رئيس «الصكوك الوطنية» الإماراتية: نسعى إلى أن يكون الادخار من أدوات التنمية في البلاد

العلي قال إن سلوكيات الأفراد وقراراتهم الادخارية والاستثمارية سترسم الاقتصاد مستقبلاً

محمد قاسم العلي - مقر شركة الصكوك الوطنية في مدينة دبي
محمد قاسم العلي - مقر شركة الصكوك الوطنية في مدينة دبي
TT

رئيس «الصكوك الوطنية» الإماراتية: نسعى إلى أن يكون الادخار من أدوات التنمية في البلاد

محمد قاسم العلي - مقر شركة الصكوك الوطنية في مدينة دبي
محمد قاسم العلي - مقر شركة الصكوك الوطنية في مدينة دبي

يعتقد محمد العلي، الرئيس التنفيذي لشركة الصكوك الوطنية، أن الادخار يعد واحدًا من أهم أدوات التنمية، ووسيلة للحفاظ على توازن الاقتصاد الوطني، مشيرًا إلى أن تجارب الشعوب والدول التي حققت خطوات مهمة على مسيرة التنمية، ثبت أنها تملك وعيًا ادخاريًا عاليًا. وكشف العلي في حوار مع «الشرق الأوسط» عن مساعي شركته إلى أن تكون الصكوك أداة من أدوات تمويل التنمية في المرحلة الاقتصادية المقبلة، وبالتحديد المرحلة التي أطلقت عليها حكومة الإمارات مرحلة ما بعد النفط، مشيرًا إلى عدد من التحولات الاقتصادية المقبلة في العالم، وتطور مفهوم الادخار لدى الشعوب الخليجية.
وإلى نص الحوار..
* ما استراتيجتكم والأهداف التي ترغبون في الوصول إليها خلال الفترة المقبلة؟
- استراتيجيتنا كشركة وطنية هي مكملة للاستراتيجية العامة للإمارات في تحقيق السعادة للمواطنين والمقيمين في البلاد، ودعم الاقتصاد المحلي عبر أدارة أصول المحفظة في دولة الإمارات، على هذا الصعيد نحن نسعى إلى تحقيق عدة أهداف تتمثل في تحقيق الأمن والاستقرار المالي لكل المواطنين وساكني الدولة، وتقليص تداعيات الديون ومشتقاتها، والتأثير الإيجابي في الثقافات والمسلكيات التي تحدد السلوك المالي من ادخار واستثمار للأفراد، حيث إن هذه قضية مهمة بالنسبة إلينا، نحن واثقون بأن سلوكيات الأفراد وقراراتهم الادخارية والاستثمارية سترسم شكل اقتصادنا الوطني في المستقبل، كما نسعى إلى أن تكون الصكوك أداة من أدوات تمويل التنمية في المرحلة الاقتصادية المقبلة، التي أطلقت عليها الحكومة اقتصاد ما بعد النفط واقتصاد المعرفة؛ لأن هذا الشكل الاقتصادي المتقدم يشترط مساهمة الجمهور من خلال مدخراتهم في تمويل مشاريع تتوافق مع متطلبات التنمية المستدامة، كما تشترط مسلكيات استهلاكية واعية، بحيث يكون الاستهلاك محركًا ومنشطًا للسوق من دون أن يصل إلى مرحلة ترهق المواطنين وتمتص مداخيلهم، وأخيرًا نسعى باستمرار إلى تطوير الثقة بيننا وبين الجمهور، من خلال طرح برامج ومنتجات جديدة تناسب أوضاع الجمهور، وتلبي متطلباتهم سواء كانت استثمار أو ادخار أو إدارة ثروات أو تغطية تكافلية.
* في ظل التذبذب الاقتصادي العالمي، كيف تنظر إلى تأثير ذلك في أعمالكم؟
- علينا أولاً تأكيد حقيقة أساسية في علم الاقتصاد، وهي أن تذبذبات الاقتصاد العالمي تتباين في تأثيرها من قطاع إلى آخر، قد تؤثر سلبًا في تجارة التجزئة مثلاً، أو على القطاعات التي لها علاقة بالكماليات والرفاهيات، لكنها لا يجب أن تؤثر في الادخار كنهج وسلوك وقائي يحمي الفرد والجماعات من نكسات اقتصادية محتملة. الادخار وتمويل المشاريع برأس مال مصدره المجتمع، هو آلية علاج لهذه التذبذبات التي تتحدث عنها. لا ننكر أن الخشية من تراجع الوضع الاقتصادي قد تؤثر في القرارات كافة بما فيها قرارات الاستثمار، لكن هذا الوضع، وعلى العكس مما هو سائد، يمكن مواجهته فقط بالتوجهات الاستثمارية الصحيحة، ومن خلال أدوات مناسبة. بحيث يتوجه المال نحو مشاريع مستدامة، وبالتالي تتحرك عجلة الاقتصاد، وتدر المداخيل على المستثمرين والعاملين.
