القيادي الجهادي نبيل نعيم: تنظيم «الإخوان» يأكل نفسه وسينتهي خلال سنة

قال لـ {الشرق الأوسط} إن استهداف كنيسة الوراق جاء نتيجة لتوصيات الجماعة في مؤتمرها بـ«لاهور»

الشيخ نبيل نعيم
الشيخ نبيل نعيم
TT

القيادي الجهادي نبيل نعيم: تنظيم «الإخوان» يأكل نفسه وسينتهي خلال سنة

الشيخ نبيل نعيم
الشيخ نبيل نعيم

في مكتبه بميدان عبد المنعم رياض المزدحم وسط القاهرة، يراقب الجهادي المصري الذي اختار الطريق السلمي للتغيير منذ سنوات، الأحوال والتقلبات التي تمر بها التيارات الإسلامية في مصر والمنطقة. وفي بلاده التي تشهد تحركات سياسية عاصفة منذ مطلع العام قبل الماضي، تحدث «الشيخ نعيم»، في حوار مع «الشرق الأوسط» عن الجماعات التي أصبح يقودها زملاء قدامى له، تعرفوا بعضهم على بعض في السجون والزوايا والمساجد في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، قبل أن يقرر هو ومجموعة أخرى من الجهاديين، الدعوة إلى انتهاج طريق الحوار والسياسة وقبول الاختلاف، والدعوة لنبذ العنف.
وقال الرجل الذي وجه انتقادات حادة للحكومة أيضا، إن حادث إطلاق النار «الإرهابي» على كنيسة الوراق غرب القاهرة، أثناء حفل زفاف منذ ثلاثة أيام، جاء نتيجة لتوصيات مؤتمر عقده التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين في مدينة لاهور الباكستانية مطلع هذا الشهر. وتحدث «نعيم» عما سماه «تحالفا جديدا» بين جماعة «الإخوان» في كل من مصر وليبيا، وتنظيم القاعدة، على الرغم من قيام أيمن الظواهري زعيم التنظيم، قبل 20 سنة، بتكفير «الإخوان» في كتابه «الحصاد المر».
وقال: «حين عرض علي (الظواهري) طبع هذا الكتاب في ذلك الوقت، رفضت بسبب ما فيه من تكفير لـ(الإخوان)، إلا أنه يبدو أن الزمن تغير (حتى أصبحت ترى الظواهري اليوم يدافع عن الإخوان، والسلفية الجهادية، المؤيدة له، تتحالف معهم)»، لكنه أضاف أن تحالف «الإخوان» الجديد مع المتشددين من «القاعدة» والسلفية الجهادية، يضع نهاية لهذه الجماعة التي تأسست عام 1928، وأضاف قائلا إن «تنظيم (الإخوان) أصبح يأكل نفسه، وسينتهي خلال سنة».
*كيف تنظر إلى حادث كنيسة الوراق؟
- هذا يأتي في إطار توصية المؤتمر الدولي لجماعة «الإخوان» بمدينة لاهور في باكستان، قبل نحو أسبوعين، وكان من أهداف هذا المؤتمر استهداف المنشآت والشخصيات العسكرية، وإرباك الشارع المصري، والإضرار بالاقتصاد المصري قدر الإمكان، وإنشاء ما يسمى (الجيش الحر) في مصر، على غرار الجيش السوري الحر، وإنشاء صندوق لدعم هذه الأفعال وإثارة الفتنة الطائفية، وتقديم الحكومة والفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع والإنتاج الحربي، للمحكمة الجنائية الدولية، وتكليف مكتب محام دولي لرفع قضية ضد من يسمونه (الانقلابيين)، وحادث الكنيسة داخل في إطار هذه التوصيات المدمرة لمؤتمر لاهور».
* هل ترى أن هناك علاقة بين العمليات «الإرهابية التي تجري سواء في سيناء أو في القاهرة أو غيرها من المحافظات وجماعة «الإخوان»؟
