أول وزير خارجية إيراني بعد ثورة 1979: يجب أن تستخدم طهران نفوذها لعزل الأسد

إبراهيم يزدي («الشرق الأوسط»)
إبراهيم يزدي («الشرق الأوسط»)
TT

أول وزير خارجية إيراني بعد ثورة 1979: يجب أن تستخدم طهران نفوذها لعزل الأسد

إبراهيم يزدي («الشرق الأوسط»)
إبراهيم يزدي («الشرق الأوسط»)

قال وزير الخارجية الإيراني السابق إبراهيم يزدي إن إيران يجب أن تقنع الرئيس السوري بشار الأسد بالتخلي عن السلطة. ويزدي، وهو أول وزير خارجية إيراني بعد ثورة عام 1979 يقول إن إيران يجب أن تستخدم نفوذها في سوريا من أجل إنقاذ هذا البلد من الحرب المدمرة. وتحدث يزدي عن انتقال إيجابي في سياسة بلاده الخارجية في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» بهدف تأمين مصالح إيران. وفيما يلي أبرز ما جاء في الحوار:
* في الفترة الأخيرة كثيرا ما نسمع كلاما عن تغيير السياسات الخارجية الإيرانية، فهل تغيرت السياسات الخارجية الإيرانية حقا؟
- برأيي أن السياسة الخارجية الإيرانية انتقلت من المواجهة السلبية إلى الرؤية الإيجابية والتفاعل مع العالم من أجل تأمين مصالح ومنافع إيران.
بالتأكيد إن فك الحصار هو أهم الدوافع نحو هذا التغيير، ولكن هذا التغيير ليس بتمثيلية، بل إن الحكومة الإيرانية الحالية فهمت الثمن الذي يتكبده البلد بسبب الشعارات والاتجاهات غير الوطنية، والآن تسعى إلى إثبات أن قراراتها في السياسة الخارجية مبنية على مفاهيم وطنية وتخصصية.
* ما الصورة التي ستعكس هذا الجو والتوجهات الجديدة عن السياسية الخارجية الإيرانية؟ هل سيستمر هذا الأمر حتى تصبح العلاقات بين طهران وواشنطن طبيعية؟ - إذا ظهرت الرغبة بالصلح لدى قادة البلدين واستطاعوا الوصول إلى خطة مرضية للطرفين، من الممكن أن تتحسن العلاقات حتى تصل إلى أن تصبح العلاقات بين البلدين طبيعية.
في السياسة الخارجية المبنية على الوطنية والتي تدور حول محور العقل فإنه لا يوجد شيء اسمه عدو دائم، كما لا يوجد صديق دائم، وإن العلاقات الإيرانية مع بقية البلدان من الممكن أن تتغير بصورة مناسبة، الحكومة العراقية التي دخلت يوما ما في حرب ضد إيران هي اليوم من أقرب أصدقائها، إن هذا الأمر يمكن أن يحدث مع بقية البلدان أيضا.
* ما الآثار التي قد تحدثها السياسات الخارجية الإيرانية الجديدة، في منطقة الشرق الأوسط؟
- بصورة عامة ومختصرة، إن تحسن العلاقات بين إيران والولايات المتحدة سيصب في مصلحة الهدوء الآمن في المنطقة.
في منطقة الخليج، الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي تلعب دورا مؤثرا بالإضافة إلى إيران والمملكة العربية السعودية، وفي حال تغيرت العلاقات بين إيران والولايات المتحدة من التنازع إلى الروابط العادية، من المؤكد ستسعد بقية البلدان في المنطقة بالثبات وإزالة التوتر وخروج القوات الغريبة من المنطقة.
إن لإيران تأثيرا كبيرا في العراق وسوريا ولبنان، ومن المؤكد أن أي خطة لا يمكن إجراؤها في المنطقة بسهولة من دون دعم إيران لها، لهذا فإن الحكومات في الشرق الأوسط تهتم دائما بأن تكون إيران إلى جانبها، لا ضدها. والآن تستطيع إيران بسياساتها الوطنية الجديدة أن تلعب نفس هذا الدور الكبير من أجل التهدئة في المنطقة.
* قال لي مسؤول إيراني رفيع المستوى وبصورة شخصية إن إيران يجب أن تسعى إلى أن تكون الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وأن تأخذ مكان إسرائيل في هذا المجال، هل تظن أن هذا الأمر ممكنا بالنظر إلى الأوضاع القائمة في إيران والمنطقة؟ وهل حقا يوجد مثل هذا القرار والرغبة بين من يتخذون القرارات في السياسات الخارجية الإيرانية؟
- لا أظن ذلك، ولا أظن أنه يوجد مثل هذا القرار، إيران لا تريد ولا تستطيع أن تحل محل إسرائيل باعتبارها الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. واذا انتشر الصلح وتعززت العلاقات بين دول المنطقة سيتراجع دور القوى الأجنبية في المنطقة، وإن هذا سيؤدي بالنتيجة إلى إضعاف إسرائيل، لذلك فإن إسرائيل تبذل كل ما في وسعها من أجل إيجاد التوتر في الشرق الأوسط واستمراره.
* ما الرسائل التي يمكن أن يحملها التقارب بين إيران والولايات المتحدة إلى إسرائيل؟ هل سترحب إسرائيل بالتجاوب الإيراني مع الغرب وخفض السيف الإيراني من على رقبتها على المدى البعيد؟
