تحولت التصريحات الرسمية وتلك الصادرة من المحللين حول اتفاق كبار المنتجين من داخل وخارج «أوبك» لتجميد إنتاجهم إلى أشبه ما يكون بالسيرك، أمس، ودخلت السوق في حالة ضبابية حيث لم يعد واضحًا ما إذا كان المنتجون سوف يصلون إلى اتفاق لتجميد إنتاجهم عندما يلتقون أواخر الشهر المقبل في العاصمة الجزائرية.
ولكن هذه الضبابية الناتجة عن التصريحات كانت فرصة للمضاربين ليأخذوا مراكز طويلة على عقود النفط الآجلة بعد أن وصلت المراكز القصيرة (المركز القصير هو عندما يبيع أحد العقود اليوم على أمل انخفاض أسعار النفط مستقبلاً لكي يعود للشراء بسعر أقل) إلى ثالث أعلى مستوى لها في التاريخ في الفترة الماضية.
ويبدو أن هذه المستويات العالية لتغطية المراكز القصيرة قد أطلقت جرس الإنذار في الرياض، وهو ما جعل وزير الطاقة والصناعة السعودي خالد الفالح يوضح في حواره الأخير مع وكالة الأنباء السعودية أن أسعار النفط في الفترة الأخيرة هبطت أكثر من اللازم بسبب المراكز القصيرة.
وقال الفالح للوكالة: «لقد قلنا من قبل إن إعادة التوازن إلى السوق بدأت بالفعل، لكن تصريف واستخدام مخزونات النفط الخام والمنتجات سوف يستغرق وقتًا طويلاً. إننا نسير في الاتجاه الصحيح، ويجب أن تعكس الأسعار هذا الأمر. إلا أن زيادة سرعة بيع الأسهم النفطية المقترضة (البيع على المكشوف) التي شهدتها السوق تسببت في تراجع الأسعار. ولكنه وضع لن يستمر طويلاً. ولزيادة حجم الاستثمارات والإنتاج، يجب أن تتجاوز أسعار النفط مستوياتها الحالية».
وبسبب التصريحات والتكهنات حول احتمالية تجميد الإنتاج شهدت سوق النفط في الأيام الأخرى تحول المضاربين للتمسك بالعقود الآجلة لفترة أطول على أمل أن ترتفع الأسعار، وشهد الأسبوع الماضي وصول المراكز الطويلة للمضاربين إلى أعلى مستوى لها في شهرين.
وبفضل تصريحات الفالح بأن «أوبك» سوف تجتمع مع باقي المنتجين في الجزائر وقد تتخذ أي خطوة لدعم استقرار السوق، والتي سبقتها تلميحات مشابهة من فنزويلا وقطر إلى التحرك للاجتماع، فقد شهد هذا الأسبوع وصول أسعار عقود النفط الآجلة إلى أعلى مستوى لها في شهر، وأمس اقترب «برنت» في لندن من مستوى 49 دولارا.
وشهد «رالي» أسعار النفط هذا الأسبوع دعمًا من تصريحات وزير الطاقة الروسي، إلكساندر نوفاك، الذي أوضح في حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط» نشر أول من أمس، أن بلاده تجري مشاورات مع المملكة ودول أخرى لتحقيق الاستقرار في السوق، مضيفا أن الباب لا يزال مفتوحا لمزيد من المفاوضات لتجميد الإنتاج «في حال دعت الحاجة لذلك».
ودعمت تصريحات وزير الطاقة السعودي، خالد الفالح، في الرياض يوم الخميس، وتصريحات وزير الطاقة الروسي، ألكساندر نوفاك، في موسكو أمس، الأسعار، حيث أبدى كلاهما انفتاحًا على أي إجراءات قد تساهم في إعادة الاستقرار للسوق النفطية التي عاشت منذ منتصف 2014 أسوأ اضطراب منذ الثمانينات.
ورغم كل هذه التصريحات الإيجابية من الوزراء، فلماذا لم يقتنع السوق تمامًا باحتمالية الاتفاق؟! أولا لم يقدم المنتجون سوى وعود مستقبلية ولم يقدموا تغيرًا كبيرًا في مواقفهم السابقة، فكلهم على اتفاق منذ فشل اجتماع الدوحة في أبريل (نيسان) الماضي على ضرورة استكمال الحوار ودعوة باقي دول «أوبك» للانضمام إلى اتفاق تجميد الإنتاج.