- أنا لا أخمن، ولا أقرأ الغيب، ولا أتهم أحدا بالباطل.. هذا هو اعتراف جماعة «الإخوان»، وذلك عندما وقف القيادي في الجماعة محمد البلتاجي على منصة اعتصام «الإخوان» في ساحة رابعة العدوية، وقال: إذا عاد (الرئيس السابق) محمد مرسي إلى كرسي الحكم، فسوف تتوقف العمليات الإرهابية في مصر في غضون ساعتين. هذا اعتراف، وكما يقال: «شهد شاهد من أهلها».. فهل بقي أي تحليل بعد مثل هذه الاعترافات؟
* هل تتوقع مزيدا من عمليات استهداف الجيش والشرطة والكنائس والشخصيات العامة وغيرها؟
- نعم.. أتوقع المزيد من هذه العلميات، لأن جماعة «الإخوان» جماعة كبيرة ولديها تمويل مالي قوي، وكانت تستعد على مدار سنة لمثل هذا اليوم، ولكن هي في النهاية سوف تخسر خسارة شديدة لم تتخيلها على مدار 80 سنة، أي منذ تأسيسها.
*في رأيك، ما موقف التنظيمات الإسلامية الأخرى مثل التيار السلفي والجماعة الإسلامية من أعمال العنف في مصر؟
- التيار السلفي معظمه أعلن موقفه.. وكثير من شيوخ السلفية اتهموا جماعة «الإخوان» بأنها جماعة تعمل ضد الوطن، وأنها تدخل في مخطط لاستهداف الجيش المصري وتدمير الدولة المصرية.
*وماذا عن الجماعة الإسلامية؟
- الجماعة الإسلامية ارتبطت بـ«الإخوان» لأسباب كثيرة؛ أهمها الرغبة في الوجود والقدرة على العمل تحت جناح الإمكانات التي تملكها جماعة «الإخوان». ويوجد قيادات من الجماعة الإسلامية تعرفنا عليهم منذ الأيام الأولى للحركة الإسلامية ونعرف أنه لا فائدة فيهم ولا يمكن التعويل عليهم لا في الحوار ولا في المشورة.
*وماذا عما يقال عن حركة السلفية الجهادية التي بدأت نشاطها المتشدد وعملياتها التي تستهدف الجيش والشرطة، خاصة في سيناء؟
- الحركة السلفية الجهادية معروف عنها أنها ارتبطت مع جماعة «الإخوان»، وأبرز من فيها محمد الظواهري، شقيق زعيم تنظيم القاعدة.. واعترف أحد قيادات هذه الحركة أثناء التحقيق معه في النيابة العامة المصرية، ممن جرى القبض عليهم قبل شهر، بأن السلفية الجهادية حصلت على 25 مليون دولار من قيادي بارز في جماعة الإخوان من أجل توحيد الجماعات الجهادية في سيناء في حركة واحدة، ومبايعتها أيمن الظواهري، وأنا أظن أن المبلغ كان أكثر من ذلك بكثير.
*هل تعني أنه يوجد تعاون، في الوقت الحالي، بين تنظيم القاعدة بقيادة أيمن الظواهري، وجماعة «الإخوان»؟
- الذي يراجع التصريحات الأخيرة لأيمن الظواهري يدرك أنه أصبح من جماعة «الإخوان»، ويدافع عنها، وذلك على الرغم من أنه سبق أن كتب عنها كتاب «الحصاد المر»، قبل نحو 20 سنة، وأذكر أنه طلب مني أن أطبعه له لكنني رفضت ذلك، وأعدته لأيمن مرة أخرى، وقلت له إن هذا الكتاب يكفر جماعة «الإخوان»، إلا أنه أصر في ذلك الوقت على طباعته، ويتناول الكتاب تكفير «الإخوان»، وهو متداول في الوقت الحالي على الإنترنت لمن يريد أن يقرأه.
*وفي رأيك إلى أي شيء سيؤدي هذا التحالف المزعوم بين «القاعدة» و«الإخوان»؟
