دروب شائكة نحو السعادة

هل هي موجودة فعلاً أم محض وهم؟ أم يجب علينا التوقف عن السعي إليها؟

دروب شائكة نحو السعادة
TT

دروب شائكة نحو السعادة

دروب شائكة نحو السعادة

رغم أن السعادة قد ظلت على مر التاريخ، مطلبا بشريا يتخلل كل الفكر الإنساني ومنجزاته، باعتبارها الهدف الأسمى وغاية الغايات، فإنها، في المقابل، ظلت مفهوما عصيا على البحث، وعسيرا على التقصي. ولا أدل على ذلك، من أن هذا المفهوم لا يتوفر على تعريف جامع مانع له. لهذا ظل المشتغلون به، متفرقين حول المعنى الحقيقي للسعادة والطرق الموصلة إليها. إذ تكفي إطلالة على الحكم الشرقية القديمة، كالبوذية والطاوية والكونفشيوسية، مرورا باللحظة الإغريقية ومجمل الفكر الغربي واللاهوتي، الذي اشتغل على هذا المفهوم، لنكتشف حجم التناقض والاختلاف القائم بين هذه المرجعيات، رغم اشتراكها جميعا في شيء واحد، هو الرغبة في الإمساك بهذا المفهوم الغامض داخل التشابكات التي تحيط به.
لا يشذ عصرنا عن العصور السابقة، في سعيه نحو السعادة. فسؤالها لم يزل مطروحا بحدة تضاهي العهود السالفة أو أكثر، خاصة أن هذا العصر المتسم بالتعقيد، قد جعلنا نتيه في بحثنا عنها، وأضاع كل أملنا في نيلها، حتى أصبح الحديث عنها نوعا من العبث وضربا من السخافة. وهذا أمر مبرر، بما أن الإنسان المعاصر، يعيش في عالم متطلب وسط زخم التقنية، وإغراء الاقتصاد، وتراجع القيم، وتفكك الأسرة، وتدمير البيئة وغير ذلك. وبالتالي، فعالمنا، رغم كل التقدم الحاصل فيه مقارنة بالماضي، لم يفلح في مدّنا بالوسائل والأدوات الأساسية التي من شأنها مساعدتنا على نيل تلك الحياة الطيبة الهادئة التي نحلم بها. فأصبح الإنسان المعاصر أكثر بحثا عن السعادة، وأكثر بعدا عنها في نفس الوقت، حيث أنهكه الواقع، وضاقت به دروب الحياة، وعم داخله الضجر والتعب، في عالم فقد المعنى، وسقطت فيه كل مرجعية دينية أو وطنية. وبالتالي، فبدلا من أن نقترب من السعادة، تهنا خلف أبوابها الموصدة ودروبها الملتوية. وهي الأبواب التي أحاول طرقها هنا، سائلا إياها عن الوعود التي تقدمها لنا باعتبارها سعادة.
* السعادة ودفء الحياة الروحية
عصرنا هو عصر شك وتقصٍ، حيث لا يقبل مبدأ أو رأي دون أن يمر من مدماك النقد والتحليل. مع العلم أن مجال الروحانيات، هو المجال الذي انهالت عليه مطارق الشك، منذ أن أصبح عقيدة مع الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت، ومن بعده باروخ اسبينوزا، وأخيرا إيمانويل كانط، الذي رمى بالروح إلى غياهب المجهول وجعل بينها وبين العقل جدارا سميكا يصعب اختراقه، فأصبح كل مذهب روحاني مدعاة للسخرية أكثر منه مدعاة للإيمان. أما اليوم، فقد صار صوت الإلحاد يصدح في كل اتجاه، بل من الفلاسفة من صار يدافع عنه كطريق للخلاص، (ميشيل أونفراي، أندري كونت سبونفيل، ريتشارد داوكنز). أما الأديان، وخاصة السماوية، مثل المسيحية التي كانت خلاصا، فقد أصبحت