تشاد.. في قلب الإعصار

مع بدء إدريس ديبي فترة رئاسته الخامسة

تشاد.. في قلب الإعصار
TT

تشاد.. في قلب الإعصار

تشاد.. في قلب الإعصار

بعد عقود طويلة من الحروب الأهلية والتمرد المسلح، وشرخ اجتماعي متجذر ما بين الجنوب المسيحي - الزنجي والشمال المسلم - العربي، بدأت تشاد قبل سنوات قليلة تدخل مرحلة من الاستقرار الحذر، بعدما تمكن الجنرال إدريس ديبي من إزاحة الرئيس السابق حسين حبري من الحكم في نهاية تمرد عسكري بدأه من الأراضي السودانية. ولقد أعاد ديبي ترتيب الأمور في البلاد بطريقة تضمن له أن يكون محور معادلة الحكم التي لا تستقيم من دونه، والظهور قوة إقليمية في منطقة ملتهبة. وعلى الرغم من الهدوء والاستقرار الذي تحقق في تشاد خلال السنوات الأخيرة وجعلها تظهر بلدًا مستقرًا في محيط إقليمي مضطرب، يرى مراقبون أن ذلك لا يعدو كونه الهدوء الذي يسبق العاصفة، وأن تشاد مرشحة للدخول في دوامة من الهزات الكبيرة بسبب السياسات الجريئة لنظام ديبي، خصوصًا فيما يتعلق بلعب دور «القوة الإقليمية» في منطقة «الساحل الأفريقي» الملتهبة، ومشاركة الجيش التشادي في حروب كثيرة ومعقّدة، بدعم وتشجيع من فرنسا والولايات المتحدة الأميركية.
أمسك العصا الخشبية بقبضته القوية.. اعتدل واقفًا أمام عشرات الآلاف من أنصاره الذين كانوا يهتفون باسمه: إدريس ديبي.. إدريس ديبي. رفع عصاه عن الأرض وبدأ يلقي أول خطاب في مأموريته الخامسة رئيسًا لجمهورية تشاد.
كان حريصًا على إظهار قوته وجبروته، إلا أنه مع ذلك لم يستغن عن تلك العصا التي يتوكّأ عليها بين الفينة والأخرى، ولكنه سيحتاج أكثر لقدراتها السحرية - إن كانت موجودة - وهو يواجه أزمات كثيرة محدقة ببلاده، أزمات يعتقد معارضوه أن الحل السحري الوحيد لها هو أن يغادر السلطة.

تحقيق الاستقرار
«المسؤولون الحكوميون في تشاد نجحوا في تحقيق الاستقرار»، ذلك ما قاله وزير الخارجية التشادي، موسى فقيه محمد، عندما وقف عام 2013 أمام مجلس الأمن بعد انتخاب بلاده عضوًا في المجلس، قال الرجل بثقة كبيرة وهو يلخّص إحساس نظام الرئيس ديبي الكبير بالثقة: «تشاد التي كانت ولعدة عقود أحد الملفات المطروحة على طاولة مجلس الأمن، أصبحت اليوم جزءًا من هذا المجلس. إن تشاد التي كانت قبل سنوات قليلة دولة معدومة، لم تصبح اليوم حاضرة فقط وإنما فاعلة أيضًا».
التقارير الدولية الصادرة في السنوات الأخيرة، التي تناولت الوضع في تشاد بكثير من التحليل والاستشراف المستقبلي، تحدثت عن أزمات صامتة في البلد الذي يحمل بذور الهشاشة منذ استقلاله عن فرنسا عام 1960. وآخر هذه التقارير ذلك الصادر في شهر مارس (آذار) الماضي عن المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات تحت عنوان: «تشاد ما بين الطموح والضعف». يقول هذا التقرير إن «الحركات المجتمعية التي تتصاعد، وتعبئ بشكل خاص فئة الشباب، تعكس استياءً عميقًا في المجتمع وهي نتيجة مباشرة لتراكم عدد من الأزمات التي قد تقود إلى الوقوع في فخ الصراع المسلح».
ويضيف التقرير أن «البلد يواجه أزمة ديمقراطية وسياسية يطبعها غياب التناوب الديمقراطي على السلطة منذ 26 سنة، ووعود كاذبة بمكافحة الفساد والحصانة من العقاب، ولكن أيضًا أزمة اقتصادية ومالية كبيرة ذات انعكاسات خطيرة على التشغيل. وأخيرًا يفتح البلد عدة جبهات عسكرية في ظل الهجمات التي تشنها جماعة (بوكو حرام) الإرهابية المتطرفة منذ يناير (كانون الثاني) 2015»، كل هذه العوامل ترشح الوضع في تشاد للانفجار.

