السعودية تبعث بـ«إشارتين» إلى سوق النفط في أسبوع واحد

بين لهجة «رسمية» هادئة للتعاون.. وتهديد حازم بزيادة الإنتاج

عامل في أحد الحقول النفطية (رويترز)
عامل في أحد الحقول النفطية (رويترز)
TT

السعودية تبعث بـ«إشارتين» إلى سوق النفط في أسبوع واحد

عامل في أحد الحقول النفطية (رويترز)
عامل في أحد الحقول النفطية (رويترز)

هناك إشارتان بعثت بهما وزارة الطاقة السعودية إلى السوق النفطية في أسبوع واحد، مختلفتان تمام الاختلاف. وبالنسبة للإشارة الأولى، فكانت رسمية على لسان وزير الطاقة والصناعة، خالد الفالح، وصادرة من قناة رسمية وهي وكالة الأنباء السعودية، في حوار أجرته الخميس الماضي. أما الإشارة الثانية فهي غير رسمية، نقلاً عن مصادر غير معلنة، وتمت عن طريق وكالة «رويترز»، ونشرتها أمس.
ففي الإشارة الأولى كانت لهجة الوزارة إيجابية وهادئة وتدعو إلى التعاون بين المنتجين، وزادت من تفاؤل السوق بوجود صفقة لتجميد الإنتاج بين المنتجين الكبار للنفط، عندما يلتقون أواخر الشهر المقبل في العاصمة الجزائرية لحضور الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي.
ولمح الفالح، في حواره، إلى أهمية ارتفاع أسعار النفط قائلاً: «لزيادة حجم الاستثمارات والإنتاج، يجب أن تتجاوز أسعار النفط مستوياتها الحالية». وأضاف: «نحن في المملكة نراقب السوق عن قرب، ولن نتوانى عن اتخاذ أي إجراء لاستعادة التوازن في السوق إذا ما اقتضت الضرورة، وهو ما سيتم بالطبع بالتعاون مع منظمة أوبك والدول الكبرى المصدرة للنفط من خارج (أوبك)».
وأدت هذه الرسالة الإيجابية إلى رفع أسعار النفط بنحو 10 في المائة خلال أربعة أيام فقط، ليلامس برميل برنت في لندن 50 دولارًا.
أما الإشارة الثانية «غير الرسمية»، فقد كانت أكثر شدة وحزمًا، حيث قالت فيها الرياض إنها ربما تزيد إنتاجها من النفط الخام في أغسطس (آب) إلى مستوى قياسي جديد متجاوزة روسيا أكبر منتج للخام في العالم. وهذه ليست المرة الأولى التي تبعث فيها وزارة الطاقة إشارات إلى السوق من خلال تصريحات لمسؤولين على «رويترز»، خصوصا فيما يتعلق بسياسة وأرقام الإنتاج الشهرية للمملكة.
وبفضل هذه الإشارة السلبية للسوق هبطت أسعار النفط بالأمس، وكانت ستستمر في الهبوط لو لم تنقذها بيانات المخزونات الأميركية التي أظهرت انخفاض مخزونات النفط الخام بصورة مفاجئة، وهو ما أدى إلى رفع الأسعار ارتفاعًا متواضعًا في جلسة أمس.
وأعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية تراجع مخزونات الخام بالولايات المتحدة إلى 2.5 مليون برميل الأسبوع الماضي، ما فاجأ المحللين الذين توقعوا زيادتها 522 ألف برميل. وتراجعت مخزونات البنزين 2.7 مليون برميل متجاوزة التوقعات بانخفاض قدره 1.6 مليون برميل.
