استهجان في مجلس الأمن للموقف الروسي حول «بيان» اليمن.. و14 دولة تعلن تضامنها

الخارجية البريطانية لـ «الشرق الأوسط» : نأسف على عرقلة مشروعنا.. وندعم جهود ولد الشيخ

المبعوث الأممي اسماعيل ولد الشيخ أحمد لدى حضوره لقاء جمعه مع الحوثيين في صنعاء الشهر الماضي (أ.ف.ب)
المبعوث الأممي اسماعيل ولد الشيخ أحمد لدى حضوره لقاء جمعه مع الحوثيين في صنعاء الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

استهجان في مجلس الأمن للموقف الروسي حول «بيان» اليمن.. و14 دولة تعلن تضامنها

المبعوث الأممي اسماعيل ولد الشيخ أحمد لدى حضوره لقاء جمعه مع الحوثيين في صنعاء الشهر الماضي (أ.ف.ب)
المبعوث الأممي اسماعيل ولد الشيخ أحمد لدى حضوره لقاء جمعه مع الحوثيين في صنعاء الشهر الماضي (أ.ف.ب)

انتقدت مصادر دبلوماسية في الأمم المتحدة الموقف الروسي الأخير الرافض توافق المجلس لإصدار بيان صحافي يدعم جهود المبعوث الأممي لليمن، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، لإيجاد حل للأزمة اليمنية واعتبروا موقف السفير «متعنتا». ويعرب مشروع البيان الذي عرقلته موسكو، عن قلق أعضاء مجلس الأمن من إعلان الانقلابيين (الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح)، تأسيس مجلس سياسي، في حين أعربت الخارجية البريطانية أمس عن أسفها على عدم التمكن من التوصل إلى اتفاق، حول مشروعها المطروح.
وقالت المصادر الدبلوماسية، لـ«الشرق الأوسط»، إن موقف السفير الروسي في الرياض، يختلف تماما عن موقف السفير الروسي في الأمم المتحدة، وكأن هناك وزارتين للخارجية الروسية، وأبدت تلك المصادر استغرابها من موقف المندوب الروسي بالأمم المتحدة الذي «عرقل» البيان الداعم للجهود الأممية ويدين الانقلاب في اليمن.
وبما أن البيانات الصحافية والرئاسية لا تصدر في المجلس إلا بالإجماع، فلم يتمكن المجلس من التصرف. إلا أن الأعضاء قرروا عدم السكوت، وأصدروا بيانات باسم بلادهم تؤكد دعمهم الجهود التي يبذلها إسماعيل ولد الشيخ، وتطالب الحوثيين بالكف عن الخطوات أحادية الجانب. وقال السفير الماليزي، إبراهيم رملي، إن بلاده تدعم ولد الشيخ وتأمل في أن يجد المجلس توافقا حول المضي قدما.
ويشير المشروع البريطاني الذي عارضته روسيا، والذي جاء بعد الإعلان الحوثي عن إنشاء المجلس السياسي، إلى قلق أعضاء المجلس إزاء التصرف الحوثي، ويؤكدون «أن ذلك يتعارض مع التزامات دعم عملية السلام التي تسيرها الأمم المتحدة».
ويرى المندوب الروسي، فيتالي تشوركين، ضرورة تضمين نص البيان فقرة بشأن «حكومة الوحدة الوطنية»، وهو ما يراه بقية أعضاء المجلس لا يتماشى مع مواقف المجلس السابقة، التي ترفض خطوات أحادية الجانب وتطالب بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2216. ويطالب ولد الشيخ بضرورة أن يقوم المجلس بدعم جهوده بالإجماع، ويعتبر أن الخطوة التي أقدم عليها الطرف الحوثي تهدد محادثات السلام وتنتهك قرار مجلس الأمن رقم 2216، الذي طالب جميع الأطراف بالكف عن الإجراءات أحادية الجانب التي تقوض عملية الانتقال السياسي في اليمن.
كما أصدرت السفيرة الأميركية، سامنا باور، بيانا رحبت فيه بقبول الحكومة اليمنية بالمقترح المقدم من الأمم المتحدة، مشددة على أن الوضع الراهن في اليمن لا يمكن أن يستمر.
وأشارت باور، في بيان صحافي، إلى الحالة الصعبة التي يواجهها سكان اليمن من نقص في المساعدات الإنسانية والرعاية الصحية وتنامي الإرهاب ووصفت حجم المعاناة بالمهولة، وقالت إن «ثمة حاجة ملحة للتوصل إلى اتفاق سلام ناجح.. وسيكون من المؤسف حقا أن وصلت الجولة الحالية من المفاوضات بين الحكومة اليمنية ووفد الحوثيين والمؤتمر الشعبي العام، والتي من المقرر أن تنتهي يوم 7 أغسطس (آب) الحالي إلى طريق مسدود آخر».