المحيط الملتهب
من خلال نظرة فاحصة للمحيط الإقليمي لدولة تشاد نجد أنها تقع في قلب عاصفة العنف التي تجتاح أفريقيا، فهي محاطة ببؤر انعدام الاستقرار من مختلف الجهات. في الشرق تحدها أزمة دارفور بغرب السودان حيث استقبلت تشاد شهر فبراير (شباط) الماضي عشرات آلاف اللاجئين بعد معارك عنيفة بين الجيش السوداني والمتمردين. أما في الجنوب فيحتدم الصراع الدامي في جمهورية أفريقيا الوسطى، وفي الشمال تشتعل الحرب الأهلية في ليبيا التي تحوّل جنوبها إلى مركز نفوذ للتنظيمات الإرهابية وعصابات الجريمة العابرة للحدود. والمشهد نفسه نجده غربًا، في شمال النيجر المحاذي لتشاد حيث تتمركز عناصر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وتنمو شبكات تهريب السلاح والممنوعات. وكذلك في الجرح النيجيري النازف على وقع ضربات جماعة «بوكو حرام» التي بايعت تنظيم «داعش». ورغم تراجع قوة «بوكو حرام» خلال الفترة الأخيرة بسبب الحرب الإقليمية عليها، فإنها تبقى مصدر تهديد جديًا بالنسبة لتشاد، وتؤثر بشكل كبير على الاقتصاد الهش للبلاد، لا سيما أنها متغلغلة في مجتمعات شمال نيجيريا والكاميرون وتبحث عن موطئ قدم لها في تشاد.
لقد كان انهيار نظام العقيد الليبي معمر القذافي عام 2011 بمثابة الكارثة بالنسبة لتشاد ولنظام رئيسها إدريس ديبي، إذ إنه تسبب في اختلال توازن المنطقة وأسفر عن انتشار شبكات وتنظيمات مسلحة أصبحت مصدر تهديد حقيقيًا لشمال البلاد. وبما أن القذافي كان حليف ديبي التقليدي وأحد المستثمرين الكبار في بلاده، أعرب الرئيس التشادي عن معارضته لتدخل القوى الغربية للإطاحة بنظامه، بيد أنه بعد بضع سنوات (عام 2014) وجد نفسه يدعو لتدخل عسكري دولي في ليبيا، في ضوء خشيته من قرب فقدانه السيطرة على مسالك التجارة في الصحراء، وتأثر التبادلات الاقتصادية في شمال تشاد، بالإضافة إلى انتشار الأسلحة واحتمال ظهور متمردين جُدد.
في خضم هذا الوضع الإقليمي المضطرب بدأت تشاد تتحرك نحو لعب دور «الشرطي الإقليمي»، وذلك من خلال مشاركتها عام 2013 في الحرب على الجماعات الإرهابية في شمال مالي إلى جانب القوات الفرنسية، وتدخلها القوي في الحرب على «بوكو حرام»، والمشاركة في قوة حفظ السلام الأفريقية بجمهورية أفريقيا الوسطى، ودعوتها لتدخل عسكري دولي في ليبيا. كل هذا يؤكد رغبتها في الظهور كقوة عسكرية صاعدة، وفي الوقت عينه تعزيز نفوذها الإقليمي والتغطية على مشكلاتها الداخلية.
في أي حال، على الرغم من المخاطر الكبيرة المحدقة بالبلاد استطاع نظام ديبي أن يحول هذه المخاطر إلى نقاط لصالحه من خلال الظهور حقًا قوة إقليمية معتمدًا على جيش مدرّب على القتال في أكثر المناطق الصحراوية وعورة وجفافًا، وتغلب عليه صبغة الميليشيات أكثر من الجيش المنظم، ولكنه في النهاية يُعد واحدًا من أقوى جيوش المنطقة ويتولى ديبي قيادته بشكل مباشر. إلا أن هذه المكاسب مهددة بنقاط الضعف السياسية والاقتصادية، وغياب عقد اجتماعي داخلي، وفق ما يشير له تقرير المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات.