- إن الحكومة الإسرائيلية هي أكبر الرافضين لتحسين العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، إن دافع إسرائيل في هذا يعود إلى رفض إسرائيل الصلح مع الفلسطينيين والاعتراف بالدولة الفلسطينية أكثر مما يتعلق بالسياسات الإيرانية.
الرئيس الأميركي السابق السيد جيمي كارتر كتب في كتابه المهم جدا الذي يحمل عنوان «فلسطين سلام لا تمييز عنصريا»، يشير بوضوح إلى أن إسرائيل غير مستعدة للقيام بتعهداتها والعمل بقرارات الأمم المتحدة فيما يخص الأزمة الفلسطينية وأن المسؤول عن استمرار الأزمة في الشرق الأوسط هي إسرائيل.
بغض النظر عن شعارات الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد، غير المعقولة، لقد تم بيان موقف إيران على يد الرؤساء السابقين السيد هاشمي رفسنجاني والسيد محمد خاتمي، حول حل الأزمة في فلسطين، وهو موقف واضح وواقعي. لقد أعلن هؤلاء عدة مرات أن إيران ستحترم أي اتفاق توقعه الحكومة الفلسطينية مع إسرائيل ويؤدي إلى تنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 242 والاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة. إن إسرائيل هي من الأعضاء القليلين في الأمم المتحدة الذين يرفضون تنفيذ قرارات الأمم المتحدة والعمل بالمعاهدات الدولية.
إن إسرائيل تسعى دائما إلى استخدام «سلطة القوة» في تعاملها مع بقية البلدان، ولكن بدبلوماسية حقيقية وراغبة بالصلح من الممكن إقناع إسرائيل بالتسليم «بسلطة الحق» للفلسطينيين.
* بعض المحللين يعتقدون أن إيران تقربت إلى الولايات المتحدة من أجل إنقاذ الأسد، في حين أنك طلبت في الرسالة التي أرسلتها قبل مدة إلى رئيس الجمهورية الإيراني، أن تقنع إيران بشار الأسد بالتنحي.
- أنا لا أوافق على هذا التحليل، لا أظن أن السياسة الخارجية الإيرانية الجديدة والتعامل مع الولايات المتحدة يهدف إلى إنقاذ الأسد. السياسة الخارجية الإيرانية الجديدة تنص على منع الحرب وحل المشكلات في المنطقة بطريقة دبلوماسية وغير عسكرية.
* هل لإيران التأثير الكافي في سوريا لكي تستطيع إقناع بشار الأسد بالتخلي عن السلطة؟
- شخصيا أتفق مع وجهة نظر وزير الخارجية الحالي في بلادنا السيد محمد جواد ظريف، وهي أن الأزمة السورية الحالية لن تحل عسكريا، قبل عامين في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011 عندما عمت الثورات الشعبية بعض البلدان العربية، اقترحت على الأمين العام للأمم المتحدة في رسالة أن يقوموا بإجراء استفتاء شعبي في بلدان هي ليبيا، واليمن، والبحرين وسوريا، عندما تم تكليف السيد كوفي عنان من قبل مجلس الأمن بالمسؤولية عن حل الأزمة في سوريا، اقترحت عليه في تاريخ 29 أبريل عام 2012 أن يقيم استفتاء آخر، ولكن لم تتم الموافقة على ذلك.
والآن فإن الحل السياسي الوحيد والمفيد هو التنحي الطوعي للسيد بشار الأسد عن السلطة، وقبل مدة أعلن (الرئيس الروسي) السيد فلاديمير بوتين أنه لا يمانع تنحي الأسد، لذلك فإن إيران تستطيع بالتعاون مع روسيا أن تقنع الأسد بالتنحي الطوعي.
إن لإيران نفوذا واضحا في سوريا وتستطيع استغلال هذا النفوذ من أجل إنقاذ سوريا من الحرب الطاحنة والمدمرة.
* في رسالة إلى رئيس الجمهورية الإيراني الجديد طلبت أن تسعى إيران إلى إقناع الأسد بالتنحي عن السلطة المطلقة وكتبت أن بشار الأسد من الممكن أن يكون ورقة إيرانية، كيف يمكن لإيران أن تستفيد من مثل هذه الورقة؟ على ماذا ستحصل مقابل تشجيع الأسد على التنحي عن السلطة؟ ما هي الثمار التي ستقطفها إيران من مثل هكذا خطة؟
- إن الأولوية في الأزمة السورية الحالية هي إنقاذ الشعب السوري من حرب داخلية طاحنة ومستقبل غامض جدا لا إنقاذ الأسد، وكما كتبت في رسالتي إلى السيد الدكتور (حسن) روحاني، يجب الاستفادة من التجربة العراقية والقضاء على نظام صدام حسين وحزب البعث العراقي والنتائج التي ترتبت على ذلك، عن تنحي الأسد عن السلطة طوعيا سيفسح المجال أمام تغييرات مسيطر عليها في سوريا وسيذكر التاريخ هذا التصرف الشجاع من الأسد بالخير.
يمكن لإيران أن تلعب دورا مهما، الشعب السوري، العرب والمجتمع العالمي سيؤيدون هذه الخطة. ستدخل إيران بهذه الحركة المعادلات السياسية في المنطقة باعتبارها لاعبا قويا. وستعيد بناء مكانتها السابقة باعتبارها قوة إقليمية وكذلك ستعتبرها الأفكار العامة بلدا يسعى إلى إقامة الصلح.
