الحشد الشعبي يرهب أهالي الخالدية بعد تحريرها من «داعش»

مئات العائلات تتقدم بدعوى قضائية بحق الميليشيات لخطفها أبناءها وقتلهم

جانب من الدمار الذي حل بمسجد في جزيرة الخالدية من قبل عناصر تابعة للحشد الشعبي («الشرق الأوسط»)
جانب من الدمار الذي حل بمسجد في جزيرة الخالدية من قبل عناصر تابعة للحشد الشعبي («الشرق الأوسط»)
TT

الحشد الشعبي يرهب أهالي الخالدية بعد تحريرها من «داعش»

جانب من الدمار الذي حل بمسجد في جزيرة الخالدية من قبل عناصر تابعة للحشد الشعبي («الشرق الأوسط»)
جانب من الدمار الذي حل بمسجد في جزيرة الخالدية من قبل عناصر تابعة للحشد الشعبي («الشرق الأوسط»)

دعا مجلس محافظة الأنبار، وقادة سياسيون، وأعضاء في البرلمان العراقي، رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى تشكيل لجنة تحقيق لمتابعة ملف الانتهاكات التي تمارسها عناصر تابعة لميليشيا الحشد الشعبي في مدن الأنبار، التي تسببت في مقتل واختطاف الآلاف من أبناء المحافظة، وتدمير وحرق المئات من دور المواطنين في المناطق التي تم تحريرها من سيطرة تنظيم داعش، فضلا عن هدم المساجد ونهب الممتلكات، التي كان آخرها في مدينة الفلوجة، ثم في جزيرة الخالدية، وبالخصوص في منطقة الحامضية.
وقال عضو البرلمان العراقي، النائب عن محافظة الأنبار، أحمد السلماني، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «عددا كبيرا من العناصر التابعة لقوات الحشد الشعبي ارتكبت انتهاكات وجرائم في منطقتي جزيرة الخالدية والحامضية، شرقي مدينة الرمادي، في أثناء عملية تحرير جزيرة الخالدية، إذ قامت تلك العناصر الإجرامية بهدم وحرق عشرات المنازل والمدارس والجوامع، بالإضافة لمجمعات الماء في جزيرة الخالدية، كما قامت بهدم أغلب منازل منطقة الحامضية المحررة منذ أكثر من 6 أشهر، وتجريف مساحات واسعة من أراضيها الزراعية، مؤكدين تنفيذ أجندات طائفية انتقامية في مدن الأنبار».
وأضاف السلماني: «إننا نثمن غاليًا دماء الشرفاء من (شهداء) قواتنا الأمنية بكل أصنافها، التي روت أرض الأنبار، في أثناء عمليات التحرير، ونطالب القائد العام للقوات المسلحة والقادة الميدانيين الموجودين في أرض المعركة بمحاسبة هذِه العناصر الإجرامية المندسة، والإيعاز لأفواج الطوارئ من الشرطة المحلية، التي هي بحدود العشرين فوجًا، في منطقتي الحامضية والبوعيثة، وكذلك تجهيز وتسليح أبناء هذِه المناطق الذين تطوعوا للعمل مع الشرطة في وقت سابق، وشكلوا فوج الطوارئ الحادي عشر».
إلى ذلك، أعلن رئيس مجلس محافظة الأنبار، صباح كرحوت، عن نية المجلس رفع شكوى قضائية تقدم بها المئات من العائلات التي تم خطف أبنائها وقتلهم وتعذيبهم، بعد اقتيادهم إلى أماكن مجهولة من قبل فصائل تابعة للميليشيات، وتدمير وحرق مناطق متعددة من مدن الأنبار، من بينها ما حصل خلال اليومين الماضيين في منطقة جزيرة الخالدية، وخصوصا منطقة الحامضية.
وقال كرحوت، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «مجلس محافظة الأنبار طالب، من خلال كتاب رسمي، رئيس مجلس الوزراء بتشكيل لجنة تحقيق على الفور لمتابعة ملف حرق الدور وتفجيرها في منطقة الخالدية، وإدانة هذه الجرائم البعيدة كل البعد عن أخلاق العراقيين الشرفاء، وكذا القيادات والقوات الأمنية التي حررت أغلب مناطق الأنبار. ونحن اليوم أمام تحديات صعبة. وعليه، يجب أن يكون هناك توحيد للجهود مع القيادات الأمنية من أجل تحرير بقية مدن الأنبار ومناطقها من سيطرة تنظيم داعش، لا أن نمزق وحدة الصف والنسيج العراقي عن طريق ترك المجال للميليشيات الطائفية بخلق الفتنة بين أبناء الوطن الواحد».