- هذا التحالف بين «الإخوان» و«القاعدة» سوف يقضي على الجماعة. ويبدو أن الله سبحانه وتعالى قد أذن بالقضاء عليها، وأعتقد أن هذه الجماعة التي مارست ممارسات ترفضها الغالبية العظمى من المصريين سوف تنتهي وتقضي على نفسها في غضون سنة من الآن.
*هل ترى أي تأثير للتعاون بين جماعة «الإخوان» في كل من مصر وليبيا، على الوضع في مصر؟
- «الإخوان» وتنظيم القاعدة في ليبيا متحالفان معا، وهما يسيطران على مناطق كبيرة في ليبيا، ولهذا التحالف بين «الإخوان» و«القاعدة» وجود قوي هناك.. الكل يعرف أن ليبيا ليس فيها جيش قوي ولا شرطة قوية، وحكومتها ضعيفة، وتعتمد على العصبية القبلية.. ومع ذلك أقول إن الوضع في مصر يختلف تماما عن الوضع في ليبيا. والتحالف بين «الإخوان» و«القاعدة» في البلدين يمثل خطورة على المنطقة، ولذلك على السلطات أن تواجه هذا التيار الجديد.
*وماذا يمكن للسلطات أن تفعل حتى تواجه ما تسميه «التحالف بين الإخوان والقاعدة»؟
- أولا هذا التيار، لولا التدخل الأميركي ومساندة بعض الدول الأخرى له، ما كان يمكن له الوجود والتمدد والاستمرار حتى الآن.. ولولا هذا الدعم ما تحركت جماعة «الإخوان» وما تحالفت من أجل تدمير المنطقة ومحاولة تقسيمها إلى دويلات صغيرة، مثلما حدث في السودان. ولكن مشكلتنا في مصر هي أننا حين قمنا بثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، استمر رجال النظام القديم، أي نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، في إدارة الدولة، وحين قمنا بثورة 30 يونيو (حزيران) 2013 أدار الدولة أيضا النظام القديم، أي رجال مبارك أيضا. نحن الآن في مصر في كارثة، وهي كارثة حكومة الدكتور حازم الببلاوي، ولا بد من إيجاد تغيير حقيقي حتى ينصلح حال البلاد.
*كارثة من أي نوع؟
- هذه الحكومة ليست لها علاقة لا بثورة 25 يناير ولا بثورة 30 يونيو، وتحاول أن تعيد «الإخوان» إلى المشهد السياسي مرة أخرى انصياعا للأوامر الأميركية وانصياعا لتوصيات كاثرين آشتون، ممثلة السياسة الأوروبية. أنا أرى أن هذه الحكومة فاشلة.. بل إن المصريين أطلقوا عليها حكومة «الأيدي المرتعشة». ولكن حقيقة الأمر أن الوضع في مصر يحتاج إلى قوة، ولذلك نحن نطالب بأن يكون الفريق أول عبد الفتاح السياسي هو الرئيس المقبل لمصر، ولا بد من ضرب هذه الجماعة بيد من حديد، ولا بد من أن تعلن الحكومة علنا أنها سوف تقضي على تنظيم «الإخوان» شكلا وموضوعا، أي قضاء عضويا وقضاء سياسيا.
*هل تتوقع، في ظل عمليات تهريب السلاح من ليبيا إلى مصر، وانتشاره في أيدي كثير من المتشددين، أن تمثل جماعة «الإخوان» والمتحالفون معها خطورة على مستقبل الدولة المصرية؟
- لا.. قوة «الإخوان» والمتشددين في ليبيا لن تنتقل إلى مصر أبدا، لأن الطبيعة الجغرافية المصرية تقضي عليهم، وعمليات تهريب الأسلحة ليست بتلك السهولة التي يظنها البعض، والجيش المصري والمخابرات المصرية يسيطران على المنطقة الصحراوية الحدودية منذ زمن طويل، وكل القواعد تعمل مع هذه السلطات، من جيش ومخابرات، وليس مع جماعة «الإخوان»، أو الجماعات الإرهابية، ولذلك أتوقع أن تفشل مخططات «الإخوان» والمتحالفين معهم ضد مصر.



