«رؤية السعودية 2030».. التحديات والمخاطر

ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في صورة تعود إلى شهر أبريل الماضي بالرياض في معرض رده على أسئلة الصحافيين حول {رؤية السعودية 2030} (أ.ف.ب) - في الإطار د. التجاني الطيب إبراهيم
ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في صورة تعود إلى شهر أبريل الماضي بالرياض في معرض رده على أسئلة الصحافيين حول {رؤية السعودية 2030} (أ.ف.ب) - في الإطار د. التجاني الطيب إبراهيم
TT

«رؤية السعودية 2030».. التحديات والمخاطر

ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في صورة تعود إلى شهر أبريل الماضي بالرياض في معرض رده على أسئلة الصحافيين حول {رؤية السعودية 2030} (أ.ف.ب) - في الإطار د. التجاني الطيب إبراهيم
ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في صورة تعود إلى شهر أبريل الماضي بالرياض في معرض رده على أسئلة الصحافيين حول {رؤية السعودية 2030} (أ.ف.ب) - في الإطار د. التجاني الطيب إبراهيم

حتى النصف الأول من عام 2014، كان الاقتصاد السعودي واحدًا من أسرع الاقتصادات نموًا في مجموعة العشرين، التي تمثل أكبر اقتصادات العالم، حيث بلغ متوسط معدل النمو الحقيقي في العام أكثر من 5 في المائة خلال السنوات 2011 - 2014، حسب إحصائيات صندوق النقد الدولي.
المحرك الرئيسي لهذا النمو كان الارتفاع المتواصل لأسعار النفط الخام، الذي نتجت عنه أيضًا فوائض كبيرة في ميزان المدفوعات والموازنة العامة للدولة، أدت إلى توسع قوي في الإنفاق العام قاد بدوره إلى حراك حيوي في القطاع الخاص. لكن خلال العامين الماضيين، تغيرت بيئة أسواق النفط العالمية بصورة مذهلة، حيث انخفضت أسعار النفط الخام بأكثر من 50 في المائة، لهذا تراجع معدل النمو الاقتصادي إلى 2.6 في المائة في عام 2015، مع التوقع باستمرار التراجع إلى 2 في المائة في عام 2016، نتيجة لخفض الإنفاق الحكومي بعد الرفع الجزئي عن دعم الجازولين، والكهرباء، والمياه، والبدء في ترشيد الصرف العام، أما في المدى المتوسط، ومع استمرار تكييف الإنفاق الحكومي مع بيئة أسعار النفط الخام المنخفضة، فمن المتوقع ارتفاع معدل النمو إلى نحو 3 في المائة، مع احتمال أن يظل معدل التضخم في حدود آمنة (2 - 3 في المائة في العام).
أيضا، تدني الأسعار العالمية للنفط الخام أثر سلبًا على عائدات الصادرات والإيرادات العامة، مما أدى إلى أول عجز في موازنة الدولة في تاريخ المملكة بلغ نحو 3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي (746 مليار دولار) في عام 2014، مع التوقع بانخفاض العجز تدريجيًا في 2016 والأعوام المقبلة، رغم ذلك، بقى مستوى الدين العام متدنيًا، نحو 2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي بنهاية عام 2014، أما فائض الحساب الجاري في ميزان المدفوعات، فقد هبط في عام 2015، لكن من المتوقع أن يعود للارتفاع في المدى المتوسط.
في حين يتعلق بالجهاز المصرفي في المملكة، فقد أثبت مقدرته على مواجهة تحدي انخفاض أسعار النفط الخام وتباطؤ النشاط الاقتصادي.
* مدخل