* ما السبب الرئيس الذي يدفع إيران إلى دعم حكومة الأسد؟.. حسب وجهة نظر المؤيدين لذلك ما هي المنافع التي ستحصل عليها إيران من تعزيز سلطة بشار الأسد؟
- من دون شك، لإيران مصالح استراتيجية في سوريا ولبنان وقد استثمرت أموال طائلة هناك. الأمر المهم هو يجب ألا يرتبط مصير الشعب السوري باستمرار حكومة الأسد، إن الأسد يصر على البقاء في السلطة حتى انتهاء فترته الرئيسية في العام القادم. ولكن لماذا يجب أن يتحطم بلد وشعب من أجل بقائه هو؟ ما أهمية هذه السلطة؟ الأسد باعتباره رئيس الجمهورية لم يحل المشكلات بتعقل عندما واجه الاعتراضات الشعبية، وجعل بلاده تواجه خطر الدمار، إن هذا الأمر بمفرده دليل كاف على انعدام كفاءة الرئيس.
إن قائدا مثقفا ومسيطرا يجب أن يعلم متى يجب أن يقف ويقاوم ومتى يجب أن يبدي ليونة، إن ملوك المغرب والأردن على خلاف قادة مصر وليبيا واليمن وسوريا، بقبولهم بعض مطالب الشعب استطاعوا تهدئة الشعب بطريقة ذكية.
* لنترك الموضوع السوري، إيران والسعودية بلدان مؤثران وقويان في المنطقة، إن قادة البلدين دائما ما يسمي أحدهما الآخر بالصديق والأخ، ولكنهما ينظران إلى بعضهما نظرة شك، هل تظن أن السيد روحاني يمكنه أن يجري تغييرا في العلاقات؟
- كما تفضلتم إن إيران والسعودية بلدان قويان ومؤثران في الشرق الأوسط. ما هي جذور هذه العلاقات المتوترة التي تتحدثون عنها؟ لماذا؟ إن تحسين العلاقات يجب أن لا يكون مبنيا على خطوات السيد روحاني، إن الرغبة في الإصلاح يجب أن تبدر من الطرفين، إذا كانت الرغبة بالصلح موجودة عند الطرفين فإن رسم خارطة الطريق لن يكون أمرا صعبا جدا. في أول مؤتمر صحافي لرئيس الجمهورية الإيراني الجديد، أعلن وبصراحة أن تحسين العلاقات مع الجيران وبصورة خاصة السعودية هي من أهم أهداف السياسة الخارجية للحكومة الجديدة.
إذا نجحت إيران في تنفيذ حل سياسي في سوريا، فمن الطبيعي أن توافق عليه السعودية. ويجب أن أضيف أن دعم المجاميع المتشددة في سوريا حتى لو أدى إلى إسقاط الأسد، فإنه لن يؤدي إلى السلام والهدوء في سوريا والمنطقة.
* حسب رأيك، ما الخطوات التي يجب أن تقرر إيران القيام بها من أجل تحسين علاقتها ببلدان الخليج؟
- إن بناء الثقة وتحسين العلاقات بين إيران وبلدان الخليج يحتاج إلى خطوات ثنائية، يجب أن لا نتوقع ذلك من إيران فقط. لا توجد أي مؤشرات على أن إيران تنظر بطمع إلى أي بلد من بلدان الخليج أو أنها تريد أن تعاديه.
إيران ترفض وجود القوات العسكرية الأجنبية في الخليج، وتعتبر وجودها تهديدا لأمنها، عندما تشكل مجلس التعاون الخليجي، لم تكن الظروف السياسية عند ذلك تستدعي دعوة إيران والعراق إليه. ولكن أمن الخليج لن يتحقق من دون مشاركة إيران والعراق، إن هذا المجلس يمكنه عن طريق دعوة إيران والعراق للانضمام إليه أن يفتح الأفق أمام تعاون استراتيجي بين البلدان المطلة على الخليج.
* فيما يخص الأوضاع الداخلية في إيران، أنت الأمين العام لـ«نهضت آزادي» (حزب نهضة الحرية)، هذا الحزب وكثير من المجاميع الوطنية الدينية تعرضت إلى ضغوط كبيرة في السنوات الماضية، عدد كبير من أعضائها تم رميهم في السجون أو لا يزالون في السجون. حسب رأيك إلى أين يتجه الجو السياسي في إيران؟ هل هذه الليونة تشمل العلاقات بالبلدان الأجنبية فقط أم أنها ستشمل المجاميع المعارضة في الداخل الإيراني أيضا؟
- عندما حصل في انتخابات عام 2013 تأثر بالتغييرات الداخلية في المجتمع، لقد تجاوب المسؤولون وأصحاب القرار مع الضرورات المترتبة على هذا الضغط بصورة إيجابية، لذلك حسب رأيي لن تقتصر هذه الليونة على العلاقات الخارجية وعاجلا أو آجلا سوف تشمل الجو السياسي الداخلي في إيران.
* «نهضت آزادي» له خبرة نظرية وتاريخ مليء بالتجارب، فلماذا تعرضت هذه المجموعة للانشقاق؟
- إن مجموعة «نهضت آزادي» في إيران تتعرض للركود لا للانشقاق، خلال السنوات الثلاثين الماضية لطالما كنا تحت الضغط، ولكن هذه الضغوط ازدادت بصورة واضحة خلال السنوات الثماني الأخيرة، أحد أسباب هذه الضغوط هو مكانة نهضة الحرية بين الناس وازدياد انتشارها.
* في الجو الإيراني الجديد هل تهدفون إلى نشر صحيفة وإلى توسيع أنشطتكم الحزبية؟
- حسنا، إذا تقرر أن يفتح المجال السياسي في إيران فمن الطبيعي أن الحزب سوف يرتب أنشطته.



