تركيا: إقالة الآلاف من الجيش والشرطة.. والإفراج عن 38 ألف سجين لتوفير أماكن

إغلاق صحيفة كردية بتهمة الدعاية لـ«العمال الكردستاني»

رجال شرطة أتراك يرافقون عناصر من الجيش يشتبه في تورطهم بالانقلاب العسكري القاشل إلى المحاكمة في موغلا بتركيا أمس ( رويترز)
رجال شرطة أتراك يرافقون عناصر من الجيش يشتبه في تورطهم بالانقلاب العسكري القاشل إلى المحاكمة في موغلا بتركيا أمس ( رويترز)
TT

تركيا: إقالة الآلاف من الجيش والشرطة.. والإفراج عن 38 ألف سجين لتوفير أماكن

رجال شرطة أتراك يرافقون عناصر من الجيش يشتبه في تورطهم بالانقلاب العسكري القاشل إلى المحاكمة في موغلا بتركيا أمس ( رويترز)
رجال شرطة أتراك يرافقون عناصر من الجيش يشتبه في تورطهم بالانقلاب العسكري القاشل إلى المحاكمة في موغلا بتركيا أمس ( رويترز)

أصدرت الحكومة التركية مرسومين بموجب حالة الطوارئ المفروضة في البلاد لمدة 3 أشهر يقضيان بعزل أكثر من ألفين من ضباط الشرطة ومئات من العسكريين والعاملين بهيئة تنظيم الاتصالات السلكية واللاسلكية في إطار حملة «التطهير» التي أطلقتها عقب محاولة الانقلاب التي وقعت منتصف يوليو (تموز) الماضي.
وينص المرسومان اللذان نُشرا في الجريدة الرسمية أمس (الأربعاء) على عزل 2360 موظفًا في المديرية العامة للأمن و196 عسكريًا من القوات المسلحة و196 موظفًا من هيئة تنظيم الاتصالات السلكية واللاسلكية. وتضمن المرسومان أيضًا قرارا بإغلاق هيئة الاتصالات السلكية واللاسلكية وقرارا آخر يعين بمقتضاه رئيس الجمهورية رئيس هيئة أركان الجيش. وكانت هيئة الاتصالات السلكية واللاسلكية منوطة بأعمال التنصت والتتبع والمراقبة التي يكلفها بها القضاء، وأعلن الرئيس رجب طيب إردوغان في لقاء مع المستثمرين الأجانب في الثاني من أغسطس (آب) الحالي أن الهيئة سيتم إلغاؤها.
كما أصدرت الحكومة التركية مرسومًا آخر ينص على إمكانية عودة جميع الضباط الطيارين المستقيلين أو المستبعدين من صفوف القوات المسلحة التركية لأسبب مختلفة إلى مزاولة وظائفهم في حال أقرت الجهات المعنية عدم وجود عوائق تمنع عودتهم. كان وزير الدفاع التركي فكري إيشيك أعلن الأسبوع الماضي أنه سيتم تعيين 265 طيارا في صفوف القوات الجوية وسيسمح للطيارين المستقلين أو المبعدين بالعودة، مشيرا إلى أن القوات الجوية التركية بها العدد الذي يكفي لحالات الطوارئ في الوقت الراهن.
ويمنح المرسوم الجديد، للطيارين مدة عام كامل للتقدم بطلبات العودة، واستيفاء الشروط المطلوبة، ليتم بعد ذلك إخضاعهم لدورة تدريب وتأهيل.
كما تضمّن المرسوم الجديد إضافة بعض المواد المؤقتة للقانون المنظم لعمل المدارس الجوية الحربية، بهدف سد احتياجات القوات المسلحة من الطيارين حيث ستتمكن من استقدام طلاب من الجامعات التي تشرف على تدريب وتأهيل الطيارين، وستقوم وزارة الدفاع بالتعاون مع مجلس التعليم العالي التركي بتحديد الشروط المطلوبة لانتقال هؤلاء الطلاب إلى المدارس الجوية الحربية.
في الوقت نفسه، قال وزير العدل التركي بكير بوزداغ في تغريدة على «تويتر» إنه سيتم الإفراج عن نحو 38 ألف سجين في إطار تعديل في نظام «الإفراج المشروط» الذي أعلن في مرسوم حكومي أمس الأربعاء. وبموجب التعديل الجديد سيتم إطلاق سراح كثير من السجناء قبل انقضاء مدة العقوبة، على أن يخضعوا للمراقبة. ويأتي هذا التعديل في وقت تعاني فيه السجون التركية من زيادة كبيرة في عدد النزلاء بعد اعتقال عشرات الآلاف لاتهامهم بالتورط في محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت منتصف الشهر الماضي، مما اضطر السلطات إلى وضع المعتقلين في الساحات الرياضية وبعض الأماكن المهجورة.