سبة، لأنها ربطت سعادة الإنسان بعالم آخر مفترض، تتأسس فيه الحياة بعد الموت، وتضيع فيه الحياة من أجل الموت. وقد ضربت في وجودها عقائد قديمة كانت تؤمن بسعادة على الأرض، ترجع إلى الإنسان وعلاقاته بذاته وبالآخرين. هكذا أصبح الإنسان المعاصر شكاكا مرتابا، ينخره فراغ قاتل ووحدة قاسية، من عالم لا يؤمن بشرق أو غرب، ولا يعترف بتمثلاتنا حوله. وبالتالي، فالروحانيات التي كانت طريق الإنسان نحو السعادة، قطعتها فلسفات الشك، كما يسميها الفيلسوف الفرنسي بول ريكور.
* السعادة وحياة الملذات
النقاش حول السعادة واللذة قديم جدا. فقد تعرض اليونان لهذا الإشكال بشكل مسهب، حين حذر أفلاطون من مخاطر اللذات، وأعلى أرسطو من حياة الحكمة في مقابل اللذة الحسية، في حين دافعت الرواقية عن الأخلاق. ورغم أن الأبيقورية قاست الحياة السعيدة بمقدار انغماسنا في حديقة المتع، فإنها دعت في المقابل، إلى عدم الإسراف فيها، واتباع منهج التعقل، حتى لا تتحول اللذة إلى ألم والمتعة إلى شقاء. هذه الأصوات الحكيمة، لا تجد اليوم صدى. فقد عادت اللذة لتخترق الحكمة، بعدما أظهرت الداروينية طبيعتها وأصالتها فينا. وبين فرويد أنها المحرك الفعلي لفعلنا وسلوكنا، فأصبح الإنسان اليوم، محاطا باللذات، وأضحت سعادته مرهونة بحجم اللذات التي ينعم بها: أكل، وشرب، ونوم، وجنس، وسفر، وخمر وغير ذلك. في وقت أصبح فيه كبح جماح اللذات سلوكا محتقرا، انتشرت أندية المتع، وصارت رمزا للسعادة وميزة للعصر. وهي أندية يمكن أن نقول عنها إنها أندية للفرح وللذة وللاستمتاع. لكنها أبعد بسنوات ضوئية عن السعادة كإحساس دائم لا ينقطع، لأنها تستهلك نفسها بمقدار استهلاكنا لها. فكل لذة مشبعة تترك مكانها لأخرى غير مشبعة، كما يوضح شوبنهاور، لتولد بانطفائها ألما بالغا، فتتحول إلى حياة ملؤها الإدمان والاكتئاب والعزلة والانتحار والأمراض الجنسية، في احتفالية كبيرة بمشهد الجنس. وهذا ما نبهت إليه الباحثة والطبيبة الأميركية ميريام غروسمان، في كتاب بعنوان «الإباحية ليست حلا، أجيال في خطر»، حيث أشارت إلى أن حياة الجنس قد أصبحت تجد آيديولوجيا متكاملة، بعيدة كل البعد عن العلمية، تغذي تمثل الشباب الأميركي للجنس، الذي أضحى أكثر إصابة بالمشاكل النفسية الخطيرة، بسبب الغرق في الاستقلالية، وطغيان الهوية الجنسية والعلاقات، وزمالة السكن، في غياب حس أخلاقي يقاوم ذلك. وهي ظاهرة لا تمس الشباب الأميركي فقط، بل أصبحت ظاهرة عامة.
* السعادة وحضن الجماعة
ارتبطت السعادة في الكثير من المرجعيات الفلسفية، بالإنسان في علاقاته بالآخرين، وقدرته على الأخذ والعطاء، حيث يحصل الفرد على العطف والحنان، وينعم بدفء الجماعة. هنا يمكن أن نعود إلى العقيدة البوذية التي لا تتحقق عندها السعادة إلا للسعادة داخل جماعة «السانغا». فالسعادة الفردية غير موجودة في الواقع. لكن في مقابل ذلك، يلوح عندي التأمل الأليم الذي يورده الفيلسوف الفرنسي غاستون