ليبيا.. صراع عابر للحدود

أميركا من الغرب وفرنسا من الشرق.. والدواعش يفرون للجنوب

ليبيا.. صراع عابر للحدود
TT

ليبيا.. صراع عابر للحدود

ليبيا.. صراع عابر للحدود

خلال أقل من ثلاثين يوما خرجت تصريحات رسمية في كل من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا تفيد بأن لهما قواتا تعمل على الأراضي الليبية. والظاهر الآن أن كلا من الدولتين الغربيتين الكبريين تعضد فريقا من الفريقين الليبيين المتنافسين على السيطرة على حكم البلاد. قوات أميركية في الغرب، وقوات فرنسية في الشرق.. كل منهما يساعد في محاربة تنظيم داعش الإرهابي المتطرف، بطريقته، لكن يبدو أن عناصر التنظيم بدأت تفر إلى مناطق الجنوب تاركة ساحة الصراع بين السياسيين في شمال البلاد وقد أصبحت أكثر وضوحا من السابق.
حتى وقت قريب كان يسود اعتقاد بين كثيرين من الليبيين بأن أي تدخل دولي في الشأن الداخلي، خاصة توجيه ضربات دولية، من البر، ضد «داعش»، يمكن أن يؤدي إلى توحيد جبهة المتطرفين وضياع أي محاولة يبذلها السياسيون للم شمل الدولة التي تعاني الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011.
ما حدث، حقا، يبدو أنه أمر مغاير تمامًا لمثل تلك التوقعات والمخاوف. إذ دلت تصريحات من كل من فرنسا والولايات المتحدة، خلال الأسابيع الأخيرة، على وجود قوات على الأرض تعمل جنبا إلى جنب مع أطراف ليبية تحارب «داعش» والمتطرفين في محيطي مدينتي سرت وبنغازي، إلى فتح قنوات اتصال جديدة بين الخصوم المحليين المتحصنين وراء حكومات صغيرة وهشة في شرق ليبيا وغربها.
ما الحل؟ أخذ مثل هذا السؤال يتردد بين الحضور في قاعة تابعة لوزارة الخارجية المصرية مطلة على نيل القاهرة لدى حضور وفد برلماني ليبي هو الأول من نوعه الذي يلتقي مع مسؤولين مصريين قبل عدة أيام. هذا نوع من نواب الغرب الليبي ممن يصغى إليهم للمرة الأولى بشكل رسمي في مصر. وكان معظمهم يتخوف من انحياز القاهرة لنواب المنطقة الشرقية، لكن اتضح من خلال اللقاء الأخير أن هذا لم يكن صحيحا، وأن مصر تحاول جاهدة الوصول إلى حلول وسط بين الطرفين. ويمكن لحدوث تفاهم بين قيادات الشرق وقيادات الغرب في ليبيا، أن ينهي الكثير من الملفات العالقة بما فيها بوادر الصراع الأميركي - الفرنسي على أراضي هذا البلد الغني بالثروات. فرنسا أقرت في أواخر الشهر الماضي بمقتل ثلاثة من أفراد قواتها الخاصة بشرق ليبيا بعد إسقاط مروحيتهم قرب بنغازي. ويومها أكد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أن قواتا فرنسية تنفذ «عمليات خطيرة» ضد المتشددين في ليبيا.

