هل تصلح المصارف الخليجية ما أفسده انخفاض أسعار النفط؟

المنافسة وانخفاض تكلفة التمويل وزيادة المعروض من الائتمان تساهم في تعزيز النمو الاقتصادي

مقار رئيسية لعدد من المصارف القطرية في العاصمة الدوحة. (رويترز)
مقار رئيسية لعدد من المصارف القطرية في العاصمة الدوحة. (رويترز)
TT

هل تصلح المصارف الخليجية ما أفسده انخفاض أسعار النفط؟

مقار رئيسية لعدد من المصارف القطرية في العاصمة الدوحة. (رويترز)
مقار رئيسية لعدد من المصارف القطرية في العاصمة الدوحة. (رويترز)

تجرى حاليًا في دول مجلس التعاون الخليجي إصلاحات هيكلية مهمة تهدف إلى تنويع الأنشطة الاقتصادية وإيجاد فرص عمل في القطاع الخاص، وفي هذا السياق، سيكون القطاع المصرفي أحد الأطراف المعنية الرئيسية، وذلك بقيامه برعاية أنشطة الأعمال الصغيرة وتيسير عملية التحول الهيكلي في دول الخليج. ومن ثم، يجب أن يظل إصلاح القطاع المالي على قمة جدول أعمال السياسات الاقتصادية، وفي حين أنه لم يتضح بعد ما إذا كان بناء كيانات وطنية رائدة سيؤدي إلى زيادة في الإنتاجية وانخفاض في الأسعار، فإن تشجيع المنافسة في الأسواق في إطار مؤسسي وتنظيمي سليم يجب أن يكون من الأولويات.
وأفرد البنك الدولي مساحة لمقالات رأي مديريه ومتخصصيه خلال الأشهر الماضية للحديث عن أهمية القطاع المصرفي الخليجي لتجاوز أزمة انخفاض أسعار النفط، وفي مقالة بعنوان «دمج البنوك في دول مجلس التعاون الخليجي يتطلب الاهتمام بالمنافسة»، قال بييترو كاليس، اختصاصي أول في قطاع التمويل في البنك الدولي، والمهتم بتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والمؤسسات المالية المملوكة للدولة بما فيها برامج ضمانات الائتمان وسياسات التنافس في البنوك: «قد تكون الأسواق المصرفية الخليجية دخلت مرحلة مهمة من عمليات الدمج، مع احتمال إعادة تشكيل دور هذه الصناعة وقدرتها على تنفيذ أعمال الوساطة على نحو كبير»، وهذا تعليقا على اتفاق مصرفين من أكبر المصارف في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهما بنك أبوظبي الوطني وبنك الخليج الأول، على الاندماج لإنشاء كيان وطني رائد ومركز قوة مصرفية إقليمي بإجمالي أصول يبلغ 170 مليار دولار.
وفي سلطنة عمان، وصلت المحادثات بين بنك صحار وبنك ظفار بشأن عملية الاندماج بينهما إلى مرحلة متقدمة، ومن المتوقع أيضًا أن تحدث عمليات اندماج في كل من البحرين وقطر.
والحقيقة أن انخفاض أسعار النفط المستمر يمثل معوقا للنمو الاقتصادي واستمرارية أوضاع المالية العامة في المنطقة، ولهذا الأمر تأثير على الأجهزة المصرفية. وتواجه المصارف ضغوطًا متزايدة على السيولة في مواجهة تدفق الودائع الخاصة والعامة إلى الخارج، ويؤدي هذا الأمر، بالإضافة إلى انخفاض أسعار الفائدة في ظل ربط العملات، إلى تآكل هوامش الأرباح، أما الاحتياطيات الرأسمالية فتتمتع بالقوة، غير أن جودة الأصول قد تتدهور إذا ظلت أسعار النفط منخفضة لمدة طويلة. وشهد النمو الاقتصادي مزيدًا من التراجع، لذلك، ففي سياق يتسم بتفتت الأسواق على نحو متزايد، فقد تساعد عمليات الدمج على تحقيق مكاسب على صعيد الكفاءة وتحافظ في نهاية الأمر على الاستقرار المالي.
وأشار كاليس إلى أنه من المهم ألا تأتي عمليات الدمج المصرفي في الخليج على حساب المنافسة، قائلا إن «التجارب الدولية تظهر أن المنافسة المصرفية السليمة تعزز بشكل عام القدرة على الحصول على التمويل وتحسن مستوى كفاءة الوساطة المالية دون تراجع استقرار النظام المصرفي بالضرورة».
