القيادي الجهادي نبيل نعيم: تنظيم «الإخوان» يأكل نفسه وسينتهي خلال سنة

قال لـ {الشرق الأوسط} إن استهداف كنيسة الوراق جاء نتيجة لتوصيات الجماعة في مؤتمرها بـ«لاهور»

الشيخ نبيل نعيم
الشيخ نبيل نعيم
TT

القيادي الجهادي نبيل نعيم: تنظيم «الإخوان» يأكل نفسه وسينتهي خلال سنة

الشيخ نبيل نعيم
الشيخ نبيل نعيم

في مكتبه بميدان عبد المنعم رياض المزدحم وسط القاهرة، يراقب الجهادي المصري الذي اختار الطريق السلمي للتغيير منذ سنوات، الأحوال والتقلبات التي تمر بها التيارات الإسلامية في مصر والمنطقة. وفي بلاده التي تشهد تحركات سياسية عاصفة منذ مطلع العام قبل الماضي، تحدث «الشيخ نعيم»، في حوار مع «الشرق الأوسط» عن الجماعات التي أصبح يقودها زملاء قدامى له، تعرفوا بعضهم على بعض في السجون والزوايا والمساجد في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، قبل أن يقرر هو ومجموعة أخرى من الجهاديين، الدعوة إلى انتهاج طريق الحوار والسياسة وقبول الاختلاف، والدعوة لنبذ العنف.
وقال الرجل الذي وجه انتقادات حادة للحكومة أيضا، إن حادث إطلاق النار «الإرهابي» على كنيسة الوراق غرب القاهرة، أثناء حفل زفاف منذ ثلاثة أيام، جاء نتيجة لتوصيات مؤتمر عقده التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين في مدينة لاهور الباكستانية مطلع هذا الشهر. وتحدث «نعيم» عما سماه «تحالفا جديدا» بين جماعة «الإخوان» في كل من مصر وليبيا، وتنظيم القاعدة، على الرغم من قيام أيمن الظواهري زعيم التنظيم، قبل 20 سنة، بتكفير «الإخوان» في كتابه «الحصاد المر».
وقال: «حين عرض علي (الظواهري) طبع هذا الكتاب في ذلك الوقت، رفضت بسبب ما فيه من تكفير لـ(الإخوان)، إلا أنه يبدو أن الزمن تغير (حتى أصبحت ترى الظواهري اليوم يدافع عن الإخوان، والسلفية الجهادية، المؤيدة له، تتحالف معهم)»، لكنه أضاف أن تحالف «الإخوان» الجديد مع المتشددين من «القاعدة» والسلفية الجهادية، يضع نهاية لهذه الجماعة التي تأسست عام 1928، وأضاف قائلا إن «تنظيم (الإخوان) أصبح يأكل نفسه، وسينتهي خلال سنة».
*كيف تنظر إلى حادث كنيسة الوراق؟
- هذا يأتي في إطار توصية المؤتمر الدولي لجماعة «الإخوان» بمدينة لاهور في باكستان، قبل نحو أسبوعين، وكان من أهداف هذا المؤتمر استهداف المنشآت والشخصيات العسكرية، وإرباك الشارع المصري، والإضرار بالاقتصاد المصري قدر الإمكان، وإنشاء ما يسمى (الجيش الحر) في مصر، على غرار الجيش السوري الحر، وإنشاء صندوق لدعم هذه الأفعال وإثارة الفتنة الطائفية، وتقديم الحكومة والفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع والإنتاج الحربي، للمحكمة الجنائية الدولية، وتكليف مكتب محام دولي لرفع قضية ضد من يسمونه (الانقلابيين)، وحادث الكنيسة داخل في إطار هذه التوصيات المدمرة لمؤتمر لاهور».
* هل ترى أن هناك علاقة بين العمليات «الإرهابية التي تجري سواء في سيناء أو في القاهرة أو غيرها من المحافظات وجماعة «الإخوان»؟