اعترافات واشنطن وباريس
وأضاف أن هناك حاجة إلى لمواجهة «داعش» ومحاربته في كل من العراق وسوريا وليبيا. إلى ذلك, وبعد بنحو ثلاثة أسابيع، أي يوم الثلاثاء الماضي، نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤولين أميركيين، لم تسمهم، أن جنودا من الوحدات الخاصة الأميركية قدموا إسنادا مباشرا لقوات «البنيان المرصوص»، وأنهم «يعملون بالتنسيق مع نظرائهم البريطانيين على تحديد مواقع للضربات الجوية ويزودون شركاءهم بالمعلومات الاستخبارية».
في البداية.. وفي الداخل الليبي، أي قبل نحو شهر، اتهمت قيادات في غرب البلاد، المنطقة الشرقية بالاستعانة بقوات فرنسية لمعاونة الجيش الوطني في حربه ضد المتطرفين. ويوجد في الشرق مقرات الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني، والبرلمان برئاسة عقيلة صالح، والجيش بقيادة حفتر، لكن التصريحات الأخيرة المنسوبة للمصادر الأميركية عن وجود قوات لها تعمل على الأرض في المنقطة الغربية لتعضيد عملية «البنيان المرصوص» التي تخوضها ميليشيات ضد «داعش سرت» جعل القضية بين طرفي النزاع في الدولة الليبية تبدو متعادلة. وللعلم، في الغرب مقار كل من المجلس الرئاسي وحكومته بقيادة فايز السراج، و«حكومة الإنقاذ» برئاسة خليفة الغويل، والمجلس الأعلى للدولة برئاسة عبد الرحمن السويحلي.
الجيش تمكن أخيرا من طرد المتطرفين من مناطق مهمة في بنغازي، وهم خليط من مقاتلي جماعة الإخوان وأنصار الشريعة و«داعش»، بعد حرب ضروس استمرت طوال حولي سنتين وما زالت مستمرة. وبالتوازي مع ذلك تمكنت قوات «البنيان المرصوص» التي يرعاها المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة، من تحقيق انتصارات لافتة على «داعش» سرت، بعد نحو ثلاثة أشهر من انطلاق العملية، لكن المشكلة أن «الجيش» بقيادة حفتر والبرلمان، وميليشيات «البنيان المرصوص» برعاية السراج، لا يتعاونان بل يتربص أحدهما بالآخر، وقد يضطران إلى الاقتتال إذا توغل الجيش ناحية الغرب، أو إذا انتقلت الميليشيات المنتصرة في سرت إلى الشرق.
حتى فيما يتعلق بوجود قوات أجنبية، سارع فريق السراج وفريق حفتر للتقليل من شأن هذا الأمر، فقال السراج إن بلاده ليست بحاجة إلى قوات أجنبية على الأرض، وأعلن مقربون من حفتر أن «مجموعة الاستطلاع» الفرنسية غادرت منطقة العمليات.
هذا الانقسام المحلي يبدو أنه أثَّر في مواقف الكثير من الدول وجعلها، بالمثل، تنقسم أيضا في تعاطيها مع الشأن الليبي. دول مثل فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة وبريطانيا ومصر وغيرها، تعترف بالبرلمان الذي يرأسه عقيلة صالح ويعقد جلساته في طبرق شرقا، ووفقا للإعلان الدستوري المعمول به منذ إسقاط القذافي، يعد صالح القائد الأعلى للجيش الليبي. وتعترف هذه الدول نفسها بالمجلس الرئاسي الذي أعلن رئيسه السراج أنه، هو الآخر، القائد الأعلى للجيش الليبي.

اللعب على المكشوف
ويقول أحد قادة جهاز المخابرات الليبية السابق (منذ أيام القذافي ويعيش حاليا في مصر) إن المتغير اللافت في ليبيا هو اضطرار الأطراف المحلية وحلفاء كل طرف من الدول الأجنبية إلى اللعب على المكشوف. وفي حال هزيمة المتطرفين بشكل تام في بنغازي وسرت، فإن أوراق اللعب ستكون مكشوفة على الملأ أكثر من أي وقت سابق، وبالتالي سيؤدي هذا إلى أحد أمرين: إما شعور المتنافسين الليبيين بالخطر، وبناء عليه سيتنازل كل طرف لصالح الوفاق والوحدة، أو أن الوضع سيزداد تعقيدا وندخل في نفق الاحتراب الأهلي وتشرذم البلاد بين شرق وغرب. ويضيف أن وجود قوات عسكرية واستخباراتية من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة في شرق ليبيا وغربها، يعود إلى أواخر العام الماضي ومطلع العام الحالي، لكنه كان وجودا غير معلن عنه بشكل رسمي، موضحًا «أعتقد أن التطورات على الأرض وتحقيق الليبيين انتصارات على الجماعات المتطرفة، جعل الدول الكبرى، خاصة أميركا ومن معها وفرنسا ومن معها، يكشفان، بشكل سافر، عن أنهما يشاركان في تنظيف ليبيا من الإرهابيين، على أمل أن يقفا في النهاية على خشبة الانتصار وما يتبع ذلك من تعاقدات على السلاح وعلى إعادة الإعمار واستئناف التنقيب والتصدير من حقول النفط والغاز».
من جانبه يقول عيسى عبد المجيد، المستشار السابق لرئيس البرلمان، إن الحالة الراهنة في ليبيا تتيح القول إن الدول الأجنبية تتصارع على الأراضي الليبية، ومن يدفع الثمن هو الشعب. ويزيد قائلا: «إن الولايات المتحدة وفرنسا تظهران في الواجهة كطرفين يتسابقان ويتنافسان على الاستحواذ على الكعكة الليبية»، مشيرا إلى أن هذه الدول لا يعنيها الشعب الليبي، بل مصالحها الخاصة، محذرا من انتقال الدواعش من سرت والتركز في الجنوب الليبي، «وعندها لن تتمكن طائرات أو قوات هذه الدول من الوصول إليهم، وهذا يشكل خطرا على مستقبل ليبيا ودول الجوار».