وأشار بوزداغ إلى أن التعديل يشمل الجرائم المرتكبة قبل تاريخ أول يوليو الماضي ولا يشمل الجرائم المرتكبة بعد هذا التاريخ، أي لا يشمل المعتقلين بتهم التورط في الانقلاب الفاشل الذي شهدته تركيا منتصف يوليو الماضي. كما أصدرت الحكومة التركية مرسومًا آخر يقضي بإلغاء التعيينات الحكومية لمن ثبت غشهم في امتحان الدخول إلى الوظائف العامة الذي أجري عام 2010.
وينص المرسوم، الذي نشرته الجريدة الرسمية أمس الأربعاء بإلغاء التعيينات الحكومية، لمن ثبت حصولهم بشكل غير مشروع، على أسئلة أو إجابات امتحاني القدرات العامة والثقافة العامة، اللذين أجريا في 10 و11 يوليو 2010 ضمن امتحان الدخول إلى الوظائف العامة.
وأضاف القرار أن التعيينات الأخرى التي تمت بناء على امتحان الدخول للوظائف العامة لعام 2010، لمن لم يثبت غش أصحابها لن تُلغى.
وكان تم الكشف عن قضية تسريب أسئلة الامتحان عقب 15 شهرًا من التحري، وقامت فرق مكافحة الجرائم المنظمة والمالية بعمليات توقيف مشتبهين في 19 محافظة في 23 مارس (آذار) من العام الماضي، إثر التحقيق الذي أطلقته النيابة العامة واتهمت فيه حركة الخدمة أو «منظمة فتح الله غولن» (الكيان الموازي)، التي تتهمها الحكومة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو الماضي.
في سياق موازٍ، أغلقت السلطات التركية صحيفة «أوزجور جوندام» التي رفع بحقها أكثر من 100 دعوى قضائية منذ مطلع العام الحالي، بشكل مؤقت، بموجب قرار الدائرة الثامنة لمحكمة الصلح والجزاء في إسطنبول بتهمة الترويج لمنظمة حزب العمال الكردستاني «الإرهابية».
وكانت الصحيفة أطلقت في الثالث من شهر مايو (أيار) الماضي، وبالتزامن مع اليوم العالمي للصحافة، حملة تحت عنوان «رئاسة التحرير بالمناوبة»، تولى خلالها 56 شخصا، من بينهم صحافيون وكتاب وفنانون رئاسة تحرير الصحيفة، وبدأ على خلفيتها التحقيق مع 50 من المشاركين في الحملة.
وداهمت قوات الشرطة عقب صدور قرار إغلاق الصحيفة، الثلاثاء، مقر الصحيفة واعتقلت عددا من الصحافيين العاملين فيها.
وتعرف صحيفة «أوزجور جوندام» بقربها من منظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية المصنفة منظمةً إرهابية في تركيا وكانت تروج للمنظمة في أخبارها، مما أثار غضب قطاع كبير من الرأي العام التركي.
وتخوض منظمة حزب العمال الكردستاني حربا ضد تركيا منذ عام 1984 سقط فها أكثر من 40 ألف قتيل من العسكريين وقوات الأمن والمدنيين، وصعدت عملياتها في الأشهر الأخيرة بعد تجميد الحكومة مفاوضات السلام الداخلي لحل المشكلة الكردية في يوليو من العام الماضي بعد أن استمرت لثلاث سنوات التزمت فيها المنظمة هدنة من جانب واحد.
وقال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم في كلمة أمام اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية الحاكم إن تركيا ستقضي على المنظمة لتنهي مشكلة جنوب شرقي البلاد، لافتًا إلى أنه لا مشكلة للأكراد في تركيا، وأن الأكراد يعانون من أنشطة المنظمة «الإرهابية».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...