بيرجي، في كتابه من «القريب إلى الشبيه»، عندما أبرز بأن قدر الإنسان هو أن يكون وحيدا، أن يحيا لوحده ويتأمل لوحده، محكوم عليه بأن لا يشبع أبدا رغبته في التواصل. قدرنا هو أن نعيش معزولين أكثر من أن نعيش وحيدين. وبالتالي، فعزلتنا تبقى مستمرة مهما انخرطنا في الجماعة. لأن أي تواصل بيننا يبقى ناقصا، إن لم نقل معدوما، بتعبير بيرجي، دائما. ألم يقل الدالاي لاما، في كتابه الصادر أخيرا: «فن السعادة» «The art of happiness»، إنه إذا أردنا أن نكون سعداء، فلنبتعد عن الزواج وإنجاب الأولاد؟ ذلك أن ارتباطنا الشديد بهم، سيجعلنا بعيدين عن السعادة في حال فقدان فرد منهم. فحياة العزلة، هي الوحيدة التي يمكن أن تجعلنا سعداء. بذلك فحضن الجماعة قد يكون سبيلا نحو السعادة، بقدر ما قد يصبح طريقا نحو الجحيم.
* السعادة من منظور طبي
انخرط مجال الطب بدوره، في سباق محموم نحو جعل الإنسان أكثر سعادة. فبحث في أعماق وعي الإنسان عن الموصلات العصبية المتحكمة في السعادة، وحاول اكتشاف كيميائها، كما بحث أجدادنا عن الوصفة الذهبية لكيمياء الذهب، ولكنهم لم يعثروا على أي شيء. ما الذي يقدمه الطب عن السعادة؟
يقول الطب الدماغي، بأن هناك جزيئات موجودة في المخ تلعب دورا مهما في توازننا الشخصي. وهي تضطرب بسبب سوء التغذية وتدفق العواطف، وكذا نقص النوم، حيث إن الدوبامين، وهو عبارة عن مادة كيميائية، تساعد على التحفيز والتذكر. في حين أن مواد أخرى كالسيروتونين، تتسبب في الراحة واستقرار المزاج والإبداع والمرح. إلا أن هذه الكيمياءات جميعها، تظل سيفا ذا حدين. فهي يمكن أن تؤدي وظيفتها بشكل مبهر في حالة توازنها، لكن إذا اختل هذا التوازن لأي سبب من الأسباب، فإنها تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تبرز مشاعر العصبية ونقص الثقة بالنفس، بالإضافة إلى الرعب المرضي والكدر والاكتئاب. ما يعني أن توازن هذا النظام يبقى مرتبطا بتصرفاتنا وتغذيتنا وطرق حياتنا. ومن ثم فالطب، وإن وضح الصيرورة الدماغية لحدوث السعادة، فإنه لا يرينا الطريق الملكي كي نكون سعداء. أما الطب النفسي، الذي صار يقدم تمارين مهمة جدا في تحصيل الهدوء والطمأنينة، ويحقق نتائج مبهرة في ذلك، فهو بتركيزه على الذات، لا يوفق في منحنا السعادة المأمولة، لأن هذه الذات، تعيش داخل صيرورة اجتماعية وسياسية لا بد أن تؤثر في سعادتنا بشكل أو بآخر.
لا بد أن الدروب الملتوية للسعادة، قادرة على أن تزرع في أنفسنا الشك والارتياب. فهل السعادة موجودة بالفعل أم محض وهم؟ هل يجب أن نتوقف عن السعي خلفها؟ بالتأكيد يظل مبحث السعادة جديرا بالاهتمام لأنه يمس كينونة الإنسان. ورغم أن هذا المبحث هو أقرب إلى الميتافيزيقا، فإنه مع ذلك، يظل في ارتباط بالواقع. ويمكن أن تكون السعادة بعيدة عنا يصعب الإمساك بها، إلا أن إحساسنا وتفاؤلنا بقربها منا، هو الذي يغذي هذه الرغبة الدفينة، في نيل تلك البهجة العظيمة.