في فنادق القاهرة
في خلفية هذه الأحداث ظهرت وجوه الكثير من الشخصيات الليبية المتصارعة في فنادق العاصمة المصرية خلال الأيام الماضية. يمكن أن تضع مقياسا تحسب به التطورات. مقياس اليوم وفقا لما جرى بالفعل، هو القاهرة التي يوجد فيها غالبية قيادات النظام الليبي السابق، بالإضافة إلى عدد كبير من قيادات الجيش الليبي ممن فضلوا الابتعاد عن البلاد عقب انتهاء نظام القذافي. وفي المقابل كان الزعماء المتحكمون في المناطق الغربية يشيحون بوجوههم عن مصر، متهمين إياها بالانحياز إلى قيادات الشرق، لكن وصل أخيرا إلى هنا عشرات النواب. لقد تغيرت الصورة تحت ظلال البحث عن مخرج لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومع ذلك فإن «داعش» ليس قضية ليبية فقط. فمنذ إعلان تمركزه في سرت العام الماضي، أصبح هذا التنظيم هاجسا لدول الجوار وأوروبا والولايات المتحدة.
تبعد سرت أكثر من 300 كيلومتر شرقي طرابلس، ويقول مسؤول في مركز دراسات الجنوب الليبي للبحوث والتنمية، وهو مركز ليبي يعمل باحثوه بعيدا عن الأضواء خشية تعرضهم للانتقام من المتطرفين، إنه كان من الطبيعي أن يفكر «داعش» في أن تكون له قاعدة في ليبيا؛ نظرا للظروف المساعدة والمشجعة على ذلك، مثل غياب دور الدولة المركزية، وانتشار الصراعات الأهلية في كامل التراب الليبي.
ويتابع الباحث قائلا إن تونس صاحبة الـ3 آلاف مقاتل ممن كانوا يحاربون في سوريا، أصبحوا مصدرا رئيسيا للمقاتلين الأجانب الذين قدموا إلى ليبيا، خاصة أولئك الذين عادوا من سوريا إلى تونس واختاروا المجيء إلى ليبيا خوفا من الملاحقة التي تعرض لها الكثيرون منهم في بلدهم. وبالفعل استجاب كثرة من المقاتلين لدعوة «أبو بكر البغدادي» زعيم «داعش» بالانتقال إلى ليبيا.. «فشملت قائمة القادمين - إضافة إلى المقاتلين الليبيين العائدين من سوريا - مقاتلين من تونس والسودان واليمن والشيشان والمغرب والجزائر، ودول أخرى. واستقر هؤلاء في سرت ودرنة وشنوا عمليات على الحقول النفطية والسفارات الأجنبية والمناطق الحيوية ليصبح وجود التنظيم رسميا في ليبيا بعد أن تشكلت أركانه كما ينبغي».

