لم يفعلها أحد من قبل. فطوال السنوات الثلاث عشرة الماضية حين تفشّى الفساد ونخر الدولة العراقية من «الباب للمحراب» (كما يقول المثل الشعبي العراقي)، لم يشنّ أي مسؤول عراقي على كثرة من تولّوا مسؤوليات كبيرة بعد عام 2003 (وزراء فما فوق أو ما تحت) حربا ضد أحد من ممثلي كتلته السياسية أو الحزبية أو البرلمانية، التي تمثل في النهاية المكوّن العرقي أو الطائفي الذي ينتمي إليه ما عدا وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي.
العبيدي الذي نجا خلال العام الماضي من سحب الثقة منه داخل البرلمان بعد استجوابه عبر جلسة سرّيّة بدت أجوبته مقنعة لأعضاء البرلمان وقتذاك، ما أطاح بجهود النائبة عن ائتلاف «دولة القانون» - ذي الغالبية الشيعية - حنان الفتلاوي قبل انشقاقها عن هذا الائتلاف الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في الإطاحة به. وبقي العبيدي وزيرا للدفاع في وقت بدأت حمّى المعارك ضد تنظيم داعش تسجّل المزيد من الانتصارات لصالح القوات العراقية، لا سيما بعد معارك صلاح الدين وبيجي العام الماضي، ومعارك الرمادي والفلّوجة والرطبة وهيت هذا العام.
لقد بدا خالد العبَيدي محظوظًا... لكن ليس على صعيد ما تحقق من انتصارات تحسب له بشكل أو بآخر بوصفه وزير الدفاع العراقي فحسب، بل حتى على صعيد حزم الإصلاحات التي أطلقها رئيس الوزراء حيدر العبادي منذ شهر أغسطس (آب) عام 2015، التي تضمّنت فيما تضمنته تغييرا وزاريًا شاملا. وعلى الرغم من كل الجدل الذي أثير حول هذا التغيير الوزاري ومن سيشمل من الوزراء والوزارات جرى استثناء وزيرين فقط أحدهما العبيدي بينما كان الوزير الثاني وزير الداخلية محمد الغبّان الذي سرعان ما أطيح به بعد «تفجير الكرادة» الذي راح ضحيته المئات في مطلع شهر يوليو (تموز) الماضي.
وفي حين نجا العبيدي من التغيير الوزاري بسبب الحرب ضد «داعش»، كما تعزّز موقعه من خلال ما تحقق من منجزات، كما نجا قبلها من استجواب البرلمان السري الذي قادته حنان الفتلاوي، فإن تهم الفساد بقيت تلاحقه.. لكن هذه المرة بقوة أكبر ومن قبل سيدة أخرى هي النائبة عالية نصيف. ونصيف مثل سابقتها كانت تنتمي إلى كتلة «دولة القانون» ذاتها بزعامة المالكي، لكنها انضمت بعد هزة البرلمان خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي إلى ما سمي فيما بعد بـ«جبهة الإصلاح». ولقد صعّدت عالية نصيف من موقفها ضد وزير الدفاع، وذلك لجهة الإصرار على استجوابه ثانية في وجه كل الضغوط التي مورست - حتى من قبل قيادات سياسية بارزة - من منطلق أن الوقت لم يعد ملائما للاستجواب في وقت يتأهب فيه الجيش العراقي لخوض معركة الموصل الفاصلة.
وطوال أسابيع كانت تدور معركة خلف الكواليس اسمها استجواب العبيدي. وبينما طلب الوزير تأجيل استجوابه لثلاث مرات، فإن رئيس البرلمان الدكتور سليم الجبوري، الذي وقع ضحية الاستجواب فيما بعد، أصر على الاستجواب. كذلك فإن النائبة المستجوِبة (بكسر الواو) أصرت هي الأخرى على إتمام الاستجواب معلنة للرأي العام المزيد مما عدته وثائق تدين الوزير.
عليّ وعلى أصدقائي
الوزير العبيدي نفسه بعدما أدرك إصرار الجبوري على استجوابه اتخذ القرار الأخطر، ربما في حياته، وهو أن «يتغدّى» بالجبوري ومن معه ممّن سبق له أن جهّز لهم تسجيلات صوتية (أبرزهم النائبان محمد الكربولي وطالب المعماري المنتميان إلى كتلة «تحالف القوى العراقية» التي ينتمي إليها العبيدي وثلاثتهم من العرب السنّة) قبل أن «يتعشّوا» به.
