دروب شائكة نحو السعادة

هل هي موجودة فعلاً أم محض وهم؟ أم يجب علينا التوقف عن السعي إليها؟

دروب شائكة نحو السعادة
TT

دروب شائكة نحو السعادة

دروب شائكة نحو السعادة

رغم أن السعادة قد ظلت على مر التاريخ، مطلبا بشريا يتخلل كل الفكر الإنساني ومنجزاته، باعتبارها الهدف الأسمى وغاية الغايات، فإنها، في المقابل، ظلت مفهوما عصيا على البحث، وعسيرا على التقصي. ولا أدل على ذلك، من أن هذا المفهوم لا يتوفر على تعريف جامع مانع له. لهذا ظل المشتغلون به، متفرقين حول المعنى الحقيقي للسعادة والطرق الموصلة إليها. إذ تكفي إطلالة على الحكم الشرقية القديمة، كالبوذية والطاوية والكونفشيوسية، مرورا باللحظة الإغريقية ومجمل الفكر الغربي واللاهوتي، الذي اشتغل على هذا المفهوم، لنكتشف حجم التناقض والاختلاف القائم بين هذه المرجعيات، رغم اشتراكها جميعا في شيء واحد، هو الرغبة في الإمساك بهذا المفهوم الغامض داخل التشابكات التي تحيط به.
لا يشذ عصرنا عن العصور السابقة، في سعيه نحو السعادة. فسؤالها لم يزل مطروحا بحدة تضاهي العهود السالفة أو أكثر، خاصة أن هذا العصر المتسم بالتعقيد، قد جعلنا نتيه في بحثنا عنها، وأضاع كل أملنا في نيلها، حتى أصبح الحديث عنها نوعا من العبث وضربا من السخافة. وهذا أمر مبرر، بما أن الإنسان المعاصر، يعيش في عالم متطلب وسط زخم التقنية، وإغراء الاقتصاد، وتراجع القيم، وتفكك الأسرة، وتدمير البيئة وغير ذلك. وبالتالي، فعالمنا، رغم كل التقدم الحاصل فيه مقارنة بالماضي، لم يفلح في مدّنا بالوسائل والأدوات الأساسية التي من شأنها مساعدتنا على نيل تلك الحياة الطيبة الهادئة التي نحلم بها. فأصبح الإنسان المعاصر أكثر بحثا عن السعادة، وأكثر بعدا عنها في نفس الوقت، حيث أنهكه الواقع، وضاقت به دروب الحياة، وعم داخله الضجر والتعب، في عالم فقد المعنى، وسقطت فيه كل مرجعية دينية أو وطنية. وبالتالي، فبدلا من أن نقترب من السعادة، تهنا خلف أبوابها الموصدة ودروبها الملتوية. وهي الأبواب التي أحاول طرقها هنا، سائلا إياها عن الوعود التي تقدمها لنا باعتبارها سعادة.
* السعادة ودفء الحياة الروحية
عصرنا هو عصر شك وتقصٍ، حيث لا يقبل مبدأ أو رأي دون أن يمر من مدماك النقد والتحليل. مع العلم أن مجال الروحانيات، هو المجال الذي انهالت عليه مطارق الشك، منذ أن أصبح عقيدة مع الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت، ومن بعده باروخ اسبينوزا، وأخيرا إيمانويل كانط، الذي رمى بالروح إلى غياهب المجهول وجعل بينها وبين العقل جدارا سميكا يصعب اختراقه، فأصبح كل مذهب روحاني مدعاة للسخرية أكثر منه مدعاة للإيمان. أما اليوم، فقد صار صوت الإلحاد يصدح في كل اتجاه، بل من الفلاسفة من صار يدافع عنه كطريق للخلاص، (ميشيل أونفراي، أندري كونت سبونفيل، ريتشارد داوكنز). أما الأديان، وخاصة السماوية، مثل المسيحية التي كانت خلاصا، فقد أصبحت