لأكثر من 80 عامًا، ظل النفط يمثل نحو 90 في المائة من الموازنة العامة للمملكة، وتقريبًا كل عائدات الصادرات، وأكثر من نصف إجمالي الناتج المحلي. بموجب ذلك، تحول النفط إلى عقد اجتماعي تؤول السلطة المطلقة فيه للدولة مقابل الإنفاق السخي على مواطني السعودية البالغ عددهم الآن نحو 21 مليون نسمة، نصفهم تحت عمر الخمسة والعشرين عامًا، لكن الاعتماد الكلي على النفط، جعل من الاقتصاد السعودي رهينة لتقلبات أسواق النفط العالمية، ما أخر كثيرًا من انتقاله إلى اقتصاد ناشئ متطور، هذا الوضع زاد من ضرورة القيام بإصلاحات هيكلية واسعة لتغيير وجهة الحراك الاقتصادي من القطاع العام، الذي يوظف ثلثي العمالة السعودية، إلى القطاع الخاص، الذي تسيطر العمالة الوافدة على نحو 80 في المائة من فاتورته، في هذا الإطار، واستجابة لتوجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لرسم رؤية مستقبلية للمملكة، أقر مجلس الوزراء السعودي في الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) 2016، «رؤية المملكة العربية السعودية 2030»، التي أعدها مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بقيادة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز.
* «السعودية 2030».. الرؤية والمحتوى تقديم
يحتوي نص الوثيقة على 41 صفحة، تتضمن الخطوط العريضة للرؤية على أن تعلن التفاصيل الكاملة لاحقًا، تطرح الوثيقة رؤية كلية متكاملة وشاملة لتوزيع الاقتصاد السعودي وتعميق التنمية المستدامة والمتوازنة عن طريق إعادة بناء قواعد الإنتاج، وتنويع مصادر الدخل، وعلاقة السلطة بالمجتمع وفق أسس ومعايير علمية ممنهجة، ما يعني الانتقال إلى عقد اجتماعي جديد يكون فيه المواطن شريكًا في السلطة والثروة.
لذلك، فالمنطلق الأساسي للرؤية هو الاستفادة من الأدوات الاستثمارية التي تمتلكها السعودية، وأهمها صندوق الاستثمارات العامة، الذي سيتحول إلى أكبر صندوق سيادي استثماري في العالم (1.8 تريليون دولار) بعد نقل جزء من ملكية شركة أرامكو النفطية إليه، لكي تساهم عائدات استثماراته بفاعلية في تنمية قطاعات جديدة، وشركات عامة ترفع من إيرادات المملكة غير النفطية وتعزز دور الصندوق في تنويع وتوسعة القاعدة الإنتاجية للبلاد، ولضمان تحقيق هذا الهدف، ترتكز الرؤية على ثلاثة عوامل أساسية (1) العمق العربي والإسلامي لكون السعودية هي قبلة المسلمين ولديها إرث عربي وإسلامي ضخم؛ (2) القوة الاستثمارية للمملكة ممثلة في صندوقها السيادي والصناديق الأخرى؛ (3) الموقع الجغرافي الاستراتيجي حيث تمر 30 في المائة من التجارة العالمية عبر المضايق البحرية السعودية.
أما توجيه الأصول للاستثمار، فستأتي بصورة خاصة من طرح أقل من 5 في المائة من موجودات شركة أرامكو، التي ستقيّم بنحو 2 - 2.5 تريليون دولار، للاكتتاب العام، تعقبه موجة ثانية من الطرح للشركات التابعة لأرامكو، ما يمكن أن يدخل إلى الصندوق السيادي أموالاً جديدة تقدر بمئات المليارات من الدولارات.
* الأهداف
تتضمن الرؤية تحقيق أهداف استراتيجية محددة بحلول عام 2030، تشمل:
(1) تنويع الاقتصاد واستدامة النمو برفع نسبة المكون المحلي في قطاع النفط والغاز من 40 في المائة إلى 75 في المائة، ورفع قيمة أصول صندوق الاستثمارات العامة من 600 مليار إلى نحو 7 تريليون ريال سعودي.
(2) زيادة الإيرادات العامة غير النفطية من 163 مليارا إلى تريليون ريال سنويًا.
(3) رفع مدخرات الأسر من إجمالي دخلها من 6 في المائة إلى 10 في المائة.
(4) رفع مساهمة القطاع غير الربحي في إجمالي الناتج المحلي من أقل من 1 في المائة إلى 5 في المائة، إلى جانب توطين أكثر من 50 في المائة من الإنفاق العسكري بحلول 2030.
(5) رفع نسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة من إجمالي الناتج المحلي من 3.8 في المائة إلى المعدل العالمي 5.7 في المائة.