وبحلول الساعة 1500 بتوقيت غرينتش، ارتفعت العقود الآجلة للخام الأميركي غرب تكساس الوسيط 15 سنتا إلى 46.73 دولار للبرميل، لتعكس اتجاهها بفعل البيانات بعد أن هبطت في وقت سابق إلى 45.84 دولار. وارتفعت عقود خام برنت 47 سنتا إلى 49.70 دولار.
ونقلت «رويترز» عن مصادرها أن زيادة الإنتاج قد تمنح السعودية نفوذا أكبر خلال المحادثات في سبتمبر (أيلول)، حيث يتوقع أن يجتمع منتجون من منظمة أوبك، ومن خارجها، بهدف إحياء اتفاق لتجميد الإنتاج من أجل دعم الأسعار.
ونقلت «رويترز» عن مصدر من خارج «أوبك»، أن السعوديين يبلغون السوق بهدوء بأن إنتاج المملكة ربما يشهد مزيدا من الارتفاع في أغسطس، ليصل إلى 10.8 - 10.9 مليون برميل يوميا. وبلغ إنتاج المملكة في يونيو (حزيران) الماضي 10.55 مليون برميل يوميا، وزاد إلى 10.67 مليون برميل يوميا في يوليو (تموز)، أعلى مستوى في تاريخها.
وتقول مصادر «رويترز» في قطاع النفط، إن المملكة، وهي بالفعل أكبر بلد مصدر للخام في العالم، بدأت زيادة الإنتاج من يونيو بعدما أبقته مستقرا في النصف الأول من العام، لتلبية الطلب الموسمي المرتفع ومتطلبات زيادة الصادرات.
إذن ما الذي تغير بين الخميس الماضي وأمس الأربعاء حتى تغير الرياض رسالتها الأولى وتستبدل رسالة جديدة أكثر شدة بها؟
تأتي هذه الرسالة الأخيرة مع استعداد المملكة لمحادثات صعبة الشهر المقبل حول اتفاق عالمي لتجميد الإنتاج. فحتى الآن لم يظهر كثير من الدول أي علامات على استعدادها للدخول في أي اتفاق لتجميد الإنتاج وبخاصة روسيا وإيران.
ولا تزال التصريحات من طهران وروسيا غير واضحة. ففي حين صرح وزير الطاقة الروسي ألكساندر نوفاك الاثنين الماضي لصحيفة «الشرق الأوسط»، بأن روسيا على استعداد لفتح باب الحوار مع المنتجين مرة أخرى حول اتفاق تجميد الإنتاج متى ما احتاجت إلى ذلك، خرجت تصريحات من موسكو تبين عدم اهتمامها بتجميد الإنتاج.
ونقلت وكالة «إنترفاكس» الروسية يوم الاثنين الماضي عقب نشر حوار نوفاك في «الشرق الأوسط» عن مسؤول دبلوماسي على اطلاع بالمحادثات بين الدول، أن روسيا لا ترى أي اتفاق حول تجميد إنتاج النفط في الجزائر، نظرًا لأن إيران لم تظهر أي علامات على تغيير موقفها حول عدم رغبتها في الدخول في أي اتفاق.
وانهارت في أبريل (نيسان) الماضي محاولة سابقة لتجميد الإنتاج عند مستويات يناير (كانون الثاني)، بعدما قالت السعودية إنها تريد من جميع المنتجين، ومن بينهم إيران، الانضمام إلى المبادرة. لكن المملكة ومنذ تعيين الفالح تبنت نهجا أكثر مرونة تجاه إيران داخل «أوبك».
أما طهران، فقد زادت من التكهنات حول عدم وصول المنتجين إلى أي اتفاق لتجميد الإنتاج بعد أن صرحت متحدثة رسمية لوزارة النفط الإيرانية لوسائل الإعلام، بأن الوزير بيجن زنغنه لم يتخذ قرارًا حتى الآن بالمشاركة في الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي في الجزائر. وحتى ولو تم ذلك، فإنه لم يتخذ قرارًا بالمشاركة في الاجتماع غير الرسمي لدول «أوبك» الذي سينعقد على هامش اجتماع المنتدى.