سبة، لأنها ربطت سعادة الإنسان بعالم آخر مفترض، تتأسس فيه الحياة بعد الموت، وتضيع فيه الحياة من أجل الموت. وقد ضربت في وجودها عقائد قديمة كانت تؤمن بسعادة على الأرض، ترجع إلى الإنسان وعلاقاته بذاته وبالآخرين. هكذا أصبح الإنسان المعاصر شكاكا مرتابا، ينخره فراغ قاتل ووحدة قاسية، من عالم لا يؤمن بشرق أو غرب، ولا يعترف بتمثلاتنا حوله. وبالتالي، فالروحانيات التي كانت طريق الإنسان نحو السعادة، قطعتها فلسفات الشك، كما يسميها الفيلسوف الفرنسي بول ريكور.
* السعادة وحياة الملذات
النقاش حول السعادة واللذة قديم جدا. فقد تعرض اليونان لهذا الإشكال بشكل مسهب، حين حذر أفلاطون من مخاطر اللذات، وأعلى أرسطو من حياة الحكمة في مقابل اللذة الحسية، في حين دافعت الرواقية عن الأخلاق. ورغم أن الأبيقورية قاست الحياة السعيدة بمقدار انغماسنا في حديقة المتع، فإنها دعت في المقابل، إلى عدم الإسراف فيها، واتباع منهج التعقل، حتى لا تتحول اللذة إلى ألم والمتعة إلى شقاء. هذه الأصوات الحكيمة، لا تجد اليوم صدى. فقد عادت اللذة لتخترق الحكمة، بعدما أظهرت الداروينية طبيعتها وأصالتها فينا. وبين فرويد أنها المحرك الفعلي لفعلنا وسلوكنا، فأصبح الإنسان اليوم، محاطا باللذات، وأضحت سعادته مرهونة بحجم اللذات التي ينعم بها: أكل، وشرب، ونوم، وجنس، وسفر، وخمر وغير ذلك. في وقت أصبح فيه كبح جماح اللذات سلوكا محتقرا، انتشرت أندية المتع، وصارت رمزا للسعادة وميزة للعصر. وهي أندية يمكن أن نقول عنها إنها أندية للفرح وللذة وللاستمتاع. لكنها أبعد بسنوات ضوئية عن السعادة كإحساس دائم لا ينقطع، لأنها تستهلك نفسها بمقدار استهلاكنا لها. فكل لذة مشبعة تترك مكانها لأخرى غير مشبعة، كما يوضح شوبنهاور، لتولد بانطفائها ألما بالغا، فتتحول إلى حياة ملؤها الإدمان والاكتئاب والعزلة والانتحار والأمراض الجنسية، في احتفالية كبيرة بمشهد الجنس. وهذا ما نبهت إليه الباحثة والطبيبة الأميركية ميريام غروسمان، في كتاب بعنوان «الإباحية ليست حلا، أجيال في خطر»، حيث أشارت إلى أن حياة الجنس قد أصبحت تجد آيديولوجيا متكاملة، بعيدة كل البعد عن العلمية، تغذي تمثل الشباب الأميركي للجنس، الذي أضحى أكثر إصابة بالمشاكل النفسية الخطيرة، بسبب الغرق في الاستقلالية، وطغيان الهوية الجنسية والعلاقات، وزمالة السكن، في غياب حس أخلاقي يقاوم ذلك. وهي ظاهرة لا تمس الشباب الأميركي فقط، بل أصبحت ظاهرة عامة.
* السعادة وحضن الجماعة
ارتبطت السعادة في الكثير من المرجعيات الفلسفية، بالإنسان في علاقاته بالآخرين، وقدرته على الأخذ والعطاء، حيث يحصل الفرد على العطف والحنان، وينعم بدفء الجماعة. هنا يمكن أن نعود إلى العقيدة البوذية التي لا تتحقق عندها السعادة إلا للسعادة داخل جماعة «السانغا». فالسعادة الفردية غير موجودة في الواقع. لكن في مقابل ذلك، يلوح عندي التأمل الأليم الذي يورده الفيلسوف الفرنسي غاستون