(6) زيادة مساهمة القطاع الخاص في إجمالي الناتج المحلي من 40 في المائة إلى 65 في المائة.
(7) توسعة الطاقة الاستيعابية لاستقبال ضيوف الرحمن المعتمرين من 8 إلى 30 مليون معتمر.
(8) خفض معدل البطالة من 11.6 في المائة إلى 7 في المائة.
(9) رفع مساهمة المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة من إجمالي الناتج المحلي من 20 في المائة إلى 35 في المائة.
(10) رفع نسبة الصادرات غير النفطية من إجمالي الناتج المحلي من 16 في المائة إلى 50 في المائة.
(11) بناء شراكات زراعية استراتيجية مع الدول التي حباها الله بموارد طبيعية من تربة خصبة ومياه وفيرة.
(12) زيادة الأنشطة الثقافية والترفيهية وتنويعها.
* المسارات
لتحقيق أهدافها المعلنة، ستتبع الرؤية خمسة مسارات أساسية:
(1) انتهاج الشفافية من خلال عدم التهاون أو التسامح مع الفساد المالي والإداري والاستفادة من أفضل الممارسات العالمية، لتحقيق أعلى مستويات الشفافية والحوكمة الرشيدة في جميع القطاعات.
(2) المحافظة على الموارد الحيوية في مجال الموارد الغذائية بمواصلة بناء مخزونات استراتيجية بمستويات آمنة ومستدامة، إضافة إلى بناء شراكات زراعية استراتيجية مع الدول الغنية بالموارد الطبيعية الزراعية المتجددة بما يحمي الموارد المائية السعودية الشحيحة.
(3) دعم قنوات التواصل بين الأجهزة الحكومية والمواطن والقطاع الخاص.
(4) الالتزام بكفاءة الإنفاق والتوازن المالي دون فرض أي ضريبة على الدخل أو الثروة أو السلع الأساسية على المواطن، حيث يتم تحقيق التوازن المالي بتنويع مصادر الإيرادات وتنظيمها وإدارة الموازنة العامة بصورة رشيدة، مع العمل على تعزيز كفاءة الإنفاق العام.
(5) دعم المسارات بالاستمرار في رفع كفاءة وفاعلية وسرعة الحكومة في اتخاذ القرار لتكون أكثر مرونة في مواكبة متطلبات الرؤية وتحقيق أولوياتها بالحد من الهدر المالي والإداري.
مصادر النمو والإيرادات المتوقعة والبرامج كمصدر للنمو الاقتصادي ودعامة جديدة لاقتصاد متنوع، ستدعم الرؤية قطاعات الطاقة المتجددة والمعدات الصناعية، والسياحة والترفيه، وتقنية المعلومات (الاقتصاد الرقمي)، والتعدين (المعادن، والنفط، والغاز)، في قطاع المعادن تحديدًا، تؤمن الرؤية على بذل الجهود لرفع مساهمته في إجمالي الناتج المحلي من 25.8 مليار ريال حاليًا إلى 97 مليار ريال، وزيادة فرص العمل إلى 90 ألف وظيفة بنهاية عام 2020. أما القطاع الخاص، الذي يساهم حاليًا بنحو 40 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، فستفتح أبواب الاستثمار أمامه بتشجيع الابتكار والمنافسة الحرة، وإزالة كل العوائق التي تحد من أدائه، وتفعيل المنظومة التشريعية المتعلقة بالأسواق والأعمال لإتاحة فرص أكبر للقطاع في مجال الخدمات كالصحة والتعليم.
فيما يتعلق بالإيرادات المتوقعة من كل الحراك الاقتصادي، تركز الرؤية على مصدرين رئيسين: عائد استثمارات الصندوق السيادي مصدرا أساسيا للإيرادات العامة بدلاً من النفط، والإيرادات غير النفطية، التي تم تحديد نحو 70 موردًا منها يمكن أن تدر على الخزينة العامة أكثر من 1.5 تريليون ريال في العام، لكن الرؤية تستهدف فقط ربع تلك الموارد، التي ليس لها أي تبعات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية سلبية كبطاقة الإقامة الدائمة، التي ستجعل من المقيمين في المملكة جزءا من الاقتصاد المحلي.