وعادة ما تتسم المنافسة المصرفية في المنطقة بالضعف، الذي يُعزى إلى حد كبير إلى اشتراطات القيد الصارمة، والقيود المفروضة على الأنشطة المصرفية، والضعف النسبي في أنظمة معلومات الائتمان، وغياب المنافسة من المصارف الأجنبية والمؤسسات المالية غير المصرفية.
وفي حين لا يعني تركز الأسواق المتزايد بالضرورة أن الأسواق تتمتع بقوة أكبر، فهناك خطر يتمثل في أن الموجة الحالية والمتوقعة من الدمج في هذا القطاع قد يكون لها تأثيرات سلبية طويلة الأمد على المنافسة إذا لم تخضع لرقابة دقيقة.
وفي تقرير سيصدر قريبًا، يقوم البنك الدولي بتحليل الضرر المتوقع على قدرة المصارف على المنافسة في دول مجلس التعاون الخليجي والذي ينشأ من طبيعة المؤسسات واللوائح، وسيتم تحديد الكثير من المجالات التي قد تتطلب من السلطات المعنية إجراء دراسة استقصائية لهذا الأمر وتقديم علاج له.
> أبرز المشكلات: وهناك مجالان يبرزان في سياق الدمج المصرفي، أولاً، قد تكون هناك خطورة في أن تقوم المصارف المملوكة للدولة بدمج قدرتها التفضيلية للحصول على التمويل نتيجة لمساندة الحكومة الصريحة أو الضمنية لها، وتخضع جميع المصارف الوارد ذكرها هنا، التي اتفقت على الدمج، لرقابة الدولة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وربما يضعف هذا الأمر المنافسة العادلة، مما قد يؤدي إلى تحقيق منافع أقل للعملاء والشركات، ومن ثم، فإنه من الضروري إنفاذ مبدأ الحياد التنافسي بشكل عام، على سبيل المثال عن طريق حيادية الديون وسياسات المشتريات التنافسية وإجراءاتها.
ثانيًا، قد لا تتمكن أنظمة قوانين المنافسة الحالية في المنطقة من ضمان ألا تؤثر عمليات الاندماج تأثيرًا سلبيًا على المنافسة، وتُعفى المصارف المملوكة للدولة (والقطاع المصرفي بأكمله في الإمارات) من تطبيق قانون المنافسة العامة، وليس لدى الجهات الرقابية للقطاع المالي هدف يتمثل في ضمان المنافسة بالإضافة إلى التكليف التقليدي بضمان الاستقرار المالي.
وما زالت قواعد الرقابة على عمليات الاندماج في مرحلة مبكرة مع الضعف النسبي في القدرة على إنفاذ هذه القواعد، ولهذا، فإن هناك مجالا لتدعيم دور السلطات المعنية بالمنافسة وصلاحياتها، في حين يتم في الوقت نفسه اتخاذ ترتيبات رسمية للتعاون بين هذه السلطات وهيئات الرقابة المصرفية بغية توضيح تقسيم العمل في مجال سياسات المنافسة المصرفية.
> مصادر قوة: كان تقرير اقتصادي للأمانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي، قد أوضح منذ عام، أن القطاع المصرفي في دول مجلس التعاون أسهم بدور فاعل في التنمية الاقتصادية من خلال توفير السيولة الملائمة لتمويل الأنشطة الاقتصادية المتنامية. وواصلت المصارف الخليجية تقديم الخدمات المصرفية والمالية، وظلت البنوك المركزية تقوم بدورها في تنفيذ سياسة للمحافظة على مستوى السيولة لإضافة قوة للاقتصاد الخليجي حتى يكون أكثر استقرارا وجاذبية للاستثمارات المحلية والأجنبية. وتعمل البنوك الخليجية جنبا إلى جنب مع الصناديق السيادية الخليجية والاحتياطات المالية والنقدية بهدف مواجهة أي تطورات تطرأ خليجيا وعالميا. وقال التقرير وقتها إن القطاع المصرفي الخليجي واصل أداءه بشكل قوي، رغم انخفاض أسعار النفط وتوقعات بأن يؤثر ذلك في حجم الإنفاق الحكومي في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن الاحتياطات الضخمة من النقد الأجنبي الذي تمتلكه الصناديق السيادية والاستثمارية للحكومات الخليجية، يعتبر عاملا استراتيجيا في دعم سياسة القطاع المصرفي لمواصلة أدائه بصورة قوية ومتوازنة تمكنه من امتصاص أي مخاطر مالية داخلية وخارجية.