هادي واليمن... وداع أعقب مساراً حافلاً بالتحوّلات

الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
TT

هادي واليمن... وداع أعقب مساراً حافلاً بالتحوّلات

الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)

رحل الرئيس اليمني السابق المشير عبد ربه منصور هادي، الخميس، في العاصمة السعودية الرياض عن عمر ناهز 81 عاماً، وبذلك يطوي اليمن أحدَ أعقد فصوله السياسية والعسكرية منذ قيام الوحدة عام 1990؛ إذ يغيب الرجل الذي ارتبط اسمه بالمرحلة الانتقالية، والحوار الوطني، ثم الحرب الممتدة التي اندلعت عقب انقلاب الحوثيين على الدولة في أواخر 2014.

لم يكن هادي قائداً صدامياً أو خطيباً شعبوياً، بل ظهر طيلة مسيرته بوصفه رجل المؤسسة الهادئ، الذي فضل العمل بصمت، وتجنب المواجهات الحادة، حتى وهو في قلب أخطر الأزمات في تاريخ اليمن الحديث؛ مما جعله بين رؤيتين، فهناك من يراه شخصية توافقية جنبت البلاد انهيارات أكبر، وهناك من يحمله مسؤولية التراخي أمام تمدد الحوثيين وسقوط معظم مناطق شمال البلاد.

وُلد عبد ربه منصور هادي في 1 سبتمبر (أيلول) 1945 بقرية ذكين التابعة لمديرية الوضيع بمحافظة أبين جنوب اليمن، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة قبل أن يتجه مبكراً إلى الحياة العسكرية.

تلقى تعليمه العسكري في عدد من الأكاديميات الخارجية، أبرزها «أكاديمية ساندهيرست» العسكرية الملكية في بريطانيا التي تخرج فيها عام 1966، كما حصل على دراسات عليا عسكرية في «أكاديمية ناصر» بمصر، ودورات تخصصية في الاتحاد السوفياتي السابق.

الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي يغادر الحياة بعد تاريخ حافل (إعلام حكومي)

تدرج هادي في المناصب العسكرية داخل جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوب اليمن سابقاً)، وتولى مواقع قيادية في سلاح المدرعات، قبل أن تشكل أحداث يناير (كانون الثاني) 1986 الدامية نقطة التحول الأبرز في حياته السياسية والعسكرية.

فبعد خسارة جناح الرئيس الجنوبي السابق علي ناصر محمد في تلك المواجهات، غادر هادي إلى صنعاء مع آلاف العسكريين الجنوبيين، ليبدأ مرحلة جديدة داخل الدولة اليمنية الشمالية، قبل قيام الوحدة بين الشطرين عام 1990.

برز اسم هادي بصورة أوضح خلال حرب صيف 1994، حين عينه الرئيس الراحل علي عبد الله صالح وزيراً للدفاع في مواجهة محاولة الانفصال التي قادها نائب الرئيس حينها الراحل علي سالم البيض.

وبعد انتهاء الحرب وتثبيت الوحدة، اختاره صالح نائباً لرئيس الجمهورية في أكتوبر (تشرين الأول) 1994، ليبقى في المنصب نحو 18 عاماً، في إحدى أطول فترات شغل منصب نائب الرئيس في تاريخ اليمن.

خلال تلك السنوات، عُرف هادي بأنه «الرجل الصامت» داخل السلطة؛ إذ نادراً ما دخل في صراعات مراكز النفوذ، أو ظهر طرفاً في التنافسات القبلية والعسكرية التي أحاطت بالرئيس صالح. كما حافظ على صورة المسؤول الإداري والعسكري المنضبط؛ الأمر الذي جعله مقبولاً لدى أطراف داخلية وخارجية بوصفه شخصية غير صدامية.

رئيس المرحلة الانتقالية

مع اندلاع احتجاجات عام 2011 ضد حكم صالح، دخل اليمن مرحلة سياسية شديدة الاضطراب، انتهت بتوقيع «المبادرة الخليجية» التي نقلت السلطة إلى هادي بوصفه رئيساً توافقياً للمرحلة الانتقالية.

وفي فبراير (شباط) 2012، انتُخب هادي رئيساً توافقياً لليمن بدعم محلي وإقليمي ودولي واسع، وسط آمال بإنقاذ البلاد من الانهيار، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

وتمثلت أبرز محطات عهده المبكرة في رعايته «مؤتمر الحوار الوطني الشامل» بين 2013 و2014، وهو المؤتمر الذي جمع مختلف القوى السياسية والمجتمعية، بمن فيهم الحوثيون والحراك الجنوبي؛ بهدف صياغة مشروع دولة اتحادية حديثة.