لدعم مصادر النمو وتحقيق الإيرادات المتوقعة، تضمنت الرؤية أيضًا برامج مفصلة تم وضعها مسبقًا تتضمن: برنامج إعادة هيكلة الحكومة، وبرنامج الرؤى والتوجهات، وبرامج تحقيق التوازن المالي، وبرنامج إدارة المشروعات، وبرنامج مراجعة الأنظمة، وبرنامج التوسع في التخصص، في حين هناك برامج جديدة من المتوقع إطلاقها قريبًا، مثل برنامج التحول الاستراتيجي لشركة أرامكو، وبرنامج إعادة هيكلة صندوق الاستثمارات العامة، وبرنامج رأس المال البشري، وبرنامج الشراكات الاستراتيجية، وبرنامج تعزيز حوكمة العمل الحكومي، هذه البرامج تمثل الأساس لبداية انطلاقة الرؤية.
* انطلاقة الرؤية الجديدة
للبدء في إنزال الرؤية السعودية إلى أرض الواقع، أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، في السابع من مايو (أيار) 2016، أي بعد عشرة أيام فقط من إعلان الرؤية، 42 أمرًا ملكيًا شملت: إعادة هيكلة مجلس الوزراء بتعديل خمس وزارات ودمج واحدة، وإعفاء ستة وزراء وتكليف ثلاثة منهم بحقائب جديدة، وإنشاء هيئة عامة للترفيه وأخرى للثقافة، بالتالي، تكون السعودية قد وضعت حجر الأساس لانطلاقة رؤيتها الجديدة للتنمية الشاملة والمستدامة، مما يعكس جدية الحكومة في تنفيذ تلك الرؤية والانتقال بالبلاد إلى عهد جديد من التطور الاقتصادي والاجتماعي، رغم ذلك، تظل هناك تحديات ومخاطر لا بد من أخذها في الحسبان والتحوط لها، لضمان تطبيق الرؤية في أرض الواقع.
- دعم الإصلاح شيء، ومعايشة الإصلاح شيء آخر، لذلك، سيكون التحدي الأكبر في تحويل الرؤية إلى برامج عملية وفق جداول زمنية وأولويات محددة وأهداف كلية بمعدلات واقعية قابلة للتنفيذ، السعودية لديها ما يكفي من النخب المتعددة، التي تستطيع تحويل الرؤية إلى واقع ملموس، مما يعني أن ملكية الرؤية يجب أن تكون سعودية مائة في المائة، لضمان نجاحها في البيئة السعودية السياسية والاجتماعية.
- المعلومات الأولية المتوفرة عن الرؤية، لا تقدم تفاصيل عن حجم ومعدلات الاستثمارات السنوية، التي يراد توظيفها، والاستثمارات غير النفطية المتوقعة، هذا قد يفسر أيضًا عدم وجود معدلات للنمو الاقتصادي والتضخم المراد استهدافها، في غياب هذه المؤشرات الاقتصادية الرئيسية، تصعب محاولة إجراء تقييم أولي للرؤية وإمكانية تنفيذها على أرض الواقع حسب الأهداف المعلنة.
- مستوى الثقة في الرؤية سيتأثر بأوجه عدم اليقين الإقليمية الناتجة عن الصراعات المعقدة في المنطقة، خصوصا في اليمن حيث تشارك السعودية في حراكها العسكري، لذلك، لا بد من العمل الدؤوب لتحسين الأوضاع الأمنية وإنهاء حدة الصراعات المسلحة في اليمن أولاً، وبقية المنطقة ثانيًا، في أسرع وقت ممكن.
- الحيز المتاح لخلق وظائف في القطاع العام سيكون محدودًا أمام الحكومة جراء عمليات التكيف المالي مع أسعار النفط المنخفضة، لكن يمكن تقليل الأثر السلبي لذلك على النمو بالتركيز على اتخاذ تدابير موجهة على صعيد الإيرادات - كإلغاء الإعفاءات الضريبية والجمركية وإدخال ضرائب دخل تصاعدية وتعزيز التحصيل الضريبي - بالإضافة إلى استمرار تعديل أولويات الإنفاق بتحويلها من الدعم المعمم إلى الدعم الاجتماعي الموجه وزيادة الاستثمار في التعليم والرعاية الاجتماعية.
- هناك أيضًا حاجة إلى إصلاحات هيكلية، خصوصا في مجالات الأعمال والتجارة وأسواق العمل والأسواق المالية، لدعم توسع القطاع الخاص، وخلق فرص العمل، لدعم عملية خلق الوظائف في القطاع الخاص، ينبغي إجراء مزيد من التحسينات في الحوافز الداعمة لمناخ الأعمال بما يشجع المواطنين على العمل في القطاع الخاص، بالإضافة إلى تزويد العاملين بمهارات تتوافق مع متطلبات القطاع الخاص عن طريق تحسين نوعية التعليم والتدريب.
