هوليوود و«سلفاتوري فيراغامو» يحتفلان بالفنون و100 عام من الأناقة

فيروشيو فيراغامو رئيسها التنفيذي: كوننا دارا عائلية ميزة يجب أن نحافظ عليها لا أن نقع في أخطائها ومخاطرها

هوليوود و«سلفاتوري فيراغامو» يحتفلان بالفنون و100 عام من الأناقة
TT

هوليوود و«سلفاتوري فيراغامو» يحتفلان بالفنون و100 عام من الأناقة

هوليوود و«سلفاتوري فيراغامو» يحتفلان بالفنون و100 عام من الأناقة

عندما يتعلق الأمر بالإبهار والترفيه فإنه لا أحد ينافس هوليوود في صنعتها، وهذا ما أكدته في الأسبوع الماضي في حفل كبير جمعت فيه كل عناصر الأناقة والإثارة. كانت المناسبة افتتاح مركز واليس إننبورغ للفنون الأدائية، الذي حضرته باقة من النجوم على رأسهم تشارليز ثيرون، كيفن سبايسي، ديمي مور، جودي فوستر، سيدني بواتييه، جينا ديفيس، وهلم جرا.
الفعالية كانت من تمويل دار «سلفاتوري فيراغامو» الإيطالية، التي شهدت انطلاقتها هنا في هوليوود منذ مائة عام، عندما وصلها الشاب سلفاتوري فيراغامو وهو لا يملك أي شيء سوى حلم عارم بأن يبتكر تصاميم مريحة وأن يجعل تصميم الأحذية مهنة محترمة. هوليوود أعطته أكثر من هذا، ففي غضون بضع سنوات تعد على أصابع اليد الواحدة، سطع نجمه وأصبح يعرف بصانع أحذية النجوم، بعد أن ضمت لائحة زبوناته غريتا غاربو، مارلين مونرو، أودري هيبورن، صوفيا لورين وغيرهن من نجمات الجيل الحالي ممن وقعن تحت سحر أناقة التصاميم وراحتها. لهذا لم يكن غريبا رؤية نخبة المجتمع في لوس أنجليس، باختلاف أعمارهم، يقفون لساعات طويلة يتبادلون أطراف الحديث وهم لا يتململون من الألم أو يتضايقون من الوقوف على كعوب عالية تتطلبها فخامة المناسبة، رغم أن المتعارف عليه أن سكان لوس أنجليس لا يحبون السهر. فأغلب الفعاليات الاجتماعية فيها تنتهي على الساعة الـ9:30 في العادة، بينما امتد الحفل هنا إلى ساعات متأخرة من الليل.
هذه العلاقة الوطيدة بين الحرفية الإيطالية والأناقة الهوليوودية، لا تزال في نظر أفراد عائلة فيراغامو اللبنة التي ساعدت على التحليق باسم الدار إلى العالمية وتوسعها من دار متخصصة في الأحذية إلى إمبراطورية تشمل كل ما يحتاجه الرجل والمرأة من أزياء وإكسسوارات. الأمر الذي أكدته في هذه المناسبة بعرض خاص لتشكيلة ربيع وصيف 2014 التي جرى تقديمها في ميلانو أخيرا، إضافة إلى إكسسوارات صممت خصيصا لهذه المناسبة. التشكيلة التي أبدعها المصمم الفني للدار ماسيمليانو جيورنيتي، تقطر بالأناقة التي تعطي الانطباع للوهلة الأولى أنها موجهة لنجمات هوليوود، لكن الحقيقة أنها تخاطب أيضا امرأة عادية تريد أن تتألق. فدار «فيراغامو» كما برهنت دائما لا تريد أن يرتبط اسمها بشريحة معينة بقدر ما تريد أن يرتبط بالحرفية والأناقة التي لا تعترف بزمن أو فئة معينة، إضافة إلى العملية والراحة. وهذا ما ترجمه المصمم في تشكيلة أغلبها موجه لمناسبات المساء والسهرة تلعب على الشفافية والإثارة، لكن بأسلوب راق. المصمم يشرح بأنه تأثر فيها بالمهندس المعماري المكسيكي ميجيل أينجل أراغونز وفكرة التفصيل العملي الممزوج بانسيابية تمثلت في بعض التفاصيل المستوحاة من ملابس النوم، مثلا أو البليسيهات والتعرجات.