بيرجي، في كتابه من «القريب إلى الشبيه»، عندما أبرز بأن قدر الإنسان هو أن يكون وحيدا، أن يحيا لوحده ويتأمل لوحده، محكوم عليه بأن لا يشبع أبدا رغبته في التواصل. قدرنا هو أن نعيش معزولين أكثر من أن نعيش وحيدين. وبالتالي، فعزلتنا تبقى مستمرة مهما انخرطنا في الجماعة. لأن أي تواصل بيننا يبقى ناقصا، إن لم نقل معدوما، بتعبير بيرجي، دائما. ألم يقل الدالاي لاما، في كتابه الصادر أخيرا: «فن السعادة» «The art of happiness»، إنه إذا أردنا أن نكون سعداء، فلنبتعد عن الزواج وإنجاب الأولاد؟ ذلك أن ارتباطنا الشديد بهم، سيجعلنا بعيدين عن السعادة في حال فقدان فرد منهم. فحياة العزلة، هي الوحيدة التي يمكن أن تجعلنا سعداء. بذلك فحضن الجماعة قد يكون سبيلا نحو السعادة، بقدر ما قد يصبح طريقا نحو الجحيم.
* السعادة من منظور طبي
انخرط مجال الطب بدوره، في سباق محموم نحو جعل الإنسان أكثر سعادة. فبحث في أعماق وعي الإنسان عن الموصلات العصبية المتحكمة في السعادة، وحاول اكتشاف كيميائها، كما بحث أجدادنا عن الوصفة الذهبية لكيمياء الذهب، ولكنهم لم يعثروا على أي شيء. ما الذي يقدمه الطب عن السعادة؟
يقول الطب الدماغي، بأن هناك جزيئات موجودة في المخ تلعب دورا مهما في توازننا الشخصي. وهي تضطرب بسبب سوء التغذية وتدفق العواطف، وكذا نقص النوم، حيث إن الدوبامين، وهو عبارة عن مادة كيميائية، تساعد على التحفيز والتذكر. في حين أن مواد أخرى كالسيروتونين، تتسبب في الراحة واستقرار المزاج والإبداع والمرح. إلا أن هذه الكيمياءات جميعها، تظل سيفا ذا حدين. فهي يمكن أن تؤدي وظيفتها بشكل مبهر في حالة توازنها، لكن إذا اختل هذا التوازن لأي سبب من الأسباب، فإنها تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تبرز مشاعر العصبية ونقص الثقة بالنفس، بالإضافة إلى الرعب المرضي والكدر والاكتئاب. ما يعني أن توازن هذا النظام يبقى مرتبطا بتصرفاتنا وتغذيتنا وطرق حياتنا. ومن ثم فالطب، وإن وضح الصيرورة الدماغية لحدوث السعادة، فإنه لا يرينا الطريق الملكي كي نكون سعداء. أما الطب النفسي، الذي صار يقدم تمارين مهمة جدا في تحصيل الهدوء والطمأنينة، ويحقق نتائج مبهرة في ذلك، فهو بتركيزه على الذات، لا يوفق في منحنا السعادة المأمولة، لأن هذه الذات، تعيش داخل صيرورة اجتماعية وسياسية لا بد أن تؤثر في سعادتنا بشكل أو بآخر.
لا بد أن الدروب الملتوية للسعادة، قادرة على أن تزرع في أنفسنا الشك والارتياب. فهل السعادة موجودة بالفعل أم محض وهم؟ هل يجب أن نتوقف عن السعي خلفها؟ بالتأكيد يظل مبحث السعادة جديرا بالاهتمام لأنه يمس كينونة الإنسان. ورغم أن هذا المبحث هو أقرب إلى الميتافيزيقا، فإنه مع ذلك، يظل في ارتباط بالواقع. ويمكن أن تكون السعادة بعيدة عنا يصعب الإمساك بها، إلا أن إحساسنا وتفاؤلنا بقربها منا، هو الذي يغذي هذه الرغبة الدفينة، في نيل تلك البهجة العظيمة.