* ما التحديات في وجهة نظركم التي تواجه أعمالكم في الوقت الحالي؟
- التحدي الأكبر الذي واجهنا في عملنا هو ثقافة الاستهلاك المفرط، وغياب الوعي المالي والاقتصادي، كما تعرفون، الادخار سلوك جديد على الساحة الإماراتية والخليجية؛ حيث سادت ثقافة الاستهلاك المفرط لسنوات، لكننا استطعنا أن نستقطب عددًا كبيرًا من العملاء منذ بدايات عملنا؛ لأن منتجاتنا وبرامجنا لامست حاجة الجمهور الطبيعية، ورغبتهم في الوصول إلى حالة يستطيعون فيها الادخار. ما ساعدنا على ذلك، تجربة عدد كبير من المواطنين والمقيمين مع الديون، وعندما طرحنا منتجاتنا وثقافتنا لاقينا ترحيبًا واسعًا من فئات المجتمع الإماراتي كافة. نحن نعتبر أن التحدي القائم باستمرار هو مواكبة تطورات الأوضاع الاقتصادية من ناحية، ورغبات الجمهور من ناحية ثانية، بحيث نكون قادرين باستمرار على استحداث برامج ومنتجات جديدة، تستجيب لهذه التطورات وتعزز الثقة بين الشركة والجمهور.
* أين تكمن مناطق النمو سواء عمليًا أو جغرافيًا مستقبلاً؟
- أتذكر دراسة لصندوق النقد الدولي تقول إن دول الخليج العربي مرشحة لقيادة النمو الاقتصادي في المنطقة بشكل عام خلال السنوات المقبلة، فهي تمتلك مقومات النمو الدائم رغم تداعيات هبوط أسعار النفط، ولديها من السيولة والخبرات والتجربة، ما يجعلها قادرة على إصلاح هيكلها الاقتصادي باستمرار، وعلى حماية معدلات النمو لاقتصادها والتأثير بشكل إيجابي في الاقتصاد الإقليمي. عالميًا، بات واضحًا أن خريطة الاقتصاد العالمي تغيرت، اليوم الفرصة لدى أسواق الشرق أكثر مما هي لدى أسواق الغرب، خاصة بعد ما شهدناه من تباطؤ للنمو وتزايد في الديون العامة لدى دول الاتحاد الأوروبي وخروج بريطانيا كنتيجة لهذه التداعيات من الاتحاد. هذه الحال ستحدث إرباكات لدى المستثمرين الذي حولوا استثماراتهم نحو أسواق الشرق منذ وقت طويل، مما سيعزز توجه رأس المال نحو أسواق آسيا والشرق الأوسط. لا بد من تأكيد أن أحد مسببات الأزمات في أسواق الغرب، كان النمو المختل للاقتصاد حول العالم، وجود مناطق مزدهرة وأخرى ما دون النشوء، ستكون نتيجته دومًا، فائض في الإنتاج في مرحلة ما وضعف في الطلب بسبب وجود عدد كبير من البشر خارج دائرة الاستهلاك، الأمم المتحدة حددت نسبتهم بما يقارب 60 في المائة من سكان العالم، هؤلاء لم يكونوا جزءًا من عملية الإنتاج أو التداول؛ لذلك أتمنى أن يكون مستقبل التنمية شاملاً، ولا يستثنى أي من شعوب الأرض، لأن بقاء هذه المعادلة المختلة لن يكون في صالح استمرار مخططات التنمية العالمية.
أما من الناحية العملية، فسيكون النمو من نصيب القطاعات التي تلتزم شروط الاستدامة وتراعي أولويات الحاجات البشرية، وتعمل على تقديم منتجاتها للجمهور بجودة عالية وأسعار مقبولة.
* كيف تقيِّمون أداء شركة الصكوك الوطنية خلال السنوات العشر الماضية؟