وأضاف كرحوت أن «تلك الجرائم والانتهاكات بحق المدنيين من أبناء الأنبار ومدنها، أفسدت وسوف تصعب من عودة مئات الآلاف من النازحين إلى مناطقهم، بسبب الدمار الذي خلفه سيطرة التنظيم الإرهابي والعمليات العسكرية، إضافة إلى الانتهاكات المتمثلة بحرق وهدم دور المواطنين، ونهب الممتلكات، وتدمير المنشآت الخدمية».
وبعد أكثر من سنتين من سيطرة تنظيم داعش على جزيرة الخالدية، تمكنت القوات الأمنية العراقية بمساندة فاعلة من قبل طائرات التحالف الدولي من تحريرها، واستعادة السيطرة على 90 في المائة من الأراضي التابعة لها، التي تعتبر آخر معاقل التنظيم شرق مدينة الرمادي، وأخطرها على مدن الأنبار على الإطلاق، بسبب ارتباطها بشكل مباشر مع صحراء الأنبار الممتدة مع الشريط الحدودي للعراق مع سوريا، وصولاً إلى مدينة الموصل، المعقل الأكبر لتنظيم داعش في العراق.
ولم تدم فرحة أهالي منطقة الجزيرة طويلاً بالنصر على «داعش»، بعد أن صدموا بحرق وتدمير مناطقهم من قبل عناصر تابعة للميليشيات. وبهذا الصدد، قال الشيخ جبار الدليمي، أحد وجهاء «جزيرة الخالدية»، إن «مناطق جزيرة الخالدية كانت قبل تحريرها من قبل قواتنا الأمنية تعتبر من أهم معاقل تنظيم داعش، وقد سيطر التنظيم عليها في مطلع عام 2014، بعد انسحاب القوات الأمنية منها».
وأضاف الدليمي أن «التنظيم قام بالاستيلاء على منازل الضباط والمنتسبين للأجهزة الأمنية وشيوخ العشائر والمدنيين الرافضين لوجوده وفكره، وبعد ذلك سرق جميع محتوياتها، وقام بحرقها، كما قام بإعدام كثير من شباب الخالدية بأساليب وحشية مختلفة، بعد أن اتهمهم بالتعاون مع القوات الأمنية عندما سيطر على المنطقة».
وتابع الدليمي: «استبشرنا خيرا بسماع انطلاق عملية تحرير جزيرة الخالدية من تنظيم داعش نهاية يوليو (تموز)، ولكننا تفاجأنا بمشاركة قوات الحشد الشعبي في العملية، دون مشاركة مقاتلي عشائر الأنبار، حيث بدأت العمليات العسكرية لتحرير الجزيرة بقصف عنيف لتلك الميليشيات بواسطة الصواريخ وقذائف الهاون، بشكل عشوائي على جميع المناطق في جزيرة الخالدية، رغم وجود مقاومة قليلة جدا لعناصر تنظيم داعش»، مشيرا إلى أن «التنظيم انسحب أمام الحشد الشعبي، عندما دخلوا مناطق جزيرة الخالدية دون معرفة الأسباب، فيما تصاعدت المخاوف من قبل سكان المنطقة بعد أن بدأت عناصر الحشد الشعبي بأعمال انتقامية في مناطق جزيرة الخالدية عقب انسحاب التنظيم منها، حيث أحرقت عشرات المنازل بعد سرقة محتوياتها من الأثاث»، لافتا إلى أن «حجة الحشد الشعبي أن تلك البيوت يوجد فيها إرهابيون، ولكن الحقيقة أن تلك البيوت عائدة لنا، وهي خالية من عناصر تنظيم داعش، ورأينا بأعيننا كيف تقوم عناصر الحشد الشعبي بعمليات حرق لعشرات المنازل في جزيرة الخالدية، وذلك بدافع الكراهية والانتقام من أهالي المنطقة الذين اتهمهم الحشد بأنهم حاضنون لـ(داعش) ومؤيدون له».