وتقول مصادر «رويترز» في «أوبك»، إن من المرجح أن تحيي المنظمة المحادثات بشأن تجميد الإنتاج في الجزائر الشهر المقبل، حيث ترغب الرياض فيما يبدو في أسعار أعلى، لكن الاتفاق على مستوى للتجميد يشكل العقبة الرئيسية أمام التوصل إلى اتفاق.
ويقول المحلل الكويتي عبد الصمد العوضي، لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الرسائل المختلفة بالنسبة لي توضح أن هناك ضيقا في السعودية من عدم استعداد المنتجين للدخول في اتفاق، بعد أن خرج الفالح وأعلن أمام العالم أن السعودية جاهزة لبذل أي خطوة لاستقرار السوق».
ويضيف العوضي، الذي كان الممثل الوطني للكويت في «أوبك» لأكثر من عشرين عامًا: «الآن الرسالة اختلفت، وأصبحت اللهجة قاسية أكثر.. وتريد الوزارة في الرياض أن تقول لباقي المنتجين، إنه في حالة عدم وجود اتفاق في الجزائر فإن السعودية ستمضي في طريقها، وستنتج من دون مراعاة لأحد، بل وستتجاوز روسيا في الإنتاج».
ولمحت روسيا - التي كانت مستعدة في أبريل الماضي لتجميد الإنتاج في أول عمل منسق مع «أوبك» منذ 2001 - أيضا إلى أنها ستواصل زيادة الإنتاج. ويحوم إنتاج روسيا حاليا حول أعلى مستوياته على الإطلاق عند 10.85 مليون برميل يوميا، ويتوقع مسؤولون روس أن يرتفع مجددا في العام المقبل. وبالنسبة لإيران، ثالث أكبر منتج في «أوبك»، فقد زادت إنتاجها إلى 3.85 مليون برميل يوميا الآن، من 3.37 مليون برميل يوميا في يناير. وقالت إنها لن تنضم إلى أي مبادرة للتجميد حتى تصل إلى مستوى إنتاجها قبل العقوبات عند أربعة ملايين برميل يوميا.
وبالنسبة للمحلل الدكتور أنس الحجي، فإنه ليس متفاجئًا من قرار الرياض بزيادة الإنتاج بل يراه متوقعًا. ويقول الحجي لـ«الشرق الأوسط»: «لقد ذكرت هذا الأمر الشهر الماضي، وذكرت أن الإنتاج السعودي سيصل إلى معدلات قياسية هذا العام، نظرًا لاشتداد المنافسة بين السعودية وروسيا وإيران على الحصص السوقية في آسيا».
وقال الحجي إن المملكة ستبقي إنتاجها عاليًا حتى بعد انتهاء أشهر الصيف لو لم يتم الاتفاق على تجميد الإنتاج على مستوى معين، نظرًا لأن المصافي السعودية مستمرة في تكرير وتصدير المواد البترولية بمستويات قياسية هذا العام.
وفي يناير الماضي، حينما برزت للمرة الأولى فكرة تجميد الإنتاج، كانت السعودية تنتج 10.2 مليون برميل يوميا.
ورغم أن السعودية أنتجت 10.67 مليون برميل يوميًا في يوليو، فإنها ضخت في السوق 10.75 مليون برميل يوميا، أي بصورة أعلى من إنتاجها الفعلي. وأوضح الفالح أن الزيادة في الإمدادات كانت بسبب سحب المملكة كميات إضافية من مخزوناتها الضخمة.
وقال أوليفييه جاكوب، المحلل لدى «بتروماتريكس»، في مذكرة أمس: «سيكون من الصعب للغاية على السعودية إقناع دول أخرى بالانضمام إلى خطة تحرك جماعي، في حين أنها هي نفسها المصدر الرئيسي لزيادة الإمدادات بجانب إيران بعد رفع العقوبات».



قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
TT

قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، ودفعت بحلفاء واشنطن إلى التعبير عن قلقهم، اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترمب قراراً برفع العقوبات عن النفط الروسي المنقول بحراً لمدة 30 يوماً. وبينما تسعى واشنطن من خلال هذا الإجراء إلى كبح جماح أسعار الطاقة التي اشتعلت بفعل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ترى روسيا في هذا القرار «اعترافاً» دولياً لا غنى عنه، في وقت تحذِّر فيه كييف وعواصم أوروبية من أن هذه التنازلات قد تمنح الكرملين شريان حياة مالياً لتمويل حربه في أوكرانيا.

روسيا تحتفي

تسود حالة من الابتهاج في موسكو، بعد قرار وزارة الخزانة الأميركية السماح لتجار الطاقة بشراء النفط الروسي المحمَّل بالفعل على الناقلات، دون الخوف من «العقوبات الثانوية». وقد اعتبر المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون للاستثمار والتعاون الاقتصادي، كيريل ديميترييف، أن الولايات المتحدة «أقرَّت أخيراً بالواقع»، مؤكداً أن سوق الطاقة العالمية لا يمكن أن تبقى مستقرة من دون النفط الروسي.

وفي رسالة عبر «تلغرام»، توقع ديميترييف أن يكون المزيد من تخفيف القيود «أمراً حتمياً» مع ازدياد أزمة الطاقة العالمية، رغم ما سماه «مقاومة بيروقراطية بروكسل».

معضلة التمويل

كانت العقوبات التي فرضتها واشنطن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على عملاقَي النفط الروسي: «روسنفت» و«لوك أويل»، قد أجبرت موسكو على البيع بخصومات تصل إلى 30 دولاراً للبرميل، ما أدى إلى تقلص إيراداتها بنسبة 40 في المائة في فبراير (شباط). لكن الحرب على إيران قلبت الموازين؛ إذ تضاعف سعر مزيج «أورال» الروسي ليصل إلى 80 دولاراً للبرميل، وهو ما منح موسكو إيرادات إضافية تقدر بـ150 مليون دولار يومياً. ويرى اقتصاديون أن هذه الأموال ستسمح لموسكو بموازنة ميزانيتها، وحتى البدء في تراكم الفوائض في «صندوق الثروة القومي»، مؤكداً أنه «في الصراع بين أميركا وإيران، بوتين هو الرابح الأكبر».

رافعة مضخة نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية (رويترز)

غضب أوروبي

واجه القرار الأميركي انتقادات حادة من حلفاء واشنطن؛ حيث حذَّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن هذا التنازل قد يمنح موسكو 10 مليارات دولار إضافية لتمويل الحرب، واصفاً ذلك بأنه «لا يساعد على تحقيق السلام».

ومن جانبه، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس موقفاً حازماً بقوله: «نحن نؤمن بأن تخفيف العقوبات الآن، لأي سبب كان، هو أمر خاطئ».

في المقابل، دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن القرار، مؤيداً وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي زعم أن التأثير المالي على روسيا سيكون «محدوداً»؛ لأن معظم إيرادات الطاقة الروسية تُستمد من الضرائب عند نقطة الاستخراج، وليس من بيع الشحنات العالقة.

«توازن هش»

يرى الخبراء أن هذا القرار يهدد بتعميق الانقسامات داخل مجموعة السبع، ويخشون من أن تراهن روسيا على أن هذا الإجراء هو مجرد بداية لتفكيك نظام العقوبات بالكامل.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، تظل موسكو في موقف «توازن هش»؛ فهي تحاول الحفاظ على تحالفها مع إيران، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى تجنب أي صدام مع إدارة ترمب، آملة في لعب دور الوسيط في صراعات الشرق الأوسط، رغم أن مراقبين يرون أن فرص القيام بوساطة حقيقية تبدو ضئيلة للغاية في ظل الظروف الراهنة.

وبينما يتطلع الصقور في الكرملين إلى الفوضى التي قد تلي إغلاق مضيق هرمز، يبدو أن الكرملين يفضل حالياً عدم استفزاز البيت الأبيض، مفضلاً الاستفادة المالية من أزمة الطاقة العالمية على الانخراط المباشر في تصعيد قد ينهي قنوات الحوار مع واشنطن.


«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
TT

«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)

ذكرت شركة «هندالكو إندستريز» الهندية، أنها أوقفت إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب نقص الغاز في أعقاب انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط.

وأظهر إشعار أن الشركة المملوكة لمجموعة «أديتيا بيرلا» أعلنت حالة القوة القاهرة لجميع عملاء منتجات الألمنيوم المبثوق في 11 مارس (آذار)، حسبما ذكرت «رويترز» نقلاً عن إشعار ومصادر مطلعة.

ويستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية.

