أوباما يطالب الديمقراطيين بالحفاظ على روح الإصرار حتى الانتخابات

ترامب يشبه مكافحة الإرهاب بحقبة الحرب الباردة

هيلاري كلينتون خلال حملتها الانتخابية في بنسلفانيا (أ.ف.ب)
هيلاري كلينتون خلال حملتها الانتخابية في بنسلفانيا (أ.ف.ب)
TT

أوباما يطالب الديمقراطيين بالحفاظ على روح الإصرار حتى الانتخابات

هيلاري كلينتون خلال حملتها الانتخابية في بنسلفانيا (أ.ف.ب)
هيلاري كلينتون خلال حملتها الانتخابية في بنسلفانيا (أ.ف.ب)

تظهر استطلاعات الرأي أن المرشحة الديمقراطية للرئاسة الأميركية، هيلاري كلينتون، متقدمة على منافسها الجمهوري دونالد ترامب، لكن الرئيس الحالي باراك أوباما حث حزبه على الحفاظ على روح الإصرار حتى الانتخابات التي ستجرى في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني). وطالب أوباما الديمقراطيين بعدم التقاعس وعدم الاعتماد على تقدمها في استطلاعات الرأي، وحثهم على عدم الإفراط في الثقة بشأن احتمالات فوزها في انتخابات الرئاسة، على الرغم من أدائها القوي في السباق إلى البيت الأبيض، خصوصا مع تراجع أداء منافسها المثير للجدل «المتهور» دونالد ترامب. واقتطع أوباما، الذي يقضي عطلة أسبوعين في جزيرة مارثاز فينيارد قبالة ساحل ولاية ماساتشوستس، بعض الوقت من فترة استرخائه لجمع أموال لكلينتون المرشحة الديمقراطية التي يأمل بأن تخلفه عندما يترك منصبه في يناير (كانون الثاني).
وأبلغ أوباما نحو 60 متبرعا، قدم كل منهم عشرة آلاف دولار لحفل جمع التبرعات الذي أقيم في منزل خاص في الجزيرة: «إذا لم نستمر في العمل بدأب حتى اليوم التالي للانتخابات فإننا سنقع في خطأ فادح.. إذا أدينا مهمتنا عندئذ فإن هيلاري ستنتخب رئيسة للولايات المتحدة. لكن إذا لم نؤد مهامنا عندئذ فمن المحتمل أن تخسر». وأوضح أوباما غير مرة استخفافه بترامب بأن وصفه بأنه غير مؤهل لشغل مقعد الرئاسة في البيت الأبيض. وأبلغ المشاركين في حفل جمع التبرعات أنه سئم الحديث عن منافس كلينتون.
وقال: «لست مضطرا إلى أن أضعف حجج خصمها، لأنه في كل مرة يتحدث فإنه يضعف حجج ترشحه». ومن المتوقع أن يشارك أوباما بشكل مكثف في أنشطة حملة كلينتون في أكتوبر (تشرين الأول).
ترامب عرض خطته لمكافحة «التطرف»، متعهدا بفرض «تدابير تدقيق قصوى» في خلفيات المهاجرين الوافدين إلى الولايات المتحدة في حال فوزه بالرئاسة. وفي وقت يعاني من تراجع كبير في شعبيته بعد سلسلة هفوات ارتكبها وأثارت سجالات واسعة على مدى أسابيع، سعى ترامب للظهور في موقع الرجل القوي الممسك بالملف الأمني، بعدما اتهمه نائب الرئيس جو بايدن بتعريض حياة الأميركيين للخطر.
وإذ شبه مكافحة «الإرهاب» مرارا بحقبة الحرب الباردة، متعهدا بالعمل مع الحلف الأطلسي وحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وشدد ترامب على ضرورة اتباع «نهج مختلف». وقال إن «إدارتي ستواصل بكثافة عمليات عسكرية مشتركة وضمن تحالفات لتدمير (تنظيم) «داعش» والقضاء عليه». وتحدث أيضا عن «تعاون دولي لقطع التمويل» عن «داعش»، في خطاب ألقاه في يانغستاون بولاية أوهايو الشمالية، وشكل آخر محاولة من حملته لحضه على الالتزام برسالة الحزب وعدم الخروج عن نص مداخلاته.