قبل نحو أسبوع من استجوابه التقى العبيدي قادة الكتل السياسية من كل المكوّنات الدينية والمذهبية والعرقية. غير أنه اختلفت على صعيد هذه الجزئية الروايات بشأن طبيعة هذه الجولة، وما الذي تمخضت عنه. ففي الوقت الذي قال البعض إن الهدف منها كان اطلاعهم على ما بحوزته من ملفات فساد تتعلق بنواب في البرلمان، بل برئيس البرلمان نفسه، رأى البعض الآخر أن الهدف من الجولة كان بغرض نيل الدعم من زعامات الكتل السياسية في حال أفضى الاستجواب إلى سحب الثقة منه.
وهنا ينقسم القوم إلى فريقين أيضًا: فريق أول يرى أن قادة الكتل السياسية أبلغوه دعمهم له في عدم التصويت على سحب الثقة، نظرًا لظروف معركة الموصل والحاجة إليه كوزير للدفاع في مرحلة حساسة. وفريق ثانٍ يرى أن الدعم الذي حصل عليه العبيدي من قادة تلك الكتل - لا سيما التحالف الوطني الشيعي والتحالف الكردستاني - لم يكن «شيكا على بياض»، بل جاء مشروطا بالامتناع عن الكشف عن ملفات قياديين تابعين لهما، خصوصا أن الوزير أبلغ زعيم كل كتلة الأسماء التي لديه من كتلته ممّن ساوموا الوزير حيال مواضيع العقود والعمولات وغيرها. ومن ثم، لم يعد أمام العبيدي لكي يكون «بطلا مزدوجًا» مثلما يرى منتقدوه سوى أن يقلب الطاولة على الكتلة التي ينتمي إليها، ألا وهي «تحالف القوى العراقية» التي تمثل المكوّن السنّي في البرلمان.
وفي لحظة استجوابه، وما إن شرعت النائبة المستجوبة عالية نصيف في طرح الأسئلة له، وبينما هو لا يزال يجيب عن السؤال الأول، طلب أن يتحدث بصراحة لكن أن لا يكون سليم الجبوري هو من يرأس الجلسة بوصفه رئيسًا للبرلمان. وما إن طلب منه الجبوري الاستمرار في الكلام حتى وجه له اتهاما مباشرا له وللنائبين محمد الكربولي وطالب المعماري. وعندها قرّر الجبوري من تلقاء نفسه التنازل عن رئاسة ليس الجلسة فقط بل حتى البرلمان إلى أن يثبت القضاء براءته. وفي هذه الأثناء بدا العبيدي تفجير قنابله التي طالت النواب السنّة، تحديدًا، وما تخلل الجلسة من تبادل اتهامات ومشادّات، بل وكلمات نابية.
بين الكاظم وأبي حنيفة
لم يعد العبيدي هو المستجوَب بل تحوّل إلى قاضٍ، بينما بدا النواب بمن فيهم رئيسهم سليم الجبوري متهَمين. ولكن استجواب العبيدي لم يستمر طويلاً، إذ نجح في خلط الأوراق تمامًا وبدا البرلمان في حيرة من أمره في كيفية التعامل مع هذه السابقة. وحقًا، إنها المرة الأولى بالفعل التي يتولى مسؤول من كتلة أو مكوّن معين كيل التهم والاتهامات إلى مسؤولين من كتلته ومكوّنه الفئوي بينما يبدو عليه التستر على الآخرين.
وهنا أوقع العبيدي نفسه في تناقض استغله سليم الجبوري، الحاصل على شهادة الدكتوراه في القانون، حين وجد أن التهم التي وجّهها إليه الوزير وعلى الرغم من كل ما حظيت به من اهتمام شعبي لا تستند إلى أدلة قويّة يمكن أن تدين الجبوري ومعه محمد الكربولي والمعماري بالإضافة إلى مسؤولين ورجال أعمال.
وهكذا، ذهب الجبوري إلى منزله متعهّدًا بالعودة الظافرة إلى رئاسة البرلمان، وهو ما قاله لـ«الشرق الأوسط» عشيّة الاتهامات التي وجهها له العبيدي، وهو إن «ما حصل يأتي في إطار الصراع السنّي - السنّي، خصوصًا، أن العرب السنّة الآن في أضعف حالاتهم بعد احتلال مدنهم ومحافظاتهم من قبل (داعش)، وتشريد الملايين منهم. وبالتالي، فإن وزير الدفاع خالد العبيدي مجرد أداة في هذا الصراع الذي يُنفّذ هذه المرة بغطاء شيعي». وتابع: «إن العبيدي لم يكن في الواقع سوى عصا استُخدِمت لضرب الجبهة السنية وهي في لحظة ضعف وتفكك»، وهي المقابلة التي أُجريت معه عشية الاستجواب.