* أستاذ الفلسفة - المغرب



مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي
TT

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي، تنتصب الخيمتان العملاقتان اللتان تختصران نبض سوق الفن العالمي وذاكرته، حيث تلتئم نسختا هذا العام من معرَضي «فريز لندن» و«فريز ماسترز» لتؤكدا مجدداً أن العاصمة البريطانية ليست مجرد سوق تداول، بل مختبر نقدي حي يتلمس تحولات الجمال والسياسة والهوية. خيمتا الفن العملاقتان هذا العام ليستا مجرد مساحات لعرض السلع البصرية الفارهة، بل تحولت تحت أقدام الزوار والقيّمين إلى ساحة اشتباك فكري عالي النبرة، تتصارع فيها السرديات الكولونيالية الموروثة مع أصوات الهامش والجسد والمادة، مانحةً النقاد فرصة نادرة لتشريح أين يتجه الفن المعاصر، وكيف ينظر إلى ماضيه بعيون لا ترحم ولا تكتفي بالزخرفة والتزيين.

إذا تجولنا أولاً في أروقة «فريز لندن»، سنرى كيف انشغل 172 غاليري من مختلف أصقاع الأرض بتفكيك الحاضر وتشريح الجسد المعاصر، ففي جناح «ليسون غاليري» مثلاً، يقدم الفنان البرازيلي دالتون باولا مرافعته التشكيلية الصامتة والعميقة عبر لوحات تعيد الاعتبار لشخصيات تاريخية من ذوي البشرة السمراء ممن محتهم الذاكرة الاستعمارية بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، مستخدماً ضربات فرشاة رقيقة وسطوحاً حليبية تمنح شخوصه طابعاً طيفياً يرفض النسيان.

وإلى جوار هذه الصرامة التاريخية، تقتحم الفنانة الأميركية لوسي دود، عبر غاليري «سبروث ماغرز»، فضاء التجريب المادي البحت مستبدلة بالصبغات التقليدية تركيبات عضوية وطبيعية تنفتح على الموت والتآكل والتشكل، لاغية الحدود الفاصلة بين اللوحة ككائن جمالي مستقل وبين الطبيعة في صيرورتها الحية، وهو ما يعيدنا برهافة تشكيلية إلى «فن الأرض» Land art، ولا يقل عنها حضوراً الفنان الأميركي خليف طاهر طومسون مع غاليري «فيكتوريا ميرو»، حيث يمزج بحرفية عالية بين الجلد والأقمشة والخشب في بورتريهات حميمية تحتفي باليومي والمهمش من حياة الأفارقة الأميركيين، مؤكداً أن الملمس المادي للعمل الفني هو جزء لا يتجزأ من حمولته السياسية والنفسية.

وعلى الضفة المقابلة للحديقة، حيث يعيد «فريز ماسترز» كتابة التاريخ الفني بعيون واعية نقدياً، تتجلى بوضوح رغبة المعرض في تفكيك المركزية الغربية والاحتفاء بالحداثات البديلة والمهمشة. ولعل الجناح المشترك بين غاليري «ديفيد زورنر» وغاليري «فيكتوريا ميرو» قد شكل العلامة الفارقة الأبرز عبر استعادة أعمال الرسامة الأميركية أليس نيل وهي تعيد تعريف الحداثة الجندرية والإنسانية النيئة؛ حيث تصرخ الأجساد العارية والمأزومة بشجاعة نادرة في وجه القواعد الأكاديمية الكلاسيكية.

وفي الاتجاه نفسه، يبرز حضور غاليري «لوفت آرت» مسلطاً الضوء على ريادة الحداثة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، من خلال التكثيف البصري الساحر لأعمال الفنان المغربي الراحل محمد المليحي وموجاته الشهيرة التي تختزل روح مدرسة الدار البيضاء وتلاحمها العضوي مع التراث الحرفي الأمازيغي. ولا يغفل المعرض رد الاعتبار لنسوة الحركات التجريدية كفنانات نادي الشارع الثامن (The 8th Street Club) وهن مجموعة رائدة من الفنانات اللاتي سكنّ وابتكرن في قلب مشهد التجريدي التعبيري في نيويورك خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين مثل إلين دي كويينغ وجوان ميشيل وغيرهن، واللائي ظَللن لعقود طويلة محجبات بظل أقرانهن الرجال، لتأتي أجنحة مثل غاليري «بيري كامبل» وتكشف عن عبقريتهن البصرية المكبوتة.