* أستاذ الفلسفة - المغرب



رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
TT

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي - الهاييتي تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها ليطرح سؤالاً وجودياً: كيف نثبت أن نصاً أدبياً من صنع إنسان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟

الرواية التي فتحت باب الجدل صادرة عن دار «غراسيه»، حازت جائزة مكتبات «فناك»، ورُشّحت للقائمة الأولى لجائزتي «غونكور» و«رونودو». غير أن حساباً مجهولاً على منصة «إكس»، يحمل اسم «افضح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كلياً تقريباً بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كشف النصوص المولّدة آلياً. وفي ساعات قليلة، تحولت الشبهة إلى زلزال في موسم أدبي كان أوريليان أحد نجومه الصاعدين، فيما تجاوزت مبيعات الرواية 35 ألف نسخة في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعاً وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبداع والكتابة، ولا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه بدأ بالتحضير في هذه الرواية منذ 2017، معلناً، بالتعاون مع ناشريه، إعداد ملف يوثّق مراحل ولادة المخطوط. ودافعت دار «غراسيه» عن كاتبها، ووصفت الاتهامات بأنها «أخبار كاذبة»، مشككة في صلاحية أدوات الكشف التي قد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة.

على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لوموند» و«فرانس إنفو»، أظهرت نتائج متناقضة. فبينما أشار برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز 95 في المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلصت أدوات أخرى إلى أن المقاطع نفسها كُتبت على الأرجح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكماً نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب.

جامير نازير

وتضع هذه التناقضات لجان الجوائز الكبرى أمام مأزق غير مسبوق. فقد أقرّ فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بأن الأكاديمية لا تملك الوسائل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمة للتحقق من استعمال الذكاء الاصطناعي في نص أدبي، داعياً إلى الحذر وعدم التعامل مع نتائج الكاشفات بوصفها أدلة قاطعة. أما الكاتب والعضو في لجنة «غونكور» بيير أسولين، فأكد أن القضية ستُناقش حتماً داخل الأكاديمية.

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اكتشاف استعمال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد رواية مرشحة بناء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل تُعامل الاستعانة بالآلة في البحث أو الترجمة أو تصحيح اللغة معاملة استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحوّل الجوائز الأدبية إلى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالباً بإثبات براءته بدلاً من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل.

وليست قضية أوريليان الأولى من نوعها. فقد وُجّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قصة قصيرة في مسابقة تابعة لمؤسسة الكومنولث، قبل أن تبرّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفي الولايات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نيبولا»، وصولاً إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة.

وتشير هذه السوابق إلى أن الجوائز الأدبية قد تتجه مستقبلاً إلى فرض إقرارات رسمية على المؤلفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع التي طالها ذلك الاستخدام. وقد تطلب لجان التحكيم، عند وجود شبهة جدية، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات الشخصية، وسجلّات العمل، والمراسلات مع المحرر. غير أن هذه الإجراءات قد تصطدم بسرّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيداً عن أعين المؤسسات.

أما دور النشر، فهي مرشحة بدورها لتغيير قواعد التعامل مع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المحدودة وتوليد النص نفسه. ومن بين الدور التي اتخذت خطوات في هذا الاتجاه «بنغوين راندوم هاوس» و«هاربر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفي المقابل، لم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً.

وقد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كلها. فهل ستقوم على تصريح المؤلف وحده؟ أم على فحص تقني؟ أم على سجل رقمي يرافق الرواية منذ مسودتها الأولى؟ إن الاتجاه الأكثر واقعية لا يبدو قائماً على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مسار الكتابة: من فعل ماذا، ومتى، وبأي أداة، وفي أي نسخة؟ وهذا ما يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة النص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟».

قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميّز المنتجات المصنوعة

غير أن أخطر ما في الاعتماد على كاشفات الذكاء الاصطناعي هو احتمال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «العنصرية الأدبية الخوارزمية». فهذه البرامج لا تقرأ الأدب كما يقرؤه الناقد، ولا تفهم التجربة التاريخية أو الثقافية التي أنتجت النص، بل تبحث عن مؤشرات إحصائية مثل انتظام الجمل، وتوقّع المفردات، وتكرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامات على تدخل الآلة، مع أنها قد تكون نتيجة طبيعية لتكوين الكاتب أو للغة التي يكتب بها.

وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشخاص غير ناطقين أصلاً بالإنجليزية أن كاشفات عدة صنّفت نسبة كبيرة منها على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلك بكون الكاتب الذي تعلم اللغة لاحقاً يميل أحياناً إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتراكيب أقل انحرافاً عن القاعدة؛ وهي عناصر قد تفسرها الخوارزمية بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثراً للتعلم أو لاختيار أسلوبي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في حالتي جامير نازير، الذي يكتب بالإنجليزية وهو من ترينيداد، وتيليسون أوريليان، المولود في هايتي والذي يكتب بالفرنسية.