حليف الغرب
من خلال قراءة العقود الأخيرة من تاريخ تشاد نجد أن هذا البلد كان دائمًا حليفًا مقرّبًا من القوى الغربية، وخصوصا فرنسا والولايات المتحدة الأميركية. وما عززت تحالفاته الصراعات التي خاضتها تشاد مع كل من ليبيا والسودان. وبالتالي، فإن الشراكة الأمنية والعسكرية بين تشاد والغرب ظلت تقوم على مجموعة من الأعداء المشتركين، لكنها تعززت بشكل خاص بعد ظهور التهديد الإرهابي المتمثل في الجماعات المتطرفة المسلحة التي ترفع شعارات إسلامية.
الحرب التي خاضتها القوات التشادية في مالي إلى جانب الفرنسيين، أخرست الانتقادات الفرنسية لنظام الرئيس ديبي، خصوصا فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان والتضييق على الحريات وانعدام أفق للتناوب الديمقراطي على السلطة. وضاعفت مستوى التعاون العسكري بين تشاد والولايات المتحدة خاصة في مجال التكوين والاستخبارات.
وفي غضون ذلك، تنطلق بين الفينة والأخرى تحذيرات من أن يستمدّ النظام التشادي شرعيته من انعدام الاستقرار في محيطه الإقليمي والخوف من الإرهاب، فيقدّم نفسه على أنه الضامن الوحيد للأمن والاستقرار، تمامًا كما اعتمد نظام حسين حبري السابق على معاداته لليبيا والسودان، وأعطى لنفسه الحق في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
إلا أن القوى الغربية كما يبدو غير مستعدة لمراجعة طبيعة شراكتها مع تشاد، ففرنسا اتخذت من نجامينا مقرًا لعملياتها العسكرية المناهضة للإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي، والولايات المتحدة عزّزت من حضورها في البلاد عبر مناورات عسكرية دورية. ثم إن «المجموعة الدولية» التزمت الصمت حيال تعديل الدستور من طرف ديبي وبقائه في السلطة لفترة رئاسية خامسة ستمكنه من تمديد حكمه حتى 31 سنة.

الوضع الداخلي
رغم الصورة الصلبة والقوية التي قدّمتها تشاد للعالم عبر حضورها العسكري في مختلف الصراعات الإقليمية، فإنها لم تخفِ مكامن الهشاشة داخل البلد الذي لا يزال يعد من أفقر بلدان العالم، وتصل نسبة الأمية فيه إلى أكثر من 75 في المائة مديبي الرئيس في السلطة منذ 26 سنة، وغياب أي مخطط لتناوب ديمقراطي، بينما يرى كثير من التشاديين أن ذلك يعرض البلاد لخطر الدخول في أزمة عنيفة خاصة في ظل تدهور الوضع الصحي للرئيس والماضي الدموي الذي عاشته البلاد.
ولعل التشاديين يتذكرون الوعد الذي أطلقه ديبي عندما وصل إلى السلطة عام 1991، حين قال لهم: «لا أعدكم بالذهب ولا بالفضة، لكنني أعدكم بالحرية». اليوم تمنع المظاهرات في تشاد ويُقمَع الشباب المحتجون ويختفي عشرات الجنود لأنهم صوّتوا لصالح المعارضة في انتخابات أبريل (نيسان) الماضي، وفق ما تحدثت عنه المعارضة، وسط حالة من الاحتقان الاجتماعي والتأزم الاقتصادي.
الجدير بالذكر أن الصراعات المسلحة التي تدور في محيط تشاد ليست مجرد مشكلات أمنية، بل أيضًا مشكلات اقتصادية كبيرة بالنسبة لبلد لا يملك أي منفذ على المحيط. إذ تحوّلت الطرق التي تربط العاصمة نجامينا بمحيطها الإقليمي إلى طرق خطرة بسبب «بوكو حرام»، كالطريق الذي يربط نجامينا بمدينة مايدوغوري في شمال شرقي نيجيريا، أو مدينة ماروا في الكاميرون، أو حتى الطريق المؤدي إلى ميناء دوالا الكاميروني الذي يعد المنفذ الأول بالنسبة لتشاد على المحيط الأطلسي. لقد نجحت «بوكو حرام» فعليًا في خنق مدينة نجامينا وكبرى مدن الجنوب.
أما بالنسبة للنفط، فمن المهم أن نعرف أن دخول تشاد نادي البلدان المنتجة للنفط عام 2004 حوّلها إلى «دولة ريعية»، فخلال الفترة ما بين 2004 و2014 تضاعفت ميزانية الدولة أربع مرات، لتنتقل من 670 مليون دولار أميركي إلى 208 مليارات دولار. ولكن في نهاية عام 2014 وجدت الحكومة نفسها أمام وضع صعب بسبب تراجع مستوى الإنتاج في آبار النفط وتأخر انطلاق الأشغال في احتياطات نفطية أخرى.
وتشير التقارير إلى أن عائدات النفط خلال عام 2014 وصلت إلى 1.02 مليار دولار أميركي بيد أنها تراجعت العام الماضي لتتوقف عند 450 مليون دولار فقط. ولقد تراكمت ديون الدولة لصالح الشركات الوطنية والأجنبية، وبدأت الحكومة تتأخر في تسديد رواتب الموظفين ومستحقات المتقاعدين، وهو ما صب النار على زيت الأزمة الاجتماعية والسياسية التي تعيشها البلاد.