لغة الأرقام الفنية

أمّا على صعيد لغة أرقام المبيعات الصاخبة خلف الستار الجمالي، فقد برزت صفقات ثقيلة الوزن تجسد صدارة القطع المتحفية عالمياً؛ إذ بيعت لوحة الطبيعة الساكنة التاريخية للرسام الفلمنكي جان بروغيل الأكبر لدى غاليري «هاوزر أند ويرث» بمبلغ ناهز 6.5 مليون دولار، تليها لوحة الفنان البلجيكي ميكائيل بوريمانس بـ1.5 مليون دولار. كما بيعت لوحة للفنان المفاهيمي جورج كوندو بـ600 ألف دولار بالتساوي مع عمل برونزي لأنطوني غورملي، بينما بيعت لوحة للفنانة كارا ووكر بـ400 ألف دولار.

جغرافيا الفن العربي

ولم يكن الوجود العربي في هذا الحدث الاستثنائي مجرد مشاركة شرفية أو هامشية، بل امتداداً لقوة حوارية تفرض حضورها الجمالي والمفهومي بثبات؛ حيث وضعت الصالات العربية بصمتها التأسيسية من خلال مشاركات نوعية شقت قنوات جديدة للرؤية. فتألق غاليري «صفير زملر/ بيروت - هامبورغ» بطرحها المفاهيمي العميق عبر استعادة صياغة الأرشيفات السياسية والبصرية في المنطقة مع أعمال لورنس أبا حمدان ووليد رعد ورايان تابت، بينما نجحت صالة أثر (جدة/ الرياض) في لفت الأنظار إلى التحولات المعاصرة في المشهد السعودي عبر مقاربات فنية ومفاهيمية للفنانين مثل أحمد ماطر ورامي فاروق ومحمد الفرج وسارة أبو عبد الله وأميرة موصلي، واستكشافهم الشاعري للبيئة والمادة.

وعلى صعيد «فريز ماسترز»، فرض غاليري «لوري شبيبي» (دبي) حضوره عبر عرض أعمال الفنانة الفلسطينية الإيرانية الراحلة مليحة أفنان مستعرضا آثارها الخطية والتجريدية التي تتقاطع فيها الكتابة والذاكرة والنزوح بشاعرية مكثفة.

وسجل غاليري «المرسى» حضوراً لافتأ عبر الاحتفاء بالأعمال الإيقاعية والتجريدية الفريدة للفنان التونسي-الفرنسي محجوب بن بله ليقدم من خلالها جسراً بصرياً يمزج بين الذاكرة الأفريقية-العربية والتقاطعات الخطية المعاصرة لتؤكد أن الجغرافيا العربية أضحت أحد المحركات الأساسية لإعادة تشكيل المشهد البصري المعاصر.


«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي
TT

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر، المفضل لدى بطلها «طارق العايق»، الذي يبدو كأنه خرج من عالم الأغنية نفسها، محملاً بخيبات عاطفية وأحلام صغيرة لم تتحقق.

من هذه العتبة يمتد الطابع الشعبي عبر سطح العالم الروائي، المعبأ بأصوات الباعة الجائلين، وأغاني «الضمة» البورسعيدية، وصولاً إلى مدرجات النادي المصري لكرة القدم، في عالم يستدعي ذاكرة السينما المصرية في تكويناتها الشعبية الصاخبة، وشخصياتها التي تتأرجح ما بين الاستعراض والهزيمة.