واقترح التقرير أن يتجه القطاع المصرفي الخليجي لتوسيع سياساته التمويلية نحو القطاعات الاقتصادية والشركات والأفراد وعدم التركيز على تمويل قطاعات معينة أو فئات معينة؛ لما في ذلك من مخاطر كبيرة إذا واجه هؤلاء المقرضون أو هذه القطاعات مشكلات مالية تعجزهم عن الوفاء بالتزاماتهم أمام القطاع المصرفي.
وأوضح التقرير أن القطاع المصرفي الخليجي يعتمد في تقوية مراكزه المالية على الفوائد المالية المتوقع تحقيقها في ظل رصد ميزانيات ضخمة من قبل حكومات دول مجلس التعاون لدعم مشاريع البنى التحتية، وقدرة القطاع الخاص الخليجي على تنفيذ هذه المشاريع، ما يساعد القطاع المصرفي الخليجي على وضع سياسات تمويلية تمكن القطاع الخاص من أداء هذا الدور في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
لذلك يحرص القطاع المصرفي على توسيع أوعيته المصرفية في مجال الإقراض سواء للأفراد أو شركات القطاع الخاص والتي بدورها تراهن على سياسة استمرار إنفاق الحكومات الخليجية على مشاريع التنمية، رغم انخفاض أسعار النفط، وذلك لوجود فوائض مالية ضخمة حققتها هذه الحكومات من وصول أسعار النفط لمستويات فوق 110 دولارات للبرميل خلال السنوات الماضية.
> تطوير القطاع المالي الخليجي: وفي ورقة عمل نشرها البنك الدولي في يونيو (حزيران) الماضي، بعنوان «المنافسة المصرفية والاعتماد على التمويل من الغير والنمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي»، دعا البنك لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة بشكل أكبر، وتقليص الفجوة بين حاجات قطاع الأعمال من التمويل والمقدم إليها. ووفقًا لبيانات البنك الدولي فإن 11 في المائة فحسب من مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة في منطقة الخليج يمكنها الحصول على ائتمان مصرفي، بينما 40 في المائة منها تصف إمكانية الحصول على تمويل مصرفي بأنه «عقبة كبيرة»، في الوقت الذي بلغت فيه الفجوة الائتمانية بين ما تحتاج إليه مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة في الخليج، وما يُتاح لها 250 مليار دولار.
وقالت ورقة العمل إن المنافسة المصرفية هي أحد الجوانب المهمة لتطوير القطاع المالي وتعزيز النمو الاقتصادي غير النفطي في اقتصادات مجلس التعاون الخليجي.
وأوضحت أنه «على الرغم من أن وجود قطاع مفعم بالنشاط والحيوية من مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة أمر ضروري لتنويع اقتصادات بلدان مجلس التعاون الخليجي وخلق المزيد من فرص العمل، فإن ضعف إمكانية الحصول على تمويل مصرفي يعوق نمو هذا القطاع»، وفقا للورقة التي اعتبرت النُظُم المصرفية في بلدان الخليج من بين النُظُم الأقل تنافسية في العالم، وتُظهِر المقارنات على مدى فترة عشر سنوات أن المنافسة المصرفية لم تتحسَّن، بل إنها في حالات كثيرة، تدهورت.
وقال التقرير إن ضعف المنافسة المصرفية في بلدان مجلس التعاون الخليجي يرجع إلى صرامة متطلبات الدخول إلى السوق، والقيود على الأنشطة المصرفية، وضعف أنظمة الاستعلام الائتماني، والافتقار إلى المنافسة من بنوك أجنبية ومن مؤسسات مالية غير مصرفية.