تركي البنعلي
لكن الحدث الأبرز الذي جعل من وجود «داعش» في سرت أمرا حقيقيا، كان وصول تركي البنعلي، عضو مجلس التنظيم الرئيسي، من خارج البلاد إلى سرت. والبنعلي - كما هو معروف - بحريني الأصل، ويعد من المقربين من البغدادي. وفور وصوله إلى سرت العام الماضي، أخذ يلقي فيها الخطب والدروس. ومنذ ذلك الوقت أصبحت جميع أحياء مدينة سرت في قبضة التنظيم ما عدا الحي رقم 3 الذي كانت تسيطر عليه قبيلة الفرجان وكتيبة «الجالط» التابعة لها، «لكن الأمر لم يستمر كثيرا إذ أحكم (داعش) سيطرته على كامل المدينة بعد اندلاع اشتباكات بينه وبين قبيلة الفرجان إثر مقتل شيخ وإمام مسجد قرطبة، الشيخ خالد بن رجب الفرجاني». وفقا لما ذكره مركز الجنوب المشار إليه، وبعد هذه الواقعة اندلعت اشتباكات بين «داعش» وكتيبة «الجالط» انتهت بسيطرة «داعش» بالكامل على سرت.
تتميز سرت، مسقط رأس معمر القذافي، بموقع استراتيجي حاول التنظيم الاستفادة منه في الإشراف على عملياته في ليبيا. ويوجد في المدينة ميناء بحري ومطار جوي حديث، وتعد أيضا نقطة اتصال بغرب البلاد وشرقها، إضافة إلى سهولة التحرك منها عبر الدروب إلى مناطق الجنوب الصحراوية، حيث يفد المقاتلون والأسلحة المهربة من الدول الأخرى، إلى جانب قرب سرت من الهلال النفطي.
وبعد استقراره في سرت عمل «داعش» على إنشاء مراكز تجنيد مهمة خاصة في مدينة صبراتة (غرب طرابلس وقرب الحدود مع تونس) حيث كان فيها مركز لاستقبال المقاتلين الجدد، كما أسس خلية له في طرابلس. وقامت الولايات المتحدة في فبراير (شباط) بضرب مواقع قالت إنها لـ«داعش» صبراتة قتل فيها أكثر من أربعين غالبيتهم تونسيون.
بعدها حاول «داعش» أن يعلن من سرت أنه ما زال قويا، فنفذ حملة جديدة ضد سكان المدينة وقتل معارضيه فيها وعلقهم على أعمدة الكهرباء. وشن أيضا حملة واسعة على حقول البترول وهدد باحتلال الهلال النفطي بأكمله، والمنطقة تضم نحو 60 في المائة من نفط ليبيا، وتمتلك عدة شركات غربية نصيبا في هذه الحقول، منها شركات أميركية وفرنسية وإيطالية وبريطانية. كذلك هاجم التنظيم عدة مواقع أخرى وذبح فيها بعض العاملين، ما أدى إلى فرار الباقين وإغلاق حقول رئيسية جنوب شرقي سرت. واستمر هذا الوضع إلى أن تمكن المجلس الرئاسي من دخول طرابلس، ومباشرة مهامه رغم ما تعرض له من عراقيل من الخصوم السياسيين، وأعلن السراج عن عملية «البنيان المرصوص».