- كانت فترة ناجحة جدا باستقطابنا نحو 816 ألف مدخر ومستثمر من 200 جنسية، ما يعادل 10 في المائة من سكان الإمارات، وبمحفظة استثمارية تقارب 6 مليارات درهم (1.6 مليار دولار). هذه الأرقام تعكس نجاح استراتيجيتنا في نشر الوعي بالادخار وتسهيل عملية الادخار عبر منتجاتنا المتنوعة وخدماتنا المتكاملة. كما تمكن البرنامج من توزيع ما يقارب 1.2 مليار درهم (326 مليون دولار) عوائد لحملة الصكوك منذ إطلاق البرنامج في 2006 عبر الأرباح السنوية الموزعة، وعبر برنامج المكافآت الأكبر في المنطقة.
نحن نعتبر الادخار أداة من أدوات التنمية، ووسيلة للحفاظ على توازن الاقتصاد الوطني، لو استعرضنا تجارب الشعوب والدول التي حققت خطوات مهمة على مسيرة التنمية، سنجد أنها تملك وعيًا ادخاريًا عاليًا، فبيانات الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي، للفترة الممتدة بين 1985 و2010، التي رصدت ميول الأفراد إلى الادخار والتوفير والابتعاد عن القروض، كشفت أن هونغ كونغ والصين وتايوان وسنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان تتصدر قائمة الدول الأكثر ادخارًا وأقل إقبالاً على الديون والقروض. علينا أولاً تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة فمفهوم الثروة لا يكون بكم هو دخلك، ولكن بكم تدخر، كما أن الفقراء ومحدودي الدخل ينتهي بهم المطاف للأسف بدائرة الديون الاستهلاكية، مثل قروض السيارات وبطاقات الائتمان، ويظنون أنهم يمتلكون أصولاً؛ بينما الأغنياء يفعلون النقيض تمامًا، وهو تقليل الديون والاستثمار في أصول، مثل الصكوك، والعقار، والأسهم، والتجارة. كما أود التنويه بأن الأصول الحقيقية تدر دخلا بينما الديون والأصول الاستهلاكية تستهلك الدخل، وقد تنتهي بدفع الفوائد التراكمية لوقت طويل. وخلال السنوات العشر الماضية، استطاعت الشركة تطوير برامجها ومنتجاتها لتتوافق مع متطلبات العملاء ومع أوضاعهم المادية ومداخيلهم المختلفة، والشركة اليوم تغطي شرائح واسعة من العملاء من خلال منتجاتها التي تتوزع ما بين الادخار والاستثمار وإدارة الثروات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية. واجهنا صعوبات كان أهمها عادات الاستهلاك المفرط التي ترسخت في منطقتنا عبر السنوات الماضية، لم يكن من السهل اختراق هذه العادة وزرع نقيضها في عقول الناس، لكننا نجحنا في إحداث تحول ثقافي أعتبره تحولاً تاريخيًا في ثقافة شعوب دول مجلس التعاون الخليجي.
لقد بدأنا منذ انطلاق الشركة حملة تثقيف واسعة ومكثفة، وسنستمر بها حتى يصبح الادخار عادة واعية مرتبطة بمفاهيم المواطنة والشراكة الاجتماعية، ومرتبطة بمتطلبات التنمية وتمويلها من قبل مساهمات المدخرين مهما كانت بسيطة.
* إلى جانب ثقافة الاستهلاك، هل واجهتم مخاوف وهواجس من البعض حول مشروعية الادخار؟
- من الطبيعي أن نواجه مثل هذه المخاوف، فنحن في مجتمعات مسلمة وهناك الكثير من الأشخاص يخشون الوقوع في الحرام اعتقادًا منهم أن الادخار هو اكتناز للمال أو يتساءلون حول مشروعية برنامج الصكوك الوطنية. لكن الصكوك الوطنية منتج إسلامي يعتمد مبدأ المضاربة الشرعية وأداة للشراكة الاجتماعية في صناعة التنمية والتقدم، وهذا واجب ديني تمت الإشارة إليه في أكثر من نص شرعي. شركة الصكوك الوطنية على سبيل المثال ناشطة في الاقتصاد المحلي عبر الاستثمارات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، ولها وجود في قطاعات الصحة والتعليم وفي المشاريع ذات المسؤولية العالية كالمسؤولية تجاه استدامة البيئة والطاقة، وكان آخرها مشروع تأهيل المباني في منطقة جبل علي، لتكون صديقة للبيئة من حيث ترشيد استهلاك الطاقة والحد من الأضرار البيئية. تقع المسؤولية هنا على المدخر نفسه بأن يختار، من ضمن الخيارات التي يوفرها محيطه، الطريقة والأداة السليمتين للادخار، التي تجعل رأس المال نشطًا ومنتجًا.
* صدر تقرير مؤشر الادخار لعام 2015، والخاص بالإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي، أين تلمس الفرق بينه وبين مؤشر الادخار لعام 2014؟
- في عام 2014 أظهرت نتائج المؤشر أن 27 في المائة يعتبرون الوقت مناسبًا للادخار، بينما في 2015 فكانت النسبة متفاوتة حيث وصلت إلى 33 في المائة في السعودية، و22 في المائة في باقي دول مجلس التعاون، ممن شملهم الاستطلاع. هذه الأرقام تشير إلى زيادة في الوعي بأهمية الادخار في السعودية، وليس إلى تغير في الظروف، فالظروف هي ذاتها، بل على العكس استمرت أسعار النفط بالهبوط، واستمرت المؤسسات الاقتصادية الدولية في توقعاتها السلبية لحالة الاقتصاد العالمي خلال السنوات القليلة المقبلة. هذا الوعي هو رهاننا، فالظروف التي ترافق مسيرة الادخار كما مسيرة الاقتصاد الوطني أو الإقليمي أو العالمي، متغيرة وغير ثابتة. الثبات المطلوب هو في الوعي المالي والوعي بطبيعة العلاقة بين المغالاة في الاستهلاك وظواهر التضخم وارتفاع الأسعار وازدياد القروض. في رأيي إن الزيادة في الميل نحو الادخار جاءت كرد مسؤول من قبل الجمهور السعودي على طبيعة الظروف الاقتصادية التي تستوجب الشراكة بين الجميع لتحسينها وتلافي ماسيها.
تطور آخر يستحق التوقف عنده وهو أن نسبة 66 في المائة من المدخرين في السعودية يفضلون طريقة الاستقطاع الشهري من الراتب، وهذه نسبة عالية وتطور يمكن البناء عليه. في السابق لم نكن لنشهد هذه النسبة التي تفضل آلية الاستقطاع الشهري تحت حجج وذرائع عدة أولها أن هذه الطريقة تصادر الإرادة وتجبر المدخر على الادخار، لكن أنا لا أرى أن تحقيق المصلحة الخاصة من خلال الادخار قد تتعارض مع الإرادة، فهذه إرادة وقرار إيجابي مهم، خاصة أنه يشمل إحدى أهم الأسواق في دول مجلس التعاون الخليجي وهو السوق السعودي.
يتجلى هذا الوعي بقراءة أخرى للمؤشر وهو أن 89 في المائة من المشاركين في السعودية و89 في المائة في دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى اعتبروا أنهم ينعمون بالاستقرار المالي. وأعتقد أن السبب هنا هو ثقة الجمهور بالدولة وبالمؤسسة الاقتصادية وأدائها، والأهم هو ثقتهم بأن الاستقرار قد يتحقق بدوافع ذاتية، ولا يجب أن يبقى عرضة للمتغيرات العامة.
* من الملاحظ أن تفاعلات من شملهم الاستبيان متناقضة في النظرة للظروف العامة، كتكلفة الإجارات والفواتير وغيرها، البعض منهم يراها عقبة أمام الادخار، والبعض الآخر يراها محفزًا.. ما تفسيرك لهذه الظاهرة؟
- باعتقادي أن الظروف التي يعانيها الناس هي واحدة، ولكن الفرق يكمن في الرغبة والإرادة في إدارة المداخيل والميزانيات الشخصية، كما أن نمط الحياة المزيف والمبني على ثقافة الاستهلاك والديون يلعب دور العدو الرئيسي لمبدأ الادخار، مهما اختلفت مداخيلك يبقى لديك هامش، ولو قليلاً للادخار، وبالمناسبة فإن مؤشر الادخار لسنة 2014، الذي خصص قسمًا منه لذوي الدخل المحدود بين أن الأغنياء هم الأقل ادخارًا، وأن ذوي الدخل المحدود متفوقون في انتظام مدخراتهم؛ لذا أعود للقول: إن المسألة هي مسألة أنماط حياة وتحديد أولويات، وإدارة ميزانيات بالإضافة إلى التفكير المسؤول في المستقبل.



البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
TT

البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن ما تشهده المنطقة من تحديات متصاعدة لم يعد مجرد ظرف عابر، بل يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة دول المجلس على حماية مكتسباتها، وضمان استمرارية قطاعاتها الحيوية بكفاءة وثبات.

وشدَّد البديوي، خلال الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي، الخميس، على مواصلة دول المجلس بعزم وثبات تعزيز التكامل الاقتصادي، في إطار السعي الحثيث نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية الخليجية، وترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً رائداً في المجالات الاقتصادية والتنموية.

وأوضح الأمين العام أن «الاجتماع ينعقد في مرحلة دقيقة أعقبت الاعتداءات الإيرانية السافرة التي استهدفت دول الخليج»، منوهاً بأنها «تفرض الانتقال من مستوى التنسيق التقليدي إلى مستوى أعلى من التكامل العملي والاستجابة الفاعلة».

ولفت البديوي إلى أن بناء اقتصاد قوي ومستدام لا يتحقق إلا من خلال التعاون المشترك والتكامل الموحد بين دول الخليج التي تواصل التصدي للتحديات الاقتصادية العالمية، والعمل بكل جدية لتسريع تنفيذ المشاريع التنموية.

من الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأبان الأمين العام أن دول الخليج تسعى بشكل حثيث لتحقيق رؤى وأهداف قادتها في تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي بشكل عام، والتجاري بشكل خاص، من خلال تذليل العقبات وزيادة التبادل التجاري بينها، وتعمل على تحسين تدفق السلع والخدمات نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية المنشودة.

وأفاد البديوي بأن الناتج المحلي الإجمالي حقّق بالأسعار الجارية لدول الخليج نحو 2.4 تريليون دولار أميركي في عام 2025؛ ليحتل المرتبة العاشرة عالمياً من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، مضيفاً أن حجم التجارة البينية بينها والمقاسة بلغ بإجمالي الصادرات السلعية البينية في عام 2024 أكثر من 146 مليار دولار، بنسبة نموٍّ سنوي بلغت 9.8 في المائة، و«هو ما يؤكد تنامي قوة التبادل التجاري الخليجي واتساع نطاقه».

من جانب آخر، أكد الأمين العام أهمية العمل لتذليل جميع المعوقات، وتقريب وجهات النظر في الجوانب المتعلقة باتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج والمملكة المتحدة؛ تمهيداً للتوقيع عليها خلال الفترة القريبة المقبلة، بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة والرؤية الموحدة لنمو اقتصادي مستدام ومزدهر.

جانب من اجتماع وزراء التجارة بدول الخليج وبريطانيا عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأوضح البديوي أن الاجتماع المشترك المهم بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة، عبر الاتصال المرئي، الخميس، «يعكس الالتزام المشترك بتعزيز التعاون الاقتصادي، ويُجسِّد عمق ومتانة العلاقات التاريخية الراسخة التي تربط بين منطقتينا»، مشيراً إلى أن شراكتهما واصلت نموها من حيث القوة والنطاق.

وأشار إلى التقدم الكبير المحرز في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، وقال البديوي إنه يأتي «نتيجةً للتواصل الجاد والبنّاء، ورغم ما تحقق من إنجازات كبيرة»، مضيفاً أن «العمل جارٍ للمضي قدماً نحو اتفاقية تُحقّق المنفعة المتبادلة، وتوفر فرصاً اقتصادية ملموسة تعزز الشراكة الاستراتيجية».

إلى ذلك، أكد الأمين العام أن التعاون الصناعي بين دول الخليج حقق تقدماً ملحوظاً، تمثل في تعزيز التكامل، وتطوير السياسات والاستراتيجيات المشتركة، ودعم سلاسل الإمداد، فضلاً عن توحيد المواصفات القياسية وتشجيع الاستثمارات الصناعية؛ بما يسهم في تنويع الاقتصادات الخليجية ورفع تنافسيتها إقليمياً ودولياً.

عُقِد الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي بدول الخليج عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وقال البديوي، خلال الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي الخليجية، عبر الاتصال المرئي، الخميس، إن «للجنة دوراً محورياً في تعزيز العمل الخليجي المشترك، من خلال تنسيق السياسات الصناعية بين دول المجلس، وتوحيد الجهود بما يدعم تحقيق التكامل الصناعي المنشود».

وأضاف أن اللجنة «تسهم في تعزيز المكانة الدولية للقطاع الصناعي الخليجي عبر قدرته التنافسية، وفتح آفاق أوسع للتعاون والشراكات العالمية؛ بما يعكس الإمكانات المتنامية لدول المجلس، ويعزز حضورها الفاعل في الاقتصاد الصناعي العالمي».

وفي السياق ذاته، أشار الأمين العام إلى ترحيب المجلس الأعلى بدورته السادسة والأربعين، ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بمقترح عقد منتدى ومعرض «صُنع في الخليج»، خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؛ بهدف إبراز القدرات الصناعية المتميزة في دول الخليج، وتعزيز التكامل الصناعي.


لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
TT

لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن مجلس الإدارة قرر اليوم الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة دون تغيير. وأوضحت أن البيانات الواردة جاءت متوافقة إلى حد كبير مع التقييم السابق لتوقعات التضخم، غير أن مخاطر ارتفاع التضخم وتراجع النمو قد تصاعدت. وأكدت التزام البنك بتوجيه السياسة النقدية بما يضمن استقرار التضخم عند هدفه البالغ 2 في المائة على المدى المتوسط.

وأضافت: «لقد أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما دفع التضخم إلى الارتفاع وألقى بظلاله على المعنويات الاقتصادية. وتعتمد تداعيات هذه الحرب على التضخم متوسط الأجل والنشاط الاقتصادي على شدة ومدة صدمة أسعار الطاقة وحجم آثارها غير المباشرة والثانوية. وكلما طال أمد الحرب واستمرت أسعار الطاقة مرتفعة، ازداد التأثير المحتمل على التضخم الأوسع والاقتصاد ككل».

وتابعت: «نحن في موقع جيد لإدارة حالة عدم اليقين الحالية. فقد دخلت منطقة اليورو هذه المرحلة من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وهي قريبة من هدفنا البالغ 2 في المائة، كما أظهر الاقتصاد مرونة خلال الفصول الأخيرة. ولا تزال توقعات التضخم طويلة الأجل مستقرة نسبياً، رغم أن التوقعات قصيرة الأجل ارتفعت بشكل ملحوظ».

وقالت لاغارد: «سنواصل متابعة الوضع من كثب، وسنتبع نهجاً يعتمد على البيانات ومن اجتماع لآخر لتحديد الموقف المناسب للسياسة النقدية. وستستند قرارات أسعار الفائدة إلى تقييمنا لتوقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، في ضوء البيانات الاقتصادية والمالية الواردة، إضافة إلى ديناميكيات التضخم الأساسي وقوة انتقال السياسة النقدية. ونحن لا نلتزم مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة».

النشاط الاقتصادي

أظهر اقتصاد منطقة اليورو بعض الزخم قبل الاضطرابات الحالية، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.1 في المائة في الربع الأول من 2026، مدعوماً بالطلب المحلي ومرونة سوق العمل، وفق تقديرات «يوروستات». إلا أن التوقعات لا تزال شديدة عدم اليقين، وترتبط أساساً بمدة الحرب في الشرق الأوسط، وتأثيرها على الطاقة وسلاسل الإمداد.

وتشير البيانات إلى أن الصراع بدأ يضغط على النشاط الاقتصادي، مع تباطؤ النمو وتراجع ثقة المستهلكين والشركات، وظهور ضغوط على سلاسل التوريد. ومن المتوقع أن تستمر تكاليف الطاقة المرتفعة في الضغط على الدخل والاستهلاك والاستثمار، رغم بقاء البطالة منخفضة نسبياً ودعم بعض القطاعات عبر الإنفاق العام والاستثمار.

وفي هذا السياق، شددت لاغارد على ضرورة تعزيز اقتصاد منطقة اليورو مع الحفاظ على متانة المالية العامة، مؤكدة أن الاستجابات لصدمات الطاقة يجب أن تكون مؤقتة ومحددة الهدف.

التضخم

ارتفع التضخم إلى 3 في المائة في أبريل (نيسان) مقابل 2.6 في المائة في مارس (آذار) و1.9 في المائة في فبراير (شباط)، مدفوعاً أساساً بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، حيث قفز تضخم الطاقة إلى 10.9 في المائة. في المقابل، تراجع التضخم الأساسي قليلاً إلى 2.2 في المائة، مع استقرار نسبي في المؤشرات الأساسية وتوقعات بتراجع ضغوط الأجور خلال 2026، بينما تبقى التوقعات طويلة الأجل قريبة من هدف 2 في المائة. ومن المتوقع أن تُبقي أسعار الطاقة التضخم مرتفعاً في المدى القريب، مع ازدياد مخاطر انتقال آثارها إلى الأسعار والأجور إذا استمر ارتفاعها.

تقييم المخاطر

قالت لاغارد إن مخاطر النمو تميل إلى الجانب السلبي، في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وما تسببه من ضغوط إضافية على الاقتصاد العالمي، إلى جانب حالة عدم الاستقرار في البيئة الاقتصادية الدولية. كما أن استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة قد يؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار، مع احتمال تفاقم هذه الضغوط في حال إغلاق طرق شحن رئيسية أو تدهور الأسواق المالية أو تصاعد التوترات التجارية والأزمات الجيوسياسية، ولا سيما الحرب في أوكرانيا.


ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الرئيسي في الولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) الماضي، إلى أعلى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات، مدفوعاً بارتفاع حادّ في أسعار البنزين، في إشارة جديدة إلى أن الحرب الإيرانية بدأت تضغط على تكلفة المعيشة، وتؤخر أي توجه نحو خفض أسعار الفائدة من قِبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وأفادت وزارة التجارة، يوم الخميس، بأن مؤشر الأسعار الذي يراقبه «الاحتياطي الفيدرالي» ارتفع بنسبة 0.7 في المائة خلال مارس، مقارنة بشهر فبراير (شباط)، مسجلاً تسارعاً ملحوظاً عن الشهر السابق. وعلى أساس سنوي، صعدت الأسعار بنسبة 3.5 في المائة، وهي أكبر زيادة منذ قرابة ثلاث سنوات، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

أما التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، فقد ارتفع بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري، وبنسبة 3.2 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً قراءة فبراير البالغة 3 في المائة.

ويعكس هذا التسارع ابتعاد التضخم مجدداً عن هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، ما يدعم توجه البنك المركزي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، بعد سلسلة تخفيضات العام الماضي، في ظل استخدام السياسة النقدية لمواجهة ضغوط الأسعار.

وأظهر التقرير أن أسعار البنزين قفزت بنحو 21 في المائة، خلال مارس، مقارنة بالشهر السابق، وهو ما شكّل المحرك الأساسي لارتفاع التضخم.

ورغم ذلك، يُولي «الاحتياطي الفيدرالي» اهتماماً أكبر بمؤشرات التضخم الأساسي، إذ يُعد مدى انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى باقي مكونات الأسعار عاملاً حاسماً في تحديد مسار السياسة النقدية المقبلة.

وقال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، في مؤتمر صحافي: «ندرك تماماً أن ارتفاع أسعار البنزين يضغط على المستهلكين في مختلف أنحاء البلاد، وهذا يؤثر عليهم سلباً».

في السياق نفسه، أظهر التقرير ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 0.9 في المائة خلال مارس، مدفوعاً جزئياً بارتفاع الأسعار، لكنه أشار أيضاً إلى زيادة في الإنفاق الحقيقي بعد احتساب التضخم، ما يعكس استمرار مرونة المستهلك الأميركي، رغم الضغوط المتزايدة.