وأصدر مصرف بي إن بي باريبا الفرنسي، أمس، مذكرة للعملاء قال فيها إن «الكلام سهل» وإن البنك لا يرى أي أسباب مقنعة لحدوث أي اتفاق للتجميد بين المنتجين، خصوصا أن إيران منشغلة بتوقيع عقود مع الشركات الدولية لزيادة إنتاجها النفطي. وحتى محلل السلع في مصرف الإمارات الوطني، إدوارد بيل، أوضح الرأي نفسه على تلفزيون بلومبيرغ أمس.
وفي مقابلة تلفزيونية مع بلومبيرغ، يقول كبير المستشارين لمصرف كريدي سويس، بوب باركر، إنه متشكك في أي اتفاق للإنتاج وإن حدث هذا فإن النفط قد يخترق حاجز الـ50 دولارًا ولكن الأسعار ستبقى في مستوى 40 إلى 50 دولارا لفترة طويلة من الوقت.
أما السبب الآخر، فهو إيران، إذ لا تزال عقبة رئيسية في اتفاق تجميد الإنتاج. فأمس زادت إيران من التكهنات حول عدم وصول المتفقين إلى أي اتفاق لتجميد الإنتاج بعد أن صرحت متحدثة رسمية لوزارة النفط الإيرانية لأكثر من جهة من بينها «رويترز» و«بلومبيرغ» بأن الوزير بيجن زنغنه لم يتخذ قرارًا حتى الآن بالمشاركة في الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي في الجزائر، وحتى لو تم ذلك فإنه لم يتخذ قرارًا بالمشاركة في الاجتماع غير الرسمي لدول «أوبك» على هامش اجتماع المنتدى.
وألقت موسكو الكرة في ملعب طهران، حيث نقلت وكالة «إنترفاكس» الروسية، أول من أمس، عن مسؤول دبلوماسي على اطلاع بالمحادثات بين الدول، أن روسيا لا ترى أي اتفاق حول تجميد إنتاج النفط في الجزائر، نظرًا لأن إيران لم تظهر أي علامات على تغيير موقفها حول عدم رغبتها في الدخول في أي اتفاق.
وإذا كان هذا الغموض في الموقف الروسي والإيراني لا يكفي لزيادة الحيرة والضبابية، فإن وزير النفط النيجري إيمانيول كاتشيكو أوضح أمس كذلك أنه لا يتوقع أن تقوم «أوبك» بخفض إنتاجها نهاية العام الحالي، وحتى إن تم ذلك فهذا لن يؤثر في السوق، إذ إن حصتها من السوق العالمية ليست سوى الثلث تقريبًا.
ولأن الضبابية عالية، حاول كبير محللي السوق في «رويترز»، جون كيمب، أن يضيف طريقة إحصائية وعلمية للتكهن، حيث نشر إحصائية، بناء على تقرير أوبك السنوي، بأن وزراء «أوبك» اجتمعوا تسع مرات منذ عام 2012 حتى الآن ولم يتفقوا على تغيير مستوى الإنتاج لو مرة واحدة. في حين اجتمعوا منذ عام 1982 إلى 2016 نحو 117 مرة ولم يغيروا مستوى الإنتاج سوى في 52 اجتماعًا.
إذن هل سنرى تجميد للإنتاج في الجزائر؟ على الأرجح لا، خصوصا أن أسعار النفط في طريقها للتحسن بسبب قوى العرض والطلب التي يحركها السعر، حيث أصبح واضحًا أن تراجع الاستثمارات سيؤدي إلى نقص في المعروض بحلول العام المقبل مع احتمالية زيادة الطلب بفضل الأسعار المنخفضة.
وسط سيرك التصريحات.. هل ستجمد «أوبك» إنتاجها؟
تزايد المضاربات في ظل ضبابية الاتفاق
أحد مضخات النفط في شمال مدينة أوفا الروسية (رويترز)
وسط سيرك التصريحات.. هل ستجمد «أوبك» إنتاجها؟
أحد مضخات النفط في شمال مدينة أوفا الروسية (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