في لقاء جانبي مع، فيروشيو فيراغامو، الرئيس التنفيذي للدار والابن البكر للمؤسس، تمحور الحديث عن البدايات والحلم الأميركي الذي تحقق بفضل عبقرية الأب وقوة الأم المستمدة من غريزتها الأنثوية للبقاء والاستمرار. والحقيقة أنها قصة تستحق أن تتحول إلى فيلم سينمائي لأنها تتمتع بكل عناصر التشويق والدراما والنجاح.
منذ 100 عام، وفي عام 1923 تحديدا، وصل الشاب سلفاتوري فيراغامو من جنوب إيطاليا إلى هوليوود. كل ما كان يتسلح به هو فورة الشباب وطموح بلا حدود لتحقيق حلم راوده منذ الطفولة. لم يكن يحلم بأن يصبح نجما أو بطلا، بقدر ما كان يريد أن يبرع في تصميم أحذية لا مثيل لها، وهي مهنة دخلها كمتدرب وهو طفل لا يتعدى عمره الـ11، ليفتتح محلا خاصا به في بونيتو وهو في الـ13 من العمر، بعدها التحق بأفراد من عائلته يعملون في نفس المجال ببوسطن. هناك، تعرف على عالم مختلف تماما، انبهر فيه بالآلات العصرية وطريقة العمل المتطورة، ورغم ذلك شعر بأن هناك ثغرات فيما يخص الحرفية التي لم تكن متوفرة بشكل كبير. البداية كانت في أوائل العشرينات من القرن الماضي، حين انتقل إلى كاليفورنيا وافتتح فيها محلا لإصلاح الأحذية. وكان من الممكن أن يقنع بهذا، إلا أن طموحه كان أكبر، لهذا انخرط في معهد لدراسة علم تشريح الأقدام حتى يتقن مهنته ويعطيها قيمة لم تكن تحظى بها من قبل. ففي إيطاليا على الأقل، كانت صناعة الأحذية تعد مهنة من لا مهنة له ويمارسها أبناء الطبقات المتدنية. بل وكان العمل فيها يؤثر على سمعة العائلة وكأنها وصمة عار. لم يهتم الشاب سلفاتوري بكل هذا، وكان همه أن يرقى بها إلى مستوى فني، وفي الوقت ذاته أن ينجح في تحقيق المعادلة الصعبة: تقديم أحذية أنيقة ومريحة في الوقت ذاته. وهذا ما نجح فيه وأثار إليه انتباه هوليوود التي أطلقت عليه لقب «صانع أحذية النجوم»، الأمر الذي يمكن أن يأخذنا إلى بداية علاقة النجوم بالموضة. فرغم الاعتقاد السائد بأنها ولدت في الثمانينات على يد مصممين من أمثال جياني فرساشي وجيورجيو أرماني، فإن كتب التاريخ تقول إن هذه العلاقة تعود إلى عهد السينما الصامتة مع سلفاتوري فيراغامو، حين ظهرت كل من ماري بيكفورد ودوغلاس فيربانكس بأحذية من تصميمه في فيلم «لص بغداد» وغيره من الأفلام. تطورت صناعة السينما ومعها تطورت صناعته، وما لبث محله بسانتا باربرا أن أصبح نقطة جذب لنجوم هوليوود من أمثال غلوريا سوانسون، بيت ديفيس، دولوريس ديل ريو وغيرهن. في عام 1927، انتقل إلى فلورنسا بعد أن رسخ أقدامه في هوليوود وضمن ولاء زبائنه فيها. كانت لنقلة إلى فلورنسا مهمة وضرورية، ليضمن الحرفية العالية التي تتميز بها المنطقة من جهة، ولتفادي تبعات الأزمة الاقتصادية التي ألمت بأميركا في نهاية العشرينات، واضطرته أن يلتفت إلى السوق المحلي والأوروبي.