وأشارت الورقة إلى أن زيادة المنافسة قد تؤدي إلى انخفاض تكلفة التمويل وزيادة المعروض المتاح من الائتمان، وفي نهاية المطاف تسهم في تعزيز النمو الاقتصادي، ولكن من ناحية أخرى، بسبب أوجه التضارب في المعلومات وتكاليف الوكالة، قد تؤدي المنافسة إلى تقليل إمكانية الوصول، إذ تجعل من الصعب على البنوك استيعاب العوائد من الاستثمار في الإقراض لا سيما لمؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة المتعاملة معها والتي تفتقر إلى الشفافية.
وباستخدام عينة من 23 قطاعًا للصناعات التحويلية خلال الفترة 2002–2010. حصل البنك الدولي على شواهد توضح المدى الذي تُؤثِّر فيه المنافسة في النظام المصرفي لبلدان مجلس التعاون الخليجي على النمو الاقتصادي للصناعات التي تعتمد على التمويل الخارجي.
وتمثلت الاستنتاجات الرئيسية لهذه الشواهد في أن الصناعات الأكثر اعتمادا على التمويل الخارجي تُسجِّل أداء أفضل من حيث نموها إذا زادت المنافسة في القطاع المصرفي، وأن تأثير المنافسة المصرفية على النمو واضح لا لبس فيه، فهو لا يعتمد على المستوى المبدئي للمنافسة، وأن القطاعات التي تهيمن عليها الشركات الصغيرة تتضرر أكثر حينما يكون القطاع المصرفي أقل تنافسية.
وأكدت الشواهد أن تخفيف القيود المفروضة على أنشطة البنوك، وتحسين بيئة الاستعلام الائتماني، وتنفيذ قانون فعال للمنافسة قد تلعب جميعا دورا مهما في تعزيز النمو في القطاعات التي تعتمد على التمويل الخارجي.
ولهذه النتائج انعكاسات مهمة على واضعي السياسات في مجلس التعاون الخليجي، حيث يسعون من أجل تنويع أنشطة الاقتصاد وإيجاد خيارات لتحسين إمكانية الحصول على التمويل للشركات لا سيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وتشير النتائج التي توصلت إليها الدراسة إلى أن المنافسة بين البنوك تعتبر جانبا مهمًا في تطوير القطاع المالي، ومن ثم في النمو الاقتصادي غير النفطي في بلدان مجلس التعاون الخليجي، وأن لتعزيز المنافسة المصرفية منافع عدة في مساعدة الشركات للحصول على التمويل. وقال تقرير أصدره «بيت الاستثمار العالمي» في يونيو الماضي إن إجمالي الأصول بالبنوك الخليجية زاد بنسبة 5.6 في المائة في الربع الأول من العام الحالي على أساس سنوي، إلى 1.3 تريليون دولار أميركي. وسجلت البنوك في قطر أقوى نمو في زيادة حجم إجمالي الأصول بنسبة 11.8 في المائة على أساس سنوي، وجاء في المرتبة الثانية البنوك في الإمارات العربية المتحدة بزيادة 6.8 في المائة، وفي المرتبة الثالثة بنوك المملكة العربية السعودية بنسبة 2.2 في المائة، في حين شهدت البنوك الكويتية نموًا نسبته 0.7 في المائة؛ ما يعني أن هناك فرصا جيدة لتنويع الاقتصاد اعتمادا على قطاع مصرفي صلب. وتحسنت أرباح صافية من المملكة العربية السعودية بنسبة 6.6 في المائة، وزادت أرباح البنوك في قطر 1.7 في المائة في الفترة ذاتها.
وأشار تقرير بيت الاستثمار العالمي حول القطاع المصرفي في منطقة الخليج إلى أن البنوك بمنطقة الخليج شهدت نموًا صحيًا في حجم القروض بنسبة 8.7 في المائة على أساس سنوي، وأن قطر لا تزال الرائدة مع نمو 16 في المائة على أساس سنوي، وحاليًا في المملكة العربية السعودية مرخص لعمل 25 مصرفًا تجاريًا منها 12 مصرفًا وطنيًا.



السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط ارتفاع قياسي للدولار الأميركي، تلاحق السلطات المصرية تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»، حيث أكدت وزارة الداخلية أنها تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي.

وأفادت «الداخلية» في بيان، الثلاثاء، بأن جهودها أسفرت خلال 24 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 9 ملايين جنيه»، وهو مبلغ يعادل نحو 165 ألف دولار.

يأتي هذا في وقت واصلت العملة الأميركية، الثلاثاء، موجة الارتفاعات التي سجلتها على مدار الأيام الماضية، وسجلت في معظم البنوك المصرية أدنى مستوى وهو 54.5 جنيه.

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة، الاثنين، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة». وشدد على تواصل التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي المصري لضمان الحفاظ على سعر صرف مرن ومُوحد للعملة الأجنبية.

وتواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، مما دعا إلى «قرارات استثنائية» في البلاد تضمنت رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، فضلاً عن إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وإغلاق المحال التجارية والمقاهي في التاسعة مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية، وتطبيق «العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع.

وأعلنت «الداخلية» على مدى الأيام الثلاثة الماضية ضبط مبالغ مالية متحصلة من قضايا «الاتجار في العملة» قُدِّرت بـ«نحو 22 مليون جنيه»، وفق إفادات رسمية.

وأكد مصدر أمني مطلع «تواصل جهود التصدي لجرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي»، مشيراً إلى تكثيف الحملات الأمنية لضبط المخالفين ودعم استقرار السوق.

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

ويتحدث المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، وائل النحاس، عن أهمية جهود السلطات المصرية لضبط قضايا الاتجار في العملة في الوقت الحالي، موضحاً: «بعض من يشتري الدولار الآن لا يفعل ذلك من أجل الاستيراد، أو حتى الاكتناز لتحقيق أرباح مستقبلية، إنما بهدف التجارة غير المشروعة».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد سبب الآن للسوق السوداء، فالعائد داخل القطاع المصرفي الرسمي أعلى من العائد والمضاربات، ومن يريد الحصول على الدولار من البنوك سواء لهدف الاستيراد أو للسفر يحصل عليه بشكل ميسر وفق الإجراءات المتبعة في هذا الشأن».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء» التي جاوز فيها آنذاك مستوى 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع وعلى الخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 50 جنيهاً.

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

ويشير النحاس في هذا الصدد إلى نجاح البنك المركزي في السيطرة على سعر الصرف داخل القطاع المصرفي، على الرغم من وجود «شبه نقص» في العملة خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع تأثر تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس بسبب الحرب الإيرانية.

تأتي جهود وزارة الداخلية في وقت تواصل فيه الحكومة جهودها لضبط الأسواق ومواجهة أي غلاء في الأسعار وترشيد استهلاك الطاقة والنفقات. وأكد وزير المالية أحمد كجوك أن جميع جهات الدولة ملتزمة بترشيد المصروفات والإنفاق على الحتميات وضمان استمرار النشاط الاقتصادي والإنتاجي.

وقال في تصريحات، الثلاثاء، إن الحكومة «حريصة على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية للمواطنين»، مؤكداً ترشيد الصرف على بنود التدريب والسفر والفعاليات وباقي البنود التي يمكن تأجيلها في الوقت الراهن.

وأضاف أنه «تم إبطاء وإرجاء العمل بالمشروعات كثيفة الاستخدام للطاقة في ظل الظروف الحالية»، وأن هناك «تنسيقاً كاملاً بين وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية لترشيد الإنفاق الرأسمالي، وعدم البدء في تنفيذ أي مشروعات جديدة».

Your Premium trial has ended


النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

سجلت أسعار النفط الخام «المادي» (Physical Oil) مستويات قياسية تاريخية، حيث اقتربت من حاجز الـ150 دولاراً للبرميل، متجاوزة بكثير أسعار العقود الآجلة «الورقية» المتداولة في البورصات. ويعكس هذا الانفجار السعري أزمة إمدادات خانقة ناتجة عن تداعيات الحرب، التي أدت إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، مما وضع المصافي العالمية في مواجهة مباشرة مع نقص مادي حاد في البراميل الجاهزة للتسليم.

تسببت الأزمة الراهنة في توقف ما لا يقل عن 12 مليون برميل يومياً من النفط القادم من الشرق الأوسط، وهو ما يعادل نحو 12 في المائة من إجمالي الإمدادات العالمية. هذا الإغلاق الفعلي للمضيق دفع بأسعار عقود «برنت» الآجلة للوصول إلى 119.50 دولار للبرميل الشهر الماضي (وهو أعلى مستوى منذ 2022). لكن هذا الرقم لا يعكس الحقيقة المرة التي تواجهها المصافي؛ إذ إن العقود الآجلة الحالية هي لتسليم شهر يونيو (حزيران)، بينما تحتاج المصافي إلى النفط «الآن».