ومن خلال قصة حب تبدو عادية، تجمع طارق بابنة جيرانه «ميرفت» تتسع أسئلة الخديعة لتطال تصوّرات البطل عن نفسه، وعن النجاح والمكسب والخسارة، وعن حدود إنسانيته داخل المدينة التي ينتمي إليها.

يستعيد طارق حكايته مع ميرفت بوصفها خسارته الكبرى، كأن حياته انقسمت إلى ما قبل هذه العلاقة وما بعدها، غير أن الخسارة العاطفية تأتي ضمن سلسلة من الإخفاقات؛ فالرجل الذي لم ينجح في الاحتفاظ بوهج قصته مع حبيبته، لم ينجح كذلك في تحقيق وعود الصعود الاقتصادي التي أغرته بها تجارة الملابس المستعملة في سوق «البالة»، لتعيد تساؤلات المكسب والخسارة تدوير نفسها، فيما يواصل البطل البحث عن تفسير لما جرى له، وعن طرف آخر يحمّله مسؤولية الهزيمة.

وهكذا تتجاوز مفردة «انخدعنا» دلالتها الغنائية المباشرة، لتتشعب عبر شبكة من الأسئلة التي تضعها دينا شحاتة داخل بناء سردي يستعير منطقه من لعبة «الدومينو»، لتتوزع الرواية عبر أربع جولات، تتخللها فواصل تعيد ترتيب قطع اللعبة، وصولاً إلى «قفلتها» الأخيرة.

لتصبح لعبة الدومينو هنا وسيلة لتنظيم العلاقات بين الشخصيات والأصوات، حيث تتغير مواقع اللاعبين «الأبطال» وتتبدل احتمالات الفوز والخسارة، بينما تظل كل قطعة مرهونة بما يسبقها وما يليها.

من خلال هذا الترتيب، تسحبنا الرواية من النظر إلى طارق بعين الراوي العليم، إلى الإصغاء لصوته نفسه، قبل أن تضع الصوتين في مواجهة صوت سردي ثالث هو صوت المدينة، لتكتسب «بورسعيد» حضوراً سردياً مستقلاً، بوصفها ذاتاً تمتلك ذاكرة خاصة، وتعيد قراءة حكاية طارق في ضوء تاريخها.

حدود الراوي العليم

تبلغ هذه الندية ذروتها في تحدي المدينة لمعرفة الراوي العليم نفسه، ووصفه بأنه «الراوي ناقص المعرفة»، لتشمل لعبة الرواية تحدي سلطة السارِد العليم، ويفتح صوت المدينة حكاية طارق على تاريخ أقدم من علاقته بميرفت، يبدأ من لحظة ميلاد بورسعيد مع حفر قناة السويس عام 1859.

في هذا الانتقال، تضع الرواية الذاكرة الشخصية للبطل في مواجهة ذاكرة جمعية مثقلة بالتحولات، فبورسعيد، المدينة التي ارتبط اسمها في الوجدان المصري بالبسالة والمقاومة، تحمل أيضاً تاريخاً من المعاناة البشرية والخسائر؛ من العمال الذين قضوا في أعمال حفر القناة، إلى مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956، ثم تجربة الحرب والتهجير عقب عام 1967، وصولاً إلى التحولات الاقتصادية التي أعادت تشكيل حياتها الاجتماعية وصورتها عن نفسها.

ويتيح استدعاء هذا التاريخ قراءة ما يقع خلف الروايات الكبرى عن المجد والانتصار، بما فيها الأجساد التي دفعت الثمن، والوعود التي لم تتحقق، والحيوات الصغيرة التي توارت خلف التحولات السياسية والاقتصادية، وتستعيد المدينة تاريخ ميلادها بوصفه جرحاً جسديّاً، تتجاور فيه صورة الشريط الساحلي الذي شقته الفؤوس مع أجساد العمال الذين احتضنتهم الرمال، لتصبح نشأتها نفسها محملة بمفارقة التقدم والخسارة.