- ضبط أوضاع المالية العامة يجب ألا يكون مفرطًا في السرعة حتى لا يؤثر سلبًا على النمو المستهدف، كما يجب ألا يكون مفرطًا في البطء، لذلك، يجب أن تتحدد سرعة الضبط حسب ما تحتمل ظروف المملكة الداخلية، على أن يظل الهدف إجراء ضبط مالي موثوق على المدى المتوسط.
- من المخاطر السلبية البارزة احتمال حدوث تحولات مربكة في أسعار الأصول، وزيادة تقلب الأسواق المالية عند طرح موجودات شركة أرامكو للاكتتاب العام، فعلاوات مخاطر الاستثمار في السندات طويلة الأجل وعلاوات المخاطر الأخرى لا تزال منخفضة، كما أن هناك احتمال رد فعل قوي من الأسواق حيال المفاجآت في هذا الإطار، مثل هذه التحولات في أسعار الأصول يمكن كذلك أن تنطوي على مخاطر تؤثر سلبًا على مسار التدفقات الرأسمالية في الأسواق السعودية، وبالتالي فرضيات الرؤية.
- رؤية السعودية لمرحلة ما بعد النفط من الصعب أن تتحقق دون استثمارات على أرضها كالاستثمارين (المتوسط والطويل المدى) في مشاريع السياحة والطاقة المتجددة والري واستصلاح الأراضي والثروة الحيوانية وصناعة المواد الكيميائية (توجد منها حاليًا 661 مصنعًا) وصناعة فحم الكوك والمنتجات النفطية المكررة (141 مصنعًا)، مع التركيز على الصناعات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل الآن 47 في المائة و25 في المائة حسب الترتيب من إجمالي عدد المصانع الكلي، لغرض توفير فرص عمل وإنتاج يمهد لقيام صناعات متنوعة، خصوصا في مجال الغذاء.
- وضع وتطبيق إصلاحات لمحاربة الفساد ليس بالأمر السهل نسبة للتحديات الكبيرة التي لا بد من اعتبارها: (1) هدف الفساد (الهجوم عبر القطاعات)؛ (2) تحديات الفساد؛ (3) الدبلوماسية والاتفاقيات الدولية؛ (4) ابتكار أنجع الوسائل والتجارب؛ (5) الصراعات والمصالح الاستراتيجية؛ (6) الإرادة السياسية.. هذا يعني أن محاربة الفساد تتطلب أولاً فهم وتقييم الفساد.
* خاتمة
في الختام، بقي القول إن «الرؤية السعودية» تمثل خطة «طموحة»، كما وصفها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، تستجيب الإجراءات التفصيلية المدرجة فيها للتحديات والتطلعات التي تواجه الاقتصاد السعودي، الأكبر حجمًا في المنطقة، فالإعلان عن الرؤية يصب في الاتجاه الصحيح، ويعكس التوجه الصادق للقيادة السعودية للانتقال باقتصاد البلاد إلى مصاف الاقتصادات الناشئة في آسيا وأميركا اللاتينية بتنويع قاعدته الإنتاجية، وجعله أقل عرضة للصدمات الخارجية.
ورغم أن مشوار تنفيذ الرؤية سيكون طويلاً، فإن ابتعادها عن البيروقراطية والإصرار على تسويقها محليًا وخارجيًا بتوفير كل المعلومات عنها يشير إلى أن السعودية تمتلك القدرة على القيادة وتحقيق أهدافها المعلنة، وبما أن إنزال الرؤية إلى أرض الواقع سيكون له آثار مهمة على منطقة الشرق الأوسط، وربما العالم، فيما يتعلق بمجالات التجارة والاستثمار وحركة العمالة، فنأمل في أن تحذو دول المنطقة الأخرى حذو السعودية في العمل على تنويع اقتصاداتها لاستيعاب المتغيرات المتوقعة خلال الخمسة عشر عامًا المقبلة.
* خبير اقتصادي بصندوق النقد والبنك الدوليين سابقًا، ووزير دولة للمالية والتخطيط الاقتصادي في السودان إبان فترة الديمقراطية الثالثة (1986 – 1989)، ومحاضر سابق في الاقتصاد الكلي بجامعة الخرطوم وجامعات ومعاهد عليا في ألمانيا الاتحادية والولايات المتحدة الأميركية، وحاليًا مستشار مالي واقتصادي لعدة مؤسسات إقليمية ودولية.