وعدّ كثير من اليمنيين آنذاك «الحوار الوطني» فرصةً تاريخية لإنهاء الصراعات المزمنة والتأسيس لدولة جديدة، غير أن الأحداث اللاحقة دفعت البلاد إلى مسار مغاير تماماً، حيث اجتاح الحوثيون في سبتمبر (أيلول) 2014 العاصمة صنعاء وسيطروا على مؤسسات الدولة، قبل أن يفرضوا الإقامة الجبرية على الرئيس هادي.

الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي (إعلام حكومي)

ورغم تقديمه استقالته تحت الضغط، فإن هادي تمكن في فبراير (شباط) 2015 من الفرار إلى عدن، وأعلن تمسكه بشرعيته الدستورية، قبل أن تتوسع الهجمات الحوثية وتدفعه لاحقاً إلى الانتقال للرياض.

ومن العاصمة السعودية، قاد هادي السلطة الشرعية المعترف بها دولياً طيلة سنوات الحرب، مستنداً إلى دعم واسع من التحالف العربي بقيادة السعودية، وإلى غطاء سياسي وقانوني وفره قرار مجلس الأمن الدولي «2216».

وخلال تلك السنوات، احتفظت حكومته باعتراف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وظل يمثل اليمن في المحافل الدولية رغم فقدان سلطته الفعلية على العاصمة المختطفة صنعاء وأجزاء واسعة من شمال البلاد.

جدل بشأن شخصيته وأدائه

أثارت شخصية هادي وأسلوبه في الحكم انقساماً واسعاً بين اليمنيين والمراقبين. فمنتقدوه رأوا أن طبيعته الهادئة، وميله إلى التريث، أضعفا مؤسسات الدولة في لحظات مصيرية، وأن بطء قراراته سمح للحوثيين بالتمدد والسيطرة على صنعاء. كما وُجهت إليه انتقادات تتعلق باعتماده على شبكات نفوذ حزبية وقبلية لم تنجح في حسم المعركة.

في المقابل، يرى مؤيدوه أن الرجل تسلم بلداً منهكاً وجيشاً منقسماً، وأنه واجه مشروعاً مسلحاً مدعوماً إقليمياً وسط ظروف جد استثنائية، ويرى هؤلاء أن هادي نجح في الحفاظ على الشرعية القانونية للدولة اليمنية، ومنع سقوطها الكامل في العزلة الدولية.

كما يشير مقربون منه إلى أن تمسكه بخيار الحوار والتوافق لم يكن ضعفاً، بل قناعة سياسية جنبت اليمن حروباً أوسع في المراحل الأولى من الأزمة.

اليمنيون انقسموا بشأن هادي بين مؤيد جهوده ومنتقد طريقة قيادته البلاد (أ.ف.ب)

حظي هادي طيلة فترة حكمه بدعم إقليمي ودولي استثنائي؛ إذ تبنت دول الخليج، وفي مقدمها السعودية، مسار انتقال السلطة في اليمن عبر المبادرة الخليجية.

كما تحول بعد انقلاب الحوثيين عنواناً للشرعية اليمنية الوحيدة المعترف بها دولياً، وحصل على دعم سياسي وعسكري واسع من التحالف العربي، إضافة إلى مساندة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

واحتفظ اليمن خلال سنوات الحرب بمقعده في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية باسم حكومة هادي، وهو ما عُدّ أحد أبرز إنجازاته السياسية، خصوصاً في ظل مساعي الحوثيين للحصول على اعتراف دولي.

مغادرة السلطة بهدوء

في أبريل (نيسان) 2022، أعلن هادي نقل كامل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، في خطوة عدّها كثيرون تحولاً مفصلياً داخل معسكر الشرعية.

وجاء القرار عقب مشاورات يمنية - يمنية استضافتها الرياض، وسط ضغوط لإعادة ترتيب القوى المناهضة للحوثيين، وتوحيد مكوناتها السياسية والعسكرية.

ولقيت الخطوة ترحيباً إقليمياً ودولياً واسعاً، بوصفها انتقالاً سلمياً ومنظماً للسلطة، بينما اختار هادي الابتعاد عن المشهد السياسي بصورة شبه كاملة خلال سنواته الأخيرة.