ثروات هائلة.. وشعب جائع
* تشاد بلد يقع في قلب القارة الأفريقية، نصفه الشمالي يقع ضمن المجال الصحراوي، بينما يقع نصفه الجنوبي في منطقة استوائية، وتشير الروايات التاريخية إلى أن تشاد أخذت اسمها من نوع من الأسماك الشهيرة في بحيرة تشاد، الواقعة جنوب غربي البلاد، وتطل عليها أربعة بلدان هي: تشاد والنيجر ونيجيريا والكاميرون.
أما المجتمع التشادي فيتكوّن من أجناس بشرية (إثنيات وجماعات) مختلفة، إذ إن الإنسان قطن هذه المنطقة منذ عشرات الآلاف من السنين وفق ما تؤكده الحفريات، إلا أن هجرات كثيرة حوّلت تشاد إلى ملتقى كثير من الحضارات التي قامت في شمال الصحراء وجنوبها. ويبلغ تعداد السكان وفق آخر إحصائية 12 مليون نسمة، مقسّمة إلى أكثر من 260 قبيلة تتكلّم أكثر من مائة لهجة محلية. إلا أن هذه القبائل تضم 25 قبيلة عربية ما جعل بعض الباحثين يضع تشاد ضمن البلدان التي يمكن تصنيفها على أنها عربية، فالعربية لغة رسمية في البلاد منذ عام 1985 ويتكلمها أغلب المواطنين، لكن الفرنسية هي الأخرى لغة رسمية بموجب الدستور وتهيمن على الإدارة.
اقتصاديًا، تعتمد تشاد على الزراعة التي يمارسها عدد كبير من سكان الجنوب، وتخطّط الحكومة منذ عقود لتحقيق الأمن الغذائي، ومع أنها تواجه صعوبات كبيرة في ذلك، فإنها نجحت في رفع مستوى الإنتاج من القطن والفول السوداني والقمح والدَّخن والنخيل والأرز والذرة والمانجو والصمغ العربي. غير أن النفط أصبح العمود الفقري للاقتصاد التشادي في السنوات الأخيرة، إذ بدأ استخراجه وتصديره عام 2004 مع وجود مخزون هائل في الجنوب، بينما تتحدث التقارير عن ثروات معدنية في الشمال لم تستغل بعد من أهمها: اليورانيوم والبوكسيت والحديد والنحاس.
مع كل ذلك تعد تشاد واحدة من أفقر بلدان العالم، وتشكل نسبة الأمية فيها أكثر من 75 في المائة.