وتعاني الهند من أسوأ أزمة غاز منذ عقود، بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ إذ خفضت الحكومة الإمدادات للصناعات، لتجنيب الأسر أي نقص في غاز الطهي.

وقالت الشركة في الإشعار: «اتخذت (هندالكو) وتواصل اتخاذ جميع الخطوات المعقولة للتخفيف من تأثير حالة القوة القاهرة».

وقال المصدران اللذان طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لأنهما غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام، إن مصاهر الألمنيوم التابعة لشركة «هندالكو» تواصل العمل بشكل طبيعي.


كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
TT

كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)

بينما تثير التوترات في الشرق الأوسط مخاوف عالمية من ركود اقتصادي، يبرز الدولار الأميركي استثناءً مثيراً للجدل؛ إذ أدت الصدمة الحالية في إمدادات الطاقة إلى ارتفاع قيمته بنحو 2.5 في المائة وفقاً لمؤشر الدولار؛ مما يضع العملة الأميركية في موقع المستفيد الأول من نيران الحروب. هذا الصعود، الذي قد يبدو للوهلة الأولى منافياً للمنطق في ظلِّ الأزمات، يرتكز على معادلة اقتصادية معقَّدة جعلت من «العملة الخضراء» ملاذاً إجبارياً في وجه العواصف.

الدولار عملة ملاذ... ومحرك للأسواق

في جوهر هذا الصعود، تبرز طبيعة الدولار بوصفه عملة ملاذ آمن لا يُنافَس في أسواق المال العالمية. ففي أوقات عدم اليقين، وتحديداً حينما تلوح مخاطر إغلاق ممرات حيوية، يبادر المستثمرون عالمياً إلى التخلص من الأصول عالية المخاطر والتحوط بالسيولة الدولارية. وبالتالي، فإن من شأن عقلية الحفاظ على النقد هذه أن تحول الدولار إلى وجهة إجبارية لأموال ذعرت من تقلبات الأسواق، مستمدةً قوتها من عمق النظام المالي الأميركي، وقدرته الفائقة على استيعاب الصدمات مقارنة بأي اقتصاد آخر.

رجل يسير على طول الشاطئ بينما تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز (أ.ب)

لكن القصة لا تقف عند حدود الملاذ الآمن النفسي، بل تمتد إلى طبيعة التجارة الدولية ذاتها. فالدولار يظلُّ العملة المرجعية لتسعير النفط والغاز عالمياً؛ ومع كل قفزة في أسعار الطاقة الناتجة عن الصراع، يرتفع تلقائياً حجم الطلب العالمي على العملة الأميركية، حيث تضطر الدول المستوردة للطاقة - مثل الاقتصادات الآسيوية والأوروبية - إلى زيادة مشترياتها من الدولار لتسوية فواتير استيرادها المرتفعة، مما يخلق ضغطاً شرائياً مستمراً يرفع من قيمة العملة الخضراء مقابل عملات تلك الدول التي تعاني أصلاً من استنزاف احتياطاتها.

لغز الذهب

في مقابل صعود الدولار، شهدت أسواق الذهب «لغزاً» مربكاً؛ إذ فشل المعدن الأصفر في استغلال الاضطراب الجيوسياسي لتعزيز مكاسبه. فبعد صعوده عقب بدء العمليات العسكرية مباشرة من 5296 دولاراً إلى 5423 دولاراً للأونصة، تعرَّض لعمليات بيع مكثفة هبطت بسعره إلى 5085 دولاراً.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

يوضح روس نورمان، الرئيس التنفيذي لـ «ميتالز دايلي» لشبكة «سي إن بي سي»، أن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة سحبا البساط من تحت الذهب؛ فالمستثمرون باتوا يجدون في الأصول الأميركية ذات العائد جاذبية أكبر من الذهب غير المُدر للدخل في ظلِّ بيئة فائدة مرتفعة.

وأضاف نورمان أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تضخم مطوّل وربما ارتفاع أسعار الفائدة، في ظلِّ سعي البنوك المركزية لاحتواء تداعيات إغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي للنفط والغاز.