الرئيس اليمني السابق هادي رحل بهدوء بعد 4 سنوات من تسليمه قيادة الشرعية (رويترز)

وأعلنت الرئاسة اليمنية، الخميس، وفاة هادي بعد معاناة صحية، مشيدة بما وصفتها بـ«مواقفه الوطنية» ودوره في الحفاظ على الشرعية ووحدة اليمن.

وبرحيله، يغيب آخر رئيس قاد اليمن الموحد في ظل الاعتراف الدولي الكامل قبل تشظي مؤسسات الدولة والحرب المفتوحة التي فجرها الحوثيون المدعومون من إيران، تاركاً وراءه إرثاً سياسياً وعسكرياً سيظل محل نقاش طويل بين اليمنيين.

فالرجل الذي جاء إلى السلطة بوصفه «مرشح التوافق» وجد نفسه يقود بلداً ينهار تحت وطأة الانقسامات والانقلاب الحوثي، وظل حتى لحظة مغادرته الحكم متمسكاً بشرعية الدولة، قبل أن يرحل بهدوء، مسدلاً الستار على فصل بالغ التعقيد من تاريخ اليمن المعاصر.

اقرأ أيضاً


«ضيوف مصر» يستحضرون طقوسهم في العيد

سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)
سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)
TT

«ضيوف مصر» يستحضرون طقوسهم في العيد

سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)
سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)

مع استضافة مصر أكثر من 9 ملايين وافد ولاجئ على أراضيها تبرز طقوس مختلفة للاحتفاء بعيد الأضحى، ويحرص من تطلق عليهم الحكومة «ضيوف مصر»، من سوريين ويمنيين وسودانيين وفلسطينيين وغيرهم، على التمسك بتقاليد بلادهم عبر مظاهر وعادات تعزز التقارب بين العائلات والأصدقاء، وتتشابه إلى حدٍّ ما مع طقوس مصرية راسخة.

وتسيطر «الأكلات التراثية» واللحوم بأنواعها المختلفة على الجزء الأكبر من مظاهر الاحتفاء بعيد الأضحى، ويبقى لدى من يقبعون داخل الأراضي المصرية رغبة في الشعور بالألفة والتكافل الاجتماعي في ظل أوضاع اقتصادية يعانيها بعضهم، وتوترات إقليمية تتصاعد وتيرتها في المنطقة وتؤثر عليهم وهم خارج حدود أوطانهم.

طقوس سودانية وأكلات تراثية

وللزيارات الاجتماعية أهمية كبيرة في عيد الأضحى، خاصة مع ظروف الحرب واللجوء.

مصلون يؤدون صلاة العيد في ساحات المساجد بمحافظات مصر (محافظة بورسعيد)

وتقول السودانية نوسيبا سعيد لـ«الشرق الأوسط» إن طقوس احتفالات السودانيين في مصر بعيد الأضحى تبدأ مبكراً قبل وقفة عرفات بنحو أسبوع؛ إذ يتم تجهيز «الحِنة» الحمراء التي تستخدمها النساء كأحد أهم مظاهر التزيّن في المناسبات، ثم صنع الحلوى السودانية. أما في ليلة العيد، فتبدأ الأسر في تجهيز بعض المكونات الخاصة بأكلات العيد.

وتحدثت نوسيبا، التي تقيم بمنطقة ترسا في محافظة الجيزة ولديها خمسة أطفال، عن أول أيام العيد قائلة: «البعض يشتري ذبيحة أو يتشارك مع مجموعة في أضحية واحدة بسبب الوضع الاقتصادي، وبعضنا يلجأ إلى شراء اللحوم، لكننا نحرص على توزيع أكبر قدر من الذبيحة على العائلات السودانية، ثم ننتقل إلى الزيارات العائلية».

تتناول نوسيبا إفطار اليوم الأول في أحد منازل أقاربها، ويكون حسب طقوس سودانية عبارة عن طهي «الكرشة»، ثم يكون الغداء في منزل آخر، ويتكون من الأكلات التراثية مثل «العصيدة والملاح والكبدة».