«البنيان المرصوص»
الدكتور عبد الرحمن السويحلي، رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية، قال من جهته لـ«الشرق الأوسط» إن مجلسه وقف بقوة من أجل صدور قرار بتشكيل هذه القوة لمحاربة «داعش» في سرت. وينظر السويحلي إلى الفريق أول حفتر على أنه مجرد قائد لمجموعة مسلحة وليس جيشا بالمعنى المتعارف عليه. ووجهة النظر هذه يبدو أنها تعبر عن تجذر الخلافات بين الشرق والغرب، ورفض قيادات الغرب التعامل مع حفتر، رغم أنها في أشد الحاجة إلى تضافر الجهود لمواصلة الحرب على «داعش».
على أي حال.. ومنذ انطلاق عملية «البنيان المرصوص»، سيطرت هذه القوات، تدريجيا على معظم ضواحي سرت وبدأت من حي الزعفران ومحور الغربيات، ثم وصلت إلى الحي 700 ومنطقة أبوهادي والمحمية. وبعد ذلك، رغم الخسائر الكبيرة في صفوفها بسبب مفخخات التنظيم، انتقلت العملية إلى المحور الشرقي لتسيطر على الميناء ومناطق السواوة والطويلة، ثم «مجمّع واغادوغو»، إلى أن تراجعت قوات «داعش» إلى ضاحيتين صغيرتين داخل المدينة.
يرى البعض أنه لم يكن في مقدور عملية «البنيان المرصوص» التوغل في سرت لولا مساعدة القوات الأميركية التي كانت توجه ضربات جوية لمواقع التنظيم، بالإضافة إلى ما تقدمه من معلومات استخباراتية، إلى جانب عناصرها الموجودة على الأرض. ويقول مسؤول مركز الجنوب، عن الخسائر الكبيرة في صفوف مقاتلي «البنيان المرصوص» إن هذا الأمر قد يعود إلى ضعف هذه القوات من حيث تنظيم الخطوط وتأمين المناطق التي تسيطر عليها وتنظيم وتوزيع المقاتلين التابعين لها بشكل يضمن تحديد هوية جميع المركبات والأفراد الذين يدخلون ويخرجون من خطوط العمليات ويسهل عن طريقه معرفة أي مركبات أو أفراد مجهولي الهوية يحتمل أن يكونوا تابعين لـ«داعش».

السكان «دروع بشرية»
ولكن الخشية اليوم من تحصن مقاتلي «داعش» داخل ما تبقى من أحياء سكنية تحت يد التنظيم، ولجوء عناصره لحرب الشوارع، واتخاذه من سكان المدينة دروعا بشرية. ومع ذلك توجد مخاوف أخرى من تسلل «داعش» من سرت إلى الجنوب، كما يقول عبد المجيد لـ«الشرق الأوسط»، لأنه يمكن أن يتخذ قواعد هناك يصعب استهدافها من البر والجو، مع سهولة تواصله من مراكزه الجديدة مع جماعة «بوكو حرام»، وهو ما يمثل خطرا جديدا على ليبيا لا يقل عن خطر الخلافات السياسية في الشرق والغرب. ولا يستبعد مسؤول مركز الجنوب مشاركة مرتزقة بيع السلاح وتهريب البشر والمخدرات من مساعدة «داعش» في حال هروبه للجنوب الليبي، لأن هؤلاء المرتزقة لا يهتمون بـ«هوية الزبون» ولكن بالمبلغ المدفوع.
تجري هذه التطورات على الأرض، بينما يحاول الأفرقاء التلاقي حول طاولات الحوار، وكان آخرها زيارة الوفد البرلماني الليبي (غالبيته من المنطقة الغربية) إلى القاهرة. وعلى الهامش تستمر الاتهامات بشأن استعانة هذا الفريق أو ذاك بقوات أجنبية للقتال على الأراضي الليبية. ويقول عبد المجيد عن التصريحات الأخيرة التي خرجت من أميركا وفرنسا إنها تعد بمثابة «صراع دولي على بسط النفوذ داخل ليبيا. إنها تعلم أن ليبيا دولة غنية بها موارد النفط والغاز والذهب واليورانيوم وغيرها من المعادن الثمينة». ويضيف: «كما تعرف مساحة ليبيا كبيرة جدا. فرنسا وبعض حلفائها الأوروبيين يسعون أيضا إلى العمل على إيقاف الهجرة غير الشرعية، من الشواطئ الليبية، إلى أوروبا، والسيطرة على خيرات ليبيا.. وبتقسيم ليبيا ستكون الأمور تحت سيطرتها». ويتابع قائلا إنه «بالنسبة إلى قصف القوات الأميركية لسرت، فإنني أقول إن أميركا هي من صنعت الدواعش. لماذا لم تقصف أميركا الدواعش حين كانوا يقتلون ويذبحون الضباط والصحافيين والناس في بنغازي وغيرها في الساحات علانية وأمام العالم. أين كانت أميركا؟ أميركا، في الحقيقة، تريد المنطقة الغربية. لكن نتمنى من عقلاء ليبيا أن يجنبوها هذا المصير وهذه المخاطر».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.