جزر في قلب معادلة الملاحة والردع بمضيق هرمز

منظر جوي للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز (رويترز)
منظر جوي للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز (رويترز)
TT

جزر في قلب معادلة الملاحة والردع بمضيق هرمز

منظر جوي للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز (رويترز)
منظر جوي للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز (رويترز)

عادت الجزر الخاضعة لسيطرة إيران والمنتشرة بين شمال الخليج العربي ومدخل مضيق هرمز إلى واجهة الحرب بوصفها جزءاً من الحسابات العسكرية المباشرة، بعدما برزت في التقديرات الأميركية والإسرائيلية أهدافاً محتملة تجمع بين النفط والملاحة والردع.

ومع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة فتح مضيق هرمز، وتصاعد التهديدات باستهداف البنية التحتية الحيوية داخل إيران، تكتسب هذه الجزر أهمية إضافية بوصفها نقاطاً مرشحة للانخراط في مرحلة جديدة من الحرب قد تتجاوز الضغط العسكري التقليدي إلى محاولة ضرب مفاصل الطاقة والعبور والتموضع الاستراتيجي. وفي قلب هذه الخريطة تقف جزيرة خرج، شريان الصادرات النفطية، فيما تتوزع على الجزر الأخرى وظائف التحكم بالعبور، والتحصين العسكري، والتموضع المتقدم على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

خرج... شريان النفط الإيراني

تحتل جزيرة خرج موقعاً استثنائياً في البنية الاستراتيجية الإيرانية، بوصفها شريان الحياة لغالبية صادرات الخام الإيراني. وتقع في شمال الخليج على مسافة تقارب 30 كيلومتراً من الساحل الإيراني، مما يجعلها قريبة بما يكفي من البر الإيراني لتبقى تحت مظلة نيرانه وقدراته الصاروخية والمسيَّرة.

وتنبع أهميتها أولاً من وظيفتها الاقتصادية المباشرة. فالجزيرة تضم المحطة التي تمر عبرها تقريباً كل صادرات إيران النفطية، وتؤمّن الجزء الأكبر من إيرادات الدولة من الخام.

وخلال الحرب الجارية، تحولت سريعاً إلى هدف حاضر في النقاشات العسكرية خلال الحرب، باعتبار أن ضربها يطول أحد أهم مصادر تمويل الدولة.

وتطورت الجزيرة خلال طفرة النفط الإيرانية في الستينات والسبعينات لأن أجزاء واسعة من الساحل الإيراني كانت ضحلة، ولا تسمح برسو ناقلات النفط العملاقة. ومن هنا أصبحت الجزيرة، بمرافئها ومحطاتها العميقة، البوابة الأهم لتصدير النفط الإيراني، لا سيما إلى الأسواق الآسيوية، خصوصاً الصين.

نظرياً، أي سيطرة أميركية، قد تخنق شرياناً مالياً حيوياً للنظام، وتمنح واشنطن ورقة ضغط لإجبار طهران على إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. كما أن الجزيرة، بحكم موقعها، قد تتحول في مثل هذا السيناريو إلى منصة متقدمة للضغط العسكري على البر الإيراني.

هدف مغرٍ وتكلفة باهظة

لكنَّ هذا الإغراء يصطدم بعوائق ثقيلة. فالاستيلاء يتطلب تثبيت قوات أميركية على جزيرة صغيرة قريبة جداً من الساحل الإيراني، أي داخل مدى الطائرات المسيّرة والصواريخ والمدفعية المتحركة الإيرانية واحتمال استخدام الألغام والزوارق السريعة. وبذلك قد تتحول القوة المهاجمة سريعاً إلى هدف ثابت ومعرّض للاستنزاف.

لقطة جوية تُظهر جزيرة خرج (أ.ف.ب)

كما يتطلب الاحتفاظ بالجزيرة بعد دخول القوات إليها، غطاءً جوياً دائماً، ومنظومات دفاع جوي متقدمة، وخطوط إمداد محمية بحراً وجواً. وزادت طهران من تحصيناتها في خرج خلال الأسابيع الأخيرة، مع إرسال عناصر إضافيين ونشر وسائل دفاع جوي، إلى جانب الحديث عن ألغام في محيط الجزيرة.

كما لوّحت باستهداف القوات الأميركية إذا حاولت دخول الجزيرة، وبضرب بنى الطاقة التابعة لشركات تتعامل مع الولايات المتحدة إذا جرى استهداف منشآتها النفطية.

وتضم الجزيرة خزانات تخزين ومساكن لآلاف العمال، وفيها حضور مدني واضح، كما تحتوي حصناً برتغالياً قديماً وأطلال دير مسيحي مبكر في الخليج.

لارك... عقدة العبور والرقابة

تبدو جزيرة لارك الصغيرة الأكثر ارتباطاً بالمرور والتحكم بالعبور في مضيق هرمز نظراً لموقعها الجغرافي. فتقع إلى الشرق من قشم وجنوب هرمز، وتحتل موقعاً شديد الحساسية عند أضيق مسافة في المضيق. وهو ما يمنحها قيمة تتجاوز حجمها الجغرافي، لأنها ترتبط مباشرةً بحركة السفن في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وتظهر لارك بوصفها موقعاً رئيسياً لتصدير النفط منذ أواخر الثمانينات، كما تضم قاعدة عسكرية إيرانية. غير أن أهميتها في الحرب الحالية ترتبط أساساً بوظيفتها على خط الملاحة. فهي تقع على مسار ملاحي يرجح أن «الحرس الثوري» خصصه للسفن التي يجيز لها عبور مضيق هرمز.

كما تقع لارك قبالة ميناء بندر عباس، في منطقة تمر عبرها ناقلات النفط الحالية للتفتيش أو المراقبة. وهذه الوظيفة تجعلها هدفاً منطقياً في أي محاولة لضرب قدرة إيران على فرض سيطرة ميدانية على هرمز دون الاضطرار إلى خوض مأزق خرج.

قشم... عمق سكاني ولوجيستي

تحتل قشم موقعاً مختلفاً داخل هذه الخريطة. فهي كبرى جزر الخليج، وتمتد على نحو 100 كيلومتر في مضيق هرمز، وتضم كتلة سكانية كبيرة نسبياً. وتظهر من زاويتين متداخلتين: زاوية مدنية خدمية، وزاوية استراتيجية لوجيستية.