وقالت إن بلادها «ترحب بقبول الحكومة بالمقترح المقدم من الأمم المتحدة ونجدد تأكيد حاجة كلا الجانبين في هذا الصراع لإظهار أقصى قدر من المرونة في المفاوضات. بالإضافة إلى ذلك، فإننا نحث وفد الحوثيين والمؤتمر الشعبي العام إلى العمل بصورة بناءة مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي للتوصل إلى اتفاق بشكل عاجل».
وحذرت باور من فشل العملية السلمية، وقالت: «إذا ما تعرضت العملية السياسية للفشل، فإن المخاطر ستكون وخيمة.
ويجب على جميع الأطراف ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والتمسك بوقف الأعمال العدائية، وإزالة أي عوائق تحول دون إيصال المساعدات الإنسانية، وتأكيد التزامها للتوصل إلى حل سياسي دائم لهذا الصراع».
من جهته، قال متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية، لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن بلاده تأسف على عدم التوصل إلى اتفاق حول البيان الصحافي لمجلس الأمن، الذي تقدمت به لندن، بعد إفادة المبعوث الخاص للأمم المتحدة، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، يوم الأربعاء. وقال: «الحل السياسي هو أفضل وسيلة لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل في اليمن ولإنهاء الصراع والأزمة الإنسانية هناك»، مشيرا إلى أن «المملكة المتحدة تدعم بقوة الجهود التي يبذلها المبعوث الخاص للأمم المتحدة، وتثني على جهوده لجلب أطراف النزاع معا في محادثات السلام في الكويت، التي بدأت في 21 أبريل (نيسان)».
وأضاف: «نستمر في دعم المحادثات، وندعو جميع الأطراف إلى الانخراط بشكل بناء مع المحادثات، واحترام وقف الأعمال العدائية».
إلى ذلك، أكد السفير السعودي لدى الأمم المتحدة، عبد الله المعلمي، أن الخيارات الدبلوماسية ما زالت متاحة، بعدما أعاقت روسيا مشروع بيان صحافي يعرب عن قلق أعضاء مجلس الأمن من إعلان الانقلابيين (الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح)، تأسيس مجلس سياسي، في حين أعربت الخارجية البريطانية، أمس، عن أسفها على عدم التمكن من التوصل إلى اتفاق، حول مشروعها في اليمن.
وقال المعلمي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن الأيام المقبلة سنركز من خلالها على استمرار المشاورات حول موقف واضح لمجلس الأمن على رفض الحوثيين توقيع وثيقة السلام التي طرحت في الفترة الماضية.
وأكد أن الحجة التي تقدم بها المندوب الروسي المطالبة بمزيد من التوضيحات من ولد الشيخ بشأن التطورات حول محادثات السلام، غير مبررة، لافتا إلى أنه خلال الاجتماع اعترضت 14 دولة في مجلس الأمن على ما تقدم به المندوب الروسي. وشدد مندوب السعودية في مجلس الأمن على أن المشاورات مستمرة مع روسيا عبر قنوات متعددة لتوضيح الصورة، إضافة إلى جميع الدول الأعضاء في مجلس الأمن.
وقال المعلمي إن المندوب الروسي انسحب أول من أمس من الجلسة المغلقة، واتخذ موقفًا سلبيًا، وفي نهاية الجلسة لم يكن هناك موقف إيجابي من روسيا حول ما طرح في الموضوع اليمني. وجاء حديث مندوب السعودية الدائم في مجلس الأمن، بعد أقل من 24 ساعة على إعاقة روسيا إصدار بيان صحافي يعرب خلاله أعضاء مجلس الأمن عن قلقهم إزاء إعلان المجلس السياسي للانقلابيين، ويؤكدون فيه أن (ذلك يتعارض مع التزامات دعم عملية السلام التي تسيرها الأمم المتحدة).
وذكر دبلوماسيون أن الحجة التي أوردتها روسيا غير منطقية وغير مقنعه، خصوصا أن إسماعيل ولد الشيخ أحمد أفاد في مجلس الأمن بجلسة مغلقة، مواصلة وفد الحوثيين رفض التوقيع على وثيقة الحل الأخيرة.
ويعول مختصون في الشأن السياسي على التحركات الدبلوماسية لدول التحالف العربي الذي تقوده السعودية، خلال الأيام المقبلة، وذلك للضغط على الميليشيا وحليفهم الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح لوقف الحرب والتوقيع على الخطة التي تقدم بها المبعوث الأممي ووقع عليها وفد الحكومة الشرعية في وقت سابق.



العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.


«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.