وتميل أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة جاذبية الأصول ذات العوائد، مثل السندات الحكومية، مقارنةً بالمعادن النفيسة التي لا تدرّ عوائد، مثل الذهب.

وقال نورمان: «تبدو تحركات أسعار الذهب والفضة ضعيفة في الوقت الراهن، ولكن ربما يكون هذا هو الشعور الطبيعي بعد بعض التحركات الهائلة التي شهدناها خلال الأشهر القليلة الماضية».

يُعزى تفسير آخر إلى أنَّ النزاعات تُثير موجة بيع مذعورة بين المستثمرين، مما يُسبب «تدفقاً مفاجئاً» يُجبر المتداولين على بيع مراكزهم مع انخفاض الأسعار، وفقاً لعامر حلاوي، رئيس قسم الأبحاث في شركة «الرمز».

وأضاف، في حديثه لـ«سي إن بي سي»: «في حال حدوث أزمة سيولة، سيتم بيع كل شيء حتى يستوعب الناس الوضع، وتُعاد توجيه الاستثمارات نحو الأصول المناسبة».

الفائدة من بين أسباب ارتفاع الدولار

من جهتها، تستعرض «وكالة الصحافة الفرنسية» الأسباب الكامنة وراء صعود العملة الأميركية أمام منافساتها في ظلِّ هذه الظروف، ووفقاً للوكالة، يرتكز هذا الصعود على 3 ركائز:

  • السيولة والملاذ الآمن: يظل الدولار الوجهة الأولى للمستثمرين الباحثين عن ملاذ آمن عالي السيولة، حيث يظل العملة الأكثر تفضيلاً في التجارة الدولية واحتياطات المصارف المركزية.
  • الاستقلال الطاقي الأميركي: الولايات المتحدة بمنأى عن أزمة الإمدادات كونها المنتِج الأكبر للخام عالمياً، حيث لا تستورد سوى 8 في المائة فقط من احتياجاتها من الخليج، مقارنة بثلثي احتياجاتها من كندا. هذا يجعل الاقتصاد الأميركي مصدّراً صافياً للمنتجات النفطية والغاز، مما يعزِّز ميزانه التجاري ويمنح الدولار حصانة مقارنة بالعملات الأوروبية والآسيوية التي تتلقى ضربات أقوى نتيجة اعتمادها المفرط على نفط الخليج.
  • توقعات الفائدة: من شأن ارتفاع تكاليف الطاقة أن يغذي مخاوف التضخم، مما يضطر «الاحتياطي الفيدرالي» لإبطاء وتيرة خفض الفائدة، وهو ما يعزِّز جاذبية الدولار على حساب الأصول الأخرى.
مضخة نفط في حقل مهجور شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

بين سياسة ترمب وواقع الحرب

هذه التطورات تتعارض مع أهداف إدارة ترمب التي تعهَّدت بخفض أسعار الغاز ودعم صادرات «دولار ضعيف». وفي هذا السياق، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في نهاية يناير (كانون الثاني) 2026 تمسك الإدارة بـ «سياسة الدولار القوي»، موضحاً أن جوهر هذه السياسة يكمن في تهيئة بيئة اقتصادية داعمة للنمو عبر سياسات ضريبية وتجارية وتنظيمية تجعل من الولايات المتحدة أفضل وجهة لرأس المال في العالم، وذلك رغم التذبذبات الأخيرة في قيمة العملة.

يسير الناس قرب الأراضي الزراعية المجاورة لحقل الزبير النفطي في البصرة بالعراق (رويترز)

وفي الوقت الذي يرى فيه خبراء أن آراء الإدارة تبدو «متخبطة»؛ بسبب التناقض بين تصريحات ترمب المرحبة بضعف الدولار وسياسات بيسنت، تحذِّر المحللة المالية كاثلين بروكس من أن جاذبية الدولار قد تتضاءل إذا تفاقم العجز في الموازنة الأميركية نتيجة الإنفاق العسكري المتوقع للأشهر المقبلة، مما يضع الإدارة أمام معضلة حقيقية في إدارة التوازن بين القوة الاقتصادية والواقع الجيوسياسي.