في المقابل، فإن العبيدي اختار طريقًا آخر للاستمرار في حربه التي يخوضها الآن ضد أعضاء من البرلمان (ثلاثة رجال وهم سليم الجبوري ومحمد الكربولي وطالب المعماري وسيدتان هما عالية نصيف وحنان الفتلاوي)، بينما يبدو منهمكًا في خوض حربه الأخرى كوزير للدفاع يعدّ جيشه لخوض أكبر معاركه الفاصلة ضد تنظيم داعش وهي معركة الموصل.
مع ذلك فإن لكتلة «متّحدون» التي يتزعمها أسامة النجيفي وينتمي إليها العبيدي رؤية أخرى في تفسير ما حصل تتناقض مع ما قدمه الجبوري في حديثه السابق. فالقيادي في الكتلة ومحافظ نينوى السابق أثيل النجيفي يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «مهما تكن الأسباب التي دفعت وزير الدفاع إلى تفجير تلك الضجة، ومع يقيننا أنه صراع شخصي لا علاقة للمكوّن السنّي بأسباب حدوثه فإننا نرى أن في تفجير مثل هذه الصراعات فرصة لتطهير الذات في داخل المكون السنّي».
ويضيف النجيفي قائلا إن «الأمل يبقى معقودًا في أن ينتهي هذا الصراع بتمييز القيادات الصالحة عن الفاسدة، بحيث تحذو المكونات (الفئوية) الأخرى حذو ما سبقهم إليه السنّة في رفض احتماء الفساد بغطاء المكون».
وفي حين طالب الجبوري ومن معه من نواب متهَمين برفع الحصانة عنهم من أجل التوجه إلى القضاء لمحاكمتهم، فإن العبيدي تجوّل عصر اليوم نفسه في مزارين دينين لهما وقعهما المؤثر لدى الشيعة والسنّة في العراق، إذ إنه في سياق حاجته إلى دعم جماهيري لما يراه هو حربا على الفساد.. زار عصر يوم استجوابه كلاً من الإمام موسى الكاظم في ضاحية الكاظمية البغدادية، حيث التف حوله الزوّار الشيعة بهتافات ضد الفساد والفاسدين، كما قام في الوقت نفسه بزيارة مماثلة إلى مرقد الإمام أبو حنيفة النعمان في ضاحية الأعظمية، على الضفة المقابلة لنهر دجلة في العاصمة العراقية. ولوحظ أنه حظي بالدعم الجماهيري نفسه مع أن القضية ما زالت معلّقة بعدما تحوّلت إلى حرب تهم متبادلة لا أحد يعرف متى تضع أوزارها.
في سطور
* حتى لحظة استيزاره لم يكن أحد يعرف مهندس الطيران خالد متعب ياسين العبيدي، الذي ينحدر من قبيلة العبيد الكبيرة الممتدة في مناطق مختلفة من العراق شمالا وجنوبًا. وفي حين أن غالبيتها سنّية (يقطن السنّة فيها محافظات ديالى وكركوك، وبالأخص قضاء الحويجة والموصل)، يقطن قسمها الآخر الشيعي محافظات الوسط والجنوب العراقي.
ولد خالد العبيدي عام 1959 في مدينة الموصل، عاصمة شمال العراق (400 كلم شمال بغداد). وهو حاصل على شهادة بكالوريوس في هندسة الطائرات من أكاديمية الهندسة الجوية من يوغوسلافيا السابقة عام 1982 ثم على ماجستير هندسة علوم الفضاء - اختصاص ديناميكية الهواء من جامعة بلغراد في يوغوسلافيا السابقة 1984، وكذلك ماجستير في العلوم العسكرية من كلية الأركان المشتركة العراقية عام 1998 ثم دكتوراه في العلوم السياسية عام 2011.
فاز في الانتخابات في عضوية مجلس النواب من قائمة ائتلاف «متحدون للإصلاح» بزعامة أسامة النجيفي النائب السابق لرئيس الجمهورية ورئيس البرلمان السابق. ويصنَّف العبيدي على فئة التكنوقراط حيث بالإضافة إلى ألقابه الأكاديمية «ماجستير ودكتوراه»، فإنه استنادًا للسيرة الذاتية له يجيد التكلم باللغات العربية والإنجليزية والروسية والصربية.