تتبدى أنسنة المدينة في نديتها للبطل عبر تشبيه مصيرها بمصيره: «مثلك أنا يا طارق، عشر سنوات لم تكفِ الأيادي عن الحفر، تمنيت لو يتم مسحها من ذاكرتي»، لتمنح خساراته الفردية عمقاً أبعد في ذاكرة المكان، فكما يتمنى طارق نسيان سنوات عمله في التهريب وتجارة الملابس، تتمنى المدينة محو سنوات الحفر التي شهدت ميلادها، وما ارتبط بها من استغلال وموت.

وتتعمق هذه الأنسنة عبر الصورة التي ترسمها المدينة لنشأتها، حين تتشكل لها عينان قبل أن تمتلك القدرة على الاعتراض، فيصبح النظر إلى المأساة أول أفعالها، وتتحوّل الذاكرة إلى عبء ملازم لوجودها، وتكتسب عبارة «هل تدرك قسوة أن تتشكل لك عينان أولاً. قسوة أن ترى دون فعل؟ وما رأته عيناي في ولادتي، ما كان يجب أن يُرى» دلالتها من هذا العجز المبكر، الذي يجعل شهادة المدينة على التاريخ مشوبة بإحساس مستمر بالفقد.

ومن هنا تتجاوز الموازاة بين البطل «طارق العايق» ومدينة «بورسعيد» مجرد التشابه في الخسارة؛ فبينما يرى طارق أن خديعته بدأت مع ميلاد ميرفت، تعيد المدينة قصته إلى تاريخ أسبق، حيث تتشكل مصائر الأفراد في امتداد الشروط الاجتماعية والاقتصادية للأمكنة التي نشأوا فيها.


بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»
TT

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛ مستوى السيرة ومستوى الرواية، وإن تغلب المنحى الروائي في النهاية على الطبعة النهائية للنص.

وهذه الرواية تجمع أيضاً بين السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافيا) والسرد الروائي المبأر التي يرويها سارد أو مشاهد داخلي أو خارجي، فالرواية لا تخلو من كونها رواية «بيوغرافية» عن شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، لكنها لا تلتزم بسياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية إنما بعطاء المخيلة السردية، فالروائي سيكتب، أساساً، سيرة بيوغرافية عن شخصية الزعيم، لكنه أيضاً يكشف عن بعدٍ (أوتو بيوغرافي) من خلال المرويات التي يقدمها الزعيم عن نفسه أسرته ومجتمعه، أو من خلال مرويات تخييلية وافتراضية وسردية ليس إلا.

والرواية ليست عن حياة الزعيم فقط، بل ربما أساساً عن الناس، وعن العراق بصورة عامة، وبشكل خاص المحطات التاريخية التي صنعها، وتلك التي ساهم في صنعها، ولذا فالرواية لا تخلو إلى حدٍ كبيرٍ من سرد تاريخي موثق ودقيق، على الرغم من بنيتها التخييلية الافتراضية، كما أنها تنطوي على مقاطع تأريخية وتسجيلية واقعية مما يجعلها رواية «ميتا سردية»، وتتحول أحياناً إلى فسيفساء سردية ملونة وعلى الرغم من كون الرواية تدور حول شخصية تأريخية معينة هي شخصية الزعيم لكنها لا تعتمد على ملاحقة حبكة أو حكاية واحدة، بل على مجموعة حبكات ومرويات وحكايات. ولذا فهي لا تنمو خطياً، وإنما تنتقل بين أزمنة وأماكن وتواريخ متعددة وتمتد إلى بداية القرن العشرين، والاحتلالين العثماني والإنجليزي للعراق.

وبسبب تعدد الروايات والمتطورات السردية، تتحول الرواية تدريجياً إلى رواية بوليفونية تتميز بظهور عدد كبير من الأصوات الرواة والشهود الرئيسيين والثانويين الذين يسردون صفحات مطوية من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي منذ نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، التي أسفرت عن هزيمة العثمانيين واحتلال الإنجليز للعراق عام 1917، وهي تدون وقائع مركزية من تاريخ العراق الحديث.