بعد حكم «المحكمة العليا» التاريخي... ترقب عالمي لمسار رسوم ترمب البديلة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر إحاطة صحافية بالبيت الأبيض 20 فبراير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر إحاطة صحافية بالبيت الأبيض 20 فبراير 2026 (رويترز)
TT

بعد حكم «المحكمة العليا» التاريخي... ترقب عالمي لمسار رسوم ترمب البديلة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر إحاطة صحافية بالبيت الأبيض 20 فبراير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر إحاطة صحافية بالبيت الأبيض 20 فبراير 2026 (رويترز)

أثار قرار المحكمة العليا الأميركية بإلغاء جزء كبير من تعريفات الرئيس دونالد ترمب اهتماماً واسعاً على المستوى الدولي، خاصة لدى دول مثل الصين وكوريا الجنوبية، بينما استجابت الأسواق المالية للخبر بهدوء نسبي.

ويُرجَّح أن القرار، الذي أُعلن يوم الجمعة، يُعرقل بعض الترتيبات التي جرى التوصل إليها في المفاوضات التجارية، منذ أن فرض ترمب تعريفات شاملة على عشرات الدول، في أبريل (نيسان) 2025. وقالت وزارة التجارة الصينية إنها تُجري «تقييماً شاملاً» للقرار، مؤكدة، في بيان، أن بكين تحثّ الولايات المتحدة على رفع الرسوم الأحادية المفروضة على شركائها التجاريين، مشددة على أن أي حرب تجارية لن تكون رابحة لأي طرف، وأن الإجراءات الأميركية السابقة «تنتهك قواعد التجارة الدولية والقوانين المحلية في الولايات المتحدة»، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وردَّ ترمب على حكم المحكمة باقتراح فرض تعريفة جمركية عالمية جديدة بنسبة 10 في المائة، باستخدام قانون بديل، قبل أن يرفعها لاحقاً إلى 15 في المائة. ووفق خبراء، فإن هذا التغيير قد يخفف الضغوط على بعض الدول الآسيوية التي كانت تواجه رسوم استيراد أعلى، بينما قد ترتفع الرسوم على دول أخرى، مثل اليابان والمملكة المتحدة وحلفاء واشنطن.

في هذا السياق، قال الممثل التجاري الأميركي جيمسون غرير إن الولايات المتحدة ملتزمة بالاتفاقيات التجارية القائمة، وتتوقع من شركائها الالتزام بها أيضاً، موضحاً أن هذه الاتفاقيات لم تُبنَ على أساس ما إذا كانت الرسوم الجمركية سترتفع أم تنخفض.

من جانبه، حذَّر وزير التجارة الكوري الجنوبي، كيم جونغ كوان، من أن حالة عدم اليقين قد تتفاقم إذا استمرت الإدارة الأميركية في فرض رسوم جديدة، مؤكداً أن سيول ستُجري محادثات ودية مع المسؤولين الأميركيين للحد من أي تأثير سلبي على الشركات الكورية، خصوصاً في قطاعات رئيسية مثل السيارات والصلب. وقال كيم: «في ظل حالة عدم اليقين بشأن الإجراءات الجمركية الأميركية المستقبلية، يجب على القطاعين العام والخاص العمل معاً لتعزيز قدرة شركاتنا على المنافسة وتنويع أسواقها».