يشرح فيروشيو فيراغامو أن عودته إلى فلورنسا وتأثر مبيعاته في أميركا، لم تعن أن الحلم انتهى، بل العكس كان اختياره لفلورنسا مدروسا لكي تبقى شعلة الحلم ملتهبة: «كان يريد مدينة تعبق بالإلهام.. وفلورنسا فريدة من نوعها وكل ما فيها مثير من بناياتها وفنونها ومآثرها.. كل ما فيها يتنفس فنا». الابتكارات التي قدمها سلفاتوري فيها تؤكد هذا القول، بدليل كعب الـ«بلاتفورم» الذي كان أول من ابتكره. وتقول الرواية إن إحدى السيدات لجأت إليه تشتكي له أن نعل حذائها غير مريح، لأنه غير سميك مما يجعلها تشعر بكل حصاة تمشي فوقها في الشارع وكأنها أشواك مغروسة في قدمها. ما إن سمع شكواها حتى عكف على ابتكار النعل العالي، أو ما أصبح يعرف في لغة الموضة بالـ«بلاتفورم». الابتكار لم يمنح المرأة الراحة فحسب، بل أيضا زادها طولا، الأمر الذي كان كفيلا بأن يعزز من شعبيته ومكانته، خصوصا في هوليوود، التي تحتاج فيها النجمات إلى طول فارع لم تكن كل النجمات تتمتعن به مثل جودي غارلاند. ابتكارات الشاب سلفاتوري لم تتوقف عند هذا الحد، فخلال الحرب العالمية وبسبب شح المواد مثل الجلد والصلب، لجأ إلى خشب الفلين والرافيا، بل وحتى جلد السمك لكي يتغلب على الأزمة. ورغم أن آخرين قلدوه فيما بعد، فإنه يبقى دائما المخترع، سواء تعلق الأمر باستعماله مواد جديدة وغريبة أو تصاميم اكتسبت أشكالا فنية وحداثية سابقة لأوانها لا تزال تلهم مصممي الأحذية الشباب حتى الآن. عند وفاته في عام 1960، كان الإرث الذي خلفه يقدر بـ20.000 تصميم تقريبا. بيد أن هذا لم يكن كافيا لرجل عاش وتنفس الأحذية ورائحة الجلود وكانت أحلامه لا حدود لها منذ الطفولة، فقبل موته، باح لزوجته، واندا، بحلم لم يحققه بعد، ألا وهو أن تتحول «سلفاتوري فيراغامو» إلى دار لا تقتصر على الأحذية فقط، بل تشمل كل ما يزين الجسم من الرأس إلى القدمين، إضافة إلى رغبة قوية بأن يتولى كل من أبنائه الستة العمل فيها. لم تكن واندا وقتها تعرف الكثير عن إدارة الأعمال. فقد كانت أما لستة أطفال وربة بيت، لكنها شعرت بغريزة المرأة والأم بأن عليها أن تحافظ على الإرث الذي خلفه زوجها من دون أن تنسى حلمه الذي لم يحققه في حياته، وهو التوسع إلى مجالات الأزياء وحقائب اليد والأوشحة وأربطة العنق والعطور وغيرها. وبالفعل برهنت أنها لا تحتاج إلى شهادات عالية لكي تقوم بهذه المهمة الصعبة، حسب قول ابنها البكر فيروشيو، الذي التحق بالعمل في الدار وعمره لا يتعدى الـ18 عاما: «أعتقد أن والدتي لعبت دورا كبيرا في حياة كل واحد منا ولا تزال.. إنها مدهشة، فعندما توفي والدي، عملت كل ما في طاقتها لكي تحافظ على إرثه بإدارة أعماله وفي الوقت ذاته الإشراف على بيتها وتربية أطفالها. فقد كانت أما لستة أطفال، كل واحد منا يغني على هواه ومع ذلك نجحت في أن تلعب دور الأب والأم. صحيح أنها لم تكن حائزة على شهادة ماجستير في إدارة الأعمال أو أي شيء مماثل، لكنها أفنت حياتها للعمل من باب شغفها به وولائها لذكرى الزوج».