الحلوى الشامية تبرز في احتفالات السوريين

وتشكل «أكلات العيد» أحد أهم مظاهر احتفالات السوريين في مصر، بجانب الحلوى الشامية الشهيرة. يقول الشاب السوري خالد محمد لـ«الشرق الأوسط»: «المأكولات السورية والحلويات الشامية تكون حاضرة دائماً في عيد الأضحى، مثل (المنسف الحلبي) و(الشاكرية) و(المعمول)».

أطفال في احتفالية بمفوضية شؤون اللاجئين بمصر (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)

ويسترسل خالد، الذي يعمل في أحد متاجر العطور بوسط القاهرة ويعيش بحي بولاق الدكرور، في الحديث عن مظاهر الاحتفال بالعيد فيقول: «أول أيام العيد يبدأ بزيارة العائلات والأصدقاء، ثم يتوجه الشباب أو العائلات إلى أماكن الترفيه في مصر مثل دور السينما والملاهي».

ومن أبرز مظاهر الاحتفال أيضاً التردد على المطاعم السورية المنتشرة بمناطق عديدة في القاهرة والمحافظات المختلفة. وقال: «السوريون المقتدرون يحرصون على توزيع لحوم الأضاحي على العائلات السورية غير المقتدرة، كما انتشر نظام (الشير)؛ إذ يتشارك مجموعة أشخاص في أضحية واحدة».

التقاليد التراثية الفلسطينية

على الرغم من بعض التشابه في طقوس الاحتفال بعيد الأضحى بين الشعبين، يحرص الفلسطينيون في مصر على التمسك بتقاليدهم التراثية بهدف الحفاظ على الهوية ونقلها إلى الأجيال الجديدة، بحسب عضو الهيئة الإدارية باتحاد الفنانين الفلسطينيين (فرع القاهرة) خالد أبو الفحم.

وأضاف أبو الفحم لـ«الشرق الأوسط»: «الفلسطينيون في مصر يمزجون بين التقاليد المصرية والفلسطينية. نحن نعيش ونعايش الطقوس المصرية بحكم إقامتنا منذ سنوات، ونحرص أيضاً على التمسك بطقوسنا الوطنية للحفاظ على هويتنا، سواء الأطعمة التقليدية أو الموسيقى التراثية».

أطفال يحتفلون بالعيد في مصر (أ.ب)

وكالسوريين والسودانيين، يحرص المقتدرون من الفلسطينيين والمنظمات والجمعيات الأهلية الفلسطينية على وصول لحوم الأضاحي إلى أبناء وطنهم في مصر «على أمل أن تقلل فرحة العيد معاناة التشرذم»، حسبما قال أبو الفحم في معرض حديثه عن أهمية التضامن الاجتماعي.

وأضاف: «نقدم أيضاً العيدية للأطفال، ونقوم بعد صلاة العيد بزيارات اجتماعية لأكبر عدد من الأسر الفلسطينية حيث نقسم أنفسنا إلى مجموعات، كما نحرص على زيارة الجرحى والمرضى الذين يتلقون العلاج بالمستشفيات المصرية».

تكافل اجتماعي بين اليمنيين

ولا يختلف الأمر في تفاصيل التضامن الاجتماعي والتمسك بالطقوس الوطنية عند اليمنيين. وتقول الثلاثينية فردوس سالم لـ«الشرق الأوسط»: «الأسر اليمنية في مصر تحرص على استدعاء الطقوس الوطنية خلال احتفالات عيد الأضحى؛ إذ نطهو الأطعمة اليمنية التقليدية، ونجهز الحلويات، ونشتري ملابس العيد للأطفال، ويحرص الكثيرون من كبار السن على ارتداء الملابس الوطنية اليمنية».

وتؤكد فردوس، التي تعيش في حي فيصل بمحافظة الجيزة: «أجواء العيد تبرز التكافل بين اليمنيين؛ إذ يقوم الكثيرون بإيصال لحوم الأضحية إلى منازل الأسر اليمنية، ثم نزور الأصدقاء والمعارف عقب صلاة العيد، يلي ذلك الخروج إلى المتنزهات أو التجمع في المطاعم اليمنية».