وفي واشنطن، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن الشركاء التجاريين سيلتزمون بالاتفاقيات القائمة، وأن عائدات الرسوم الجمركية ستظل ثابتة. وأضاف أن الإدارة ستترك للمحاكم الفصل في مسألة رد الضرائب التي جُمعت، بالفعل، وفق تعريفات أُعلن عدم قانونيتها، مشيراً إلى أن الأمر خارج عن سيطرة الحكومة، وأنها ستلتزم بأوامر المحكمة.

وعلى صعيد الأسواق، انخفضت العقود الآجلة الأميركية، في وقت مبكر من صباح الاثنين، حيث تراجع عقد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.6 في المائة، وعقد مؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 0.5 في المائة. كما هبطت أسعار النفط، وضعف الدولار أمام الين الياباني واليورو. وفي المقابل، ارتفعت معظم أسواق الأسهم في آسيا، حيث صعد مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة 2.4 في المائة.


«إم آي إس» السعودية لأنظمة المعلومات توقع عقداً مع «تداول» بـ27.3 مليون دولار

جناح «إم آي إس» في معرض «بلاك هات 2024» بالرياض (موقع الشركة الإلكتروني)
جناح «إم آي إس» في معرض «بلاك هات 2024» بالرياض (موقع الشركة الإلكتروني)
TT

«إم آي إس» السعودية لأنظمة المعلومات توقع عقداً مع «تداول» بـ27.3 مليون دولار

جناح «إم آي إس» في معرض «بلاك هات 2024» بالرياض (موقع الشركة الإلكتروني)
جناح «إم آي إس» في معرض «بلاك هات 2024» بالرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

أعلنت شركة «المعمر لأنظمة المعلومات» (إم آي إس)، الأحد، توقيع عقد مع «مجموعة تداول السعودية القابضة» بقيمة 102.4 مليون ريال تقريباً (نحو 27.3 مليون دولار)، بهدف تقديم خدمات أنظمة تقنية المعلومات.

وحسب بيان منشور على موقع سوق الأسهم السعودية «تداول»، تبلغ مدة العقد 12 شهراً، متوقعة أن ينعكس الأثر المالي الإيجابي للمشروع ابتداءً من الربع الأول للعام المالي 2026. كما أكدت الشركة عدم وجود أطراف ذات علاقة في العقد.


شبح «رد الرسوم» يهدد الموازنة الأميركية ويربك السندات

العلم الأميركي يرفرف فوق مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
العلم الأميركي يرفرف فوق مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

شبح «رد الرسوم» يهدد الموازنة الأميركية ويربك السندات

العلم الأميركي يرفرف فوق مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
العلم الأميركي يرفرف فوق مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)

لم يكن قرار المحكمة العليا الأميركية بإلغاء الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب مصدر ارتياح للأسواق؛ بل أدى إلى ظهور مخاطر جديدة وحالة متجددة من عدم اليقين حول السياسة التجارية، والدَّين العام الأميركي، ومستقبل الدولار.

ولم تصدر المحكمة أي قرار بشأن ردّ الرسوم، ما يبقي الباب مفتوحاً أمام احتمال وجود عجز مالي يُقدّر بنحو 170 مليار دولار. وقد أثارت مساعي ترمب لفرض رسوم بديلة استياءً في أوروبا، وزادت من الغموض حول السياسة التجارية الأميركية، وفق «رويترز».

المحكمة العليا الأميركية في واشنطن (رويترز)

وانخفض الدولار يوم الاثنين في أسواق آسيا، ولا سيما مقابل الملاذات الآمنة مثل الفرنك السويسري والين الياباني، بينما واجهت سندات الخزانة حيرة في أسواق تحاول تقييم المخاطر المالية وفهم تداعياتها على التضخم. ويبدو أن الاستنتاج الأوضح هو أن التعريفات الجمركية البديلة التي أعلنها ترمب أقل حدة، ما قد يخفف الضغط على الأسعار على المدى القصير، إلا أن المحكمة قلصت سلطاته، لتبقى العواقب الاقتصادية للأسواق غير قابلة للتنبؤ.

وقال محللو بنك «آي إن جي» في مذكرة: «عاد الغموض. ونظراً للتهديدات الأخيرة من القادة الأوروبيين، فإن خطر التصعيد أعلى مما كان عليه قبل عام».

