع أمها وغادر إلى الحسكة واختفى هناك، وبقيت جنان من دون تسجيل وكذلك عقد الزواج. وتقول رئيفة إنها لم تترك وسيلة لإثبات زواجها رسميا كي ترفع دعوى طلاق فلم تفلح، كما لم تنجح في إدخال ابنتها إلى المدرسة.
ولا يوجد أرقام إحصائية لتقدير عدد حالات عدم إثبات الزواج، ولا أعداد الأطفال مكتومي القيد، وهي المشكلة التي كانت حتى عام 2011 يعاني منها الأكراد من أبناء المحافظات الشمالية الشرقية، الذين جردوا من الجنسية السورية عام 1962، بموجب الإحصاء العام الذي قسم الأكراد في سوريا إلى أكراد يتمتعون بالجنسية السورية وأكراد يتجردون من الجنسية ومسجلين في القيود الرسمية على أنهم أجانب. وأكراد غير مقيدين في سجلات الأحوال المدنية الرسمية، وأطلق عليهم وصف «مكتومي القيد» وهو مصطلح إداري سوري يشير إلى عدم وجود الشخص المعني في السجلات الرسمية. وبعد 5 سنوات من الفوضى والتشريد والتهجير والتدمير توسعت مشكلة مكتومي القيد وراحت تشمل مئات الآلاف من الأطفال السوريين العرب، الذين تحول ظروف الحرب دون تسجيلهم. وتفيد مصادر إعلامية بوجود مئات الأطفال في محافظة دير الزور من مكتومي القيد وغير مسجلين في السجلات المدنية، ما يعني أن مئات الأطفال هناك مهددون بفقدان النسب والحرمان من الحقوق المدنية وحق التعليم، فجميع الأطفال حديثي الولادة في المدينة أو أريافها أصبحوا الآن مكتومي القيد، لا سيما في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش والتي تمنع المؤسسات الرسمية المدنية السورية من العمل، ناهيك عن أن المهاجرين من أعضاء التنظيم يتزوجون من سوريات في تلك المناطق بعقود زواج ينظمها القاضي الشرعي للتنظيم، وتغفل تلك العقود الاسم الحقيقي للزوج، إذ تكتفي باسم الشهرة المستعار. فلا يعلم له نسب ولا اسم. وقد يموتون بالحرب أو يهاجرون ليتركوا خلفهم أولادا مجهولي الهوية مكتومي القيد. يواجهون مع أمهاتهم إذا لم يقتلن مصيرا مجهولا.
إحدى السيدات تمكنت من الهرب من مدينة دير الزور، وحملت معها طفلها إلى دمشق، لكنها لم تتمكن من تسجيله في مديرية النفوس بدمشق، وطلب منها العودة إلى دير الزور وتسجيله هناك في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام والمحاصرة من قبل تنظيم داعش، ولما كانت العودة مستحيلة حاولت عن طريق مكاتب تعقيب المعاملات إجراء معاملات جديدة في دمشق بدءا من الزواج وحتى تسجيل الطفل واستخراج دفتر عائلة، والتي كلفتها دفع مبلغ 400 ألف ليرة سورية، وتقول لولا أنها ميسورة الحال لبقي ابنها مكتوم القيد، كحال أبناء مئات الآلاف من النازحين داخل سوريا واللاجئين إلى الجوار كتركيا والأردن ولبنان، الذين يعانون من مشقة إثبات عقود الزواج الشرعي وتسجيل حديثي الولادة. ووفق أرقام المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في لبنان، هناك 32 في المائة فقط من 70 ألف ولادة سورية لعائلات مسجلة بالمفوضية في لبنان تم تسجيلها رسميا. في حين يقدر عدد الولادات الحديثة لدى عائلات غير مسجلة بأكثر من 30 ألف ولادة خلال السنوات الأربع الماضية، فيما يقدر عدد الأطفال السوريين مكتومي القيد أو الذين يملكون وثائق ثبوتيات رسمية بنحو 70 ألف طفل، سيكون من الصعب عودتهم إلى بلادهم من دون إثبات نسب، والذي يتطلب سلسلة إجراءات كثيرة صعبة ومعقدة ومكلفة، وعاجلا وليس آجلا سيكون هناك جيل كامل من الأطفال السوريين ضائعا، بلا إثبات نسب عائلي، وبلا حقوق مدنية، وبلا تعليم.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة