رئيس «الصكوك الوطنية» الإماراتية: نسعى إلى أن يكون الادخار من أدوات التنمية في البلاد

العلي قال إن سلوكيات الأفراد وقراراتهم الادخارية والاستثمارية سترسم الاقتصاد مستقبلاً

محمد قاسم العلي - مقر شركة الصكوك الوطنية في مدينة دبي
محمد قاسم العلي - مقر شركة الصكوك الوطنية في مدينة دبي
TT

رئيس «الصكوك الوطنية» الإماراتية: نسعى إلى أن يكون الادخار من أدوات التنمية في البلاد

محمد قاسم العلي - مقر شركة الصكوك الوطنية في مدينة دبي
محمد قاسم العلي - مقر شركة الصكوك الوطنية في مدينة دبي

يعتقد محمد العلي، الرئيس التنفيذي لشركة الصكوك الوطنية، أن الادخار يعد واحدًا من أهم أدوات التنمية، ووسيلة للحفاظ على توازن الاقتصاد الوطني، مشيرًا إلى أن تجارب الشعوب والدول التي حققت خطوات مهمة على مسيرة التنمية، ثبت أنها تملك وعيًا ادخاريًا عاليًا. وكشف العلي في حوار مع «الشرق الأوسط» عن مساعي شركته إلى أن تكون الصكوك أداة من أدوات تمويل التنمية في المرحلة الاقتصادية المقبلة، وبالتحديد المرحلة التي أطلقت عليها حكومة الإمارات مرحلة ما بعد النفط، مشيرًا إلى عدد من التحولات الاقتصادية المقبلة في العالم، وتطور مفهوم الادخار لدى الشعوب الخليجية.
وإلى نص الحوار..
* ما استراتيجتكم والأهداف التي ترغبون في الوصول إليها خلال الفترة المقبلة؟
- استراتيجيتنا كشركة وطنية هي مكملة للاستراتيجية العامة للإمارات في تحقيق السعادة للمواطنين والمقيمين في البلاد، ودعم الاقتصاد المحلي عبر أدارة أصول المحفظة في دولة الإمارات، على هذا الصعيد نحن نسعى إلى تحقيق عدة أهداف تتمثل في تحقيق الأمن والاستقرار المالي لكل المواطنين وساكني الدولة، وتقليص تداعيات الديون ومشتقاتها، والتأثير الإيجابي في الثقافات والمسلكيات التي تحدد السلوك المالي من ادخار واستثمار للأفراد، حيث إن هذه قضية مهمة بالنسبة إلينا، نحن واثقون بأن سلوكيات الأفراد وقراراتهم الادخارية والاستثمارية سترسم شكل اقتصادنا الوطني في المستقبل، كما نسعى إلى أن تكون الصكوك أداة من أدوات تمويل التنمية في المرحلة الاقتصادية المقبلة، التي أطلقت عليها الحكومة اقتصاد ما بعد النفط واقتصاد المعرفة؛ لأن هذا الشكل الاقتصادي المتقدم يشترط مساهمة الجمهور من خلال مدخراتهم في تمويل مشاريع تتوافق مع متطلبات التنمية المستدامة، كما تشترط مسلكيات استهلاكية واعية، بحيث يكون الاستهلاك محركًا ومنشطًا للسوق من دون أن يصل إلى مرحلة ترهق المواطنين وتمتص مداخيلهم، وأخيرًا نسعى باستمرار إلى تطوير الثقة بيننا وبين الجمهور، من خلال طرح برامج ومنتجات جديدة تناسب أوضاع الجمهور، وتلبي متطلباتهم سواء كانت استثمار أو ادخار أو إدارة ثروات أو تغطية تكافلية.
* في ظل التذبذب الاقتصادي العالمي، كيف تنظر إلى تأثير ذلك في أعمالكم؟
- علينا أولاً تأكيد حقيقة أساسية في علم الاقتصاد، وهي أن تذبذبات الاقتصاد العالمي تتباين في تأثيرها من قطاع إلى آخر، قد تؤثر سلبًا في تجارة التجزئة مثلاً، أو على القطاعات التي لها علاقة بالكماليات والرفاهيات، لكنها لا يجب أن تؤثر في الادخار كنهج وسلوك وقائي يحمي الفرد والجماعات من نكسات اقتصادية محتملة. الادخار وتمويل المشاريع برأس مال مصدره المجتمع، هو آلية علاج لهذه التذبذبات التي تتحدث عنها. لا ننكر أن الخشية من تراجع الوضع الاقتصادي قد تؤثر في القرارات كافة بما فيها قرارات الاستثمار، لكن هذا الوضع، وعلى العكس مما هو سائد، يمكن مواجهته فقط بالتوجهات الاستثمارية الصحيحة، ومن خلال أدوات مناسبة. بحيث يتوجه المال نحو مشاريع مستدامة، وبالتالي تتحرك عجلة الاقتصاد، وتدر المداخيل على المستثمرين والعاملين.
* ما التحديات في وجهة نظركم التي تواجه أعمالكم في الوقت الحالي؟
- التحدي الأكبر الذي واجهنا في عملنا هو ثقافة الاستهلاك المفرط، وغياب الوعي المالي والاقتصادي، كما تعرفون، الادخار سلوك جديد على الساحة الإماراتية والخليجية؛ حيث سادت ثقافة الاستهلاك المفرط لسنوات، لكننا استطعنا أن نستقطب عددًا كبيرًا من العملاء منذ بدايات عملنا؛ لأن منتجاتنا وبرامجنا لامست حاجة الجمهور الطبيعية، ورغبتهم في الوصول إلى حالة يستطيعون فيها الادخار. ما ساعدنا على ذلك، تجربة عدد كبير من المواطنين والمقيمين مع الديون، وعندما طرحنا منتجاتنا وثقافتنا لاقينا ترحيبًا واسعًا من فئات المجتمع الإماراتي كافة. نحن نعتبر أن التحدي القائم باستمرار هو مواكبة تطورات الأوضاع الاقتصادية من ناحية، ورغبات الجمهور من ناحية ثانية، بحيث نكون قادرين باستمرار على استحداث برامج ومنتجات جديدة، تستجيب لهذه التطورات وتعزز الثقة بين الشركة والجمهور.
* أين تكمن مناطق النمو سواء عمليًا أو جغرافيًا مستقبلاً؟
- أتذكر دراسة لصندوق النقد الدولي تقول إن دول الخليج العربي مرشحة لقيادة النمو الاقتصادي في المنطقة بشكل عام خلال السنوات المقبلة، فهي تمتلك مقومات النمو الدائم رغم تداعيات هبوط أسعار النفط، ولديها من السيولة والخبرات والتجربة، ما يجعلها قادرة على إصلاح هيكلها الاقتصادي باستمرار، وعلى حماية معدلات النمو لاقتصادها والتأثير بشكل إيجابي في الاقتصاد الإقليمي. عالميًا، بات واضحًا أن خريطة الاقتصاد العالمي تغيرت، اليوم الفرصة لدى أسواق الشرق أكثر مما هي لدى أسواق الغرب، خاصة بعد ما شهدناه من تباطؤ للنمو وتزايد في الديون العامة لدى دول الاتحاد الأوروبي وخروج بريطانيا كنتيجة لهذه التداعيات من الاتحاد. هذه الحال ستحدث إرباكات لدى المستثمرين الذي حولوا استثماراتهم نحو أسواق الشرق منذ وقت طويل، مما سيعزز توجه رأس المال نحو أسواق آسيا والشرق الأوسط. لا بد من تأكيد أن أحد مسببات الأزمات في أسواق الغرب، كان النمو المختل للاقتصاد حول العالم، وجود مناطق مزدهرة وأخرى ما دون النشوء، ستكون نتيجته دومًا، فائض في الإنتاج في مرحلة ما وضعف في الطلب بسبب وجود عدد كبير من البشر خارج دائرة الاستهلاك، الأمم المتحدة حددت نسبتهم بما يقارب 60 في المائة من سكان العالم، هؤلاء لم يكونوا جزءًا من عملية الإنتاج أو التداول؛ لذلك أتمنى أن يكون مستقبل التنمية شاملاً، ولا يستثنى أي من شعوب الأرض، لأن بقاء هذه المعادلة المختلة لن يكون في صالح استمرار مخططات التنمية العالمية.
أما من الناحية العملية، فسيكون النمو من نصيب القطاعات التي تلتزم شروط الاستدامة وتراعي أولويات الحاجات البشرية، وتعمل على تقديم منتجاتها للجمهور بجودة عالية وأسعار مقبولة.
* كيف تقيِّمون أداء شركة الصكوك الوطنية خلال السنوات العشر الماضية؟
- كانت فترة ناجحة جدا باستقطابنا نحو 816 ألف مدخر ومستثمر من 200 جنسية، ما يعادل 10 في المائة من سكان الإمارات، وبمحفظة استثمارية تقارب 6 مليارات درهم (1.6 مليار دولار). هذه الأرقام تعكس نجاح استراتيجيتنا في نشر الوعي بالادخار وتسهيل عملية الادخار عبر منتجاتنا المتنوعة وخدماتنا المتكاملة. كما تمكن البرنامج من توزيع ما يقارب 1.2 مليار درهم (326 مليون دولار) عوائد لحملة الصكوك منذ إطلاق البرنامج في 2006 عبر الأرباح السنوية الموزعة، وعبر برنامج المكافآت الأكبر في المنطقة.
نحن نعتبر الادخار أداة من أدوات التنمية، ووسيلة للحفاظ على توازن الاقتصاد الوطني، لو استعرضنا تجارب الشعوب والدول التي حققت خطوات مهمة على مسيرة التنمية، سنجد أنها تملك وعيًا ادخاريًا عاليًا، فبيانات الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي، للفترة الممتدة بين 1985 و2010، التي رصدت ميول الأفراد إلى الادخار والتوفير والابتعاد عن القروض، كشفت أن هونغ كونغ والصين وتايوان وسنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان تتصدر قائمة الدول الأكثر ادخارًا وأقل إقبالاً على الديون والقروض. علينا أولاً تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة فمفهوم الثروة لا يكون بكم هو دخلك، ولكن بكم تدخر، كما أن الفقراء ومحدودي الدخل ينتهي بهم المطاف للأسف بدائرة الديون الاستهلاكية، مثل قروض السيارات وبطاقات الائتمان، ويظنون أنهم يمتلكون أصولاً؛ بينما الأغنياء يفعلون النقيض تمامًا، وهو تقليل الديون والاستثمار في أصول، مثل الصكوك، والعقار، والأسهم، والتجارة. كما أود التنويه بأن الأصول الحقيقية تدر دخلا بينما الديون والأصول الاستهلاكية تستهلك الدخل، وقد تنتهي بدفع الفوائد التراكمية لوقت طويل. وخلال السنوات العشر الماضية، استطاعت الشركة تطوير برامجها ومنتجاتها لتتوافق مع متطلبات العملاء ومع أوضاعهم المادية ومداخيلهم المختلفة، والشركة اليوم تغطي شرائح واسعة من العملاء من خلال منتجاتها التي تتوزع ما بين الادخار والاستثمار وإدارة الثروات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية. واجهنا صعوبات كان أهمها عادات الاستهلاك المفرط التي ترسخت في منطقتنا عبر السنوات الماضية، لم يكن من السهل اختراق هذه العادة وزرع نقيضها في عقول الناس، لكننا نجحنا في إحداث تحول ثقافي أعتبره تحولاً تاريخيًا في ثقافة شعوب دول مجلس التعاون الخليجي.
لقد بدأنا منذ انطلاق الشركة حملة تثقيف واسعة ومكثفة، وسنستمر بها حتى يصبح الادخار عادة واعية مرتبطة بمفاهيم المواطنة والشراكة الاجتماعية، ومرتبطة بمتطلبات التنمية وتمويلها من قبل مساهمات المدخرين مهما كانت بسيطة.
* إلى جانب ثقافة الاستهلاك، هل واجهتم مخاوف وهواجس من البعض حول مشروعية الادخار؟
- من الطبيعي أن نواجه مثل هذه المخاوف، فنحن في مجتمعات مسلمة وهناك الكثير من الأشخاص يخشون الوقوع في الحرام اعتقادًا منهم أن الادخار هو اكتناز للمال أو يتساءلون حول مشروعية برنامج الصكوك الوطنية. لكن الصكوك الوطنية منتج إسلامي يعتمد مبدأ المضاربة الشرعية وأداة للشراكة الاجتماعية في صناعة التنمية والتقدم، وهذا واجب ديني تمت الإشارة إليه في أكثر من نص شرعي. شركة الصكوك الوطنية على سبيل المثال ناشطة في الاقتصاد المحلي عبر الاستثمارات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، ولها وجود في قطاعات الصحة والتعليم وفي المشاريع ذات المسؤولية العالية كالمسؤولية تجاه استدامة البيئة والطاقة، وكان آخرها مشروع تأهيل المباني في منطقة جبل علي، لتكون صديقة للبيئة من حيث ترشيد استهلاك الطاقة والحد من الأضرار البيئية. تقع المسؤولية هنا على المدخر نفسه بأن يختار، من ضمن الخيارات التي يوفرها محيطه، الطريقة والأداة السليمتين للادخار، التي تجعل رأس المال نشطًا ومنتجًا.
* صدر تقرير مؤشر الادخار لعام 2015، والخاص بالإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي، أين تلمس الفرق بينه وبين مؤشر الادخار لعام 2014؟
- في عام 2014 أظهرت نتائج المؤشر أن 27 في المائة يعتبرون الوقت مناسبًا للادخار، بينما في 2015 فكانت النسبة متفاوتة حيث وصلت إلى 33 في المائة في السعودية، و22 في المائة في باقي دول مجلس التعاون، ممن شملهم الاستطلاع. هذه الأرقام تشير إلى زيادة في الوعي بأهمية الادخار في السعودية، وليس إلى تغير في الظروف، فالظروف هي ذاتها، بل على العكس استمرت أسعار النفط بالهبوط، واستمرت المؤسسات الاقتصادية الدولية في توقعاتها السلبية لحالة الاقتصاد العالمي خلال السنوات القليلة المقبلة. هذا الوعي هو رهاننا، فالظروف التي ترافق مسيرة الادخار كما مسيرة الاقتصاد الوطني أو الإقليمي أو العالمي، متغيرة وغير ثابتة. الثبات المطلوب هو في الوعي المالي والوعي بطبيعة العلاقة بين المغالاة في الاستهلاك وظواهر التضخم وارتفاع الأسعار وازدياد القروض. في رأيي إن الزيادة في الميل نحو الادخار جاءت كرد مسؤول من قبل الجمهور السعودي على طبيعة الظروف الاقتصادية التي تستوجب الشراكة بين الجميع لتحسينها وتلافي ماسيها.
تطور آخر يستحق التوقف عنده وهو أن نسبة 66 في المائة من المدخرين في السعودية يفضلون طريقة الاستقطاع الشهري من الراتب، وهذه نسبة عالية وتطور يمكن البناء عليه. في السابق لم نكن لنشهد هذه النسبة التي تفضل آلية الاستقطاع الشهري تحت حجج وذرائع عدة أولها أن هذه الطريقة تصادر الإرادة وتجبر المدخر على الادخار، لكن أنا لا أرى أن تحقيق المصلحة الخاصة من خلال الادخار قد تتعارض مع الإرادة، فهذه إرادة وقرار إيجابي مهم، خاصة أنه يشمل إحدى أهم الأسواق في دول مجلس التعاون الخليجي وهو السوق السعودي.
يتجلى هذا الوعي بقراءة أخرى للمؤشر وهو أن 89 في المائة من المشاركين في السعودية و89 في المائة في دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى اعتبروا أنهم ينعمون بالاستقرار المالي. وأعتقد أن السبب هنا هو ثقة الجمهور بالدولة وبالمؤسسة الاقتصادية وأدائها، والأهم هو ثقتهم بأن الاستقرار قد يتحقق بدوافع ذاتية، ولا يجب أن يبقى عرضة للمتغيرات العامة.
* من الملاحظ أن تفاعلات من شملهم الاستبيان متناقضة في النظرة للظروف العامة، كتكلفة الإجارات والفواتير وغيرها، البعض منهم يراها عقبة أمام الادخار، والبعض الآخر يراها محفزًا.. ما تفسيرك لهذه الظاهرة؟
- باعتقادي أن الظروف التي يعانيها الناس هي واحدة، ولكن الفرق يكمن في الرغبة والإرادة في إدارة المداخيل والميزانيات الشخصية، كما أن نمط الحياة المزيف والمبني على ثقافة الاستهلاك والديون يلعب دور العدو الرئيسي لمبدأ الادخار، مهما اختلفت مداخيلك يبقى لديك هامش، ولو قليلاً للادخار، وبالمناسبة فإن مؤشر الادخار لسنة 2014، الذي خصص قسمًا منه لذوي الدخل المحدود بين أن الأغنياء هم الأقل ادخارًا، وأن ذوي الدخل المحدود متفوقون في انتظام مدخراتهم؛ لذا أعود للقول: إن المسألة هي مسألة أنماط حياة وتحديد أولويات، وإدارة ميزانيات بالإضافة إلى التفكير المسؤول في المستقبل.



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.