من جانبه، أكد رئيس مجلس قضاء الخالدية علي داود وجود عمليات حرق لبعض المنازل في الجزيرة من قبل الحشد الشعبي، مشيرا إلى أن الحشد الشعبي لن يبقى في جزيرة الخالدية طويلاً. وقال داود في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «شهود عيان أكدوا لنا حدوث عمليات حرق وتدمير لمنازل المواطنين في المناطق المحررة من جزيرة الخالدية من قبل عناصر مندسة تابعة للحشد الشعبي، وقمنا على الفور بالاتصال بقيادات الحشد الموجودين هناك، وأكدوا لنا أن تلك المنازل يوجد فيها إرهابيون، وأن قواتهم تقاتل عناصر (داعش) المختبئين بها، وأن تلك المنازل تحترق إثر المواجهات».
وأضاف داود أن «قوات الحشد الشعبي لن تبقى في جزيرة الأنبار طويلاً، وما هي إلا أيام قليلة، فهناك تنسيق على انسحابها من جميع مناطق الجزيرة، واستلام الجيش والشرطة الملف الأمني بمساندة مقاتلي العشائر».
وبين تأكيد عمليات الحرق لمنازل المواطنين في جزيرة الخالدية ونفيها من قبل قيادات الحشد الشعبي، تبقى أعمدة الدخان تتصاعد من عشرات المنازل، الأمر الذي يؤكد حدوث الفعل.
وعادة ما يوجه سياسيون وسكان محليون سنة اتهامات متكررة لعناصر تابعة لقوات «الحشد الشعبي» بارتكاب «انتهاكات» بحق المدنيين السنة في المناطق التي يتم تحريرها من سيطرة تنظيم داعش، وهو ما يقابل بالنفي من قبل الحشد.
وتشكل «جزيرة الخالدية» التي تضم عددا من المناطق الزراعية الجزء الشمالي لقضاء الخالدية، وتضم مناطق البوعبيد والبوبالي والبوشعبان والبوعيثة والمحلامة والبوسودة، وتنبع أهميتها من وقوعها على حافة نهر الفرات من جهة الجنوب، وعلى الطريق الدولي السريع من جهة الشمال.
وقد حررت القوات الأمنية مدينة الرمادي، نهاية العام الماضي، من قبضة التنظيم، فيما بقيت بعض المناطق المحيطة بها خاضعة لسيطرته، وتواصل القوات العراقية حملة عسكرية واسعة لتحرير تلك المناطق، ولطرد مسلحي التنظيم المتطرف من محافظة الأنبار، وكذلك الزحف شمالاً نحو مدينة الموصل، المعقل الرئيسي لتنظيم داعش في العراق.
ميدانيًا، أعلنت قيادة عمليات الأنبار عن مقتل 700 عنصر من تنظيم داعش منذ بدء العملية العسكرية التي شنتها القوات الأمنية العراقية لاستعادة السيطرة على جزيرة الخالدية، التي تبعد مسافة 23 كيلومترا إلى الشرق من مدينة الرمادي، مركز محافظة الأنبار.
وأكد قائد عمليات الأنبار اللواء الركن إسماعيل المحلاوي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «جزيرة الخالدية قد حررت بالكامل من سيطرة تنظيم داعش، ولم يتبق سوى جيوب قليلة لمسلحي التنظيم في منطقة زوية البوبالي، في أنفاق حفروها في تلك المنطقة، ويتم التعامل معها حاليًا من قبل وحداتنا المسلحة المنتشرة هناك».
وأضاف المحلاوي أن القوات الأمنية تعمل على تمشيط جميع مناطق جزيرة الخالدية، وإعادة انتشار توزيع الوحدات القتالية والعسكرية «بشكل يضمن معالجة أي خرق محتمل، مع الاستعداد للتوجه لاستعادة السيطرة على جزيرة الرمادي خلال الأيام القليلة القادمة». وتابع المحلاوي أن القوات الأمنية من الجيش والشرطة ومقاتلي العشائر والحشد بفئاتها المختلفة «تقاتل في خندق واحد ضد مسلحي التنظيم»، وأن هناك «دعما كبيرا من طيران التحالف الدولي وطيران الجيش لقصف نقاط تجمعهم في جزيرة الرمادي والمناطق الغربية».



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».