وفي مؤشر على حجم الكارثة، أظهرت بيانات «إل إس إي سي» أن السعر الفعلي لخام «فوراتيس» بحر الشمال قفز يوم الثلاثاء إلى 146.09 دولار للبرميل. وهذا الرقم لا يمثل فقط سعراً قياسياً جديداً، بل إنه يكسر الرقم التاريخي المسجل في عام 2008 (147.50 دولار للبرميل لبرنت) بالنظر إلى طبيعة العلاوات السعرية الحالية، ليصبح الأعلى على الإطلاق لهذا الخام.

خزانات النفط والمنشآت في مجمع يوسو الصناعي الوطني في كوريا الجنوبية (أ.ف.ب)

النفط «الآن» وليس غداً

ويؤكد عدي إمسيروفيتش، أحد كبار تجار النفط المخضرمين، أن المحرك الأساسي لهذه القفزات هو حالة «الذعر» بشأن التوفر المادي للشحنات. ويقول: «عندما يكون هناك نقص حقيقي وملموس، لا يفكر المتعاملون في تسليمات يوليو (تموز) أو عقود يونيو الورقية، بل يتركز تفكيرهم على تأمين النفط فوراً».

هذا التهافت المادي أدى إلى اتساع الفجوة بين «برنت المؤرخ - وهو المعيار المادي للشحنات الفورية - وبين عقود برنت الآجلة لشهر يونيو بمقدار 20 دولاراً كاملة، وهو فارق استثنائي يظهر حجم التوتر في الجزء الأقرب للتسليم من منحنى الأسعار.

سباق المصافي وأزمة المشتقات

المصافي الأوروبية والآسيوية، التي وجدت نفسها محرومة فجأة من النفط الخليجي، دخلت في منافسة محمومة للحصول على البدائل من خامات أفريقيا وبحر الشمال. ولم يتوقف الأمر عند الخام؛ بل امتدت النيران إلى أسعار المشتقات المكررة في أوروبا التي سجلت مستويات وصفت بالمرعبة:

وقود الطائرات: حوّم عند 226.40 دولار للبرميل، مقترباً من ذروته التاريخية المسجلة في منتصف مارس (آذار).

الديزل: استقر عند 203.59 دولار للبرميل، وهو رقم يقل قليلاً عن مستويات 2022 القياسية لكنه يضغط بقوة على قطاعات النقل والصناعة.

من جانبه، أشار مصرف «مورغان ستانلي» في تقرير حديث إلى أن السوق حالياً تتسابق للحصول على «براميل فورية قابلة للاستخدام». ويرى محللو البنك أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة «التدافع المحموم» لتأمين براميل نفطية فورية قابلة للاستخدام الفني في المصافي.

وحسب التقرير، فإن المصافي لا تستطيع الانتظار حتى وصول شحنات بديلة قد تستغرق أسابيع للدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما جعل «البرميل الموجود الآن» أغلى من أي وقت مضى، بغض النظر عن سعره في بورصات العقود الآجلة.

ولفت التقرير الانتباه إلى ظاهرة تقنية تسمى «الباكورديشن الحاد»؛ حيث يظهر الإجهاد بشكل صارخ في الجزء الأقرب من المؤشر القياسي للمشكلة المادية المباشرة.

ويشرح محللو «مورغان ستانلي» أن الفجوة التي اتسعت إلى 20 دولاراً بين برنت «المادي» و«الورقي» هي «صافرة إنذار» تشير إلى أن الأسواق لم تعد تثق باستمرارية تدفق الإمدادات، وهي تعوض النقص الفوري بأي تكلفة كانت.


صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)

حذَّر صندوق النقد الدولي من أنَّ الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط بات يُشكِّل «اختباراً قاسياً» لاستقرار الأسواق الناشئة، حيث تسبب في عكس مسار تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية؛ نتيجة الحساسية المفرطة للمستثمرين غير المصرفيِّين تجاه الأزمات.