من الناحية المدنية، توصف قشم بأنها وجهة مفضلة للإيرانيين بفضل شواطئها وتراثها الجيولوجي وأجوائها الاجتماعية. كما أنها تضم محطة لتحلية المياه توفر المياه لعشرات القرى.

ولا تعد جزيرة قشم هامشية في الحسابات العسكرية، نظراً إلى قربها من جزيرة لارك وهرمز، وعلى تماسٍّ مباشر مع الممر البحري الحيوي. ويعد ميناؤها أحد المنافذ الرئيسية للمنتجات الآتية من الإمارات، مما يمنحها وزناً لوجيستياً وتجارياً إلى جانب موقعها الاستراتيجي. كما تُطرح قشم أيضاً بوصفها موقعاً يشتبه في احتضانه منشآت صاروخية ومسيّرات تحت الأرض.

حصن متقدم في هرمز

تَرِدُ أبو موسى ضمن الجزر الإماراتية المحتلة، ويجعلها الموقع الحساس جزءاً من الحزام الذي يحرس مدخل مضيق هرمز من الجهة الغربية. وهذا يمنحها قيمة عملياتية مباشرة في أي مواجهة مرتبطة بحرية الملاحة أو أمن الشحنات النفطية.

وتُدرج الجزيرة في توصيفات الخبراء ضمن مواقع محصنة أقرب إلى حصون صغيرة تنتشر فيها صواريخ مضادة للسفن.

وتعزز هذه الصورة الإشارة إلى أن طهران نشرت في هذه الجزر وحدات من بحرية «الحرس الثوري» مزوَّدة بأنظمة صاروخية جديدة قادرة على استهداف القواعد والسفن والمعدات المعادية في دول الجوار. وبذلك تصبح أبو موسى، في منطق الحرب، أكثر من موقع تحتله إيران؛ إنها موضع تمركز متقدم داخل بنية الردع البحري الإيراني.

تكتسب طنب الكبرى أهمية مشابهة لأبو موسى، فهي من الجزر التي احتلتها القوات الإيرانية في نوفمبر (تشرين الثاني) 1971. وتحظى الجزيرة الصغيرة بأهمية بالغة نظراً إلى تموضع القوات الإيرانية، ولإجراء مناورات عسكرية، ولنشر الحاميات والأصول الصاروخية.

وفي حال السيطرة على مثل هذه الجزر، فإن ذلك قد يحرم إيران من استخدامها لأغراض هجومية ضد الملاحة البحرية. وهذه الفكرة تكشف عن المنطق الذي يجعلها في بنك الأهداف المحتمل: الهدف ليس احتلال أرض فقط، بل شل نقطة متقدمة من نقاط التهديد البحري الإيراني.

رغم صغرها، تدخل طنب الصغرى في المنظومة نفسها التي تضم أبو موسى وطنب الكبرى، إذ إن وجودها قرب مدخل هرمز يمنحها قيمة عسكرية واضحة، فهي تضم منشآت عسكرية هجومية لبحرية «الحرس الثوري». وقد تحمل في الحسابات العسكرية وزناً يفوق حجمها كثيراً، نظراً إلى قربها من ممرات السفن الوافدة إلى الخليج.

سيري... جزيرة بوظيفة عسكرية

تظهر سيري بقدر أقل من التفصيل مقارنةً بخرج أو قشم أو الجزر الإماراتية المحتلة الثلاث، لكن تُذكر ضمن الجزر التي تحولت إلى مواقع محصنة أقرب إلى حصون صغيرة تنتشر فيها صواريخ مضادة للسفن لـ«الحرس الثوري»، ولطالما كانت موقعاً لتدريب قواته البحرية.

وهذا يكفي لوضع سيري داخل الفئة العسكرية الصلبة من الجزر الإيرانية. ووُصفت على مدى سنوات بأنها موقع تحصين وتموضع يندرج في شبكة أوسع للردع والسيطرة على المجال البحري.

وعادت هذه الجزر إلى الواجهة لأنها تختصر أربع معادلات في آن واحد: النفط، والملاحة، والسيادة، والردع. فمن يريد الضغط على إيران اقتصادياً ينظر إلى خرج. ومن يريد كسر قبضتها على العبور ينظر إلى لارك والجزر القريبة من هرمز. ومن يريد تقليص قدرتها على تهديد السفن والقواعد ينظر إلى الحزام المحصن الذي يضم أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى وسيري.

Your Premium trial has ended


روسيا والصين تجهضان بـ«الفيتو» مشروع «هرمز» في مجلس الأمن

مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)
مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)
TT

روسيا والصين تجهضان بـ«الفيتو» مشروع «هرمز» في مجلس الأمن

مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)
مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)

أخفق مجلس الأمن، الثلاثاء، في التعامل مع واحدة من أخطر الأزمات العالمية منذ إنشائه في منتصف الأربعينات، إذ استخدمت كل من روسيا والصين حقَّ النقض (الفيتو)؛ لتعطيل مشروع قرار قدَّمته البحرين؛ لحماية الشحن التجاري في مضيق هرمز، مما رفع نسبة الإحباط من الدبلوماسية المتعددة الأطراف لصون الأمن والسلم الدوليَّين، وضاعف أخطار خروج الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران عن السيطرة.

وبعد أسابيع من المفاوضات المكثَّفة استجابت خلالها البحرين لكثير من المطالب الروسية والصينية، فشل المجلس في تبني النصِّ الذي حصل على 11 صوتاً مؤيِّداً (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، والبحرين، والصومال، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وليبيريا، ولاتفيا، والدانمارك، واليونان، وبنما)، مقابل صوتين معارضين (روسيا والصين)، وامتناع عضوين عن التصويت (باكستان وكولومبيا).