- أنا لا أخمن، ولا أقرأ الغيب، ولا أتهم أحدا بالباطل.. هذا هو اعتراف جماعة «الإخوان»، وذلك عندما وقف القيادي في الجماعة محمد البلتاجي على منصة اعتصام «الإخوان» في ساحة رابعة العدوية، وقال: إذا عاد (الرئيس السابق) محمد مرسي إلى كرسي الحكم، فسوف تتوقف العمليات الإرهابية في مصر في غضون ساعتين. هذا اعتراف، وكما يقال: «شهد شاهد من أهلها».. فهل بقي أي تحليل بعد مثل هذه الاعترافات؟
* هل تتوقع مزيدا من عمليات استهداف الجيش والشرطة والكنائس والشخصيات العامة وغيرها؟
- نعم.. أتوقع المزيد من هذه العلميات، لأن جماعة «الإخوان» جماعة كبيرة ولديها تمويل مالي قوي، وكانت تستعد على مدار سنة لمثل هذا اليوم، ولكن هي في النهاية سوف تخسر خسارة شديدة لم تتخيلها على مدار 80 سنة، أي منذ تأسيسها.
*في رأيك، ما موقف التنظيمات الإسلامية الأخرى مثل التيار السلفي والجماعة الإسلامية من أعمال العنف في مصر؟
- التيار السلفي معظمه أعلن موقفه.. وكثير من شيوخ السلفية اتهموا جماعة «الإخوان» بأنها جماعة تعمل ضد الوطن، وأنها تدخل في مخطط لاستهداف الجيش المصري وتدمير الدولة المصرية.
*وماذا عن الجماعة الإسلامية؟
- الجماعة الإسلامية ارتبطت بـ«الإخوان» لأسباب كثيرة؛ أهمها الرغبة في الوجود والقدرة على العمل تحت جناح الإمكانات التي تملكها جماعة «الإخوان». ويوجد قيادات من الجماعة الإسلامية تعرفنا عليهم منذ الأيام الأولى للحركة الإسلامية ونعرف أنه لا فائدة فيهم ولا يمكن التعويل عليهم لا في الحوار ولا في المشورة.
*وماذا عما يقال عن حركة السلفية الجهادية التي بدأت نشاطها المتشدد وعملياتها التي تستهدف الجيش والشرطة، خاصة في سيناء؟
- الحركة السلفية الجهادية معروف عنها أنها ارتبطت مع جماعة «الإخوان»، وأبرز من فيها محمد الظواهري، شقيق زعيم تنظيم القاعدة.. واعترف أحد قيادات هذه الحركة أثناء التحقيق معه في النيابة العامة المصرية، ممن جرى القبض عليهم قبل شهر، بأن السلفية الجهادية حصلت على 25 مليون دولار من قيادي بارز في جماعة الإخوان من أجل توحيد الجماعات الجهادية في سيناء في حركة واحدة، ومبايعتها أيمن الظواهري، وأنا أظن أن المبلغ كان أكثر من ذلك بكثير.
*هل تعني أنه يوجد تعاون، في الوقت الحالي، بين تنظيم القاعدة بقيادة أيمن الظواهري، وجماعة «الإخوان»؟
- الذي يراجع التصريحات الأخيرة لأيمن الظواهري يدرك أنه أصبح من جماعة «الإخوان»، ويدافع عنها، وذلك على الرغم من أنه سبق أن كتب عنها كتاب «الحصاد المر»، قبل نحو 20 سنة، وأذكر أنه طلب مني أن أطبعه له لكنني رفضت ذلك، وأعدته لأيمن مرة أخرى، وقلت له إن هذا الكتاب يكفر جماعة «الإخوان»، إلا أنه أصر في ذلك الوقت على طباعته، ويتناول الكتاب تكفير «الإخوان»، وهو متداول في الوقت الحالي على الإنترنت لمن يريد أن يقرأه.
*وفي رأيك إلى أي شيء سيؤدي هذا التحالف المزعوم بين «القاعدة» و«الإخوان»؟