وأكد المرشح الذي تتقدمه منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون في كل استطلاعات الرأي حاليا: «مثلما ربحنا الحرب الباردة جزئيا من خلال كشف سيئات الشيوعية وعرض حسنات السوق الحرة، علينا أن نتغلب على آيديولوجية (الإسلام المتطرف)». وتابع: «حين أصبح رئيسا سأدعو إلى عقد مؤتمر دولي» بهدف «وقف انتشار (الإسلام المتطرف)». وأضاف: «سنعمل مع كل الذين يقرون بوجوب القضاء على آيديولوجية الموت هذه».
وقال: «سنعمل عن كثب مع الحلف الأطلسي للقيام بهذه المهمة الجديدة (..) وأعتقد أيضا أن بوسعنا إيجاد أرضية مشتركة مع روسيا في مكافحة تنظيم داعش».
كما أعلن ترامب: «من الضروري اعتماد فورا سياسة هجرة جديدة»، مؤكدا أن القاسم المشترك بين الاعتداءات التي وقعت في الولايات المتحدة منذ 11 سبتمبر (أيلول) 2001 هو «ضلوع مهاجرين أو أبناء مهاجرين فيها».
وقال: «خلال الحرب الباردة، كنا نعتمد اختبار تدقيق آيديولوجي. حان الوقت لتطوير اختبار تدقيق جديد للمخاطر التي نواجهها اليوم» واصفا ذلك بـ«تدابير تدقيق قصوى».
كما شدد على ضرورة فرض «تعليق مؤقت للهجرة من بعض المناطق الأخطر والأكثر اضطرابا في العالم التي لديها تاريخ في تصدير الإرهاب». ودعا أيضا إلى «التدقيق في خلفيات أي شخص لديه مواقف معادية حيال بلادنا أو مبادئها، أو يعتقد أن (الشريعة) يجب أن تحل محل القانون الأميركي». وقال: «إن إدارة ترامب ستقر مبدأ واضحا يحكم كل القرارات المتعلقة بالهجرة: علينا ألا نسمح بالدخول إلى هذا البلد سوى للذين يشاطروننا قيمنا ويحترمون شعبنا».
وعرض رجل الأعمال حصيلة قاسية جدا «للقرارات الكارثية تماما» التي اتخذها برأيه الرئيس باراك أوباما ووزيرة خارجيته سابقا هيلاري كلينتون في الشرق الأوسط. وقال: «أوجدنا فراغات سمحت للإرهاب بأن ينمو ويزدهر». وأضاف: «إن سياسة هيلاري كلينتون أتاحت تقديم ساحة دولية لتنظيم داعش». واقترح ترامب في حال فوزه بالرئاسة تشكيل «لجنة حول الإسلام الراديكالي تضم أصواتا إصلاحية» من أجل رصد المؤشرات المبكرة إلى التطرف وكشف الشبكات التي تدعمها. وردت حملة كلينتون على خطاب ترامب، معلنة أن أي برنامج يهدف إلى فرض اختبارات آيديولوجية على المهاجرين هو «مناورة». وأعلن جايك ساليفان، مستشار كلينتون في السياسة في بيان: «لا يمكن أخذ هذه السياسة المزعومة بجدية». وأضاف: «إنها مناورة وقحة للإفلات من التدقيق في اقتراحه الشائن بحظر ديانة كاملة من بلادنا، ويجب ألا يخدع الأمر أحدا». غير أن الهجوم الأشد على ترامب جاء من جو بايدن الذي ظهر لأول مرة الاثنين الماضي في تجمع انتخابي إلى جانب هيلاري كلينتون، وأكد أن ترامب غير مؤهل لتولي الرئاسة، واتهمه بتعريض حياة العسكريين الأميركيين للخطر.
وقال بايدن: «لم يسبق في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية أن كان مرشح حزب كبير أقل اطلاعا أو أقل استعدادا من دونالد ترامب للتعاطي مع أمننا القومي».
وقال بايدن إن الاتهامات التي وجهها ترامب إلى أوباما وكلينتون بـ«إنشاء تنظيم داعش» عرضت حياة العسكريين الأميركيين للخطر، مؤكدا «لو كان ابني لا يزال في العراق، وأقولها عن كل الذين هم هناك، فإن الخطر على حياتهم ارتفع عدة درجات» بعد هذه الاتهامات.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...