محطات سياسية.. صراعات وحروب لا تنتهي
11 / 08 / 1960: تشاد تحصل على استقلالها من فرنسا، والبرلمان التشادي ينتخب فرنسوا تومبالباي رئيسًا للجمهورية.
23 / 04 / 1962: تامبالباي يفوز بالانتخابات الرئاسية بعد اعتماد نظام الحزب الواحد.
28 / 08 / 1968: القوات العسكرية الفرنسية تتدخل لإخماد التمرد المتفجر في شمال تشاد.
01 / 1973: القوات الليبية تسيطر على إقليم أوزو الحدودي في شمال البلاد.
13 / 04 / 1975: انقلاب عسكري يشهد مقتل تومبالباي، والجنرال فيليكس مالوم يتولى رئاسة البلاد بعد خروجه من السجن.
04 / 1978: تدخّل القوات الفرنسية لمساندة الجنرال مالوم.
12 / 02 / 1979: اندلاع مواجهات عنيفة بين قوات الرئيس مالوم والوزير الأول (رئيس الوزراء) حسين حبري.
03 / 1979: استقالة مالوم والوزير الأول حسين حبري، ليصبح غوكوني عويدي رئيسًا لمجلس حكم انتقالي.
29 / 04 / 1979: محمد شواد، من الحركة الشعبية لتحرير تشاد، يصبح رئيسًا للبلاد.
21 / 03 / 1980: تفجرت الحرب الأهلية التشادية بين حسين حبري مدعومًا من فرنسا وغوكوني عويدي مدعومًا من ليبيا.
08 / 1983: مواجهات عنيفة بين قوات حسين حبري ومتمردين مدعومين من ليبيا.
13 / 08 / 1983: القوات الفرنسية في تشاد تسيطر على وسط وجنوب البلاد في عملية «مانتا».
19 / 06 / 1982: حبري يتولى رئاسة تشاد بعد سيطرته على العاصمة نجامينا.
1984: الجفاف يضرب تشاد.
01 / 04 / 1989: محاولة انقلابية يقودها الجنرال إدريس ديبي ضد نظام الرئيس حبري.
10 / 11 / 1989: إدريس ديبي يبدأ التمرّد من شمال البلاد.
02 / 12 / 1990: ديبي يدخل العاصمة نجامينا ويستولي على السلطة.
02 / 03 / 1991: اعتماد الميثاق الوطني، وتنصيب إدريس ديبي رئيسًا للبلاد.
03 / 02 / 1994: المحكمة الدولية في لاهاي (هولندا) تحكم بأحقية تشاد في إقليم أوزو، والقوات الليبية تخلي الإقليم الحدودي.
31 / 03 / 1996: الاستفتاء على دستور جديد للبلاد.
03 / 07 / 1996: إدريس ديبي يفوز بالانتخابات الرئاسية في تشاد (الفترة / المأمورية الرئاسية الأولى).
01 / 1998: «الحركة من أجل الديمقراطية والعدالة» تتمرّد على الحكومة.
20 / 05 / 2001: إعادة انتخاب ديبي ليبدأ فترته (مأموريته) الرئاسية الثانية.
05 / 2002: معارك عنيفة بين المتمردين والحكومة في شمال تشاد.
16 / 05 / 2004: الحكومة تتحدث عن محاولة انقلابية فاشلة ضد ديبي.
26 / 05 / 2004: تعديل دستوري يسمح للرئيس ديبي بالترشح لفترة رئاسية ثالثة.
15 / 03 / 2006: الحكومة تتحدث عن محاولة انقلابية فاشلة.
13 / 04 / 2006: الجيش يحبط هجومًا للمتمردين على العاصمة.
14 / 04 / 2006: استئناف العلاقات الدبلوماسية مع السودان.
02 / 02 / 2008: متمردون يدخلون العاصمة نجامينا ويحتلون القصر الرئاسي، قبل أن ينسحبوا بعد تدخل الجيش.
03 / 05 / 2006: ديبي يفوز بالانتخابات الرئاسية التي قاطعتها المعارضة (الفترة الثالثة).
13 / 03 / 2008: التوقيع في العاصمة السنغالية دكار على اتفاق وقف الأعمال العدائية بين السودان وتشاد.
15 / 11 / 2008: استئناف العلاقات الدبلوماسية مع السودان.
03 / 05 / 2009: توقيع اتفاق مصالحة بين السودان وتشاد في العاصمة القطرية الدوحة.
25 / 07 / 2009: التوقيع في طرابلس على اتفاق سلام مع «الحركة الوطنية» التي تضم ثلاث حركات متمردة.
25 / 04 / 2011: إعادة انتخاب إدريس ديبي لفترة رئاسية رابعة.
01 / 2013: القوات التشادية تشارك في الحرب على الجماعات الإرهابية في شمال مالي إلى جانب القوات الفرنسية.
03 / 2013: اعتقالات واسعة في صفوف المعارضة والصحافة بعد الكشف عن مخطط لاستهداف الرئيس.
16 / 01 / 2015: البرلمان يصادق بالإجماع على إرسال قوات لمحاربة جماعة «بوكو حرام» المتطرفة في نيجيريا والكاميرون.
13 / 02 / 2015: جماعة «بوكو حرام» تشن أولى هجماتها داخل الأراضي التشادية.
10 / 04 / 2016: ديبي يفوز بالانتخابات الرئاسية ويبدأ فترته الرئاسية الخامسة.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.