نبيل فهمي يستعد لقيادة الجامعة العربية خلال شهر

السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)
السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

نبيل فهمي يستعد لقيادة الجامعة العربية خلال شهر

السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)
السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)

يستعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير نبيل فهمي، لتسلم مهام منصبه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية في الأول من يوليو (تموز) المقبل، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط الذي تنتهي ولايته في 30 يونيو (حزيران).

وكانت الدورة العادية الـ165 لمجلس وزراء الخارجية العرب، التي عقدت في مارس (آذار) الماضي عن بُعد عبر تقنية الاتصال المرئي، قد اعتمدت بالإجماع قراراً برفع توصية إلى الدورة العادية الخامسة والثلاثين للقمة العربية المقبلة بالمملكة العربية السعودية بدعم ترشيح فهمي أميناً عاماً للجامعة لمدة خمس سنوات اعتباراً من الأول من يوليو 2026.

وقالت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» إن الأمين العام الجديد بدأ بالفعل الاستعداد لتولي مهام منصبه، مشيرة إلى أن فهمي «زار مقر الجامعة بالعاصمة المصرية القاهرة وعقد لقاءات للتعرف على طاقم العمل».

كما عقد فهمي لقاءات مع عدد من المندوبين الدائمين بجامعة الدول العربية تناولت تعزيز دور الجامعة في دعم قضايا العمل العربي المشترك، كما عرض رؤيته للجامعة العربية وتطوير آليات العمل المشترك.

نبيل فهمي يلتقي المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى الجامعة العربية مهند العكلوك (مندوبية فلسطين)

وفي مطلع الشهر الحالي، التقى فهمي السفير مهند العكلوك، المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى جامعة الدول العربية، في مكتبه بالقاهرة. ووفق بيان لمندوبية فلسطين «دار النقاش حول تعزيز فعالية جامعة الدول العربية في إطار الدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، بما يشمل تنفيذ قرارات مجلس الجامعة على مستوى القمة ووزراء الخارجية والمندوبين الدائمين».

كما تناول الحديث «تعزيز الأمن القومي العربي وتطوير آليات العمل العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية وتعزيز دورها الإقليمي والدولي، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجه المنطقة العربية».

وقال أحد المصادر إن فهمي في طريقه للتثبيت أميناً عاماً للجامعة العربية من خلال تصديق القادة العرب على قرار وزراء الخارجية عبر عدة احتمالات، سواء عقدت قمة في موعدها أو أُرجئت.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «في ظل صعوبات عقد اجتماع على مستوى القادة العرب، فإن المشاورات الجارية حالياً قد تفضي إلى إتمام التصديق على تعيين فهمي عبر اجتماع افتراضي».

وقال مصدر دبلوماسي عربي آخر: «الوقت الضاغط يُصعّب التحضير للقمة وعقدها قبل موعد تولي الأمين العام الجديد مهام منصبه»، مضيفاً أن «الأمور قد تتضح بعد إجازة عيد الأضحى، لا سيما مع استمرار التوتر في المنطقة وعدم الوصول إلى اتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران».

ولفت مصدر ثالث إلى «إمكانية تسلم فهمي منصبه اعتماداً على قرار من وزراء الخارجية العرب أسوة بتجارب سابقة».

السفير نبيل فهمي خلال لقائه مندوب اليمن لدى جامعة الدول العربية (صفحة نبيل فهمي على «فيسبوك»)

وكان الأمين العام الحالي أبو الغيط قد عُين بقرار من مجلس وزراء الخارجية العرب، في دورة غير عادية عقدت بمقر الأمانة العامة بالقاهرة في مارس 2016، بناء على تفويض من القادة العرب إلى رؤساء الوفود المشاركين في الاجتماع. وتسلم مهام منصبه في يوليو من العام نفسه دون الحاجة إلى عقد قمة عربية للتصديق على قرار تعيينه.

يذكر أن نبيل فهمي شغل منصب وزير الخارجية المصري في الفترة من يونيو 2013 إلى يوليو 2014، كما عمل سفيراً للقاهرة في واشنطن خلال الفترة من 1999 إلى 2008، وفي اليابان من 1997 إلى 1999. وعمل والده إسماعيل فهمي، وزيراً للخارجية في عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات خلال الفترة من 1973 وحتى 1977.