ويمكن القول إن الكثير من مرويات الرواية عن مخطوطات ووثائق شفاهية أو مكتوبة، وهي تعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الجوهر الواقعي للسرد، الذي يخلو من مقاطع تسجيلية أو وثائقية، وبشكل خاص في وصف وقائع الثورة التي تم غالباً عبر طراز الصحافة الاستقصائية التي تلاحق الحدث المركزي منذ بدايته كاشفة عن جذوره ومساراته وعوامل القوة والتقهقر فيه، إلا أن الروائي يعمد بين آونة وأخرى لاختلاق شخصيات غير واقعية مثل شخصية جورج إلياس الذي يروي نيابة عن والد الزعيم الكثير من جوانب الحياة في العراق آنذاك.

هذه الرواية رواية عن التاريخ العراقي الحديث، لكنها ليست رواية تسجيلية أو تاريخية تقليدية، إنما هي سرد تاريخي تخيلي وافتراضي لا يخلو من التلفيق أحياناً، ويستحق تقدير الجهد الذي بذله المؤلف في نبش التاريخ والجغرافيا والسياسة في العراق، وإعادة تقديم تصوره الشخصي لما يدور، وما يمكن أن تسير إليه الأمور مستقبلاً.

والرواية من الناحية الفنية، تنهض على بنية سردية تشكل من تقنيتي المونتاج والكولاج، ومن المعروف أن تقنية المونتاج ترتبط أساساً بفن السينما، حيث الانتقاء المدروس للمشاهد والأحداث لتحقيق هدف السرد السينمائي، أما تقنية الكولاج فترتبط أساساً بالفن التشكيلي حيث التداخل شبه العشوائي بين المنظورات والمشاهد، ولعل الحركة الروائية كانت أفضل من وظف هذه التقنية لإنتاج اللوحة التشكيلية الحديثة.

ويستطيع القارئ أن يلاحق بهدوء تشكيلات الكولاج والمونتاج في بناء المشاهد الروائية، بعيداً عن المنظور الخطي المتصاعد للحدث أو لبناء الشخصية.

ويمكن أن نعدّ شخصية الزعيم بمثابة البنية الإطارية في الرواية، بوصفها البؤرة المولدة للأحداث الروائية، لكنها لن تكون البؤرة الوحيدة، فهناك عدد غير قليل من البؤر الثانوية المولدة للأحداث الروائية.

وتبدأ الرواية، من النهاية تقريباً، تحديداً بعد مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم في انقلاب الثامن من فبراير 1963 الذي دبره القوميون والبعثيون بقيادة العقيد عبد السلام عارف، ثم تعود الرواية، ربما عبر تقنية التقريب والتكبير (الكلوز آب) السينمائية إلى الماضي، الذي يمتد إلى مطلع القرن العشرين عندما رزق النجار قاسم ولداً سماه عبد الكريم، الذي تدور الرواية حوله.

والرواية لا تتماشى والمسار الخطي المتصاعد من الماضي إلى الحاضر، بل تبدأ من صورة الزعيم المدني وجدته التي قيل إنها ألقيت في نهر دجلة آنذاك، ومن خلال تشبيه وجه الزعيم النحيف هذا يعود الروائي إلى العام الذي التقطت له فيه صورته الوحيدة عام 1917، عندما كان عمره ثلاث سنوات لا غير، طويل القامة، له منظر سقيم وأذنان كبيرتان تشبهان الفطر، يقف أمام المنزل في محلة المهدية مع شقيقه حامد، هو أكبر سناً منه، ومعهما شقيقته أمينة، بأسمالها ووجهها الذي سوّده الدخان (ص 10). ويقارن الروائي بين صورة الزعيم هذه عندما كان طفلاً بصورته عندما قتل بين الانقلابين عام 1963 و«صورة وجهه يوم مقتله، بالأبيض والأسود، والمنشورة في مجلة (التايم)، البريطانية، تشبه صورته وهو طفل... عندما كان له من العمر ثلاث سنوات فقط» (ص 1).

تدور الرواية حول شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسمrnلكنها لا تلتزم سياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية وإنما عطاء المخيلة السردية