وحتى الآن، ورغم أنها في التسعينات من العمر، لا تزال واندا تعمل وتحرص على الحضور يوميا إلى المبنى الرئيس لإمبراطورية «سلفاتوري فيراغامو» بفلورنسا للإشراف على سير العمل وعلى بعض المشاريع الفنية التي تمولها الدار. ولا شك أنها تشعر بالرضا بأنها نفذت الوصية الملقاة على عاتقها على أحسن وجه. فكل أولادها الستة عملوا في الدار وكان لكل واحد منهم دور مهم في تقويتها واستمراريتها. صحيح أن أسهمها طرحت في السوق إلا أن النسبة الأكبر لا تزال في حوزة العائلة، مما يجعل أفرادها يتحكمون في مصيرها. يعلق فيروشيو: «كوننا دارا عائلية ميزة يجب أن نحافظ عليها ونستغلها لا أن نقع في أخطائها ومخاطرها. مما لا شك فيه أن العنصر العائلي يجعلها أكثر صلابة وقوة، لكننا ولكي نحافظ على هذه القوة، كان لا بد من وضع شروط وقوانين صارمة نتقيد بها، خصوصا فيما يتعلق بدخول أي فرد جديد إليها. فالعائلة تكبر وأصبح للأبناء أحفاد، مما قد يوقعنا في مطب المحاباة والتفضيل، لهذا فإن العملية تتطلب الكثير من الشروط والاختبارات، والآن هناك ثلاثة أحفاد فقط يعملون في الدار». من هؤلاء الأحفاد، نذكر ابن فيروشيو، جيمس فيراغامو، المشرف على جانب الإكسسوارات النسائية، والوجه الممثل للدار نظرا لوسامته وقدراته على التواصل مع كل الأجيال. يتابع: «نحن محظوظون، لأننا أنجزنا الكثير، لكننا ندرك أننا نحتاج أن لا نتواكل على ما حققناه لحد الآن، وأن ننظر دائما إلى الأمام لنفكر فيما يمكن أن نقوم به لإرضاء زبون الغد، وكيف يمكننا أن نواكب العالم المتغير بسرعة».
كان ابنه جيمس طوال هذا الوقت، يجلس صامتا يستمع باهتمام إلى والده وهو يحكي قصة جده وكأنه يسمعها لأول مرة، قبل أن يلتقط خيط الحديث مديرا الدفة لجانب التصميم والابتكار قائلا: «من المهم أن يكون هناك امتداد لكل شيء، لكن مهم أيضا أن نواكب العصر. نحن نعرف جيدا أن هناك خيطا رفيعا بين أن نكون رائدين ومبتكرين وبين أن نتبع الصرعات ونقع ضحايا لها. من المهم أن نكون مبتكرين، لكن في الوقت ذاته، عليك أن تبتكر منتجات يمكن أن تبقى لفترات طويلة وليست لموسم واحد.. هذا بحد ذاته تحد كبير». ويوافقه والده الرأي قائلا: «الصورة التي نريد أن تعكسها منتجات الدار هي الأناقة التي لا تعترف بزمن. إنها أناقة مبهرة، لكن بعيدة كل البعض عن الاستعراض، وهذا يعني أنه من المهم جدا أن تبقى صادقا مع نفسك ومعتقداتك. فقد مررنا بفترات ربما كانت فيها منتجاتنا كلاسيكية مقارنة بالباقي، لكننا حاولنا دائما أن نوظف التغيرات والتطورات الموسمية بطريقة غير صادمة للعين، وهذا ما جعلنا نحافظ على هويتنا طوال هذه العقود. ولا يمكننا تحت أي ظرف من الظروف أن نقدم منتجا لا يخضع لمعايير الدار في ما يتعلق بالجودة والراحة والابتكار، لأن كل منتج يخرج من معاملنا يجب أن يعبر عن هويتنا واسمنا من النظرة الأولى». كان فيروشيو يتكلم عن الجمال وهوية الدار بحماس لا شك أنه ورثه عن والدته واندا التي قالت في إحدى مقابلاتها النادرة، إن «الابتكار شيء يروق للناس.. والجمال دائم لا يعترف بزمن ولا يشيخ أبدا».



«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
TT

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان على أننا في عصر تنتشر فيه الصورة أسرع من أي بيان سياسي... يكفي ظهورُ نجمةٍ أو شخصية معروفة بإطلالة مدروسة في مناسبةٍ ما لكي تتحول جزءاً من النقاش العام.

ومع انطلاق «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026»، يبرز التساؤل بشأن قدرة مصممي الأزياء على الاستفادة من هذه الومضات والإشعاعات المؤقتة، وما إذا كان ظهور نجمة كبيرة بقطعة مُوقّعة من أحدهم يمكن أن يرتقي به إلى مصاف الكبار من أمثال رالف لورين، وتوري بورش، وكارولينا هيريرا... وغيرهم ممن نجحوا في تأسيس علامات راسخة تمتلك موارد كافية لتجاوز أي تغيرات اقتصادية قصيرة المدى. الجواب وفق ما تابعناه مؤخراً مختلف بالنسبة إلى المصممين الجدد... قد يمنحهم بريقاً سريعاً، لكنه مؤقت لا يترجَم دائماً إلى أرقام.

ليدي غاغا وهي تغني في الـ«سوبر بول إل إكس» بفستان من توقيع المصمم راوول لوبيز (كيربي لي إيماجن)

عندما اعتلت ليدي غاغا مسرح الـ«سوبر بول إل إكس» حديثاً لتقدم عرضها الموسيقي، ارتدت فستاناً أزرق سماوياً صممه الدومينيكاني المقيم في نيويورك، راوول لوبيز، خصيصاً لها. كان رائعاً ولافتاً، وكان من المتوقع أن ينال مصممه ولو قليلاً من سحره. لكن مع انطلاق «أسبوع نيويورك»، غاب اسمه من البرنامج الرسمي. ورغم أنه لم يُصرّح بالسبب، فإن ضيق الحال قد يكون السبب. وهذا يشير إلى أن المنصات الكبرى قد توفر دفعة هائلة للناشئين، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو العلامة.

نيويورك... الحقبة الانتقالية

الدورة الحالية من «أسبوع الموضة الأميركية» تأتي في لحظة مفصلية تتقاطع فيها الموضة مع مناخ سياسي متقلب ووضع اقتصادي هش يضغط على هذه الصناعة منذ سنوات.

رئيس بلدية نيويورك الحالي، زهران ممداني، صرّح مؤخراً أمام مجلس شيوخ الولاية في اجتماع لمناقشة ميزانيتها لعام 2026، بأنها «تقف على حافة الهاوية» ودعا إلى زيادة الضرائب اثنين في المائة على سكان نيويورك الذين يتقاضون أكثر من مليون دولار سنوياً، إلى جانب زيادة معدل الضريبة على الشركات في الولاية. مقترحات طرحها خلال حملته الانتخابية وأكسبته أصواتاً كثيرة ويحتاج إلى تنفيذها على أرض الواقع.

بالنسبة إلى الموضة، فإنها شهدت في العام الماضي انهيار نموذج تجارة التجزئة متعددة العلامات؛ مما خلق حالة من عدم الاستقرار لكثير ممن كانوا يعتمدون عليها للوصول إلى الزبائن. فقد تقدّمت منصة «إسنس» الكندية المعروفة باحتضانها علامات مستقلة بطلب حماية من الإفلاس في أغسطس (آب) الماضي، وكانت مدينةً حينها بنحو 93 مليون دولار كندي للمورّدين. كما أدى اندماج «بيرغدوف غودمان» و«نيمان ماركوس» و«ساكس» تحت مظلة «ساكس غلوبال»، وما تبع ذلك من تعقيدات وتصفيات مالية مطلع هذا العام، إلى تعقيدات كان الكل في غنى عنها.

هذا الواقع كشف عن هشاشة اعتماد العلامات الصغيرة على شبكات توزيع محدودة؛ لأن تأخر مستحقات موسم واحد قد يعني إلغاء عرض أو تقليصه، إضافة إلى تأجيل الإنتاج أو إعادة هيكلة الفريق بالكامل. انسحاب المصمم راوول لوبيز مثلاً من العرض في البرنامج الرسمي لـ«الأسبوع» بات ظاهرة متكررة.

إطلالة كلاسيكية بتوقيع علامة «ذي بابليك سكول نيويورك» التي تأسست عام 2008 (رويترز)

السياسة والموضة

آمال كبيرة معقودة على زهران ممداني حالياً؛ فقد وعد بدعم العلامات الناشئة بغض النظر عن الهوية، بتقديم دعم اقتصادي ملموس لهم؛ مما يمكن أن يُحسن أيضاً الاقتصاد عامة.

فتلاقي الموضة بالسياسة من خلال الاقتصاد في الولايات المتحدة الأميركية عموماً، ونيويورك تحديداً، ليس جديداً؛ ففي عام 2020 نشطت مبادرات، مثل «فاشن أور فيوتشر 2020»، أطلقتها المصممة أبريما إروياه والممثلة روزاريو داوسون، بالتعاون مع أسماء بارزة؛ لتحفيز الجماهير على التسجيل للتصويت. وفي سبتمبر (أيلول) 2024، نظم «مجلس مصممي الأزياء» في أميركا، بدعم من مجلة «فوغ»، مسيرة، مع انطلاق «أسبوع الموضة»، لحشد من الناخبين في فعالية وُصفت بـ«غير الحزبية» رغم مشاركة السيدة الأميركية الأولى حينها، جيل بايدن، فيها.

ألوان زاهية وتصاميم عملية من توري بورش (أ.ف.ب)

الشعارات وحدها لا تكفي

هذا الموسم يلاحَظ خلال «الأسبوع»، وفي مناسبات السجاد الأحمر التي سبقته مثل حفل «غولدن غلوب» توزيع دبابيس «Ice Out» و«Be Good»، وهي مبادرات تراهن على الصور المتداولة رقمياً، وتذكر بقضايا إنسانية ووجودية. لكن هل تكفي لخلق تأثير حقيقي؟ تساؤل يطرحه مصممون، مثل ويلي شافاريا، وهو من أصول آيرلندية ومكسيكية، الذي هجر نيويورك للعرض في «أسبوع باريس»، وتساءل عن جدوى هذه المبادرات الرمزية، قائلاً إن التعبير عن الهوية في حد ذاته سياسي. كثير من المصممين الشباب يوافقونه الرأي ويعتقدون أن الموضة الأميركية تحتاج إلى أكثر من دبابيس أو شعارات. الحل بالنسبة إليهم حالياً هو إبراز القصص الفردية لكل مصمم، من الذي يمثلون «الآخر» بمعناه الثقافي والإنساني. ففي تفرد الهوية تكمن العالمية؛ شرط أن تكون الرسالة واضحة وصادقة. كذلك أعاد فوز زهران ممداني الأمل في عدالة اجتماعية وفي تحريك الأنشطة الإبداعية، خصوصاً أن زوجته ناشطة في المجال الفني بنيويورك.

وبين الغيابات وحضور العلامات الكبيرة، تقف نيويورك اليوم أمام اختبار مزدوج: اقتصادي ثقافي؛ من خلال الرهان على ممداني ذي الأصول الهندية، كما على قدرة مصمميها على تحويل هشاشة اللحظة إلى لغة تُعبر عن التغيير الإيجابي. فنيويورك اقتصاد متكامل بين العقارات والمال والأعمال والمجالات الإبداعية بكل أشكالها. وبينما يبقى مستقبل هذا الاقتصاد في طور التكوين والبناء، فإن ما قُدّم على منصات العرض منذ بداية «الأسبوع» يشير إلى أن القوة لا تزال بيد دور الأزياء ذات التاريخ الطويل. فالطفرات الاقتصادية التي عاشتها نيويورك في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تجعلها تتحرك بمرونة أكبر بفضل مواردها الكافية لمواجهة تقلبات السوق.