وعقب التصويت، عبَّر وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني عن «أسفه الشديد» للنتيجة، قائلاً إن المجلس لم يتَّخذ إجراءً حاسماً في مواجهة التهديدات غير القانونية للملاحة البحرية من إيران. وحذَّر من أنَّ عدم تبني القرار يقوِّض صدقية المجلس، ويشجِّع على مزيد من الاضطرابات في أحد أهم طرق التجارة في العالم. وذكَّر بأنَّ مضيق هرمز يُعدُّ شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، وأي عرقلة له قد تكون لها عواقب وخيمة على أسواق النفط، والأمن الغذائي، والتجارة الدولية.

وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني مترئساً جلسة مجلس الأمن (أ.ف.ب)

واتَّهم الزياني إيران بتوجيه تهديدات متكرِّرة بإغلاق الممرِّ المائي واستهداف السفن التجارية، واصفاً هذه الأعمال بأنَّها انتهاكات للقانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وعلى الرغم من هذه النكسة، فإنَّ الزياني أكد أنَّ دول الخليج، البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت بالإضافة إلى الأردن، ستواصل التنسيق مع شركائها الدوليِّين لحماية الأمن البحري، وضمان حرية حركة التجارة، وحض إيران على الامتثال لقرارات مجلس الأمن.

وأشار دبلوماسيون إلى أنَّ التصويت يُبرز انقسامات عميقة داخل المجلس في ظلِّ تصاعد التوترات الإقليمية، وازدياد المخاوف بشأن استقرار سلاسل التوريد العالمية.

الموقف الأميركي

المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز (إ.ب.أ)

وقال المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، إن واشنطن «تقف بحزم» إلى جانب البحرين وحلفائها في الخليج، واصفاً اللحظة بأنَّها «حاسمة». وانتقد روسيا والصين لاستخدامهما «الفيتو» ضد مشروع القرار، مشيراً إلى أنهما انحازتا إلى جانب إيران على الرغم من الدعم الدولي الواسع لإبقاء الممرِّ المائي مفتوحاً. وكذلك اتهم إيران بتصعيد الصراع من خلال زرع الألغام في المضيق، واستهداف السفن التجارية، وشن هجمات صاروخية ومسيّرات واسعة النطاق على البنية التحتية المدنية في دول الخليج.

وأوضح أنَّ هذه الأعمال عطَّلت خطوط الشحن الحيوية لإمدادات الطاقة العالمية والمساعدات الإنسانية، بما في ذلك الغذاء والأسمدة والمساعدات الطبية. وقال: «إيران تتخذ من اقتصاد العالم رهينة»، محذِّراً من أنَّ استمرار هذا التعطيل قد يُفاقم أزمات سلاسل الإمداد، ويزيد من خطر انعدام الأمن الغذائي، لا سيما في المناطق الهشة. كما ربط والتز الأزمة الحالية بدور إيران الإقليمي الأوسع، واصفاً إياها بأنَّها «مصدر طويل الأمد لعدم الاستقرار» من خلال دعمها الجماعات المسلحة التابعة لها، وشنها هجمات على الأفراد الأميركيين وحلفائهم.

وعلى الرغم من هذه النكسة الدبلوماسية، فإنَّ والتز أكد أنَّ الولايات المتحدة ستواصل الدفاع عن مصالحها ومصالح شركائها، وأنَّها تحتفظ بحقها في الدفاع الجماعي عن النفس. وأضاف أن واشنطن لا تزال منفتحةً على الحوار الدبلوماسي، لكنه حذَّر من أنَّ المفاوضات لن تنجح إذا استمرَّت إيران فيما وصفه بـ«نمط التصعيد». وقال: «إن مضيق هرمز حيوي للغاية للاقتصاد العالمي، ولا يجوز لأي دولة استخدامه سلاحاً»، وحضَّ المجتمع الدولي على التحرُّك لضمان حرية الملاحة.

وعبَّر المندوب الفرنسي، جيروم بونافون، عن أسف بلاده لعدم تمكُّن مجلس الأمن من إقرار مشروع القرار الذي قدَّمته البحرين بسبب «الفيتو». وقال إن فرنسا «صوَّتت لصالح مشروع القرار هذا لأنَّ حرية الملاحة، والسلامة، والأمن البحري في مضيق هرمز ذات أهمية بالغة لاستقرار الشرق الأوسط والاستقرار الدولي، ولأنَّ النص، في رأينا، تضمن جزءاً من الوسائل اللازمة للمساهمة في ذلك». وذكَّر بالقرار 2817، الذي أدان الضربات الإيرانية العشوائية التي استهدفت دول الخليج والأردن.

الموقف الروسي

أما المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، فقال إنَّ بلاده صوَّتت ضد القرار، عادّاً أنَّ المسوَّدة «تُحمِّل إيران ظلماً مسؤولية تصاعد التوترات»، متجاهلة ما سماها «الأسباب الجذرية» للأزمة، ألا وهي العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية. ووصف النصَّ بأنَّه «غير متوازن»، محذّراً من أنه «قد يُرسي سابقةً خطيرةً في القانون الدولي». كما عبَّر عن «مخاوف من إمكانية تفسير القرار على أنَّه يُبرر استخدام القوة بذريعة حماية الملاحة البحرية». ومع ذلك أقرَّ بمخاوف دول الخليج الأمنية، مجادلاً بأنَّ المقترح يُنذر بمزيدٍ من التصعيد بدلاً من أنْ يُمهِّد الطريق نحو خفض التصعيد. وعرض لمشروع قرار بديل بالتعاون مع الصين. وأمل بالتصويت عليه سريعاً.