سندات الخزانة تواجه تحديات

يمثل أحد المخاطر المرتبطة بسندات الخزانة احتمال المطالبة القضائية باسترداد الرسوم، وهو ما يُتوقع أن يستغرق شهوراً في المحاكم الأدنى. وتشير التقديرات إلى أن الإيرادات التي جُمعت من الرسوم حتى الآن تتجاوز 175 مليار دولار، وهو جزء صغير من إجمالي الإيرادات المتوقعة البالغ أكثر من 5 تريليونات دولار، ولكنه يكفي لزيادة المخاطر التمويلية.

وقال دان سيلوك، رئيس قسم السيولة قصيرة الأجل العالمية في شركة «جانوس هندرسون»: «في حال استرداد الرسوم، سيزداد حجم إصدار الديون، ما قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط على المدى الطويل؛ خصوصاً إذا تزامن إصدار السندات مع احتياجات الاقتراض المرتفعة واستمرار سياسة التشديد الكمي».

موظف في مكتب صرافة يعد أوراق الدولار الأميركي في مدينة سيوداد خواريز بالمكسيك (رويترز)

وارتفعت عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بشكل طفيف إلى 4.1 في المائة يوم الجمعة، ولكنها تراجعت عن ذروتها التي تجاوزت 4.5 في المائة في منتصف عام 2025، بالتزامن مع مؤشرات تباطؤ التضخم، وتوقعات بخفض أسعار الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي». كما ازداد انحدار منحنى العائد نتيجة انخفاض عوائد السندات قصيرة الأجل.

وقال ألبرتو كونكا، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «إل إف جي + زيست» في لوغانو بسويسرا: «تركز الأسواق حالياً على التأثير قصير الأجل؛ خصوصاً انخفاض التضخم، وتسارع وتيرة خفض أسعار الفائدة»، مضيفاً أن هذا التركيز قصير النظر؛ إذ يزيد من عجز مالي هائل، ومن المتوقع أن تشهد منحنيات العائد تقلبات أكبر نظراً لعدم استقرار المالية الأميركية.

عدم اليقين بشأن الإيرادات

قدَّر مكتب الموازنة في الكونغرس أن تعريفات ترمب الجمركية كانت ستدرّ نحو 300 مليار دولار سنوياً على مدى العقد المقبل. وفي الوقت نفسه، تستمر التعريفة البديلة بنسبة 15 في المائة لمدة 150 يوماً فقط، دون وضوح حول الموعد أو على من ستُفرض، في حين كانت بعض الدول مثل بريطانيا وأستراليا تتمتع سابقاً بتعريفات 10 في المائة، بينما كان لدى كثير من الدول الآسيوية معدلات أعلى.

وأشار جين غولدمان، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «سيتيرا» لإدارة الاستثمار، إلى أن السوق تركز على احتمال زيادة إصدارات السندات إذا اضطرت الحكومة لاسترداد الأموال أو تمويل مشاريع تحفيزية إضافية.

ويعتقد محللو «مورغان ستانلي» أن سوق الدَّين قد لا تتأثر كثيراً بالعجز المالي، نظراً لأن إدارة ترمب ستجد بدائل للرسوم الجمركية، وأن أي تمويل محتمل سيكون عبر سندات خزانة قصيرة الأجل، كما أنه من غير المرجح أن تحقق الإدارة هدف منح كل أميركي شيكاً بقيمة ألفَي دولار من عائدات الرسوم، الأمر الذي كان سيزيد الضغوط التضخمية.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

التضخم في بؤرة الاهتمام

ويستمر عدم اليقين في التأثير على الأسواق؛ حيث واصل الدولار خسائره، منخفضاً نحو 0.4 في المائة مقابل اليورو، يوم الاثنين، ليبلغ تراجعاً قيمته نحو 12 في المائة منذ بداية ولاية ترمب الثانية في أوائل عام 2025.

وقال إيدي غابور، الرئيس التنفيذي لشركة «كي أدفايزرز» لإدارة الثروات في ديلاوير: «عندما تتوفر هذه السيولة الكبيرة ويتم خفض الرسوم الجمركية، فإن ذلك يحفز النمو ويؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة». وأضاف: «قد يؤدي ذلك أيضاً إلى تسارع التضخم في الأشهر المقبلة، وأعتقد أن سوق السندات تستشعر هذا التأثير».