وتكتسي هذه المسألة حساسية أكبر في الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الروائيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فهل يمكن أن يُعاقب الكاتب لأنه يكتب فرنسية معيارية؟ أو لأن أسلوبه لا يشبه الأساليب المكرّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهل تصبح اللغة الأدبية المقبولة هي تلك التي تبدو «أكثر بشرية» في نظر برنامج صُمّم غالباً على عينات محدودة ومتحيزة؟

يدافع أوريليان عن أسلوبه باعتباره امتداداً لتقاليد سردية هايتية وكاريبية، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتها. وقد تُقرأ هذه الخصائص، خارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلاً على تدخل آلة تعيد الصياغة أو تكرر الأنماط. هنا لا يعود الخطر تقنياً فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلى حارس صامت، يفضّل النصوص التي تقترب من نموذج لغوي واحد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي.


الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية
TT

الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً. هذا بالضبط ما حدث مع بطلة رواية «أجمل من نجلاء»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب والمخرج الوثائقي المصري شريف سعيد.

تحمل البطلة، وهى صحافية، اسماً لافتاً «نجلاء بهاء الوطن»، وبينما كانت واقفة في مطبخها الصغير وسط باريس تطالع قناة «فوكس نيوز»، وإعلانها عن حوار خاص مع جندي سابق شارك في حرب الخليج الثانية عام 1991 تحت عنوان «أسرار جديدة من حرب عاصفة الصحراء»، حينئذ وجدت نفسها أمام العالم بعد كل هذه السنوات وهي حافية باكية بملابس البيت في طرقات البلدة الحدودية الصحراوية «رفحاء».

على هذه الخلفية الصادمة يسعى المؤلف للغوص عميقاً في دهاليز النفس الإنسانية بتعقيداتها وإشكالياتها من خلال نموذج البطلة الحسناء نجلاء، مقتفياً تحولاتها الجغرافية والثقافية وهى تنتقل من الحارة الشعبية في القاهرة إلى الحدود السعودية العراقية، ثم إلى العاصمة الفرنسية، عبر العديد من الحكايات والقصص التي لا تخلو من مفاجآت مدهشة.

بدا شريف سعيد في هذا النص متأثراً بخلفيته مخرجاً وثائقياً يسعى لأن تروي الصورة البصرية ما لا تستطيع أن تعبر عنه الكلمات، كما يبدي اهتماماً شديداً بالتفاصيل، سواء على مستوى الأماكن أو التكوين النفسي للشخصيات.

من أجواء الرواية نقرأ:

«استطاعت العلامات الموسيقية المتصاعدة من فوق الرصيف وسط رذاذ المطر أن تختطفها من ذكريات طفولتها، وأن تقفز بها سنوات كثيرة إلى الأمام تحديداً نحو ذاك المساء الذي استحالت فيه مطلقة، في هذا اليوم كانت عقارب الساعة تشير إلى انتصاف ليل القاهرة حين دردشتْ معه أول مرة وقد تعاهدا منذ البداية على السرية والخفاء.

منذئذ حرصت نجلاء على ألا تجهر باسمه لأحد فوق هذا الكوكب. قبل هذه اللحظة كانت قد مرت عليها شهور وهي تتابع عن كثب منشوراته عبر حسابه على تطبيق (فيسبوك)، وكثيراً ما حرصت على إبداء إعجابها بما يدونه ولكن في وقار ساتر، كانت تضغط فوق علامة أعجبني على نحو منتظم حتى لا تبدو أمامه مثل دلو حمام مسكوب، في حين أنه كان أكثر رزانة منها ولم يبادلها شيئاً من هذا القبيل ثم تجاسرت وهنأته ذات مرة بعيد ميلاده.

فض الرسالة الإلكترونية ولأيام متتالية لم يرد عليها، فقد كان بالغ الحرص في سلوكه بالواقع الافتراضي، لم لا وهو في ذلك الوقت كان يستهدف ترقية جديدة في سلكه الدبلوماسي بوزارة الخارجية. ويدرك أن أحدهم في مؤسسة أمنية داخل أو خارج البلاد ربما ينصت إلى مكالمات هاتفه أو يقلب معه في صناديق رسائله لهذا لم يرغب في أن يُكتب عنه بين قوسين كبيرين في أي تقرير سري أنه متعدد العلاقات ومنخرط حالياً في علاقة مع صحافية مصرية تكتب بالفرنسية».


ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد
TT

ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد

على الرغم من أن الأكاديمية الملكية بلندن سعت إلى استعادة الفنان ريتشارد داد (1817 ــ 1886) من غير الخوض موسعاً في حياته الشخصية بكل ما انطوت عليه من امتزاج بين المرض النفسي الذي أصيب به وجرائم القتل التي ارتكبها، فإن عنوان المعرض الذي يستمر حتى 25 أكتوبر (تشرين الأول) كان مدخلاً غير موفق لذلك المسعى. «ريتشارد داد: ما وراء المصحة» عنوان ينفتح على سرديات غير سارة؛ ذلك لأن المصحة العقلية التي شهدت عودته إلى الرسم بحماسة استثنائية ستكون بالنسبة للآخرين مناسبة للتنقيب في تفاصيل حياته التي يُعاد رسمها بطريقة تسلط الضوء على العلاقة المفترضة شعبياً بين الفنون والجنون.

في الخامسة والعشرين من عمره، كُلِّف بالسفر مع السير توماس فيليبس عبر أوروبا والشرق الأوسط، ورسم الأماكن التي زاروها. مع اقتراب نهاية الرحلة التي استمرت عشرة أشهر ظهرت عليه أعراض اضطراب عقلي حاد، فكان يعاني من أوهام ارتيابية عند عودته إلى الوطن. كان يعتقد أنه مُضطهد من قِبل الشياطين، وأنه يتلقى رسائل من الإله المصري أوزوريس. في 28 أغسطس (آب) 1843، طعن والده حتى الموت في حديقة كوبام، بالقرب من روتشستر في مقاطعة كينت، معتقداً أنه الشيطان متنكراً.

حين اعتُقل بعد فراره إلى فرنسا ومحاولته قتل أحد المسافرين نعته مجلة «آرت يونيون» تحت عنوان مؤثر «الراحل ريتشارد داد» بقولها: «الرجل اللطيف والودود ظاهرياً والذي كان قبل عام أو نحوه نجماً صاعداً في الأكاديمية الملكية بلندن. اليوم يُعرف داد، إن عُرف أصلاً، بقتله والده وهو يعاني من نوبة ذهانية حادة أُدخل على أثرها إلى مستشفى بيثليم، ثم إلى مصحة برودمور للمجرمين والمجانين، حيث مكث بقية حياته». خلصت «آرت يونيون» بعد ذلك إلى قولها: «مع أن القبر لم يُغلق عليه فعلياً، فإنه يُصنف بين الأموات».

من أعمال داد

نزهات المجنون في عالم شكسبير

في السنوات الأولى من حياته طالباً في مدارس الأكاديمية الملكية وعضواً مؤسساً لمجموعة من الفنانين الأصدقاء تُعرف باسم «الزمرة»، أحيط ريتشارد داد بهالات نجاحٍ تقليدي لفنان بريطاني موهوب. كان داد في أوائل أربعينات القرن التاسع عشر قد بدأ يرسخ مكانته رساماً لمشاهد خيالية مستوحاة من مسرحيات شكسبير، لتليها رحلته عبر شرق البحر الأبيض المتوسط، التي ظلت مصدر إلهام له طوال حياته. بعدها انطفأ داد عقلياً. ما بين عامي 1843 و1886 عاش نزيلاً ما بين مستشفيي بيثليم وبرودمور، هناك أنتج معظم لوحاته الزيتية والمائية التي لا تعكس حالته المرضية لما تميزت به تلك اللوحات من دقة بصرية ووضوح في الرؤية والتعبير. فعلى الرغم من العزلة التي عاشها في نظام المصحات العقلية الفيكتوري، فإن داد استطاع أن يستلهم من ذاكرته وخياله وشغفه الدائم بالأدب والأساطير ليُبدع عوالم خيالية زاخرة بالتفاصيل الدقيقة. وليس مفاجئاً أن تعدُّ تلك اللوحات من بين أكثر الأعمال الفنية البريطانية أصالةً وإبداعاً. ولو لم تكن كذلك لما ألهمت لوحاته عدداً من الفنانين والكتّاب والموسيقيين، بمن فيهم فرقة «كوين» التي أطلقت اسم إحدى أشهر لوحات داد «ضربة قاضي الجنية» على إحدى أغانيها.