وأوضح الصندوق في فصل تحليلي ضمن «تقرير الاستقرار المالي العالمي» لعام 2026، قبل انطلاق اجتماعات الربيع الخاصة بصندوق النقد والبنك الدوليَّين، التي تنعقد الأسبوع المقبل، أنَّ اعتماد الدول الناشئة المتزايد على «المقرضين غير المصرفيين» ضاعف من وطأة هذه الصدمات، مما جعل هروب الاستثمارات أسرع وأكثر حدة مما كان عليه في فترات التمويل المصرفي التقليدي.

وكانت رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قالت لـ«رويترز»، الاثنين، إن الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي.

وقد تسببت الحرب في أسوأ اضطراب على الإطلاق في إمدادات الطاقة العالمية، حيث توقف إنتاج ملايين البراميل من النفط؛ بسبب الحصار الإيراني الفعلي لمضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحن خُمس إنتاج النفط والغاز في العالم. وحتى لو تمَّ حلُّ النزاع سريعاً، فمن المتوقع أن يخفِّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي ويرفع توقعاته للتضخم، وفقاً لما صرَّحت به غورغييفا لـ«رويترز».

4 تريليونات دولار تحت التهديد

وكشف التقرير أن تدفقات المَحافظ الاستثمارية إلى الأسواق الناشئة شهدت قفزةً هائلةً بمقدار 8 أضعاف منذ الأزمة المالية العالمية، لتصل قيمتها التراكمية إلى نحو 4 تريليونات دولار بحلول عام 2025. وأصبحت الديون هي المحرك الأساسي، حيث تمثل التزامات ديون المَحافظ حالياً 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة، ارتفاعاً من 9 في المائة فقط في عام 2006. ويقدِّم المستثمرون غير المصرفيين - مثل صناديق التحوط وصناديق الاستثمار المشترك - نحو 80 في المائة من هذا الرأسمال، وهي نسبة تضاعفت عمّا كانت عليه قبل 20 عاماً.

آليات الهروب

ويشرح التحليل الفني للصندوق كيف تتحوَّل التوترات الجيوسياسية إلى نزوح مالي؛ فعندما ترتفع مخاطر الحرب، يرتفع مؤشر الخوف العالمي (VIX). وتؤدي زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في هذا المؤشر (وهو ما يشبه القفزة التي حدثت عند رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في 2022) إلى خروج تدفقات ديون تعادل 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفصلي للدول الناشئة.

وتعدّ صناديق الاستثمار المشترك وصناديق التحوط الأكثر تأثراً، حيث تتراجع حيازاتها من الأوراق المالية للأسواق الناشئة بنسبة تصل إلى 1.3 في المائة فور وقوع الصدمة، نظراً لاستخدامها «الرافعة المالية» التي تضطرها للبيع السريع لتغطية هوامش المخاطرة.

الصناديق السلبية و«الائتمان الخاص»

ونبّه الصندوق إلى خطر «الاستراتيجيات المعتمدة على المؤشرات»، حيث تقوم الصناديق السلبية وصناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) بتعديل مَحافظها آلياً؛ مما يؤدي إلى «عمليات بيع متزامنة» تزيد من وطأة تراجع الأسعار. كما سلّط الضوء على قطاع «الائتمان الخاص» الذي نما 5 أضعاف ليصل حجمه ما بين 50 و100 مليار دولار، ووصفه الصندوق بالقطاع «المعتم» الذي تفتقر بياناته للشفافية، مما يصعّب على صانعي السياسات رصد الثغرات المالية قبل انفجارها.

توصيات لحماية الاستقرار المالي

وفي ظلِّ استمرار حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب، دعا صندوق النقد الحكومات في الأسواق الناشئة إلى تبني استراتيجيات دفاعية تشمل: تعزيز الهوامش المالية؛ حيث إن الدول التي تمتلك احتياطات نقدية وافرة ومؤسسات قوية تعاني بنسبة أقل من تخارج الأموال، والسماح للعملات بالتحرك لامتصاص الصدمات، مع تدخلات محدودة في سوق الصرف عند الضرورة القصوى، ومحاكاة سيناريوهات صدمات اقتصادية قاسية لضمان قدرة المؤسسات المالية على الصمود أمام التوقف المفاجئ للتمويل الخارجي.