- هذا التحالف بين «الإخوان» و«القاعدة» سوف يقضي على الجماعة. ويبدو أن الله سبحانه وتعالى قد أذن بالقضاء عليها، وأعتقد أن هذه الجماعة التي مارست ممارسات ترفضها الغالبية العظمى من المصريين سوف تنتهي وتقضي على نفسها في غضون سنة من الآن.
*هل ترى أي تأثير للتعاون بين جماعة «الإخوان» في كل من مصر وليبيا، على الوضع في مصر؟
- «الإخوان» وتنظيم القاعدة في ليبيا متحالفان معا، وهما يسيطران على مناطق كبيرة في ليبيا، ولهذا التحالف بين «الإخوان» و«القاعدة» وجود قوي هناك.. الكل يعرف أن ليبيا ليس فيها جيش قوي ولا شرطة قوية، وحكومتها ضعيفة، وتعتمد على العصبية القبلية.. ومع ذلك أقول إن الوضع في مصر يختلف تماما عن الوضع في ليبيا. والتحالف بين «الإخوان» و«القاعدة» في البلدين يمثل خطورة على المنطقة، ولذلك على السلطات أن تواجه هذا التيار الجديد.
*وماذا يمكن للسلطات أن تفعل حتى تواجه ما تسميه «التحالف بين الإخوان والقاعدة»؟
- أولا هذا التيار، لولا التدخل الأميركي ومساندة بعض الدول الأخرى له، ما كان يمكن له الوجود والتمدد والاستمرار حتى الآن.. ولولا هذا الدعم ما تحركت جماعة «الإخوان» وما تحالفت من أجل تدمير المنطقة ومحاولة تقسيمها إلى دويلات صغيرة، مثلما حدث في السودان. ولكن مشكلتنا في مصر هي أننا حين قمنا بثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، استمر رجال النظام القديم، أي نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، في إدارة الدولة، وحين قمنا بثورة 30 يونيو (حزيران) 2013 أدار الدولة أيضا النظام القديم، أي رجال مبارك أيضا. نحن الآن في مصر في كارثة، وهي كارثة حكومة الدكتور حازم الببلاوي، ولا بد من إيجاد تغيير حقيقي حتى ينصلح حال البلاد.
*كارثة من أي نوع؟
- هذه الحكومة ليست لها علاقة لا بثورة 25 يناير ولا بثورة 30 يونيو، وتحاول أن تعيد «الإخوان» إلى المشهد السياسي مرة أخرى انصياعا للأوامر الأميركية وانصياعا لتوصيات كاثرين آشتون، ممثلة السياسة الأوروبية. أنا أرى أن هذه الحكومة فاشلة.. بل إن المصريين أطلقوا عليها حكومة «الأيدي المرتعشة». ولكن حقيقة الأمر أن الوضع في مصر يحتاج إلى قوة، ولذلك نحن نطالب بأن يكون الفريق أول عبد الفتاح السياسي هو الرئيس المقبل لمصر، ولا بد من ضرب هذه الجماعة بيد من حديد، ولا بد من أن تعلن الحكومة علنا أنها سوف تقضي على تنظيم «الإخوان» شكلا وموضوعا، أي قضاء عضويا وقضاء سياسيا.
*هل تتوقع، في ظل عمليات تهريب السلاح من ليبيا إلى مصر، وانتشاره في أيدي كثير من المتشددين، أن تمثل جماعة «الإخوان» والمتحالفون معها خطورة على مستقبل الدولة المصرية؟
- لا.. قوة «الإخوان» والمتشددين في ليبيا لن تنتقل إلى مصر أبدا، لأن الطبيعة الجغرافية المصرية تقضي عليهم، وعمليات تهريب الأسلحة ليست بتلك السهولة التي يظنها البعض، والجيش المصري والمخابرات المصرية يسيطران على المنطقة الصحراوية الحدودية منذ زمن طويل، وكل القواعد تعمل مع هذه السلطات، من جيش ومخابرات، وليس مع جماعة «الإخوان»، أو الجماعات الإرهابية، ولذلك أتوقع أن تفشل مخططات «الإخوان» والمتحالفين معهم ضد مصر.



اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.


أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
TT

أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

تتصاعد مخاوف من تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية بالصومال في ظل فجوة التمويل الدولي لبعثة الاتحاد الأفريقي (أوصوم)، كان أحدثها تلك التي عبَّر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي دعا لتوفير دعم ثابت ومستدام.

تلك المخاوف الأممية تتزامن مع إمكانية سحب أوغندا قواتها من البعثة، وسبقتها مخاوف مصرية من تداعيات نقص التمويل.

ويرى خبير في الشؤون الصومالية والأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الأمر قد يقود لتراجع مكافحة الإرهاب، مما يعزز من فرص إعادة تمدد «حركة الشباب» المتشددة بالصومال، مؤكداً على أهمية التمويل وثباته في تلك المرحلة الانتقالية بهذا البلد الأفريقي المثقل بالأزمات.

وخلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس)، التي انتهت ولايتها آخر 2024، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

مطالبات أممية

وأمام قمة الاتحاد الأفريقي، السبت، حثّ غوتيريش المجتمع الدولي على توفير تمويل ثابت ومستدام لدعم بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، وآلية تمويل موثوقة لضمان فاعلية واستدامة البعثة في مواجهة التهديدات الأمنية، منتقداً مجلس الأمن الدولي لعدم اتفاقه على تمويل البعثة من خلال مساهمة إلزامية.

ووصف غوتيريش في كلمته مهمة الصومال بأنها اختبار لالتزام المجتمع الدولي بدعم عمليات حفظ السلام التي تقودها دول أفريقية، متسائلاً: «إذا كانت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال لا تستحق الدعم الدولي، فمن الذي يستحقه إذن؟».

وأضاف غوتيريش أن الأمم المتحدة تجري مراجعة شاملة لعمليات حفظ السلام التابعة لها لضمان واقعية ولاياتها، وترتيب أولوياتها بشكل سليم، وتوفير التمويل الكافي لها، وأن تكون مصحوبة بخطة انتقال واضحة.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن تصريحات غوتيريش حول أزمة تمويل بعثة دعم الاستقرار في الصومال تعكس قلقاً حقيقياً داخل الأمم المتحدة من أن ضعف التمويل قد يعرقل مسار مكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظل استمرار تهديد «حركة الشباب».

وأضاف قائلاً إن عدم إلزامية المساهمات «يؤكد صعوبة التخطيط طويل المدى للعمليات الأمنية، واحتمال تقليص القوات كما رأينا من أوغندا أو الدعم اللوجيستي، وهذا قد يؤدي إلى إبطاء العمليات ضد الجماعات المسلحة، وخلق فراغات أمنية في بعض المناطق المحررة، وزيادة الضغط على القوات الصومالية».

وأكد وزير الخارجية وشؤون المغتربين الكيني، موساليا مودافادي، في سبتمبر (أيلول) 2025، أن البعثة تُواجه تحديات تمويلية جدية، ما يستدعي تضافر الجهود الدولية لتأمين موارد كافية تضمن نجاح مهامها في مكافحة الإرهاب.

ودعا مودافادي المجتمع الدولي إلى تقديم دعم مالي ولوجيستي مستدام للبعثة، لتمكينها من مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها تهديدات «حركة الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، وضمان انتقال تدريجي للمهام الأمنية إلى الحكومة الصومالية.

وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية. عقب استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بمدينة العلمين بشمال مصر.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا في أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

ولكن لم يصل إلا تمويل إضافي قليل للغاية، حيث وافق المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في يوليو (تموز ) 2025 على تمويل طارئ إضافي بقيمة 10 ملايين دولار لدعم بعثة «أوصوم»، على أساس أن هذا الدعم المالي «ضروري لتمكين بعثة الاتحاد الأفريقي من تلبية متطلباتها التشغيلية».

ويعتقد بري أن عدم الاستجابة للنداءات الأفريقية بشأن التمويل، يعززه تصريح غوتيريش، ويؤكد أن ثمة تأثيراً قد يحدث في الحرب ضد الإرهاب، محذراً من أنه حال استمر نقص التمويل سيقابله تقليل عدد القوات الدولية وتباطؤ العمليات الهجومية، ومنح «حركة الشباب» فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.

ونبه إلى أن الصومال في مرحلة انتقالية حساسة، وأي ضعف في التمويل قد يعرقل نقل المسؤولية الأمنية بالكامل إلى القوات الصومالية.