وعبَّر نظيره الصيني عن مخاوف مماثلة لتبرير استخدام حق «الفيتو». وقال إن «تفاصيل هذا الصراع واضحة وضوح الشمس» بعدما «شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل، دون تفويض من مجلس الأمن، وفي خضم المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، ضربات عسكرية ضد إيران في انتهاك صارخ لمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والأعراف الأساسية للعلاقات الدولية». وأضاف أنه «في الوقت نفسه، يجب احترام سيادة دول الخليج وأمنها وسلامة أراضيها احتراماً كاملاً، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين والأهداف غير العسكرية. كما يجب ضمان سلامة وأمن الممرات الملاحية والبنية التحتية للطاقة».


باريس تعارض جذرياً استهداف البنى التحتية المدنية في إيران

أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)
أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)
TT

باريس تعارض جذرياً استهداف البنى التحتية المدنية في إيران

أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)
أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)

تعيش الدول الأوروبية على هامش الحرب الدائرة، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة ثانية. وجاء رفضها الجماعي الاستجابة لطلبات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي حضّها على الانخراط في إعادة فتح مضيق هرمز، ليضاعف تهميشها ولتصيبها شظايا الهجمات الحادة التي قام بها على الحلف الأطلسي، الذي تنتمي إليه غالبية الدول الأوروبية.

صورة مأخوذة من شريط فيديو لقصف جسر كرج غرب طهران (أ.ف.ب)

كذلك، ساهم رفض دول كبريطانيا وفرنسا وإسبانيا السماح للطائرات الأميركية اجتياز أجوائها في مضاعفة غيظ ترمب، الذي يلوح بتخليه عن الناتو وترك الأوروبيين يواجهون وحدهم الحرب في أوكرانيا وما يعدّونه التهديدات الروسية للقارة القديمة. ورغم ذلك، ما زالت هناك دول أوروبية ترفض الانصياع للخطط الأميركية (والإسرائيلية) بخصوص إيران. ورغم تسارع العدّ العكسي للمهلة (النهائية) التي أعطاها ترمب للسلطات الإيرانية لفتح مضيق هرمز مجدداً أمام الملاحة الدولية، أو توقيع اتفاق يسعى لفرضه على طهران متضمناً الشروط الأميركية، وتهديدها، في حال الامتناع، باستهداف محطات الطاقة وتدمير جميع الجسور، بل «موت حضارة كاملة لن تعود أبداً»، ما زالت تُسمع، أوروبياً، أصوات ترفض خطط ترمب وتشكك بنجاح سياسته وتطرح مقاربة مختلفة جذرياً عن سياسته.

بارو: نعارض استهداف البنى التحتية المدنية

وفي هذا السياق، تندرج التحذيرات التي أطلقها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، الثلاثاء، في مقابلة مع القناة الإخبارية «فرنس إنفو»، وفيها وجّه مجموعة من الرسائل إلى الإدارة الأميركية، أولاها أن باريس «تعارض أي ضربات تستهدف البنية التحتية المدنية» في إيران، كما في أوكرانيا، مذكراً أن بلاده «ندّدت مراراً وتكراراً بالضربات التي شنّها فلاديمير بوتين على منشآت الطاقة» الأوكرانية.

يعرب الوزير الفرنسي عن قلق باريس من برنامج إيران النووي الذي يرى فيه «تهديداً للمنطقة ولمصالح فرنسا الأمنية» (أ.ف.ب)

وبذلك، سعى بارو لإثبات أن بلاده لا تزن بميزانين، أو تكيل بمكيالين. وأضاف بارو أن فرنسا تعارض استهداف منشآت الطاقة والبنى التحتية المدنية لسببين: الأول، لأنها «محظورة بموجب قواعد الحرب والقانون الدولي». والثاني لأنها «قد تفتح على الأرجح مرحلة جديدة من التصعيد والردود الانتقامية التي قد تُدخل المنطقة والاقتصاد العالمي في حلقة مفرغة مقلقة للغاية، وستكون مضرّة بشكل خاص بمصالحنا». وبنظره، فإن استهداف منشآت الطاقة سيفضي إلى «ردود فعل إيرانية انتقامية ستزيد تفاقم وضع مقلق أصلاً».

يوم الأحد الماضي، اتصل بارو بنظيره الإيراني عباس عراقجي. واللافت أن وزارة الخارجية الفرنسية عتمت كلياً على الاتصال، رغم إصرار الإعلام، ولم تفصح عن مضمونه. ولم تكن المرة الأولى التي يتواصل فيها الوزيران منذ اندلاع الحرب نهاية فبراير (شباط) الماضي، كما أن الرئيس إيمانويل ماكرون اتصل قبل أيام قليلة بنظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وبعد ظهر الثلاثاء، فهم سبب التعتيم، إذ أعلن بارو، في تغريدة على منصة «إكس»، أن الرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس، اللذين كانا يقيمان في مقر السفارة الفرنسية في طهران أصبحا حرّين تماماً ونهائياً وخرجا من الأراضي الإيرانية. وكانت السلطات الإيرانية سمحت لهما الخريف الماضي بالخروج من السجن حيث اعتقلا فيه منذ 4 سنوات، وصدرت بحقّهما أحكام مشددة للغاية. وكشف عراقجي سابقاً أن مفاوضات تجري بين باريس وطهران لمبادلة كوهلر وباريس بالإيرانية مهدية إسفندرياري، التي صدر بحقّها حكم مخفف، وسمح لها بمغادرة السجن والإقامة في السفارة الإيرانية في باريس.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً بمناسبة اجتماع في البيت الأبيض يوم 3 مارس الماضي (د.ب.أ)

لا لفتح باب المندب بالقوة

ثمة رسالة ثانية لا تقل أهمية، شدّد عليها بارو في مقابلته المذكورة، وعنوانها المخاطر المحدقة بالمدنيين بسبب الحرب، والإضرار بالاقتصاد العالمي، وهو ما تظهره الدراسات الاقتصادية التي نشرت في الأسابيع الأخيرة. ولا يستبعد الوزير الفرنسي «احتمال حدوث تصعيد إقليمي واسع النطاق دون حدود، وهو ما قد يؤدي إلى مخاطر جسيمة، يجب علينا تفاديها بأي ثمن». بيد أن الوزير الفرنسي لا يتبنى المقاربة الإيرانية، إذ يرى أنه لا حلّ لأزمة في إيران «إلا إذا قرّر النظام الإيراني تقديم تنازلات كبيرة وإحداث تغيير جذري في موقفه، بما يسمح لإيران بالعيش بشكل سلمي في محيطها الإقليمي، ويمنح الشعب الإيراني مفاتيح بناء مستقبله بنفسه».