من اقتراحات توري بورش (رويترز)

توري بورش مثلاً قدمت عرضها في مبنى «ماديسون أفينيو»، مؤكدة قدرتها على تحقيق المعادلة بين أزياء يسهل تسويقها، والأناقة العابرة للأجيال. تنوعت التصاميم بين بنطلونات من قماش «الكوردروي» ومعاطف خفيفة كأنها مستلهمة من عبايات، وكنزات صوفية نسقتها مع تنورات بعضها مقلّم. في كل هذا ركزت المصممة على أسلوب كلاسيكي يمكن أن يجعل كل قطعة تبقى رفيقة صاحبتها أكثر من موسم. الصوف مثلاً اكتسب لمسة ذهبية من خلال تطريزات معدنية نُفّذت بأيادٍ هندية، والحرير طُوّع في فساتين منسدلة تتميز بخصور منخفضة وألوان تباينت بين الأحمر والأصفر بكل درجاتهما، وعلى نغمات أغنية دوللي بارتون الشهيرة «9 تو 5»، أطلقت مجموعة مستوحاة من ثمانينات القرن الماضي أكدت فيها أن الكلاسيكيات لا تموت، وأن العملية لا تتناقض مع الأناقة.

من اقتراحات «كوتش» وتغلب عليها روح «سبور» وأسلوب عملي مستلهم من حقب ماضية (كوتش)

علامة «كوتش» أيضاً قدمت عرضاً لخص المفهومَين التجاري والفني... قالت الدار إنها استوحته من عصور وحقب ماضية، مثل الأطقم الرياضية المستوحاة من قمصان كرة القدم في السبعينات، والأحذية المصنوعة من جلد الشامواه المعتق، بينما استلهمت الفساتين من الحقبة الفيكتورية، كذلك القمصان ذات الياقات العالية التي تُربط على شكل فيونكة.

العارضة جيجي حديد تفتتح عرض «رالف لورين» (رويترز)

لكن يبقى عرض «رالف لورين» الأكبر إبهاراً؛ فتصاميم الدار تلامس شريحة عالية من الناس حول العالم، كما أن قدراتها التسويقية هائلة، وتتمثل في مشاركات عالمية، مثل «دورة الألعاب الأولمبية الشتوية» الحالية، وإقبال سيدات البيت الأبيض على تصاميمها، حتى أصبحت رمزاً أميركياً قائماً بذاته. لكن الأهم أنها في كل مرة تدغدغ أحلام امرأة تريد «السهل الممتنع».

إطلالة مخملية ظهرت بها جيجي حديد في عرض «رالف لورين» (أ.ف.ب)

ما يُذكر أن الدار واكبت تغيرات عدة؛ اقتصادية واجتماعية وثقافية، ونجحت في التأقلم معها؛ بل وتجاوزها في أحيان كثيرة. لكن هذا لا يمنع من القول إنها كانت محظوظة في أنها واكبت حقباً اقتصادية مزدهرة قادها رؤساء أميركيون، مثل بيل كلينتون. وفي كل المراحل، كانت تصاميمها تعكس الحلم الأميركي. حتى بعد أن دخل «جِيلِ زد» على الخط، وبدأ يفرض أسلوبه على المصممين، قرأ مؤسسها، البالغ من العمر 86 عاماً، نبض السوق جيداً... وهذا ما جعل الدار حتى الآن من بين أكبر المؤثرين على الموضة الأميركية. حتى انخفاض المبيعات بين عامي 2016 و2018 لم يُضعفها، وما اقترحته، مساء الثلاثاء الماضي، كان تحدياً للأزمة النيويوركية، ويؤكد أن الفساتين المخملية والقطع الجلدية ستعرف طريقها إلى خزانة المرأة أينما هي، وأَيَّمَّا كانت هويتها.


ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».