في هذا المعرض الذي يضم أكثر من مائة عمل فني، يتمكن المشاهد من متابعة تفاصيل حياة غامضة عاشها رجل انفصل عن الواقع، غير أنه رسمه بطريقة ثورية كما لو أنه كان يتخيله. كان المرض حبل نجاة لداد من مواجهة عقوبة أقسى نظراً لتاريخه الإجرامي غير أنه في الوقت نفسه كان مبعث إلهام فريد من نوعه؛ ذلك لأنه فتح أمامه خيال عوالم، كان قد عاشها مباشرة أو عن طريق الأدب. ما بين رؤى شكسبير والمشاهد التي رآها في أثناء رحلته الشرق الأوسطية تجول المجنون وهو يتصفح أوراق ذاكرته.

سردية المصحة

في تقديمها للمعرض الذي يُقام بعد غياب أعمال الفنان عن العرض خمسين سنة، توضح القيّمة الفنية سيلفي بروسين أنه «بعد التحرر من سردية المصحة يُمكن النظر إلى مسيرة داد الفنية ككل متكامل»، وتضيف: «إن سردية ما قبل المصحة وما بعدها تُبسّط الأمور. فأسلوبه كان قد تغير، ولكن هذا أمر طبيعي لدى العديد من الفنانين في ظروف مختلفة. ويبقى عدد من موضوعاته كما هي».

تنفي بروسين بذلك التوضيح إمكانية أن يكون لانفصال داد عن الواقع، وهو تعبير مخفف عن مرضه، أي تأثير لما حدث من تغيرات في ميول الرسام فيما يتعلق بموضوعاته. فهي ترى أن اهتمام داد الدائم بشكسبير والذي نسج قصصه في خيالات مُتقنة كان بمثابة إشارة تمهيدية مبكرة لتفرغه لرسم موضوعات خيالية في أثناء حبسه في المصحة. ذلك ما تؤكده تجربة النظر مباشرة إلى لوحات داد وبالأخص لوحته «تيتانيا النائمة»، التي يقول دليل المعرض إنها عُرضت في الأكاديمية الملكية أول مرة عام 1841. تلك لوحة لا يرسمها إلا شخص يملك السيطرة الكاملة على حواسه، وبشكل أساس، على خيال يديه البارعتين. فهل يعني ذلك أن هناك قناعة لدى البعض بأن داد كان قد نجح في أثناء إقامته في المستشفى في الفصل بين فنه وجنونه؟ وهو ما لا يفعله إلا رجل عاقل. ما هذا التناقض؟

عندما أُعيد اكتشاف داد لأول مرة في منتصف القرن العشرين، عُومِلَ كحالةٍ طبيةٍ أكثر منه فناناً، وذلك في إطار اعتقادٍ كان سائداً آنذاك بأن الفن أداةٌ تشخيصيةٌ فعّالة. لم يُمعن أحدٌ التفكير في هذا الموضوع بعمقٍ وعمقٍ أكثر من نيكولاس ترومانس أحد أبرز خبراء داد والقيّم المشارك على المعرض. وقد نأى ترومانس بنفسه عن هذا النهج الذي فقد مصداقيته الآن في مقدمة كتابه الصادر عام 2011 بعنوان «ريتشارد داد: الفنان والمصحة»، حيث كتب «لم أدّعِ، كما لم أدّعِ عند الكتابة عن جيه إم دبليو تيرنر أو كلود مونيه، أنني أعرف تماماً ما كان يفكر فيه ويشعر به في أثناء رسم لوحاته».

بعكس ما انتهت إليه سيلفي بروسين، يؤكد ترومانس أن مرض الرسام لعب دوراً مهماً في خياراته الأسلوبية بقوله: «أودّ أن أشير إلى أن شخصياته لا تتفاعل أبداً. فشخصياته لا تتحدث مع بعضها ولا تنظر إلى بعضها ولا تتبادل أي كلمة. من المستحيل ألا نرى في ذلك انعكاساً لما نعرفه عنه، وهو أنه كان منعزلاً جداً ولا يميل إلى التحدث مع الآخرين كثيراً». لم يفقد ريتشارد داد ذاكرته البصرية في أثناء إقامته في مستشفى المجانين، بدليل لوحتيه «فانتازيا مصرية» و«نُزُل على جانب الطريق» غير أن ما لا ينكر في أسلوبه أنه قد تغير بتأثير من المرض.