تنظر باريس بكثير من القلق لقيام القوات الأميركية بعملية عسكرية برية في إيران، كاحتلال جزيرة في مياه الخليج (كجزيرة خرج)، أو محاولة الاستحواذ على كميات اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يعتقد أنه واقع تحت أطنان من الركام في موقع أصفهان النووي. وبرأيه أن نجاح القوات الأميركية في تنفيذ عملية عسكرية معقدة لاستعادة الطيارين الأميركيين اللذين هبطا بالمظلة، بعد أن أصيبت طائرتهما (إف 15 إيغل) في جنوب غربي إيران لا يعني أن عملية برية ستكون سهلة التنفيذ، إذ «من شأنها أن تُدخل الصراع في مرحلة جديدة شديدة الخطورة، وقد تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة (للقوات الأميركية)، سواء في العراق أو أفغانستان».

أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)

وفي السياق عينه، جدّد بارو التأكيد على رفض بلاده السير في عملية عسكرية لتحرير الإبحار في مضيق هرمز بالقوة. وتجدر الإشارة إلى أن ماكرون كان أول من دعا إلى إقامة «تحالف دولي» ذي طابع «دفاعي محضّ لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، ولكن بعد أن تهدأ الأمور أو تتوقف الحرب». وفي أي حال، فإنه سيكون بالتوافق مع الدولتين اللتين تشرفان على المضيق، وهما عمان وإيران، ما يعني عملياً حصول مفاوضات وتفاهمات مع هذين البلدين.

وبحسب بارو، فإنه «من الوهم الاعتقاد بأننا سنتمكن من العودة بسرعة إلى حركة طبيعية للسفن (في مضيق هرمز) دون إنشاء نظام مرافقة وحماية». وتريد باريس، التي تعمل بالتنسيق مع لندن، على إطلاق «مهمة» بحرية شبيهة بمهمة «أسبيديس» الأوروبية، لحماية الإبحار ما بين قناة السويس ومضيق باب المندب، التي نجحت كما يؤكد باور في مواكبة 1600 باخرة خلال عامين، من خلال نشر قطع بحرية أوروبية في مياه البحر الأحمر. ومع تواصل ارتفاع أسعار النفط، ومعها مشتقاته، فإن العالم كله لا يرى بديلاً عن ذلك سوى عودة النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.

التخلص من التبعية

يعرب الوزير الفرنسي عن قلق باريس من برنامج إيران النووي، الذي يرى فيه «تهديداً للمنطقة ولمصالح فرنسا (وأوروبا) الأمنية». بيد أنه يعارض الطريقة الأميركية ــ الإسرائيلية لوقفه عن طريق الحرب، وهو يرى أن «العمليات البرية لمعالجة هذه المشكلة تنطوي على مخاطر تفوق فوائدها المحتملة». أما الحلّ فإنه «يكمن في التفاوض، وفي وضع إطار صارم ودقيق، يمنع النظام الإيراني من تطوير سلاح نووي»، في تلميح لاتفاق عام 2015، الذي كانت فرنسا طرفاً في التوصل إليه.

إلا أن خروج واشنطن منه فاقم الأمور، ودفع إيران لانتهاك بنوده تدريجياً حتى التوصل إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة القريبة من الاستخدامات العسكرية... وتدرك باريس، كما يقول بارو «المخاطر والتهديدات التي تمس مصالح فرنسا الأمنية، لكننا نرى أن هناك وسائل أخرى لاحتوائها، وعلى رأسها التفاوض والحوار الصارم والدقيق، تحت ضغط العقوبات».

صورة للفرنسيَّين سيسيل كولر وشريكها جاك باريس إلى جانب لافتة كُتب عليها «الحرية لسيسيل كولر وجاك باريس المحتجزَين تعسفياً في إيران لأكثر من عامين في ظروف مروعة» وذلك خارج قصر بوربون مقر الجمعية الوطنية الفرنسية (أ.ف.ب)

أما الخلاصة التي يستقيها الوزير الفرنسي من الحرب الدائرة لفرنسا ولأوروبا، فإنه مزدوجة: فمن جهة «دور أوروبا ليس خوض الحروب في كل أنحاء العالم، بل على العكس، أن تُظهر من خلال المثال الذي تقدمه (أي كونها قارة ديمقراطية يعيش فيها الناس بشكل جيد، بل أفضل من الولايات المتحدة أو الصين) أن هناك بديلاً لهيمنة الإمبراطوريات الجديدة». ومن جهة ثانية، أن يفضي الوضع الراهن إلى بروز «وعي أوروبي متزايد بأنه في عالم سيصبح أكثر اضطراباً وخطورة، فإن الاتحاد الأوروبي يمنحنا الوسيلة لحماية أنفسنا من تقلبات العالم وتفادي آثارها»، ومنها «ضرورة التخلص نهائياً من اعتمادنا على المحروقات... وإنهاء هذه التبعية التي تجعلنا عرضة بشكل غير مباشر لتداعيات حروب كهذه، حتى نكون أحراراً في اتخاذ قراراتنا، وأحراراً في العيش داخل أوروبا وفق النموذج الذي اخترناه، دون أن نُجرّ إلى حروب الآخرين».